الفصل 2 : في عالم الشفق هذا -ساعة الكرونو المكسورة-
في عالم الشفق هذا -ساعة الكرونو المكسورة-
ــــ مر وقت طويل.
1. القطة السوداء الهاربة والفتاة الرمادية.
اندفع القطّ الأسود ركضًا. كانت عَدْوته خاطفةً مهيبة؛ انساب عبر الأزقّة الضيّقة، وثب فوق الأسوار، وقفز إلى أغطية الأكشاك الممتدّة كالأجنحة على واجهات السوق. كان هذا المنعطف يُلقَّب بـ«مزيج السوق»—وقد أُريد له في الأصل أن يكون مساحةً مخصّصة لسوق كبير مفتوح يُقام مرّةً في الشهر، غير أنّ التوسّع العشوائي المتواصل وإعادة بناء المباني المحيطة به انتهى إلى تحويله إلى متاهةٍ هائلة. من لا يعرف المكان قد يتيه فيه لمجرّد أن يمشي عبر الحيّ، أمّا ذلك القط فقد شقّ طريقه مستقيمًا بكلّ ما أوتي من قوة.
لماذا كان يركض؟ ليهرب. وممّن كان يهرب؟ من صيّادة.
«تمهل! الآنننننن!» صرخت الفتاة التي تطارد فريستها. اندفعت عبر الأزقّة الضيّقة، واجتازت الأسوار، وتدحرجت عن أعلى أغطية الأكشاك (مستثيرةً سخط الباعة في كلّ مرّة). كانت عيناها الزرقاوان الباردتان مثبتتين إلى الأمام بلا رحمة، لا تريان سوى ذيل القطّ الأسود وهو يتلاشى بعيدًا.
بدت الفتاة عاديّة الملامح. كانت تضع قبّعةً كبيرة بلون رماديّ يشبه لون الفأر، مُسدلةً على عينيها، وترتدي معطفًا باللون نفسه. لعلّ هذا اللباس اختير كي لا يلفت الانتباه، لكن لا جدوى من ذلك وهي تصيح بأعلى صوتها وتركض بكلّ طاقتها.
«قلتُ! تمهللل!»
وأثناء ركضها كانت خطواتها تثير زوابعَ من الغبار، وتُطيح بعلبِ طلاءٍ فارغة، فيما يرفرف معطفها خلفها بعنف تحت هبوب الريح.
بقالٌ من الأورك، صانعُ سجادٍ من شعب السحالي، عابرُ سبيلٍ من المستذئبين… كمٌّ هائل من أصناف الناس. كلّهم التفتوا بعيونٍ متسعة يراقبون الفتاة وهي تشقّ البلدة اندفاعًا.
ثم توقّف القطّ الأسود فجأة.
«أمسكتُككك!» صاحت الفتاة، ظانّةً أن الفرصة قد سنحت، فقفزت إلى الأمام. ولعلّ القطّ أحسّ باقترابها، لأنه في تلك اللحظة استدار نحوها. لمع شيءٌ فضّي في فمه. مدّت الفتاة ذراعيها معًا واصطدمت بفريستها وجهًا لوجه، وأخيرًا قبضت على القطّ الأسود.
لكنها في الحال أحسّت بإحساسٍ غير طبيعي: إحساسٍ بالطَّفو. لم يكن تحتها شيء.
«هاه؟»
كان «مزيج السوق» متشابكًا على نحوٍ معقّد، بلا تمييزٍ واضح بين أيّ اتجاهٍ وآخر. لم يكن غريبًا أن يتحوّل طريقٌ مستوي فجأةً إلى سطحِ مجمّعٍ سكني.
«ماذا؟»
رأت السماء الزرقاء، تتناثر فيها سُحُبٌ بيضاء هنا وهناك. وهي لا تزال متشبّثةً بالقطّ الأسود، اندفعت الفتاة طائرةً عبر فراغٍ خالٍ، لا شيء تتمسّك به. وتحتها مباشرةً لمحت شارع «أكشاك القصدير»، رقم 7، في الجهة الغربية. كان بينها وبين الزقاق الضيّق أسفلها نحو أربعة طوابق، وعلى جانبيه أكشاكٌ يغلُب عليها بيع القدور والسكاكين.
«لااا…!» شدّت الفتاة جسدها بكلّ ما فيها. أحاط بإطارها الصغير بريقٌ خافت شبيه بالفسفور. لو كان هناك من يملك موهبة «البصيرة» لربّما رأى الـفينيوم في داخلها يحاول أن يتّقد كاللهب. وللاحظ أيضًا أنّ ما تحاول إنجازه بذلك السحر لن يكون جاهزًا في الوقت المناسب.
كان السحر مثل النار: لا يُصنع الكثير منه بشرارةٍ صغيرة، أمّا حين تعلو ألسنة اللهب وتزمجر فيمكن حينها تسخيرُ قوةٍ عظيمة—غير أنّ إشعال نارٍ بتلك الضخامة يحتاج إلى وقتٍ وطاقة لتغذيتها. ولهذا لم يكن السحر مناسبًا عندما يتعلق الأمر بمواقف يتطلّب فيها ردّات فعلٍ خاطفة وسريعة.
بدأت الفتاة والقطّ بالسقوط. انسلخ الضوء عن جسد الفتاة، وظلّ معلّقًا في الهواء عبثًا كثمرةٍ متدلّية، ثم تلاشى سريعًا. لم يكن لديها وقتٌ لتصرخ. الشوارع المرصوفة بالحجارة، التي بدت قبل لحظاتٍ بعيدةً في الأسفل، أخذت تكبر في عينيها بسرعة. توتّرت ذراعاها لا إراديًّا. أطلق القطّ الأسود صرخةَ فزع. أطبقت الفتاة جفنيها بإحكام. ومع اقتراب الأرض—
ـــــــ
كانت هناك فتاةٌ تهوي من السماء. بدت في عمر مراهقةٍ صغيرة. على ما يبدو أنها سقطت من علوٍّ شاهق وقد اكتسبت بالفعل سرعةً كبيرة. وبذلك المعدّل، كان سقوطها سينتهي بارتطامٍ مدوٍّ على الطريق المرصوف، نهاية لا تليق بهدوء ظهيرةٍ مسالمة كهذه.
هذا هو المشهد الذي ملأ ذهنه في اللحظة التي رفع فيها بصره نحو الأعلى بلا قصد. تحرّك جسده من تلقاء نفسه. اندفع إلى الموضع الذي ستسقط فيه، وبسط ذراعيه على اتساعهما ليلتقطها. لكن الجسد هبط بقوةٍ أكبر ممّا توقّع، ولم تكن شيئًا تستطيع ذراعا ويليم الواهنتان تحمّله.
كانت النتيجة واضحة.
«غااه!!»
في لمح البصر كسر حدّة سقوطها، فانطرح تحتها وانحشر أسفلها، ينعق كضفدعٍ مسحوق.
«…آآآه…» أنَّ متوجّعًا بصوتٍ معصور من أعماقه.
وبعد ثوانٍ قليلة بدا أنّ الفتاة أدركت أخيرًا ما حدث، فقفزت عنه على عجل.
«أ-أنا آسفة!! ه-هل أنتَ بخير؟! هل تأذّيت؟! هل أنتَ حيّ؟! هل أحشاؤك ما زالت في مك— أوه.»
قفز قطٌّ أسود وحيد من بين ذراعيها المرتبكتين. مدّت يدها غريزيًّا لتلحقه، لكن أصابعها لم تمسك سوى الهواء. وبينما تحدّق في ذهول، اختفى الحيوان الصغير داخل الزحام.
«آآآااااه!!»
بعد صرختها تلك، تنبّهت الفتاة إلى كيف تبدو في أعين الناس. لعلّ ذلك حدث وهي تعدو بأقصى سرعتها، أو أثناء سقوطها الحرّ، لكن القبّعة التي كانت ترتديها قد اختفت. وانسدل شعرٌ بلون أزرق سماوي فاقع تحت كتفيها.
«—هيه، انظروا إليها.»
استطاعت سماع تلك الهمسات تأتي من مكانٍ ما. توقّف أصحاب الدكاكين والمارّة على حدّ سواء في شارع «أكشاك القصدير»، رقم 7، في الجهة الغربية، وأهملوا أشغالهم ليوجّهوا انتباههم جميعًا إلى شعر الفتاة ووجهها.
عاشت أعراق متنوعة كانت ترتبط يوماً بصلة قرابة مع الزوار في ريغول آير. وبطبيعة الحال، تميزت جميعها بمظاهر مختلفة؛ فمنهم من كان يملك قروناً، أو أنياباً، أو حراشف، إلى جانب تشكيلة متنوعة من الأجزاء الحيوانية على وجوههم. ولكن من بين هؤلاء، وُجد أشخاص لا يملكون قروناً ولا أنياباً ولا حراشف — دون أي سمات تشبه الحيوانات على الإطلاق. ورغم أن عددهم كان قليلاً، إلا أنهم كانوا موجودين بالفعل. تلك الأعراق التي تفتقر إلى “سمات” يمكن تمييزها بسهولة، كان يُطلق عليها بالعامية اسم “عديمي الملامح” (Featureless).
«لماذا هي هنا؟»
«تس… يا لسوء حظ هذا اليوم.»
«أوه…»
كان عديمو السمات يُعاملون في الغالب كمنبوذين. والسبب أنّهم يشبهون، في نظر الناس، العِرق الأسطوري المعروف بـالإمـنيتويت، ذلك العِرق الذي يُقال إنه دمّر سطح العالم وأجبر جميع الكائنات الحيّة على اللجوء إلى السماء منذ زمنٍ بعيد.
تقول العقيدة الأكثر جوهرية في الفكر السحري إن التشابه الخارجي يشير بطبيعة الحال إلى خصائص متماثلة. وبناءً على هذا المنطق، اعتبر الغالبية أن عديمي الملامح منحوسون وغير أنقياء. ورغم أن الاضطهاد العلني لم يكن شائعاً، إلا أنهم لم يملكوا الكثير لفعله تجاه المعاملة الدونية التي يلقونها..
ثم إنّ حقيقةً مؤسفة—لا شأن لها بالفتاة ذاتها، لكنها زادت الموقف سوءًا—كانت عالقةً في الأذهان.
فالعمدة السابق لهذه البلدة كان مثالًا صارخًا للسياسيّ الفاسد. بدأت حكايته بالرشاوى، ثم تطوّرت إلى التستّر على الإكراه والجرائم، وانتهت في آخر المطاف إلى اغتيال خصومٍ سياسيّين. وعلى امتداد تاريخ هذه المدينة بوصفها وكرًا للفساد، تعرّض كثيرٌ من الناس والأشياء للظلم. وفي النهاية أجرى البرلمان المركزي تحقيقًا ونفى العمدة خارج الجزيرة. وبعد ذلك عاش الجميع في سعادةٍ إلى الأبد… لكن عند تلك النقطة ظهر أيضًا واقعٌ مفاده أن كونَ العمدةِ السابق—الذي لحقته الفضيحة—عِفريتًا مشكلةً بحدّ ذاته. فالعفاريت كانت نوعًا من الغيلان عاش في الأزمنة الغابرة متخفّيًا بين الإمـنيتويت ليستدرج ضحاياه إلى الرذيلة؛ ولذلك كانت العفاريت، مثلهم، بلا قرونٍ ولا أنياب ولا حراشف—عديمةَ السمات.
ومنذ ذلك الحين، كلّما رأى أهل البلدة أحدَ عديمي السمات لم يستطيعوا إلا أن يتذكّروا الغضب والضغينة اللذين يكنّونهما لذلك العمدةِ السابق. كان أمرًا فظيعًا.
وكما قد يتوقّع المرء، لم يكن أحدٌ يضطهد عديمي السمات علنًا. ومع ذلك، فإنّ النظرات الشائكة التي أحاطت بالفتاة الغضّة وتعلّقت بها لم يكن يمكن وصفها بالمُريحة.
«أ-أنا أعرف… سأرحل قريبًا…» قالتها كأنها تُطارَد بنظراتهم فتُدفَع دفعًا إلى خارج المكان. نهضت استعدادًا للفرار.
لكنها لم تستطع.
كان ويليم ما يزال مستلقيًا على ظهره، وقد أحكم قبضته حول معصم الفتاة.
«مـ… ماذا؟»
قال: «لقد نسيتِ شيئا»
وأشار إلى يده الأخرى، اليد التي لم تكن تمسك بها. رفعت الفتاة كفّها المفتوح ببطء، فألقى فيها قلادة صغيرة.
«أوه.»
قال: «ذلك القطّ الصغير أسقطه. أكنتِ تطاردين هذا؟»
أومأت مرتين.
«شكرًا… لك.»
وبتردّدٍ ضمّت يديها حول القلادة وأخذتها.
سألها: «أأنتِ جديدةٌ هنا؟»
أومأت مرةً أخرى.
«…أفهم. يبدو أنه لا مفرّ من ذلك.»
نهض ويلم، ثم خلع عباءته وألقاها فوق الفتاة من دون أن يسألها حتى. ومع اختفاء قلنسوته انكشفت هويته هو للمتفرّجين. عندها تحوّلت الهمهمات والنظرات اللاسعة إلى ويلم هذه المرّة.
«مـ… ماذا؟»
لا أحد يرى على وجه الدقّة كيف يبدو للآخرين. لكن ويليم—بالطبع—كان واعيًا تمامًا بمظهره. كان يعرف بالضبط ما الذي يستدعي تحديق ذلك الجمع… وما الذي جعل الفتاة، التي كانت تحدّق إليه ببلادة من تحت عباءته، تتسمر هكذا.
كان شابًّا عاديًّا بشعرٍ أسودَ أشعث. بلا قرونٍ ولا أنيابٍ ولا حراشف.
قال: «هيا بنا.» ثم أمسك يد الفتاة واندفع يعدو بخطًى سريعة.
«م-م-ماذا—؟» تمتمت الفتاة بتلعثمٍ حائر، عاجزةً عن استيعاب ما يجري تمامًا، لكنها مع ذلك لحقت به مسرعة. ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى اختفيا عن الأنظار.
«…حسنًا. هذا يكفي على الأرجح.»
دخلا متجر قبّعاتٍ قريبًا واشترى أقرب قبّعةٍ تقع عليها اليد. وضعها على رأس الفتاة دفعةً واحدة. بدت أكبر قليلًا من مقاسها، لكنها لائمتها أكثر ممّا توقّع. أومأ ويليم، راضيًا، ثم استعاد عباءته.
«أ-أم… هذا…؟» وبعد أن نفّذت كلّ ما قيل لها حتى تلك اللحظة، سألته الفتاة بتردّد.
قال: «لن يعرف أحدٌ أنكِ عديمةُ السمات إذا ارتديتِ هذا.»
كان عديمو السمات مثل ويليم والفتاة يُنبذون عادةً، لا لأن الناس يكرهونهم أو يبغضونهم حقًّا، ولا لأنهم يُعاملون دومًا بذلك القدر من الاحتقار؛ فكلّ ما يفضحهم هو افتقارهم الظاهر للسمات المميّزة. ما داموا لا يلفتون الأنظار كثيرًا فلن تُثار حولهم جلبةٌ كبيرة.
«لا أعرف من أيّ جزيرةٍ عائمة جئتِ، لكنهم هنا لا يحبّون عديمي السمات كثيرًا. أسرعي وأنهي ما جئتِ من أجله وارجعي إلى بيتك. الميناء من هناك.» وأشار إلى أسفل الطريق. «وإن كنتِ قلقةً على سلامتكِ فسأجرّكِ إلى هناك جرًّا.»
«أم… ل-ليس الأمر كذلك تمامًا.»
كان ويليم طويلَ القامة نسبيًّا لسنّه، بينما كانت الفتاة أمامه صغيرة الحجم. وفوق ذلك، كانت القبّعة التي وضعها على رأسها ذاتَ حافةٍ عريضة—باختصار، لم يكن يرى وجهها. كان ذلك مثاليًّا للتنكّر، لكنه في الوقت نفسه منع كليهما من رؤية الآخر، فتعطّل التواصل بينهما في تلك اللحظة.
«أنتَ… عديم سمات؟»
«أجل. كما رأيتِ.» أومأ قليلًا تحت قلنسوته.
«ولماذا يوجد عديمُ سماتٍ في حي مليء بالسيميفر*؟ هذه الجزيرة أقسى مكانٍ في الركن الجنوبي الغربي كلّه من ريغولي آير، كما تعلمين.»
*(كل المخلوقات الي عندها فرو تقريبا)
قال: «البيتُ حيثُ تصنعينه. نعم، هناك كثيرٌ من المتاعب، لكنه ليس سيّئًا إلى هذا الحدّ حين تعتادين… لكن إذا كنتِ تعرفين ذلك مسبقًا، فلماذا أتيتِ إلى هنا إذن؟»
«هذا… أم…» تلعثمت وتوقّفت.
لو صمتت هنا، لشعر أنه يضغط عليها. نقر لسانه نقرةً خافتةً لا تكاد تُسمع، ثم قال: «من هنا.» ومضى.
لكن الفتاة لم تتبعه.
التفت وقال: «ما بكِ؟ سأترككِ خلفي.»
«أ-أم.» ومع أن وجهها ظلّ نصفَ مخفيٍّ خلف القبّعة، خرج صوتها متشبّثًا بالرجاء: «شكرًا لكلّ ما فعلت. وأنا آسفة لأنني سبّبت لك كلّ هذا الإزعاج. و… وأنا أعرف أن الوقت ليس مناسبًا حقًّا لأطلب المزيد، لكن… أم…»
«…آه.» حكّ رأسه. «هل هناك مكانٌ تريدين الذهاب إليه؟ أخبريني.»
أشرق وجه الفتاة—أو هكذا خُيّل إليه. لم يكن يرى إلا نصفه السفلي، فصعب عليه الجزم.
كانت الطرق حول «مزيج السوق» عسيرةَ الفهم. فالشوارع لا تؤدّي بالضرورة إلى الأماكن التي تراها في البعيد. ولم يكن غريبًا أن يضلّ المرء بعد التفافٍ وراء التفاف.
وكانت «برج الخردة» أعلى نقطةٍ في الجزيرة. وصل ويليم والفتاة إليه أخيرًا بعد تيهٍ طويل، فيما كانت خطواتهما تُحدث طَنينًا معدنيًّا عاليًا فوق ألواحِ معدنٍ رخيص كانت تكسو الأرض كالسجاد. وعلى الرغم من ادّعاء ويلم أنه من أهل المكان، فإن معرفته بالمنطقة لم تساعد إلا مساعدةً ضئيلةً جدًّا.
سألا غولم (Golem) عامًّا عن الاتجاهات، ثم تعثّرا بطريقٍ قيل إنه ثلاثيّ التفرّع، ليتبيّن أنه ينقسم إلى خمسة. وانتهى الأمر بويليم قابضًا على رأسه حيرةً وهو يزيح الستائر كلّها في المكان فلا يعثر إلا على ضفدعٍ يستحمّ، ثم طُرد بعدها على يد ثورٍ هائجٍ منفلت.
وبعد أن ركضا يمينًا ويسارًا لتفاديه، وجدا نفسيهما—على نحوٍ ما—يسقطان في سقف كوخِ دجاج. حطامُ هبوطهما كسره، فاعتذرا لرجلِ الكرة(?ballman) وهو يصرخ، ثم لاذا بالفرار سريعًا.
«هاهاهاها، يا لها من رحلة!» قالت الفتاة، وقد صار حديثها أكثر ارتياحًا وألفةً وهما يجوبان البلدة ركضًا. كان من الصعب الجزم إن كانت تلك هي شخصيتها الحقيقية، أم أنها انساقت مع تيّار التجربة كلّها؛ لكن على الأقل بدا عليها الآن ما يليق بعمرها أكثر، مقارنةً بانكماشها وترددها في وقتٍ سابق.
ثم—
«واااو.»
خرجت دهشتها مسموعة وهي تميل فوق الدرابزين الذي بدا كأنه أُقيم على عجلٍ كفكرةٍ لاحقة.
كان المنظر بديعًا. فمن هذا الموضع المرتفع، بدت البلدة التي كانت—عن قرب—فوضى كاملة، وكأنها نقشٌ بالغ الدقّة. ولأنها تمدّدت على نحوٍ عضويّ ولم تُخطَّط تخطيطًا صارمًا قط، راحت الشوارع تلتوي وتتعرّج بجنون. غير أنّ النظر إليها من الأعلى جعل الكتلة برمّتها تبدو كأنها كائنٌ حيّ حقيقي.
وأبعد قليلًا في الأفق كان المرفأ. جزءٌ من حافة الجزيرة العائمة مُغلّفٌ بالمعدن ومجهّز بكلّ ما يلزم لدخول السفن الجوية وخروجها، كأنه بوابةُ تلك الرقعة من الأرض. ثم، ممتدًّا وراء ذلك بطبيعة الحال، كانت سماءٌ زرقاء عميقة.
كانا في العلوّ. أمّا العالم الذي كان يُسمّى يومًا «الأرض» فبعيد… وبكثيرٍ من المعاني، بعيدٌ عن متناول اليد. مئاتُ الألواح الحجرية الهائلة كانت معلّقةً في السماء، تتدافع بلا مقصدٍ واضح، تعبث بها الرياح كما تشاء. هذه الشذرات الصغيرة من اليابسة، التي تُسمّى «الجزر العائمة»، هي حدود العالم الذي يستطيع «الناس» أن يعيشوا فيه.
«…هل هناك خطب ما؟» رفعت الفتاة بصرها إلى وجه ويليم.
قال: «لا، لا شيء. فقط… كأن زرقة السماء غاصت في عينيّ أو شيء من هذا القبيل.» هزّ رأسه هزّةً خفيفة، وارتسمت ابتسامته اللطيفة المعتادة من جديد.
«وما معنى هذا؟» ضحكت الفتاة، ثم التفتت حولها لتتأكد ألا أحد قريب، ورفعت قبّعتها عن رأسها.
«أهذا ما أردتِ أن ترينه؟»
«نعم. لقد رأيتُ الجزر من قبل من علوٍّ أبعد ومسافةٍ أبعد، لكنني لم أنظر قط إلى البلدة من الداخل وأنا أطلّ عليها من فوقها حتى الآن.»
لابدّ أنها من إحدى الجزر الخارجية، فكّر ويليم حين سمع ردّها.
«كنتُ أريد أن أرى هذا ولو مرّةً واحدة. مم-هم. تحقّق حلمي، وصنعتُ ذكرياتٍ جميلة—لذا لا أظنّ أن في قلبي أيّ ندمٍ بعد الآن.»
يا له من كلامٍ مشؤوم، خطر بباله.
«شكرًا لك على كلّ شيءٍ اليوم. حدثت أشياء رائعة كثيرة. وكلّ ذلك بفضلك.»
«هذا كثيرٌ قليلًا.» قالها وهو يحكّ مؤخرة رأسه.
بالنسبة إلى ويليم، بدا الأمر وكأنه لم يفعل سوى أن رافق قطة غريبةً التقطها من ناصية شارع في نزهة. كان لديه وقتٌ فراغٍ فحسب، فاستجاب لنزوةٍ كان سيهملها عادةً. ولهذا شعر بشيءٍ من الحرج وهو يتلقّى شكرًا صادقًا على أمرٍ تافهٍ إلى هذا الحد.
«…إذن، هل ذاك الرجل هنا من أجلك؟»
«هاه؟»
أشار بنظره إلى ما وراءها. فالتفتت الفتاة، وانفلتت من شفتيها همسةٌ صغيرة: «آه.» وتلبّد وجهها بمزيجٍ من الدهشة والذنب.
في لحظةٍ ما، كان قد ظهر أمامهما واحدٌ من شعب السحالي، ضخمُ البنية إلى حدٍّ هائل.
وهذا العِرق ذو الحراشف يتميّز بأن اختلاف البنية بين أفراده أكبر من أيّ عِرقٍ آخر، اختلافًا يكاد يفوق القياس. فمع أن معظمهم لا يختلفون كثيرًا عن سائر الأعراق، إلا أن حالاتٍ نادرةً توجد: منهم من يَبْلُغُ وهو لا يزال بحجم طفلٍ صغير بالمقاييس المعتادة لدى الأعراق الأخرى، ومنهم من يولد بحجم عملاقٍ جلمود، كأنها مزحةٌ من القدر.
وكان الذي أمامهما واضحًا أنه من الصنف الثاني.
ولسببٍ ما كان الوافد يرتدي زيًّا عسكريًّا، ويبعث هالةً من الضغط والرهبة لمجرّد أنه واقفٌ هناك.
«—نعم، هذا صحيح. الذكريات التي صنعتها كانت كحلم، لكن الوقت انتهى.»
استدارت الفتاة بسرعة.
«لم يبقَ لي قبل أن أرحل سوى أمرٍ واحد أطلبه منك. سأكون شاكرةً لو نسيتَ أمري.»
ثم اندفعت تعدو لتقف إلى جانب رجل السحالي.
ما الذي يحدث هنا؟ كان ويليم يعرف أن وراء الأمر شيئًا ما. لكنها لم تبدُ متألّمةً على نحوٍ خاص (على الأقل، بعيدًا عن المظاهر). وهذا يعني أنه لا سبب يدعوه للتدخّل.
حين يظهر صاحبُ القطة، لا تعود هناك حاجةٌ لأن تواصل السير معها.
هزّت الفتاة رأسها للمرة الأخيرة، ثم هي ورجل السحالي اختفيا في الزحام أسفلهم.
«…إنها ضئيلةٌ جدًّا بجانب ذلك الرجل.» تمتم ويليم لنفسه وهو يراقبهما يغادران.
وسمع دقّات الساعة تعلن حلول المساء، تتردّد أصداؤها من ناحية حيّ المرفأ البعيد.
«يبدو أنّ الوقت حان بالفعل.»
كان قد اتفق أن يلتقي أحدًا في مثل هذه الساعة. ظنّ أنّ الأمر سيستغرق بعدُ وقتًا أطول، لكنه بدا أنه لن ينتظر كثيرًا.
على أيّ حال، لا يمكنه أن يبقى وحيدًا هكذا إلى الأبد.
ألقى نظرةً أخيرة إلى البلدة وإلى السماء الممتدّة وراءها، ثم اختفى ويليم هو أيضًا داخل الحشد.
*
مرّ 526 عاماً منذ انقراض عرق الإمـنيتويت.
ماذا حدث على تلك الأرض آنذاك؟ لا توجد سجلات دقيقة باقية؛ فالعديد من وقائع ذلك الزمان لا تسرد سوى “حقائق” تعسفية، ويظل السؤال محيراً حول أي منها ينقل الحقيقة الفعلية، أو ما إذا كانت جميعها مجرد خيالات لِمؤرخي المستقبل.
ومع ذلك، هناك ظروف عدة تشترك فيها جميع تلك السجلات؛ فوفقاً لما تقوله القصص، كانت الأرض في ذلك الوقت قاسية جداً على الإمـنيتويت. لقد كانت أعدادهم كبيرة جداً، لكن الطريقة التي انتشروا بها عبر الأرض وازدهروا فيها ربما كانت هي ذاتها سبب سقوطهم.
هددتهم أعداد غفيرة من الوحوش الضارية، وأغوتهم جماعات من الشياطين والأبالسة للسير في طريق الفساد. كانوا في صدام مستمر مع عرق الأورك(orcs) و الإلف بسبب النزاعات على الأراضي. بل و وُلِدَ من بين البشر أنفسهم طفرات ملعونة تُسمى الأوغر (Ogres)، ظهرت لتهاجم جيرانها. وفي النهاية، يبدو أن الزوار العظماء أمروا أقرباءهم بمهاجمتهم.
تستمر القصة؛ لم يكن عرق الإمـنيتويت قوياً بالتأكيد. لم يمتلكوا حراشف، ولا أنياباً، ولا مخالب، ولا حتى أجنحة. كانوا يفتقرون إلى القدرة على استخدام السحر القوي، ولم يستطيعوا إتقان فنون الشعوذة المعقدة. وحتى عندما تعلق الأمر بالخصوبة، لم يكونوا نداً على الإطلاق لـ الأورك في زمانهم. ومع ذلك، كانوا لا يزالون يسيطرون على العالم بأسره تقريباً.
وبحسب سجلٍّ ما، فإن العاملين الكبيرين اللذين عزّزا قوّتهم العسكرية كانا:
1. أناس يُدعون «المغامرين»: خبراء في تكتيكات الغزو.
2. قوة التحالف: التي عمّمت أنشطتهم وقدّمت لها الدعم.
من خلال تقسيم المجتمع إلى فئات، صار تنظيم القتال الجماعي أسهل وأكثر كفاءة. ومن خلال إطلاق تسمياتٍ على المواهب المتنوّعة، أصبح تدريب المغامرين وإدارتهم ونموّهم أكثر سلاسة. ونتيجةً لذلك، تمكّن الإمـنيتويت حتى من حَبْس سحرٍ قوي—وإن كان نادرًا—داخل تمائم، ثم إنتاجها بكميّات كبيرة.
وبقدرتهم على «ترقية» أنفسهم بصورةٍ موضوعية، نما المغامرون بمعدّلٍ لا يُقارن بالعامة، حتى غدوا سريعًا قوّةً يُحسب لها حساب.
وتذكر روايةٌ أخرى أنّ لدى الإمـنيتويت قوّةً عسكرية تُدعى «الأبطال»، تختلف عن المغامرين. كانوا قادرين على تحويل الكارما والقدر الكامنين في أرواحهم إلى قوّةٍ خام، فيُظهرون بأسًا مهيبًا يكاد لا يعرف حدًّا. غير أنّ نقطتهم الضعيفة كانت ندرتهم: إذ لا يصبح «بطلاً» إلا عددٌ ضئيل من المختارين.
ثم تأتي أسطورةٌ أخرى تتحدّث عن مجموعة أسلحةٍ مقدّسة تُسمّى «كـارليون»، تُبدي هي أيضًا قوّةً عظيمة. ويُقال إنهم كانوا يضمّون نحو عشرة تمائم قويّة أو ما يقارب ذلك ليصوغوا منها هيئة سيف. وبعبارةٍ أخرى: كانت الطاقة المختزنة في كلّ تميمة تتفاعل بطريقةٍ معقّدة لتتحوّل إلى سلاح حربٍ ذي قدرة تدميرية هائلة.
كلّ تلك الحكايات عبثيّة. لا شيء فيها يسهل تصديقه. ومع ذلك، فالحقيقة أنّ الإمـنيتويت كانوا يومها السادةَ المطلقين لليابسة. ولا شكّ أنّ هذا يقتضي قوّةً تُسقط أعداءهم القلائل لكن شديدي البأس. بمعنى آخر… لا بدّ أنّ حقيقةً أو حقيقتين اختلطتا بتلك الأساطير.
قبل 527 سنة—
في قلعةٍ قامت في قلب أراضي الإمـنيتويت داخل الإمبراطورية المقدّسة… ”هم“ ظهروا.
وفي النهاية، لم يعرف أحدٌ ما كانوا. ولا أحد يعرف ما هم الآن. نسجت الحولياتُ الناقصة الكثيرة قصصًا غريبة عمّا قد يكونون عليه: حكاياتٌ عن بلّوراتٍ ملعونةٍ هائلة وُلدت من تعاويذ الإمـنيتويت. وحكاياتٌ عن أسلحةِ إبادةٍ سرّية استخدمها الإمـنيتويت ضدّ الأعراق الشبيهة حين خرجت عن السيطرة. وحكاياتٌ عن انفتاح غطاء الجحيم لسببٍ ما وتسرب كلّ ما في داخله إلى الخارج. وحكاياتٌ عن مطهّراتٍ آليةٍ للعالم استيقظت بعد أن نامت في أعماق الهاوية منذ فجر الزمان.
وكان أغلب ذلك مجرّد خيالٍ يخطّه الكتّاب نصفه للتسلية، وقليلٌ جدًّا منهم من حاول الاقتراب من الحقيقة.
ومهما يكن… كان العالم ينتهي.
وأيًّا كانت الحقيقة، فلن تغيّر شيئًا من واقع أنهم كانوا خطرًا انفلت من عقاله. وحتى لو ثبت أن الحقيقة شيءٌ من قبيل: «حبةُ طماطمٍ واحدة اختلطت بحقلِ بطاطس، لم تحتمل الوحدة، فتطوّرت إلى كائنٍ يتجاوز فهمنا»… فما الذي كان سيغيّره ذلك في حياتهم اليومية؟
لكنهم كانوا غزاةً. وكانوا قتلةً بالجملة. كانوا «لامعقولات» اتخذت هيئة سبعة عشر وحشًا مختلفًا.
بدأت الوحوش بالتهام العالم بسرعةٍ مفزعة، ولم يستطع الإمـنيتويت أن يفعلوا شيئًا أمام هذا التهديد الجديد. في بضعة أيامٍ فقط، اختفت دولتان من الخريطة. ومع بداية الأسبوع، كانت خمسُ دولٍ، وأربعُ جزرٍ، ومحيطان قد مُحيَت. ومع مطلع الأسبوع التالي… لم يعد للخريطة معنىً يُذكر. (بمعنى أن خريطة العالم أصبحت بلا فائدة لأن العالم مُحِي)
ويقولون إن الأمر لم يحتج حتى عامًا كاملًا منذ ظهورهم حتى فنيَ عِرق الإمـنيتويت.
ومع أن الإمـنيتويت زالوا، لم تتوقّف ”قوّتهم“. قاتل الإلف دفاعًا عن الغابات العظمى… فهلكوا. وقاتل الموريان (morians) تحت الأرض دفاعًا عن الجبال المقدّسة العظيمة… فهلكوا. وقاتلت التنانين دفاعًا عن كرامتها بوصفها ذروة الحياة على الأرض… فهلكت.
بدأ كلّ شيءٍ يتلاشى من اليابسة، كأنها نكتةٌ ثقيلة.
وأخيرًا انتبه أحدهم—لم يعد على السطح مستقبلٌ لأحد. إن أرادوا الحياة، فعليهم أن يفرّوا بعيدًا عن سطح العالم، إلى مكانٍ لا تصل إليه أنيابُ الوحوش.
ومنذ ذلك اليوم مضى زمنٌ طويل… والآن—
نهاية الفصل

تعليقات الفصل