الفصل 5 : نبّاش الأعماق
في العتمة المطبقة أمامه، انفتحت عينان دائريتان، تلمعان بلون أصفر مريض وخبيث، تحدقان مباشرة إليه وهو ينجرف نحوهما بلا حول ولا قوة.
التيار المائي البارد والقذر كان يسحبه بقوة. لم يكن لديه خيار للتوقف، ولم يكن لديه يابسة ليتشبث بها. مع كل متر يقترب فيه من تلك العينين، كانت رائحة الموت تشتد، رائحة لحم متعفن، وكبريت، ورطوبة خانقة جعلت معدته تتقلص.
بصيص الضوء الخافت المتسرب من شقوق بعيدة في السقف كشف له أخيراً عن هوية صاحب العينين. لم يكن إنساناً، ولم يكن حيواناً مألوفاً.
كان “نبّاش الأعماق”. تذكر كايلين هذا الكائن من موسوعة وحوش اللعبة، وحش برمائي أعمى تقريباً، يتغذى على الجيف والمخلفات التي تلقيها العاصمة في مجاريها.
جسده مغطى بحراشف رمادية لزجة تشبه جلود الضفادع المريضة، وأطرافه طويلة ومزودة بمخالب معقوفة مصممة لتمزيق اللحم الميت.
لكن المرعب حقاً كان فمه، شق دائري مليء بصفوف متتالية من الأسنان الإبرية الشفافة، كفم سمكة الجريث لكن بحجم رأس خنزير بري.
في اللعبة، كان هذا الوحش مجرد عائق منخفض المستوى يواجهه “ليون” لجمع بعض نقاط الخبرة. لكن بالنسبة لكايلين، بجسده الهش، وساق مكسورة، وبلا سحر، وفي عقر داره المائي… كان آلة إعدام لا تُقهر.
الزمجرة الخفيضة تحولت إلى هسهسة حادة عندما التقطت حواسه رائحة دمائه النازفة من جروح الزجاج وكاحله المحطم.
“لا… ابتعد… تباً لك!”
صرخ كايلين، وبدأ يضرب المياه بيده اليمنى السليمة وقدمه اليمنى بجنون، محاولاً السباحة عكس التيار. لكنه كان مرهقاً، مصاباً، وأطرافه مخدرة من البرد القارس.
“لا أريد..العودة الى تلك الغرفة اللعينة!”
كان يتقدم بضعة سنتيمترات، ليعيده التيار أمتاراً إلى الوراء.
انبثق جسد النبّاش من تحت سطح الماء الأسود كطوربيد حي. لم يستهدف صدره أو رقبته، بل انقض بغريزته الحيوانية على الجزء الأضعف والنازف.
استقرت فكوكه الدائرية مباشرة على كاحله الأيسر المكسور.
كراااانش!
“آآآآآآآآآآخ!”
صوت تهشم العظام تحت ضغط الأسنان الإبرية كان يصم الآذان. شعر بأسنانه تخترق اللحم، وتمزق الأوتار، وتطحن عظم الساق الذي كان محطماً بالفعل.
الألم لم يكن مجرد صدمة، بل كان انفجاراً أبيض أعمى بصيرته.
لكن الوحش لم يكتفِ بالعض، لقد استخدم وزنه الكثيف للالتفاف حول نفسه، تماماً كما تفعل التماسيح لتمزيق فريستها. شعر كايلين بجسده يُسحب بعنف تحت سطح المياه القذرة.
غاص في الظلام السائل. المياه الفاسدة اقتحمت أنفه وفمه وهو يفتح شفتيه ليصرخ صرخة غارقة. طعم الوحل، والصدأ، والدماء ملأ قصبته الهوائية. كان يختنق.
النبّاش كان يسحبه أعمق فأعمق نحو قاع القناة، وأسنانه لا تزال منغرسة في ساقه، تمزق اللحم عن العظم بحركات ارتدادية وحشية.
حاول لكم رأسه اللزج بيده السليمة تحت الماء، لكن ضرباته كانت بطيئة وضعيفة بسبب مقاومة الماء، وكأنه يضرب صخرة مغطاة بالطحالب.
رئتاه بدأتا تحترقان. الحاجة الغريزية للأوكسجين جعلت صدره يتشنج في محاولات يائسة للتنفس، لكن كل ما حصل عليه كان المزيد من المياه الملوثة التي أحرقت حويصلاته الهوائية.
عيناه كانتا مفتوحتين في الظلام، جاحظتين من الرعب والألم. الرؤية بدأت تتلاشى، وتتحول إلى نفق أسود ضيق.
‘مؤلم… بارد… لا أستطيع التنفس… أرجوكم…لا…اريد…الع…’
اللحظات الأخيرة لم تكن سلمية كما يصفونها في الروايات، بل كانت فوضى من العذاب المطلق. إحساس الرئتين وهما تنفجران من الداخل، وعذاب الساق التي تُؤكل حية، وبرودة المياه التي تمتص آخر قطرة من دفء الحياة.
توقف جسده عن المقاومة، ارتخت ذراعه، وتوقفت دقات قلبه المذعورة.
وأسدل الموت ستائره السوداء عليه للمرة الثالثة.
…
[تم استيفاء شروط الموت.]
[تفعيل بركة السيادي المنسي: ‘أصداء الساعة الرملية’]
[جاري إعادة ضبط الزمن…]
…
*
الضوء. الشموع السحرية الزرقاء. السقف المزخرف بالفرسان.
“هععععق!”
انتفض كايلين على السرير الواسع، يشهق بعنف كأنه يحاول ابتلاع هواء الغرفة بأكملها، لكن الهواء لم يدخل.
سقط من على السرير، وارتطم بالأرضية الخشبية بقوة، وهو يقبض على حنجرته بكلتا يديه.
الجحيم عاد، لكنه هذه المرة كان مضاعفاً. جسده كان سليماً، قميصه الحريري الأبيض ناصعاً، والسرير جافاً.
لكن جهازه العصبي كان يعزف سيمفونية من العذاب الخالص التي جمعها من حيواته الثلاث. شعر بالخنجر المسموم يخترق صدره، وبشفرة السيف الباردة تجز رقبته من الوريد إلى الوريد، وبكاحله يتحطم تحت وطأة السقوط من الشرفة.
وفوق كل هذا… شعر بأسنان نبّاش الأعماق الإبرية تطحن عظام ساقه اليسرى، وبالمياه القذرة تغلي داخل رئتيه السليمتين وتخنقه من الداخل.
“غغاااااه… خخخخ… آآآآآه!”
تلوّى على الأرضية الخشبية. كان يسعل بشدة، يتقيأ عصارة صفراء ممزوجة بلعاب كثيف، ويضرب رأسه بالأرضية في محاولة مجنونة لتبديد الألم الشبحي الذي كان يمزق عقله.
الدموع الساخنة انهمرت من عينيه بغزارة، تبلل وجهه الشاحب. كان يبكي بحرقة حقيقية، طفولية ويائسة.
لم يعد يهتم بالقتلة، ولم يعد يهتم باللعبة أو القصة. كان يريد فقط أن يتوقف هذا العذاب.
‘دعوني أموت… فقط دعوني أموت بسلام!’
صرخ في أعماق عقله، بينما كان جسده يتشنج في نوبات لا إرادية.
الآلام المتراكمة كانت ثقيلة جداً على عقل إنسان عادي. كان يقف على حافة الجنون المطلق.
إذا استمر هذا الأمر، إذا مات مرة رابعة أو خامسة، فلن يتبقى من وعيه سوى قشرة فارغة تصرخ إلى الأبد في زاوية مظلمة.
مرت دقائق بدت كقرون. تدريجياً، وببطء شديد ومؤلم، بدأ عقله يدرك أن جسده حي ويتنفس.
تراجعت الآلام الشبحية الحادة لتتحول إلى نبضات خافتة، ثقيلة ومزعجة، تسري في أطرافه وصدره وحنجرته كأنها كدمات عميقة في الروح.
استند إلى عمود السرير الخشبي يلهث بضعف. جسده كله كان مبللاً بعرق بارد، وشعره الأسود ملتصق بجبينه.
رفع عينيه المحمرتين والمحاطتين بهالات سوداء نحو التقويم الجلدي على الطاولة
[اليوم الرابع من قمر الجليد].
عاد إلى نفس نقطة الصفر، إلى نفس الليلة الملعونة.
“هيه… هيهيهيه…”
ضحكة جافة، هربت من شفتيه. مسح وجهه بقميصه الحريري، وصفع خديه بقوة محاولاً استعادة تركيزه. الألم الجسدي الطفيف للصفعة ساعده على التمسك بالواقع.
‘البكاء لن ينقذني. الجنون لن يوقفهم.’
راجع الموقف بعقلانية باردة وميتة، عقلانية شخص مات للتو ثلاث مرات.
خيار الباب مستحيل، فالرواق مليء بالقتلة. خيار النافذة مستحيل، فالقفز سيكسر أطرافه، والهروب عبر المجاري سيؤدي به إلى فكوك النبّاش.
هو أضعف من أن يسبح في ذلك التيار، ولا يمتلك أي سلاح لقتله.
‘يجب أن أغير مساري تماماً. يجب أن أجد مكاناً في هذا القصر لا يمكن للقتلة الوصول إليه، أو سلاحاً يمكنني من النجاة.’
أغمض عينيه، واعتصر ذاكرته. هو يعرف لعبة “دموع السيادي” أكثر من المطورين أنفسهم، يعرف كل زاوية، كل سر، وكل مهمة جانبية مخفية.
لأنه في حياته الماضية كان يلعبها كثيرا منذ أن توفي والديه، كانت اللعبة التي ساعدته على نسيان ألم الفقدان.
لماذا كايلين فاليريوس منبوذ ويعيش في الجناح الغربي؟ الجناح الغربي في قصر الدوقية ليس مجرد مسكن عادي.
في خلفية قصة اللعبة، تم بناء الجناح الغربي ليعزل “برج القمر المكسور”، وهو برج قديم ومغلق تماماً منذ أجيال.
البرج كان يُستخدم من قبل أحد أجداد العائلة الذي حاول التواصل مع “السيادي المجنون”، سيادي الفوضى والظلال، وانتهى به الأمر بلعن السلالة وتلويث المكان.
تم ختم البرج بطلاسم سحرية لا يمكن اختراقها من الخارج. الدوقية وضعت كايلين، الابن الذي لا يملك سحراً واعتبروه نذير شؤم، في الغرفة الملاصقة لجدار البرج كنوع من الإهانة والتهميش.
لكن… كان هناك سر في هذه الغرفة. سر لم يكتشفه بطل اللعبة “ليون” إلا في نهاية الجزء الأول من اللعبة، عندما يعود إلى أنقاض القصر للبحث عن تراث عائلته.
هناك ممر سري داخل جدار غرفته يؤدي مباشرة إلى الفجوة الفاصلة بين القصر وبرج القمر المكسور.
وفي تلك الفجوة، توجد غرفة صغيرة بناها الجد المجنون لإخفاء بعض أبحاثه، قبل أن يتم ختم البرج الأكبر.
“هذا هو الأمل الوحيد.”
همس لنفسه، وعيناه تلتمعان بتصميم يائس.
القتلة من نقابة الظل الزاحف لا يعرفون أسرار العائلة العميقة. سيفتشون الغرفة، وسيفترضون أنه هرب عبر النافذة إذا لم يجدوه. الجدار المكتوم بسحر قديم لن يجذب انتباههم.
نهض بسرعة، متجاهلاً الوخز الوهمي في ساقه اليسرى. نظر نحو المرآة الطولية ذات الإطار الفضي المزخرف بالثعابين، هذا هو المدخل.
في اللعبة، يجب على اللاعب أن يضغط على عيني ثعبانين محددين في الإطار بالتزامن، مع توجيه تيار سحري ضعيف نحوهما لتفعيل الآلية.
ركض نحو المرآة ويداه ترتجفان بشدة. الوقت ينفد، وفي أي لحظة، ستنطفئ الشموع.
بحث في الزخارف المعقدة عن ثعابين ملتوية حول الإطار الخشبي.
‘أين هما؟ أين هما؟’
“هنا!”
وجد ثعبانين يتقاطعان عند الزاوية العلوية اليمنى. عيونهما كانت عبارة عن تجاويف صغيرة تبدو كأنها فقدت أحجارها الكريمة.
وضع إبهاميه على التجاويف. الآن، دور السحر.
في حياته السابقة، استخدم الدائرة السحرية اليتيمة في قلبه لإطلاق “جمرة وامضة”، وكان ذلك يستهلك كل قطرة من طاقته السحرية البائسة.
هل يستطيع توجيهها دون إطلاق شرارة؟ هل يستطيع دفع السحر كتيار خفي؟
أغمض عينيه، وركز على الحرارة الضعيفة في صدره. تخيل تلك الحرارة تتدفق من قلبه، عبر أوردته، وصولاً إلى أطراف أصابعه. كان الأمر مؤلماً، كدفع سائل سميك عبر أنبوب ضيق.
شعر بوخز خفيف في إبهاميه.
كلييييك…
صوت ميكانيكي خافت ومكتوم صدر من داخل الجدار خلف المرآة.
لقد نجح! دفع المرآة الثقيلة بكتفه، فانزلقت ببطء وسلاسة على مجرى حديدي مخفي في الأرضية، كاشفة عن فجوة ضيقة ومظلمة في الجدار الحجري الصلب.
كانت الفجوة تفوح برائحة الغبار العتيق، والورق المتعفن، ورائحة غريبة تشبه رائحة الدم الجاف.
وفي تلك اللحظة بالضبط… انطفأت الشموع السحرية الزرقاء في الغرفة دفعة واحدة. انخفضت درجة الحرارة، وتكثفت أنفاسه.
لقد وصلوا.
لم يلتفت كايلين، بل انسل فوراً داخل الفجوة الجدارية الضيقة، وسحب المرآة الثقيلة خلفه من الداخل باستخدام مقبض حديدي صدئ وجده مثبتاً في الجدار.
أُغلقت المرآة بصوت طقطقة خافتة، تاركة إياه في ظلام دامس مطلق، محشوراً بين جدار غرفته والجدار الخارجي للقصر.
كتم أنفاسه، وألصق أذنه بالجدار البارد المشترك مع غرفته. من الجانب الآخر، سمع صوت حركة هادئة. القاتل الأول قد تشكل.
كان يستطيع تخيل حيرته وهو ينظر إلى الغرفة الفارغة، لا زجاج محطم، لا نافذة مفتوحة، ولا باب مكسور. الهدف ببساطة تبخر.
سمع صوت خطواته تقترب من السرير، ثم تتجه نحو خزانة الملابس. كان يفتش المكان بدقة مرعبة.
كان كايلين يقف في المساحة الضيقة، وقلبه يقرع في صدره كطبول الحرب. العرق يتصبب من وجهه، وألم حنجرته الشبحي ينبض مع كل دقة قلب.
‘إذا لاحظ مجرى المرآة… إذا قرر دفعها…’
عض على باطن خده حتى لا يرتجف بصوت مسموع.
فجأة، سمع صوت فتح باب الغرفة ببطء. القاتل الثاني قد دخل من الرواق.
“هل وجدته؟”
سأل القاتل الثاني بصوت منخفض جداً، بالكاد استطاع كايلين سماعه عبر الجدار.
“لا. الغرفة فارغة. الباب كان مغلقاً من الداخل، والنافذة سليمة.” أجاب الأول ببرود. “هذا الجرذ لا يملك سحر الانتقال المكاني. لا بد أنه مختبئ هنا.”
تراجع جسده للوراء، محاولاً الابتعاد عن الجدار قدر الإمكان. يجب أن يتحرك أعمق في هذا الممر السري.
فالانتظار هنا يعني الانكشاف لا محالة، خاصة إذا استخدموا أدوات استشعار حرارية أو سحرية.
استدار في الظلام، وبدأ يتحسس الجدران الحجرية الخشنة بكلتا يديه، متقدماً بخطوات بطيئة وحذرة. الممر كان ضيقاً جداً، بالكاد يسمح بمرور شخص بالغ، وكان ينحدر ببطء نحو الأسفل.
الهواء هنا كان راكداً وثقيلاً، محملاً برائحة الزمن المنسي.
مشى لعشرات الأمتار في العتمة. صوت القتلة تلاشى خلفه تماماً، وأصبح معزولاً عن مذبحة القصر.
شعر ببعض الراحة تتسلل إلى صدره. لقد نجح، وتجاوز نقطة الموت الحتمية؛ لم تُمزق حنجرته، ولم يسقط من النافذة. ابتسم بمرارة في الظلام.
لكن… في هذا العالم، الراحة هي مجرد وهم يسبق كارثة أسوأ.
توقف عن المشي عندما لامست يده سطحاً مختلفاً. لم يكن حجراً بارداً، بل كان خشباً قديماً محفوراً، لقد كان باباً صغيراً في نهاية الممر.
دفع الباب ببطء. لم يكن مقفلاً، وانفتح بصرير طويل يمزق الأعصاب، ليدخل إلى الغرفة السرية.
كانت غرفة صغيرة دائرية الشكل. لم تكن مظلمة تماماً، ففي منتصف السقف، كانت هناك بلورة سحرية محطمة جزئياً، تنبعث منها نبضات خافتة من ضوء قرمزي مريض.
الغرفة كانت مليئة بالفوضى. طاولات خشبية متآكلة تحمل أكواماً من الأوراق الصفراء والمخطوطات المحترقة الأطراف، وزجاجات فارغة وأخرى تحتوي على سوائل لزجة ومجهولة الهوية.
في الزاوية، كان هناك قفص حديدي صدئ، داخله كومة من العظام الصغيرة التي لم يرد التفكير في ماهيتها.
لكن ما لفت انتباهه، وما جعله يأتي إلى هنا أصلاً… كان يقبع في منتصف الغرفة، على قاعدة حجرية مرتفعة.
صندوق خشبي صغير، مزين بنقوش فضية لعيون مغلقة.
في اللعبة، هذا الصندوق يحتوي على أداة ملعونة، تتركها اللعبة للاعبين الذين يمتلكون الشجاعة أو الغباء الكافي لاستكشاف هذا المكان. الأداة تُدعى “خاتم نبضات الظل”.
إنها تمنح مرتديها تعزيزاً جسدياً هائلاً، يرفع سرعته وقوته ليتساوى مع الفرسان السحريين المتقدمين.
لكن الثمن؟ الخاتم يستهلك طاقة الحياة ببطء، في اللعبة كان ينقص نقاط الصحة تدريجياً، أما في الواقع… فلم يكن يعرف ماذا سيفعل به.
لكنه كان بحاجة إلى قوة ليتمكن من الهروب من محيط القصر الذي يعج بالقتلة. تقدم نحو القاعدة الحجرية، ومد يده المرتجفة نحو الصندوق.
وقبل أن تلمس أصابعه الخشب البارد… توقف قلبه في صدره.
لم يكن بسبب الخوف، بل لأنه سمع صوتاً.
لم يأتِ الصوت من خلفه، في الممر الذي أتى منه. بل جاء من الجدار الحجري الضخم والمصمت الذي يقابله. الجدار الذي يُفترض أن يكون الختم الذي يفصله عن “برج القمر المكسور”.
كان صوتاً إيقاعياً، عميقاً، ويهتز له الغبار المتراكم في الغرفة.
بدوم… بدوم…
كان يشبه دقات قلب عملاق.
ثم… من الجانب الآخر للجدار المختوم، حيث يُفترض ألا يوجد شيء سوى الأنقاض واللعنات منذ مئات السنين…
سمع همسة، واضحة وقريبة، وكأن شفاهاً باردة تلامس أذنه مباشرة.
“أخيراً… أتى أحدهم ليشاركني الألم.”

تعليقات الفصل