الفصل 13 : قبل أن ينتهي هذا العالم ــــــ ب – وعد/نتيجة –
5. حتى عندما تنتهي تلك الحرب
ارتدين دروعاً غير رسمية فوق بزاتهن العسكرية، ورُبطت سيوفٌ كبيرة بشكل مربك على ظهورهن. هكذا أنهت الفتيات الثلاث استعداداتهن للمعركة.
“حسناً إذاً، سنعود لاحقاً!” لوحت آيسيا بابتسامتها المعتادة.
“… مم.” أومأت نيفرين برأسها قليلاً.
كانت كوتوري الوحيدة التي لم تلتفت إلى الوراء، ولم تنطق بكلمة واحدة. كانت القلادة الفضية على صدر بزتها تلمع ببريق باهت، وكأنها هي من تتحدث بدلاً عنها.
وهكذا، انطلقت الجنيات الثلاث محلقات، وذابت ظلالهن في ضوء الغروب.
*
“… يا صاح، هل أنت أحمق؟!”
كانت تلك أول كلمة نطق بها غليك بعد سماع القصة.
“لماذا قطعت كل هذه المسافة إلى هنا؟ فقط لتأكل معي؟!”
“لماذا؟ لقد أخبرتك للتو. أنا أقدم لك تقريرا عن حالتي وأعبر عن شكرِي.”
“كان يمكنك فعل ذلك في أي وقت آخر حرفياً! ألا تفهم أن الآن يُسمى ‘الآن’ لأن ‘الآن’ لا يوجد إلا ‘الآن’؟!”
“… أعني، هل تفهم أنت حتى ما تقوله؟”
“أنا لا أهتم بنفسي! نحن نتحدث عنك أنت! أنت!!”
حسناً، كان ذلك صحيحاً. وبقليل من الارتباك بسبب سخط صديقه الـبوغارد غير المتوقع، أمال ويليم كوب قهوته المالحة.
“رأسي ممتلئ بالفعل لمعرفتي بوجود ضحايا ودراما خلف ظل السلام في ريغول آير، سحقاً. أعني، حتى لو لم أكن أعلم، فمهمة الحرس هي سفك الدماء، وكلما فكرت في الأمر، كان ينبغي أن يكون الأمر مفروغاً منه، لكن تخيل الأمر وسماعه يختلفان تماماً. أشعر وكأن خطيئة الجهل ستسحقني، وأريد الذهاب ومعانقة هؤلاء الأطفال الآن— وما خطب وجهك المخيف هذا؟”
“لا شيء.”
وبينما كان ويليم يتلقى تلك النظرة الشرسة التي قد تدفع الأطفال الخجولين للبكاء يقيناً، أفرغ كوبه. تنهد غليك تنهيدة ثقيلة.
“سمعتُ أنه عمل خفيف وسهل، لذا عرضته عليك. وسواء كانت فكرة جيدة أم لا في النهاية، فمجرد التفكير فيما كان سيحدث لو لم أعر الأمر اهتماماً وأعطيته لشخص آخر يجعلني أشعر بالخوف.” ثم تجرع قهوته.
“… و. لماذا أنت هنا؟”
“لا أدري ماذا أقول، لكنهن سيقاتلن غداً على الجزيرة رقم 15 وسيستمر ذلك لأيام. لن نحصل على أي مراسلات إلا بعد وقت طويل. ليس هناك الكثير مما يمكنني فعله الآن.”
“ليس هذا ما أقصده! هذا عادة هو الجزء الذي تقلق فيه لدرجة أن الطعام لا ينزل في حلقك ولا تستطيع النوم ليلاً! فلماذا أنت عازم جداً على تمضية الوقت وكأن شيئاً لا يحدث؟!”
“القلق الآن لن يغير فرصهم في النصر. لقد أخبرتهم بكل ما يمكنني قوله حتى يوم أمس، وضبطتُ أسلحتهم العتِيقة بأفضل ما أستطيع. ومع ذلك، فإن فرصهم في الفوز بأمان تزيد قليلاً عن النصف فقط. إذا سمحتُ لنفسي بالبدء بالقلق، فلا أعتقد أن جسدي سيحتمل ذلك.”
“يا رجل، هناك خطأ ما هنا. ليس من المفترض أن تشك في نصرهم!”
“إنه ضد مبادئي أن أشيح بنظري عن الواقع.”
“ما أقوله هو أنه لا يفترض بك أن تشيح بنظرك عن الأمل والأحلام! القلب المؤمن قد يمتلك قوة غامضة، أتعلم ذلك!”
“الجميع يعانون لأن الأمر ليس كذلك. لا يمكنك العودة إلى أرض الواقع عندما يحدث شيء غير متوقع إذا أقنعت نفسك بيأس أن تلك القوة موجودة. أحتاج أن أكون قادراً على قبول أي شيء يحدث لهن، خاصة وأنني أؤمن بهن حقاً.”
“يا لك من شخص محبط! أين الشغف المتقد في كلماتك؟!”
“أعتقد أنني لستُ من نوع الأشخاص الذين خُلقوا لحياة الاستكشاف وجمع الآثار.” ضحك ويليم ونهض من مقعده.
“ماذا؟ هل لديك شيء لتفعله؟”
“أجل، أحتاج فقط لشراء بعض المكونات.”
“يا رجل… هل أنت جاد حقاً بشأن عيش حياتك وكأن شيئاً لا يحدث؟”
“بكل تأكيد. فهناك فتيات يقاتلن هناك من أجل هذه الحياة.”
صمت غليك. وبكلمة وداع، نهض ويليم عن كرسيه، لكنه… “أوه، صحيح.” تذكر أن لديه شيئاً واحداً ليسأل عنه فتوقف.
“هيي. هل تعرف مكاناً يمكنني فيه الحصول على الزبدة والدقيق بسعر رخيص هنا؟”
*
بعد ذلك، عاد ويليم إلى مستودع تحالف أورلاندري رقم 4.
“ويلي!!”
لاحظته الفتيات الصغيرات اللاتي كنّ يطاردن كرة في الحديقة، وهرعن نحوه جميعاً.
“أين كنت؟ لقد كنا نبحث عنك.”
“اممم، هل تمانع في اللعب معنا؟ لقد مر وقت طويل.”
“لم نسمع منك مؤخراً، بما أنك كنت مصاباً وما إلى ذلك. لذا لن أعاقبك إذا لعبت معنا اليوم.”
رحن يشددن أكمامه، ولكن—
“آسف. لدي شيء أحتاج للقيام به اليوم.”
“أوووه،” تعالت صيحات الاعتراض.
“في المرة القادمة.”
تاركاً الشكاوى خلف ظهره، توجه مباشرة نحو المطبخ. راح يقلب في ذهنه جميع وصفات الحلويات البسيطة المحببة للأطفال الصغار، حتى وجد الصفحة الخاصة بـ كعكة الزبدة.
لم ينجح ويليم في ضبط هذه الوصفة تماماً في الميتم من قبل (لأن محاولاته كانت توضع دائماً في مقارنة ظالمة مع ما تصنعه ابنته)، لذا كانت التفاصيل مشوشة في ذهنه. لكنه سيتمكن من فعلها بطريقة ما؛ فلديه متسع من الوقت للتدريب، وكان واثقاً من أن مجرد ملعقة كبيرة من الحب كفيلة بتغيير النكهة جذرياً.
“أ_ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب_ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ_ي”
فجأة. ومن مكان ما. خُيّل إليه أنه سمع صوتاً.
“… ألماريا؟”
التفت حوله، ورفع بصره نحو السماء. بالطبع، لم يكن هناك أحد. خلف تدرجات القرمزي والبرتقالي التي صبغت السحب الحريرية… لم يعد لصاحبة ذلك الصوت وجود في هذا العالم. لقد غادرت دون أن ترحب بعودة الشخص الذي ظلت تنتظره، تنتظره وهي تخبز كعكات الزبدة في الميتم.
وهو، لم يعد أبداً.
“أنا آسف.”
تحذير: هذا الفصل مسروق إذا كنت لا تقرأه الآن على موقع مـركـز الـروايـات الأصلي. markazriwayat.com
شعر وكأنه يرتكب شيئاً فظيعاً. ولم يكن الاعتذار لـ ألماريا وحدها، بل اعتذر لرفاقه الذين قاتل إلى جانبهم آنذاك أيضاً، ولأفراد العائلة المالكة الذين ودعوهم بتوقعات عالية جداً.
لماذا لم يمت معها ومع الآخرين؟ وعلاوة على ذلك، لماذا لم ينهِ حياته بمجرد أن استيقظ في هذا العالم؟ ألا يُعد عيشه الآن خيانة لكل الوعود التي قطعها ذات يوم؟
ومع ذلك. كان يعلم كل هذا، ولكن الآن—
“أنا آسف حقاً، حقاً.”
أحنى رأسه للسماء. لم يكن له موطن في هذا العالم، ولكن إذا كان هناك شخص ما هناك سيكون هو موطنه… فإنه سيبقى حتى يتمكنوا من الترحيب بعودته.
ومع استقرار هذا القرار في قلبه، مد يده ليرتدي مئزره.
قبل أن ينتهي هذا العالم ____ ب
ـ وعد/نتيجة ـ
في ظلمة الليل.
دوّى عواءُ وحشٍ وحيد في قلب الامتداد الرمادي.
لم يكن صوتُه يَهُزُّ الهواء ليُحدِث ما نُسمِّيه نحن صوتًا. وبالطبع، لم يكن ثمّة كائنٌ حيّ واحد يقع في مدى ندائه. لذا لم يوجد من يسمع صوت الوحش—شونتور*، الوحش الأول الذي ينوح للقمر—أو يفهمه.
(*بالترجمة الانجليزية Chaunteur وتعني “النائح” أي الذي ينوح وهي كلمة فرنسية تقريبا)
ومع ذلك، واصل الوحش عواءه.
صوتٌ بلا معنى، لن يبلغ روحًا قط، بلا كللٍ ولا يأس، بل ومن غير إدراكٍ لتلك المفاهيم أصلًا—إلى الأبد.
وبالمناسبة، قد تبدو هذه الأرض الرمادية من العلاء في ريغول آير وكأنها صفحةٌ واحدة متشابهة، غير أن النزول إلى سطحها يكشف، على نحوٍ مدهش، عن ثراء تضاريسها المصون.
كثبانٌ متموِّجة حيث كانت تقوم تلالٌ يومًا ما.
قممٌ رمادية في مواضع جبالٍ شاهقة اندثرت.
وأطلالٌ تحتفظ ببقايا مبانٍ حجرية كانت شامخةً في مكانها.
ولهذا كان المنقّبون يشقّون طريقهم بين تلك البقايا، يبحثون عن آثار حضارةٍ فُقدت منذ أمدٍ سحيق.
والآن، لنتحدّث عمّا كان يرقد عند قدمي الوحش العاوي.
لقد قامت هناك بلدةٌ صغيرة قبل ما يزيد على خمسمائة عام. لم تكن مزدهرةً على نحوٍ خاص، ولا عُرفت بصناعةٍ تميّزها، غير أنها تمتّعت بتاريخٍ عريقٍ مُهاب.
من الشوارع المرصوفة بالحجارة، إلى الأشجار المصطفّة على جانبيها، إلى المسرح، إلى محطّات العربات، إلى الشقق الرخيصة—كلّها كانت تحمل مسحةً من الوقار، كأنها تُجسِّد كبرياء قرونٍ ظلّت واقفةً في مكانها.
على أطراف البلدة قامت ذات يوم دارُ أيتامٍ صغيرة. كانت قد حُوِّلت من روضةٍ عتيقة تعود إلى أزمانٍ سحيقة، ولهذا حمل المبنى هو الآخر عبقَ تاريخٍ طويلٍ حافل.
وبعبارةٍ أخرى… كان واهيًا متداعيًا.
كلما هطل المطر، وكلما عصفت الرياح، كان من أقاموا فيه يهرعون بالألواح والمطارق، يسابقون الخراب.
كان عدد سكان البلدة يقارب ثلاثة آلاف نسمة. أما دار الأيتام، فلم تضمّ سوى عشرين طفلًا.
كان ذلك قبل خمسمائةٍ وستةٍ وعشرين عامًا.
أما مشهد تلك الأيام، فلم يَعُد قائمًا إلا في ذاكرةِ شخصٍ بعينه.
والآن…
كان الوحش يعوي.
يواصل إطلاق صرخته الهائمة بلا وجهة.
دعني أُحرق عليك أمرًا.
في زمن شيوخ الإلف، كان يُقال إن أفراد جماعتهم يستطيعون التواصل عبر أرواحهم من غير أن يُحَرِّكوا الهواء.
وما كان يفعله الوحش شبيهٌ بذلك إلى حدٍّ بعيد—
نوعٌ من التخاطر لا يتلقّاه إلا من كان من العِرق ذاته، ومن عقلٍ مماثل.
وكانت الوحوش السبعة عشر، كلٌّ منها من عِرقٍ مختلف.
لم تكن كلمات شونتور تبلغ سوى شونتور.
فهو الوحيد من نوعه.
كائنٌ يوشك—في جسدٍ واحد—أن يبلغ تخوم* الفناء المطلق.
ولو جال المرء أرجاء العالم بحثًا، لما وجد شيئًا يستطيع أن يدعوه قرينًا له.
ولهذا لم يكن لصوت هذا الوحش مقصد.
لم يكن ثمة من يسمع نحيبه.
منذ أن ظهر في هذا العالم، لم يفعل سوى ذلك.
وسيواصل إنشاد صرخته الصامتة.
“أ_ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب_ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ_ي”
صوتُ الوحش الذي لا قرين له.
لم يبلغ أحدًا.
لم يتردّد صداه في أحد.
بل تلاشى فحسب في اليباب* الرمادي.
*أي الخلاء أو الأرض القاحلة الخالية من العمران والحياة.
* جمع تَخْمٍ. وتعني الأطراف أو الحدود أو عند مشارف شيء ما.
نهاية المجلد الأول.
لأي شخص مهتم بهذا العمل، أرحب بكل الانتقادات والآراء.

تعليقات الفصل