تجاوز إلى المحتوى
WorldEnd/ نهاية العالم| ماذا تفعل عند نهاية العالم؟ هل أنت مشغول؟ هل ستنقذنا؟

الفصل 58 : في الضباب فوق السماء -سونيتات غير مكتملة-

في الضباب فوق السماء

-سونيتات غير مكتملة-

1. الزائرة إلك هرقستن

لم تكن تريد سوى أن تصير أحدًا.

هكذا بدأ كل شيء، برغبةٍ بسيطة لا أكثر.

طفلةٌ واحدة كانت تغفو داخل حاجزٍ صغيرٍ متين.

حاجزٌ يحتضن عالمًا كاملًا في داخله، منفصلًا تمامًا عمّا وراءه.

منذ لحظة ولادتها وحتى الآن، لم تطأ قدماها خارجه قط.

قال إيبو، أحد أفراد عائلتها:

«وجودكم، أنتم الزوار، أثقل من أن يحتمله العالم الخارجي. مجرّد بقائكم يسحق أرواح من يعيشون هناك.»

وقالت كارمي:

«آباؤكِ وأمهاتكِ مزّقوا أرواحهم إلى شظايا كي يتمكّنوا من العيش على هذه الأرض. لكننا لا نريد لك المصير نفسه. أنتِ سيّدتنا الأخيرة. نريدك أن تبقي معنا إلى الأبد.»

وقال جاي:

«نحن الثلاثة— الـبوتو— بقينا هنا لنرشدك بعد أن غادر معظم الزوار هذه السفينة. سيدتي إلك هرقستن، سأجعل حياتي وروحي درعًا يحميك من كل عدوّ خارج هذا المكان.»

ومنذ أن أشرقت في داخل الطفلة—إلك— شرارةُ ما نسميه بالوعي، كان هؤلاء الثلاثة دائمًا بقربها.

أحاطوها بعنايةٍ حانية، علّموها أشياء كثيرة، ولبّوا لها رغباتٍ لا تُحصى.

ومع ذلك، كان هناك أمرٌ واحد لم يتزحزح:

مهما حدث، لم يسمحوا لها يومًا أن تغادر الحاجز الذي وُلدت فيه وترعرعت داخله.

وهكذا، لم تُتح لها قط فرصة أن ترى العالم الخارجي بعينيها.

ذات يومٍ، اختفى جاي.

ثم توقّف إيبو عن الظهور هو أيضًا.

وحين سألت إلك إلى أين ذهبوا، لم تُجبها كارمي.

«سيعودون حالما يُنهون مهمّاتهم.»

هكذا قالت، بإجابةٍ مبهمة، وهي تُشيح بنظرها بعيدًا.

مو همة؟ ما هذه؟

مرّت فكرة ضبابية في ذهن إلك. لكنها كانت أجهل من أن تُمعن التفكير فيها، وأصغر من أن تُدرك جهلها ذاته.

وبعد حين، مضت كارمي هي الأخرى إلى مكانٍ ما، تاركةً الفتاة وحدها داخل الحاجز الصغير.

لم تشعر بحيرةٍ ولا قلق.

كل ما فكّرت فيه هو كم أن المساحة الضيّقة باتت تبعث على الملل.

مرّت ساعات الملل أطول مما تخيّلت.

انتظرت الطفلة عودة عائلتها إلى الحاجز الذي لا شمس فيه ولا قمر.

استهلكت كل ألعابها.

وكان يكفي أن تعبث بالدمى المحشوة قليلًا بخشونة حتى تتداعى خيوطها. فأوقفتها بمحاذاة الجدار كي لا يزداد حالها سوءًا، وابتعدت عنها. حين يعود جاي، سيُصلحها لها بلا شك.

وهكذا، ظنّت أنها ستنتظر بصبر.

لكن—

دوّى انفجارٌ عظيم، وتصدّع جدار الحاجز.

ما هذا؟

لم يكن إيبو والآخرين. لم يكن البوتو يومًا يُحدثون كل هذا الضجيج عند عبورهم الحاجز. فمن يكون إذن…؟

لم يطل الانتظار حتى تجسّد الجواب أمام عينيها.

كانت فتاةً بشرية، في نحو السادسة عشرة من عمرها. في يدها سيفٌ عظيم غريب، مؤلّف من شظايا معدنية متراصّة.

كانت الفتاة ذات الشعر الأحمر، ليليا أسبلاي، بطلةً شرعية— سلاحًا أرسلته كنيسة النور المقدس لقتل الزائرة إلك هرقستن، صاحبة القوة الطاغية.

«…آه… غه…»

كانت ليليا على شفير الموت.

جسدها مغطّى بالجراح، والدم ينزف منها بلا انقطاع. شقوقٌ لا تُحصى مزّقت ثيابها والجلد تحتها. وكل جرحٍ منها كان عميقًا بما يكفي ليكون قاتلًا لو انحرف موضعه قليلًا.

«—من أنتِ؟»

أرسلت إلك السؤال البسيط إلى ليليا على هيئة فكرة.

لم يكن فيه عداء ولا خبث— مجرّد شكّ صافٍ وبريء.

لكن القوة الهائلة الكامنة فيه تحوّلت إلى موجةٍ صادمةٍ عنيفة ارتدّت داخل الحاجز المغلق، وضربت عقل ليليا ذاته.

صرخت ليليا صرخة ألم، كطائر ماءٍ كُسر عنقه بيد صيّاد.

لم يكن ما قاله إيبو مبالغة.

فالأسماك الصغيرة تتقاذفها التيارات إذا اقتربت من حوتٍ عظيم وهو يلتفّ في الماء.

وبالمقارنة مع روح إلق الطاغية الاتساع، كانت روح ليليا البشرية الهزيلة أشبه بذرة غبار.

«غه… آغ—»

تهاوت ركبتا ليليا تحتها، وكادت تسقط في مكانها.

اتكأت على سيفها العظيم— الكارليون الخاص بها سينيوريوس— كأنه عكّاز، وبصعوبةٍ أبقت نفسها واقفة.

ترنّحت ببطء.

خطت خطوةً إلى الأمام، تجرّ قدميها جرًّا.

حدّقت إلك فيها بوجهٍ خالٍ من التعابير. كانت لا تزال صغيرة، لا تفهم معنى الموت.

لم تدرك أن الفتاة أمامها على وشك أن تموت، ولا أنها هي نفسها على وشك أن تطفئ حياة هذه الغريبة.

ولأنها لم تفهم… فقد أثار الأمر اهتمامها.

ما هذا الكائن الواقف أمامها؟

وماذا يحاول أن يفعل؟

ذلك ما تساءلت عنه.

«ماذا… تريدين؟»

صدمة أخرى أصابت ليليا.

ترنّحت وارتطمت بالجدار.

اندفع دمها فصبغ الحائط والأرض، ومع ذلك… نهضت مجددًا.

مذهل.

لم تفهم إلك الأمر تمامًا، لكنه كان مذهلًا. هذا الكيان الغريب الذي لم ترَ مثله من قبل أشعل فضولها.

ومع ازدياد فضولها، ازدادت قوة تموّجاتها الذهنية انبعاثًا وعنفًا.

«أنا…»

تردّد صوتٌ متغرغر في حلقها. توقّفت لحظةً لتبصق الدم الذي صعد من صدرها.

«أنا ليليا آسبلاي. بطلةٌ عاديّة فحسب، جئتُ لأقتلكِ وأنقذ العالم.»

«يبدو ذلك عملًا شاقًا.»

ارتجفت ليليا كما لو صاعقةً اخترقتها. ومع ذلك—

«هو كذلك.»

—ابتسمت بلا تراجع، وخيطُ دمٍ يسيل من زاوية فمها.

لم تكن إلك تفهم الموت، ولا الألم، ولا المعاناة.

كل ما استطاعت إدراكه وهي تنظر إلى ليليا هو ذاك الإصرار الذي لا نظير له.

كان إيبو وجاي وكارمي جميعهم كائنات سامية بطريقتهم الخاصة لدرجة أنهم لم يعلموها قط عما تراه الآن.

«لماذا تنقذين العالم؟»

«…أمم…»

أسندت ليليا ثقلها إلى سيفها العظيم، تفكّر لحظة.

حسنًا… لا بأس. يمكنني أن أكون صادقة الآن.

«لأن هناك شخصًا أحبه.»

كان تعبيرها، وابتسامتها— لطيفين ومشرقين على نحوٍ مدهش.

أريد أن أكون مثلها.

هكذا فكّرت إلك.

فعلت ذلك دون وعي.

تطلّعت إلى أحدٍ ما، من غير أن تقصد.

«حتى أنا أظنّ أنني حمقاء لأندفع لقتل الحكام من أجل سببٍ كهذا. لكن، كما تعلمين، ماذا عساي أفعل؟ إنه بسيط التفكير… وأحمق. إن لم أسبق وأرتكب الحماقات قبله، فسيندفع هو يومًا ويفعل حماقةً أكبر. لأن ويليم… أحمق فعلًا.»

كان وعي ليليا يتداعى تحت وطأة الصدمات المتكررة.

عيناها شاردتان، كأنهما غارقتان في حلم يقظة. ومع ذلك، لم تتوقف عن التقدّم.

خطوة.

ثم خطوة أخرى.

حتى قلّصت المسافة بينهما، ووقفت أخيرًا أمام إلك مباشرةً.

«حسنًا إذن، أيتها الحاكمة الصغيرة. لا تأخذي الأمر على محملٍ شخصي، لكن حان وقت النوم.»

أتمنى أن تكون أحلامكِ جميلة على الأقل.

أمسكت بسيفها العظيم.

وببطءٍ وحذر، غرست النصل في صدر إلك مباشرةً.

بهُدوء من يمسّد شعر رضيع، اخترق السيف الجسد الصغير.

رمشت إلك بعينين خاليتين من التعبير.

فالزوار خالدون.

لا يعرفون الموت إلا في العالم الذي وُلدوا فيه، وقد ضاع عنهم الطريق إليه منذ زمن. لذلك، رغم أنها شعرت بالألم، لم تشعر بأي خطر.

بدأ الدم ينساب.

وتشقّقاتٌ عدة ظهرت على نصل السيف العظيم.

اتّسعت قليلًا، وتسرّب منها ضوءٌ خافت.

تجلّت موهبة سينيوريوس الفريدة— أعظم كارليون في عالم البشر.

قوّته التي تحوّل أيَّ كائنٍ إلى ميتٍ لم تستثنِ حتى خصمًا خالدًا.

خبا الضوء الواهن ببطء… ثم اختفى.

ليليا، وقد استُنزفت كل قوتها بعد أن تحطّم قلبها تمامًا، أغمضت عينيها.

—هاه؟

فوووم—

أظلم بصر إلك، كأن ستارًا أُسدل فجأة.

لفّها إحساسٌ بانعدام الوزن.

كأنها تهوي بلا نهاية.

انغرست في السواد المحيط— بعيدًا، عميقًا، كثيفًا.

تهبط… وتهبط…

وهكذا انجرفت الزائرة الصغيرة إلى السبات الطويل الذي يُدعى الموت.

تمكّنت البطلة من إسقاط الزائرة الشريرة، وزال التهديد عن العالم.

العدالة تنتصر دومًا، والأقوياء يحمون الضعفاء.

انتهت المعركة كما تمليه حكايات الأبطال المألوفة.

الذين سقطوا قبل أن يحققوا شيئًا كانوا سيئي الحظ، لكن موتهم لم يكن عبثًا. بفضل تضحياتهم استمر الناس في العيش. لكل موتٍ معنى.

وهكذا، فلنفرح الآن بهذه الخاتمة السعيدة…

…لكن خلف ستار الاحتفالات البريئة، كان هناك من يتحرّك في الظلال.

في إحدى الليالي، هرّب البطل شبه الشرعي نافرتري تيغوزاك جثة الزائرة إلك هرقستن— التي كان من المفترض أن تبقى مختومة في مخزنٍ محكم— عبر ممرٍّ خلفي.

كانت شظايا أرواح الزوار أحد المكوّنات التي صُنعت منها البشرية.

وكانت أيضًا المفتاح لإنقاذها من الفناء.

سعت منظمة العالم الحقيقي إلى تحويل ذلك الأمل إلى واقع، فبذلت جهدًا بالغًا لاستخراج الروح من الجسد الذي جلبه نافرتري، ثم حاولت تفكيكها إلى آلاف القطع.

لكن الأمر لم يسر كما خُطِّط له.

تراكمت الأسباب:

اختفى نيلز د. فورينر، مؤسس منظمة العالم الحقيقي، أثناء المعركة الأخيرة.

أدركت الجمعية الطبية أن نتائج أبحاثها المتنوعة قد تؤدي إلى طفرة في مكافحة العديد من الأمراض، لذلك تم تحويل عدد كبير من الباحثين إلى ذلك المشروع في اللحظة الأخيرة.

وتعرّضوا لهجوم من مغامرين “صالحين” سعوا إلى إسقاط منظمة شريرة تحمل ضغينةً ضد الإمبراطورية.

تشابكت هذه العوامل في شبكةٍ معقّدة من الفعل وردّ الفعل، حتى قادت الجميع إلى نتيجةٍ لا مفرّ منها.

كان على منظمة العالم الحقيقي أن تسحق روح الزائرة إلى حبيباتٍ دقيقة كالرمل.

لكنهم لم يبلغوا سوى منتصف الطريق— قطعٌ بحجم حصى صغيرة تقريبًا.

ومن البديهي أن ذلك لم يصلح ليكون مفتاح الخلاص.

اليقين الذي تَعِدُ به حكايات الأبطال لم يعد ذا نفع.

لم تكن هناك صلوات تستدعي المعجزات، ولا يدٌ تعيد الزمن إلى الوراء، ولا حكمةٌ قديمة تستيقظ لتحلّ كل شيء.

وهكذا جاءت النتيجة المنطقية:

هلاك البشرية.

وخلفها بقيت جحافل الوحوش الهائجة، تفور غضبًا، تعيث في الأرض سعيًا لإبادة كل أشكال الحياة.

ونجا قلّةٌ من الفارّين بالكاد من ذلك العام الأول، ثم سعوا لاحقًا إلى أرضِ سكينةٍ فوق السماء.

أما البقية الأخيرة…

فكانت شظايا روح إلك هرقستن، ما تزال مبعثرة، بلا وجهةٍ ولا مأوى.

التالي
58/76 76.3%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.