الفصل 1 : على قيد الحياة
الفصل 1: على قيد الحياة
مارس، أوائل الربيع
ركن من شرقي قارة العنقاء الجنوبية
كانت السماء الضبابية رمادية وسوداء، تكشف عن ضغط ثقيل، كأن أحدهم سكب الحبر على ورق الأرز، فصبغ الحبر السماء وطمس الغيوم
تراكمت الغيوم وامتزجت، مطلقة خيوطًا من البرق القرمزي، يرافقها دوي الرعد
كان ذلك يشبه زئيرًا خافتًا لوجه الحكام المتبقي، يتردد في أنحاء العرق البشري
هطل مطر بلون الدم، يحمل الحزن، على عالم الفانين
كانت الأرض ضبابية، وفيها مدينة مهدمة تقف بصمت تحت مطر الدم الأحمر الخافت، خالية من طاقة الحياة
داخل المدينة، كانت الجدران المكسورة والبنى المتعفنة في كل مكان، ومعها منازل منهارة وجثث كثيرة خضراء مائلة إلى السواد ولحم مفروم، مثل أوراق خريف محطمة تذبل بصمت
الشوارع التي كانت تعج بالحركة في الماضي صارت الآن موحشة
والطرق الرملية التي كانت تمتلئ بالناس ذهابًا وإيابًا أصبحت صامتة
لم يبق إلا طين ممزوج بالدم واللحم المفروم والغبار والورق، اختلطت كلها حتى تعذر تمييزها، في مشهد يصدم القلب
على مسافة غير بعيدة، كانت عربة مكسورة عالقة عميقًا في الوحل، يملؤها الخراب، ولم يبق على عمودها إلا دمية أرنب مهجورة تتأرجح مع الريح
كان فروها الأبيض قد تشرب اللون القرمزي منذ زمن، فامتلأت بغرابة موحشة
بدت عيناها العكرتان كأنهما تحتفظان ببعض الحقد، تحدقان وحيدتين في الحجارة المرقطة أمامها
هناك، كان جسد ممددًا على الأرض
كان فتى في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمره، يرتدي ثيابًا ممزقة متسخة، وعلى خصره حقيبة جلدية تالفة
ضيّق الفتى عينيه، بلا حركة، بينما تسلل البرد القارس إلى معطفه القديم من كل اتجاه، وجرف جسده كله، آخذًا حرارة بدنه تدريجيًا
لكن حتى والمطر يسقط على وجهه، لم ترمش عيناه؛ ظل يحدق ببرود في البعيد مثل صقر
وعلى امتداد نظره، على بعد نحو 23 إلى 26 مترًا، كان نسر هزيل يقضم جيفة كلب بري متعفنة، ويراقب محيطه بحذر من حين إلى آخر
بدا أنه في هذه الخرابة الخطرة، عند أدنى حركة، سيطير في الحال
أما الفتى فكان كصياد ينتظر فرصته بصبر
بعد وقت طويل، جاءت الفرصة؛ فقد دفن النسر الجشع رأسه أخيرًا بالكامل داخل جوف الكلب البري
في تلك اللحظة، لمع بريق بارد في عيني الفتى الضيقتين
اندفع جسده كالسهم المنطلق من الوتر، مندفعًا نحو النسر، وبحركة من يده اليمنى، سحب العلامة الحديدية السوداء من الحقيبة الجلدية على خصره
تلألأ طرف العلامة الحديدية بضوء بارد حاد
وربما لأنه أحس بنية القتل، في اللحظة التي اندفع فيها الفتى، انتبه النسر فورًا، ففزع وخفق بجناحيه ليطير، مستعدًا للهرب
لكن الوقت كان قد فات
العلامة الحديدية السوداء التي رماها الفتى بقوة وبلا تعبير تحولت إلى خط أسود وانطلقت
بف
اخترقت العلامة الحديدية الحادة رأس النسر في لحظة، وحطمت جمجمته، فقتلته على الفور
حمل الاصطدام القوي جسده، فمال وسقط، ومع دوي مكتوم، انغرس في العربة القريبة
وتأرجحت دمية الدم بجانبه بعنف أكبر بسبب حركة العربة
كان تعبير الفتى هادئًا، ولم تتباطأ سرعته من البداية إلى النهاية، واتجه مباشرة نحو المكان. وعند وصوله، أمسك بجثة النسر مع العلامة الحديدية
كانت القوة كبيرة إلى درجة أن الجزء الذي انغرست فيه العلامة الحديدية من العربة ارتفع معه جزء صغير
بعد أن فعل كل هذا، لم يلتفت إلى الخلف، وغادر بسرعة على امتداد طرف الشارع
بدا أن الريح، في هذه اللحظة، ازدادت قوة. والدمية بلون الدم على العربة، وهي تتأرجح، بدت كأنها تراقب ظهر الفتى وهو يبتعد
مضى أبعد فأبعد
كانت الريح أقوى حقًا، تحمل برد المطر، وتجتاح ثياب الفتى الرقيقة
ارتجف الفتى من غير إرادة، وعبس قليلًا، ثم شد ياقته وأطلق نفسًا قصيرًا
كان يكره البرد
والطريقة لمقاومة البرد كانت أن يجد مكانًا يستريح فيه، محميًا من الريح والمطر، لكن الفتى الذي كان يركض في الشوارع في تلك اللحظة لم يُظهر أي نية للتباطؤ، بينما مرت أمام عينيه متاجر مكسورة
لم يبق لديه وقت كثير
لأن صيد النسر استغرق وقتًا طويلًا، واليوم كان لا يزال هناك مكان لم يذهب إليه
“لا ينبغي أن يكون بعيدًا الآن” تمتم الفتى بصوت منخفض أجش، وهو يسرع على امتداد الشارع
على الطريق، كانت الجثث الخضراء المائلة إلى السواد في كل مكان، ووجوهها اليائسة مليئة بالوحشية، كأنها تحولت إلى هالة من اليأس تريد تلويث عقل الفتى
لكن الفتى اعتاد ذلك، ولم يلق عليها حتى نظرة
ومع مرور الوقت، كان الفتى يرفع رأسه أحيانًا نحو السماء، وعلى وجهه لمحة قلق، كما لو أن تغير السماء بالنسبة إليه كان أكثر رعبًا من تلك الجثث
لحسن الحظ، بعد وقت قصير، حين رأى صيدلية في البعيد، تنفس الفتى الصعداء واندفع نحوها
لم تكن الصيدلية كبيرة، وكانت خزائن الأدوية الكثيرة مبعثرة على الأرض، تنبعث منها رائحة عفن، مثل قبر مفتوح، مليء بالفوضى
وفي زاوية، كانت هناك أيضًا جثة عجوز خضراء مائلة إلى السواد، مستندة إلى الجدار، كأنه لم يجد وقتًا ليغمض عينيه، يحدق بلا روح في العالم الخارجي
دخل الفتى، وألقى نظرة حوله، ثم بدأ البحث فورًا
كانت معظم الأعشاب هنا، مثل الجثث، قد تحولت إلى لون أخضر مائل إلى السواد؛ ولم يبق طبيعيًا إلا القليل منها
وبين هذه الأعشاب الطبيعية، أخذ الفتى يميزها بعناية لمدة طويلة
كأنه يستعيد تجارب سابقة، اختار أخيرًا عشبة جين تشوانغ عادية، وخلع ثيابه الرقيقة، كاشفًا عن ندبة كبيرة على صدره
لم تكن الندبة قد شفيت تمامًا، وكانت حواف الجرح قد بدأت بالفعل تسود، ولا يزال بعض الدم يتسرب منها
خفض الفتى نظره، وسحق العشبة، ثم أخذ نفسًا عميقًا، وعض على أسنانه، ووضعها ببطء على الجرح
في لحظة، اندفع ألم الجرح الحاد كموجة، وجعل جسد الفتى يرتجف بلا سيطرة، لكنه تحمله بالقوة. غير أن العرق على جبينه لم يمكن كبحه، فأخذ يقطر على وجنتيه ثم على الأرض الداكنة
صار كحبر ينتشر
استمرت العملية كلها أكثر من عشرة أنفاس. وبعد أن وضع العشبة بالكامل على الجرح، بدا أن الفتى فقد كل قوته، فاتكأ على خزانة أدوية قريبة، واستغرق وقتًا طويلًا ليتعافى، قبل أن يطلق نفسًا عميقًا ويرتدي ثيابه ببطء
ثم نظر إلى السماء في الخارج، وبعد بعض التفكير، أخرج خريطة مهترئة من حقيبة خصره وفتحها بحذر
كانت الخريطة بسيطة جدًا، ترسم هذه المدينة
كانت مواقع الصيدليات فيها محددة، وفي الاتجاه الشمالي الشرقي، شُطبت مناطق كثيرة بالأظافر، ولم يبق غير منطقتين بلا علامة
“بعد البحث طوال هذه الأيام، لا بد أنها في هاتين المنطقتين” تمتم الفتى بصوت أجش، ثم طوى الخريطة واستعد للمغادرة
لكن قبل أن يغادر، نظر إلى جثة العجوز بجانبه، واستقر بصره على ثيابه
كان ذلك معطفًا جلديًا؛ وربما بسبب طبيعة الجلد الخاصة، لم يتآكل المعطف كثيرًا
فكر الفتى لحظة، ثم مشى نحوه، وخلع المعطف الجلدي عن جثة العجوز، وارتداه
كان المعطف واسعًا بعض الشيء، لكن بعد أن لف جسده الصغير، شعر الفتى أخيرًا بأثر من الدفء. لذلك نظر إلى عيني العجوز المفتوحتين، ورفع يده وغطاهما برفق، سامحًا له بالراحة
“استرح بسلام” همس الفتى، ثم مزق الستارة داخل المتجر، وغطى بها جثة العجوز، واستدار ليغادر الصيدلية
وحين خرج، انعكس ضوء خافت من الأرض أمام قدميه. خفض الفتى نظره؛ كانت هناك قطعة مرآة بحجم كف اليد في طين الدم
في المرآة، رأى وجهه
الوجه المنعكس في المرآة المكسورة، رغم أنه كان مغطى بالتراب، ما زال يظهر بملامح دقيقة جدًا على نحو مبهم
لكنه افتقر إلى الطفولة التي ينبغي أن تكون لدى فتى في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، وحل محلها برود
نظر الفتى بصمت إلى نفسه في المرآة على الأرض، وبعد لحظة، رفع قدمه وداس عليها
ومع صوت كسر
ظهرت الشقوق
بعد أن حطم المرآة بقدمه إلى قطع، تمايل جسده، وانطلق بعيدًا بسرعة
على الأرض، رغم أن المرآة المحطمة كانت مغطاة بالشقوق، فإنها لا تزال تعكس السماء، التي بدت كأنها تغطي العالم، وتغطي جميع الكائنات، مثل وجه شاسع متبق للحكام
كان الوجه المتبقي مغمضًا ولا مباليًا، عاليًا فوق الجميع، ولا تتدلى منه إلا خصلات ذابلة من شعر منحن
كان ذلك وجودًا طبيعيًا في هذا العالم، مثل الشمس والقمر
كان كما لو أن جميع الكائنات تحته كالنمل، أو كما لو أن ظاهرة صحوة الربيع ونمو كل الأشياء متأثرة به، ومجبرة على التغير
وفي هذه اللحظة، تحت وجه الحكام المتبقي هذا، أخذت السماء تفقد نورها تدريجيًا
ظل شمس الغروب، مثل ضباب أسود، انتشر في خرائب المدينة، وغطى الأرض، كأنه يريد ابتلاع كل شيء
اشتد المطر
ومع ابتلاع الليل شيئًا فشيئًا، ازدادت الريح أيضًا، مطلقة نحيبًا حادًا على دفعات
كان الأمر كأن زئير الأرواح الشريرة بدأ يوقظ الكيانات الغريبة داخل هذه المدينة، فجعل أصواتًا تقشعر لها الأبدان ترد واحدًا بعد آخر، خاطفة الروح
تسارعت خطوات الفتى الراكض، وصارت حركاته أكثر استعجالًا. وفي هذا السباق مع الليل الهابط، كان ينسل بمهارة بين الشوارع
إلى أن مر بمنزل منهار وكان على وشك استخدامه للقفز أبعد، فانكمشت حدقتا الفتى فجأة
من زاوية عينه، رأى على مسافة غير بعيدة، وسط بعض الخرائب، كأن هناك شخصًا
ومن بعيد، كان هذا الشخص أنيق الثياب، ولا يبدو عليه أي إصابة، جالسًا مستندًا إلى جدار
والأهم من ذلك أن الجلد المكشوف من جسده كان في الحقيقة بلون طبيعي، وليس أخضر مائلًا إلى السواد
مثل هذا الشخص لا يمكن أن يظهر في هذه المدينة إلا إذا كان حيًا
وشخص حي… لم يصادف الفتى واحدًا ثانيًا طوال هذه الأيام، غير نفسه
هز هذا المشهد عقله، وبعد قليل، كأنه فكر في شيء ما، صار تنفسه سريعًا قليلًا
أراد الذهاب، لكن الليل، مثل الضباب، كان قد بدأ يبتلعه من الخلف
تردد الفتى، وحفظ الموقع في ذاكرته، ثم غادر بسرعة
ركض طوال الطريق، وأخيرًا، قبل أن يلحق به الليل مباشرة، عاد الفتى إلى مسكنه المؤقت في هذه المدينة
كان كهفًا تحت الأرض، صغيرًا جدًا من الداخل، وممتلئًا بريش الطيور
لم تكن فتحة المدخل كبيرة؛ لا يستطيع بالغ أن يزحف خلالها، وحده الفتى كان يستطيع الدخول بصعوبة
بعد دخوله، استخدم بمهارة الكتب والحجارة وغيرها من الحطام داخل الكهف لسد المدخل
في اللحظة التي امتلأت فيها الفتحة تمامًا، غطى الليل في الخارج المنطقة في الحال
لم يرخ الشاب حذره، بل أمسك العلامة الحديدية السوداء بقوة في يده، وحبس أنفاسه، وجثم هناك، منصتًا لمدة طويلة
تدريجيًا، جاءت زئيرات وصيحات حادة لوحوش متحولة، واختلطت بها أحيانًا ضحكات غريبة
ولم يطلق نفسًا ويجلس إلا عندما دوى زئير أوضح، ثم بدا كأنه مر قريبًا، قبل أن يبتعد تدريجيًا وسط توتر الشاب
كان الكهف حالك الظلام. جلس الشاب هناك بصمت، وكأن الزمن توقف في هذه اللحظة
بقي شاردًا لبعض الوقت، يهدئ أعصابه التي بقيت مشدودة طوال اليوم. أمسك بزجاجة ماء بجانبه، وشرب بضع رشفات، وتجاهل الأصوات في الخارج، ثم أخرج النسر من جيبه
في الظلام، عضه ومزقه، قطعة بعد قطعة، بفمه
صعد طعم زنخ من حلقه، لكنه ابتلعه ببطء وبهدوء، دافعًا الطعام عبر حلقه إلى معدته
وكانت معدته أيضًا تنقبض بقوة في هذه اللحظة، محاولة الهضم وتخفيف الجوع
بعد قليل، أكل النسر كله. أخذ الشاب نفسًا عميقًا، وغسلت موجات من التعب جسده. أغلقت عيناه ببطء
لكن يده بقيت تمسك العلامة الحديدية السوداء الداكنة بإحكام، مثل ذئب وحيد يتظاهر بالنوم
بدا أن أي أمر غير طبيعي سيجعله يفتح عينيه في الحال
في الخارج في هذه اللحظة، كان الليل، مثل ستار، يغطي المدينة، ويغطي الأرض، ويغطي هذه السماء الواسعة
كان العالم تحت السماء شاسعًا للغاية، ولم تكن قارة العنقاء الجنوبية، الواقعة وراء البحار، إلا جزءًا منه
كان قليلون يعرفون مدى كبر العالم كله حقًا؛ وحده الوجه المتبقي المهيب في السماء، بقوة ردعه الشديدة، كان مرئيًا لكل من يرفع رأسه
كان من المستحيل تحديد وقت وصول هذا الوجه المتبقي بدقة
كل ما عرفه الناس من الأوصاف المتناثرة في النصوص القديمة أن هذا العالم، قبل زمن طويل جدًا، كان مليئًا بطاقة ذوي العمر الطويل، مزدهرًا وحيويًا، ممتلئًا بطاقة الحياة، إلى أن… انجذب هذا الوجه المتبقي الهائل، حاملًا الدمار، من أعماق عالم الفراغ البعيد
أثناء وصوله، استخدمت كائنات هذا العالم كل طريقة لإيقافه، لكنها فشلت كلها. وفي النهاية، لم يبق إلا عدد قليل من المهيمنين القدماء، أخذوا معهم بعض أفراد العرق البشري، وتركوا الجموع، واختاروا الهجرة
بعد قليل، وصل الوجه المتبقي وعلق في السماء. ومنذ ذلك الحين، نزل كابوس
الطاقة الروحية المنبعثة منه تغلغلت في العالم كله؛ الجبال، والبحار، وكل الأشياء، وجميع الكائنات، حتى الطاقة الروحية التي يعتمد عليها المزارعون الروحيون في الزراعة الروحية، تلوثت كلها به
ذبلت كل الأشياء، وهلكت جميع الكائنات، ولم ينج من كل مئة إلا أقل من واحد
ومنذ ذلك الوقت، أطلق الناس الذين نجوا بصعوبة من هذه الكارثة على هذا الوجه نصف البشري… وجه الحكام المتبقي
وسموا هذا العالم أرض اليأس، والمكان الذي ذهب إليه المهيمنون القدماء سُمي الأرض المكرمة
وانتقلت هذه التسمية عبر عصور متعددة، جيلًا بعد جيل
ولم تكن الكارثة التي جلبها وجه الحكام المتبقي هذه الأمور وحدها؛ فقد كانت هيبته تقمع جميع الكائنات في كل وقت، لأن…
كل بضع سنوات، أو حتى عقود أو قرون، كان يفتح عينيه على نحو غير منتظم لبضعة أنفاس
وفي كل مرة يفتح عينيه وينظر إلى منطقة ما، كان ذلك المكان يتلوث فورًا وبشدة بطاقته الروحية
كانت الحياة تتدمر، وتتحول إلى مناطق محرمة أبدية
وعبر عصور متعددة، ازدادت المناطق المحرمة في هذا العالم عددًا، وصارت المناطق الصالحة للسكن أكثر ندرة
قبل تسعة أيام، فتح وجه الحكام المتبقي عينيه مرة أخرى، وكان المكان الذي نظر إليه هو بالضبط المنطقة التي يقيم فيها الشاب
كل الأنواع داخل تلك المنطقة، وكذلك أكثر من عشر مدن للعرق البشري، أينما كانت موجودة، سواء داخل المدن أو في الأحياء الفقيرة خارجها، تلوثت فورًا وبشدة، وتحولت إلى مناطق محرمة للحياة
تحت هذا التلوث المرعب، تفككت بعض الكائنات الحية مباشرة إلى ضباب دموي، وتحولت بعضها إلى وحوش متحولة بلا عقل، وفقد بعضها أرواحها وتبددت، تاركة وراءها جثثًا خضراء مائلة إلى السواد وملوثة
ولم يستطع النجاة إلا عدد قليل للغاية من الناس والوحوش
كان الشاب واحدًا منهم
في هذه اللحظة، خارج الكهف الحالك، ومع اقتراب صوت حاد من بعيد، فتح الشاب النائم عينيه بسرعة
رفعت العلامة الحديدية السوداء في يده غريزيًا، ونظر بحذر إلى فتحة المدخل المسدودة
ولم يتنفس الشاب الصعداء إلا عندما دار الصوت الحاد في الجوار ثم تلاشى تدريجيًا في البعيد
لم يعد يشعر بالنعاس، فتحسس حقيبته الجلدية وأخرج منها شريحة خيزران
في الظلام، لمس الكلمات على شريحة الخيزران، وبدا أن ضوءًا ظهر في عينيه. ثم اعتدل جالسًا، وأغمض عينيه، وعدل تنفسه
كان اسم الشاب شو تشينغ. وقد عاش حياة صعبة وحيدًا منذ طفولته في الأحياء الفقيرة خارج هذه المدينة
قبل تسعة أيام، أثناء الكارثة المفاجئة، اختبأ في شق صخري. وخلافًا للناس الآخرين المذعورين والمجنونين، راقب بهدوء وجه الحكام المتبقي وهو يفتح عينيه في السماء، ملاحظًا الحدقات الخاصة على شكل كروس داخل عيني وجه الحكام المتبقي في السماء، وكأنه فقد شعور الخوف
إلى أن رأى ضوءًا بنفسجيًا يهبط من السماء، ويسقط في الجزء الشمالي الشرقي من المدينة
وفي اللحظة التالية، أغمي عليه
وعندما استيقظ، أصبح الناجي الوحيد داخل المدينة وخارجها
لكنه لم يغادر فورًا
لأنه كان يعرف أن المنطقة المحرمة التي تتشكل بعد فتح وجه الحكام المتبقي عينيه ستُغلف في البداية بمطر دموي، فيتشكل حاجز
الناس في الداخل لا يستطيعون الخروج، والناس في الخارج لا يستطيعون الدخول، إلا إذا تشكلت المنطقة المحرمة بالكامل
وعلامة تشكلها كانت توقف مطر الدم
هذه الكارثة، بالنسبة إلى شو تشينغ الذي نشأ في الأحياء الفقيرة، بدت كأنها لا شيء
لأنه في الأحياء الفقيرة، سواء كان الأمر بسبب المتشردين المختلفين، أو الكلاب الضالة، أو مرض، أو حتى ليلة باردة، يمكن أن تُفقد الحياة في أي وقت، وكان البقاء صعبًا جدًا
ما دام المرء حيًا، فلا شيء آخر مهم
بالطبع، وسط قسوة الأحياء الفقيرة، كانت تظهر أحيانًا لمحات دافئة
مثلًا، كان بعض العلماء الفقراء يعلّمون مجموعات من الأطفال القراءة والكتابة من أجل لقمة العيش. وإلى جانب ذلك، كانت هناك ذكريات الأحبة
لكن في عقل شو تشينغ، كانت ذكريات عائلته، رغم جهوده الشديدة لاستعادتها وخوفه من نسيانها، تزداد ضبابية تدريجيًا مع مرور الوقت
لكنه كان يعرف أنه ليس يتيمًا؛ لا تزال له عائلة، غير أنهم افترقوا منذ زمن بعيد
لذلك كان حلمه أن ينجو
وإن استطاع أن يعيش أفضل قليلًا، وإن سنحت له فرصة لرؤية عائلته، فسيكون ذلك أفضل
لذلك، بعد أن نجا بحظ جيد، اختار دخول المدينة
أراد الذهاب إلى مساكن السادة من الطبقة العليا في المدينة، ليجد الطريقة المتداولة في الأحياء الفقيرة، الطريقة التي يمكن أن تجعله أقوى، والأكثر من ذلك، ليجد الضوء البنفسجي الذي سقط في المدينة
وطريقة أن يصبح أقوى كانت دائمًا متداولة في الأحياء الفقيرة، ويشتهيها الجميع. كانوا يسمونها الزراعة الروحية، ومن أتقنوا طريقة الزراعة الروحية كانوا يُسمون المزارعين الروحيين
وهكذا، أصبح أن يكون مزارعًا روحيًا أمنية شو تشينغ الكبرى، إلى جانب ذكرياته عن عائلته
لم يكن المزارعون الروحيون نادرين. فقد رأى شو تشينغ مثل هؤلاء الأشخاص يدخلون المدينة من بعيد خلال السنوات الماضية في الأحياء الفقيرة
وكانت صفتهم الواضحة أن من يراقبهم كان جسده يرتجف غريزيًا
حتى إن شو تشينغ سمع أن سيد المدينة كان مزارعًا روحيًا، وأن بعض حراسه كانوا أيضًا مزارعين روحيين
لذلك، بعد بحث طويل داخل هذه المدينة، قبل خمسة أيام، وجد أخيرًا شريحة الخيزران هذه في يده على جثة داخل قصر سيد المدينة
كان ذلك المكان خطيرًا جدًا؛ والجرح على صدره ترك هناك في ذلك الوقت
كانت شريحة الخيزران تسجل بالضبط تقنية الزراعة الروحية التي كان يتوق إليها
كان قد حفظ كل المحتوى المكتوب عليها منذ زمن، بل بدأ حتى محاولة الزراعة الروحية في الأيام الماضية
لم ير شو تشينغ تقنيات زراعة روحية أخرى. كانت شريحة الخيزران هذه هي الوحيدة التي حصل عليها، ولم يكن يعرف كيف يزرع روحيًا بطريقة صحيحة
لحسن الحظ، كانت معظم الأوصاف عليها كلمات بسيطة وسهلة الفهم، تركز أساسًا على التصور والتنفس
لذلك، باتباع الخطوات، حقق بعض التقدم
كانت هذه الطريقة تُسمى فن جبل البحر
وطريقة الزراعة الروحية فيها كانت أن يتصور الطوطم المنقوش على شريحة الخيزران في عقله، مع تنفس محدد لدوران الطاقة الروحية
كان هذا النمط غريبًا جدًا؛ كان وجودًا غريبًا، برأس كبير وجسد صغير، وله ساق واحدة فقط، أسود بالكامل، ووجه شرس مثل شبح حاقد
لم ير شو تشينغ مثل هذا الكائن من قبل؛ وكانت شريحة الخيزران تسميه شياو
في هذه اللحظة، وبينما كان يزرع روحيًا، وبعد وقت قصير من ظهور النمط في عقله، تغير تنفس شو تشينغ تدريجيًا، وتغلغل تيار خفيف في الهواء المحيط شيئًا فشيئًا
تدفقت خيوط من الطاقة الروحية من كل الاتجاهات ببطء، ودخلت جسده ببطء، وجرت في كل أنحائه، مسببة موجات من برد لاذع. والأجزاء التي مرت بها من جسده شعرت كأنها مغمورة في ماء جليدي
كان شو تشينغ يخاف البرد، لكنه تحمله ولم يستسلم، وأصر رغم ذلك
ولم يكن إلا بعد وقت طويل، حين أنهى أخيرًا جلسة الزراعة الروحية هذه وفق متطلبات شريحة الخيزران، حتى كان جسده مغمورًا بعرق بارد
ومعدته التي كانت قد أكلت النسر للتو شعرت بالجوع من جديد
مسح شو تشينغ العرق البارد، ثم تحسس معدته، وظهر الإصرار في عينيه
منذ بدأ زراعة تقنية الزراعة الروحية هذه، ازدادت شهيته بوضوح وبقدر كبير، وصار جسده أكثر رشاقة من قبل
كل هذا جعله أكثر قدرة على تحمل البرد الجليدي أثناء الزراعة الروحية
رفع رأسه الآن، ونظر شو تشينغ إلى الخارج عبر شق المدخل
في الخارج، كان الظلام حالكًا، ولم يكن هناك إلا زئير مرعب، قوي أحيانًا وضعيف أحيانًا، يتردد في أذنيه
لم يكن يعرف السبب الحقيقي لنجاته؛ ربما كان الحظ، أو ربما… لأنه رأى ذلك الضوء البنفسجي
لذلك، أثناء بحثه عن تقنيات الزراعة الروحية في هذه الأيام، كان يذهب أيضًا باستمرار إلى المنطقة الشمالية الشرقية، باحثًا عن موضع سقوط الضوء البنفسجي، لكن للأسف، لم يجده قط
وسط أفكاره، استمع شو تشينغ إلى الزئير في الخارج. لم يستطع عقله إلا أن يستعيد الجثة المستندة إلى الجدار التي رآها عند عودته وقت الغروب، وضاقت عيناه ببطء
كان المكان الذي وُجد فيه ذلك الطرف في المنطقة الشمالية الشرقية، و… بدا أنه شخص حي
“هل يمكن أن يكون مرتبطًا بالضوء البنفسجي؟”

تعليقات الفصل