الفصل 23 : رؤيا البطل.
لم تكن الليلة هادئة في المنشأة، بسبب انتهاء الأسبوع السابع تقريبا، كانت المعاهج تعج بالضجيج بسبب احتفالات المتدربين.
كان زين يتسلل بخفة عبر الظلال، متجاوزاً مهاجع المتدربين ومرافق التدريب، متجهاً نحو السياج الحديدي الخلفي الذي يمثل الحدود الفاصلة بين المنشأة والغابة.
كان هذا هو المكان الذي اقام به أول إختبار له للجري في اول اسبوع.
توقف فجأة، والتفت ببطء.
“إلى متى تنوي تتبعي كظل مزعج؟”
تحدث زين بصوت خافت.
من بين ظلال شجرة صنوبر، خرج لوتيان بخطوات هادئة. لم يكن يرتدي زي التدريب، بل ملابسه الداكنة المعتادة. كان وجهه يحمل تعبيراً يمزج بين الملل والانزعاج.
“لا تسيء الفهم، أيها البشري. المهاجع تضج بالبشر المزعجين وصراخهم، أنا هنا فقط لأنني أبحث عن الهدوء.”
أجاب لوتيان ببرود.
“تبحث عن الهدوء بتتبعي إلى منطقة محظورة؟”
“أنا لا أتبعك. طريقنا تصادف أنه واحد.”
تنهد زين داخلياً. كان يعلم أن لوتيان يمتلك فضولاً خفياً تجاهه، خاصة بعد أن كشف زين عن معرفته بهويته كآخر ناجٍ من ‘عشيرة الليل الأزلي’. لوتيان يراقبه ليرى ما إذا كان يشكل تهديداً أو إذا كان سيفشي سره.
“حسناً، يا ملك المقعد. طالما أنك لا تُصدر ضجيجاً يلفت انتباه حراس المنشأة، افعل ما تشاء.”
“إياك أن تناديني…”
تجاهل زين تذمر لوتيان، وركز نظره على السياج الحديدي العالي. بفضل مهارة [خطوة الظل]، قفز زين بخفة مذهلة، ووضع قدمه على قمة السياج، ثم هبط بمرونة على الجانب الآخر داخل حدود الغابة.
لوتيان، من جانبه، لم يبذل أي جهد جسدي. اكتفى بتفعيل[الطفو السحري] وعبر السياج وكأنه ورقة شجر تحملها الرياح.
“نحن الآن خارج نطاق المراقبة المباشرة.”
همس زين، وهو يتحسس مقبض خنجره الداكن. الغابة كانت مظلمة، والضباب الخفيف يعيق الرؤية العادية.
لكن زين لم يأتِ إلى هنا للقتال، بل لغرض محدد.
سار لبضع دقائق حتى وصل إلى شجرة بلوط قديمة وضخمة، جذوعها ملتوية وكأنها أذرع مشلولة.
توقف زين تحت الشجرة، ورفع رأسه نحو الأغصان الكثيفة.
“أعلم أنكِ هناك. انزلي، ليس لدي نية للقتال.”
تحدث زين بصوت واضح.
لوتيان، الذي كان يقف خلفه، ضاق بؤبؤ عينيه البنفسجيتين. لقد استشعر وجود شخص ما أيضاً بفضل حواسه الفائقة، لكنه لم يتوقع أن زين، الذي يبدو كبشري عادي، قد لاحظ ذلك قبله.
حفيف خفيف صدر من الأوراق، ثم سقط ظل رشيق من الأعلى ليهبط أمامهما بلا أي صوت.
الفتاة التي وقفت أمامهما لم تكن بشرية بالكامل.
أذنان مدببتان تبرزان من بين شعرها الفضي الفوضوي، وذيل كثيف يلتف حول خصرها. نظرتها كانت حادة كنظرة مفترس ليلي.
إنها ‘ميرا’، كشافة النخبة من سلالة ‘أنصاف الوحوش الثعلبية’.
في الرواية التي كتبها زين، كانت ميرا شخصية جانبية لكنها بالغة الأهمية. كانت ترفض الاختلاط بالبشر، وتفضل النوم في الغابات. لكن حواسها كمتعقبة لا يُعلى عليها. إنها خريطة حية.
“أيها البشري… كيف عرفت مكاني؟”
سألت ميرا بصوت يحمل حذراً شديداً، ويدها اليمنى كانت مختفية داخل كم معطفها الواسع، مستعدة لإطلاق تعويذة أو سلاح مخفي.
قام زين بتفعيل [عين البصيرة] للحظة خاطفة للتأكد من هويتها، ثم ابتسم بلطف.
“غرائز الصيادين تتخاطب. أنا لست هنا لأبلغ المدربين عن خرقك لحظر التجول.”
مد زين يده إلى الحقيبة الجلدية الصغيرة المربوطة بخصره، وأخرج منها صرة ورقية أنيقة.
كانت هذه هي الصرة التي دفع لكورين أموالاً طائلة لتوفيرها سراً.
“لقد سمعت أن أنصاف الوحوش يواجهون صعوبة في التأقلم مع طعام المنشأة الجاف. التقطت هذا بالصدفة، واعتقدت أنه قد يعجبكِ.”
رمى زين الصرة نحوها بخفة.
التقطتها ميرا بيدها اليسرى بحذر. شمتها للحظة، وفجأة، اتسعت عيناها وارتعش ذيلها الفضي بسرعة.
“هذا… كعك مصنوع من رحيق زهرة القمر؟ كيف حصلت على هذا؟!”
“لدي طرقي الخاصة. اعتبريها عربون صداقة مقدماً.”
عالم أنصاف الوحوش بسيط ومباشر. إذا قدمت لهم شيئاً يحمل طاقة الطبيعة التي يفتقدونها، فإنك تكسر جدار حذرهم الأول.
فتحت ميرا الصرة، وأخذت قضمة صغيرة. ملامحها الحذرة ذابت تماماً، وظهرت على وجهها تعابير السعادة الخالصة.
لوتيان، الذي كان يراقب هذا التبادل السخيف في نظره، تنهد ببرود.
“هل جررْتني إلى هذه الغابة القذرة في منتصف الليل فقط لإطعام ثعلب شارد؟”
“ما الذي تقصده بجررتك، أنت من تبعني الى هنا، وايضا ميرا هنا ستكون عونا كبيرا في المستقبل القريب!”
التفتت ميرا نحو زين بعد أن أنهت الكعكة الأولى.
“أنت غريب. لكن الكعك لذيذ. ماذا تريد في المقابل؟ سأحذرك، أنا لا أنضم للفرق الفاشلة.”
“لا أريد منكِ الانضمام لفريقي الآن. أريدك فقط أن تتذكري وجهي، إذا اندلعت فوضى غير متوقعة أقول غير متوقعة في التقييم النهائي، أريدك أن تبحثي عني. سنتعاون حينها للنجاة.”
نظرت إليه ميرا بشك، لكنها أومأت برأسها ببطء.
“فوضى؟ لا أدري عما تتحدث، لكن من يقدم لي طعاماً جيداً ليس عدوي. سأتذكر رائحتك.”
بعد أن ألقت نظرة أخيرة عليهما، قفزت ميرا واختفت بين أغصان الشجرة بنفس السرعة التي ظهرت بها.
“إذن…”
تحدث لوتيان، وعيناه تخترقان زين.
“أنت تقوم برشوة، وتجمع حلفاء من الخفاء. ماذا تعرف عن التقييم النهائي الذي لا نعرفه نحن؟”
“أنا أعرف فقط أن البقاء للأكثر استعداداً.”
أجاب زين وهو يلتف للعودة نحو السياج، لوتيان مع أنه كان يشك في زين لكنه تبعه ولم يسأل مجددا.
*
بينما كانا يسيران في الممر الحجري المظلم المؤدي إلى مهاجعهما، توقف زين فجأة، وأمسك بمقبض خنجره.
لوتيان أيضاً توقف، وظهرت هالة بنفسجية خافتة حول يده.
من بين ظلال الأعمدة الحجرية، خرج شخصان بخطوات مترددة.
“ران؟ لوتيان؟”
كان الصوت مألوفاً.
إيثان، بطل القصة، وبجانبه صديقة طفولته ليلي، التي كانت تمسك بحافة قميصه بقلق.
“إيثان؟ ماذا تفعل هنا في هذا الوقت المتأخر؟”
سأل زين، وأرخي قبضته عن الخنجر، رغم أن حواسه كانت في أقصى درجات التأهب.
وجه إيثان لم يكن يحمل ابتسامته المشرقة المعتادة. كان شاحباً، يتصبب عرقاً بارداً، وعيناه تعكسان رعباً عميقاً لم يره زين عليه من قبل.
“يجب… يجب أن نتحدث. أرجوك.”
قال إيثان بصوت يرتجف قليلاً.
“أنا في طريقي للنوم.”
تحدث لوتيان ببرود، واستدار ليغادر، غير مهتم بمشاكل هذا الفتى الذي يعتبره أحمقاً مثالياً.
“انتظر! أرجوك يا لوتيان، أنت أيضاً معني بهذا. الأمر يتعلق بحياتنا جميعاً!”
نبرة إيثان اليائسة جعلت لوتيان يتوقف، ويلتفت ببطء.
“تحدث. لديك دقيقة واحدة قبل أن أتركك تتحدث وحدك.”
تنهد إيثان بعمق، ونظر يميناً ويساراً ليتأكد من خلو الممر، ثم تحدث بصوت خافت.
“هل… هل تؤمنان بالرؤى المستقبلية؟”
تصلب جسد زين للحظة.
لقد بدأت.
المهارة الخاصة بإيثان، [وريث النور]، تمتلك قدرة فرعية تسمى ‘الرؤيا المسبقة’. إنها لا تكشف المستقبل كاملاً، بل تظهر ومضات من الكوارث الوشيكة لتحذير حاملها.
“رؤى؟ هل تتحدث عن سحر العرافة؟”
سأل لوتيان بشك واضح. كساحر، كان يعلم أن التنبؤ بالمستقبل هو ميدان معقد ومحفوف بالخطر.
“إنها ليست مجرد تعويذة. إنها… قدرة أمتلكها منذ الصغر.”
اعترف إيثان، وكشف عن سره الأكبر لأشخاص بالكاد يعرفهم، مما يدل على مدى يأسه.
“قبل ساعات، عندما غفوت، رأيت شيئاً. التقييم النهائي في الغابة… لن يكون مجرد اختبار.”
ابتلع إيثان ريقه، وتابع بصوت يرتعش.
” وحوش… وكائنات لم أرَ مثلها في حياتي، ستخرج من شق. رأيت الدماء في كل مكان. رأيت المدربين يُسحقون، والمتدربين يُمزقون إرباً. إنها إبادة!”
غطت ليلي وجهها بيديها وهي تستمع لصديقها يصف الكابوس الذي رآه.
“كوابيس ناتجة عن ضغط التدريب. هذا كل ما في الأمر.”
رد لوتيان ببرود، رغم أن عينيه كانتا تراقبان إيثان بدقة. كان يعلم أن هذا الفتى لا يكذب، الخوف في عينيه كان حقيقياً جداً.
“ليس كابوساً! أنا متأكد! الرؤى التي أراها تتحقق دائماً. يجب أن نلغي هذا التقييم، يجب أن نحذر القيادة!”
صرخ إيثان بصوت مكتوم.
“وهل تعتقد أن القائد راد، أو بقية المدربين، سيستمعون لمتدرب يقول إنه ‘رأى حلماً سيئاً’؟ سيضعونك في زنزانة العزل بتهمة إثارة الذعر.”
تحدث زين بهدوء وواقعية قاسية.
صمت إيثان. كان يعلم أن زين محق. القيادة لن تحرك جيشاً بناءً على رؤيا فتى من العامة.
“إذن ماذا نفعل؟ هل نذهب لنُذبح؟!”
“لا.”
تقدم زين خطوة نحو إيثان، ووضع يده على كتف البطل.
“سنستعد.”
“ران…”
“لقد اقترحت ليفيا أن ندمج فريقينا في التقييم النهائي. أنا وهي، وأنت وليلي، ولوتيان… وباقي فريقنا. إذا كانت رؤيتك صحيحة، فإن بقاءنا متفرقين يعني الموت. لكن إذا شكلنا جبهة واحدة تتكون من أقوى المتدربين، فربما نمتلك فرصة.”
نظر إيثان إلى زين بعينين تلتمعان بالأمل.
“هل… هل تصدقني حقاً؟”
“لا أهتم إذا كانت رؤية سحرية أو مجرد حدس. في ساحة المعركة، الاستعداد لأسوأ السيناريوهات هو القاعدة الذهبية. نحن سنتحالف يا إيثان. سنشكل وحدة طليعة خاصة بنا، وإذا ظهرت تلك الكارثة التي تتحدث عنها… سنشق طريقنا للخروج أحياء.”
تحولت نظرات إيثان من اليأس إلى العزيمة.
“شكراً لك يا ران. لن أنسى لك هذا الموقف أبداً.”
تحدث إيثان بصدق تام، وامتدت يده ليصافح زين.
بادله زين المصافحة، وهو يبتسم ابتسامة هادئة ومطمئنة.
لكن في أعماقه، كان زين يحتفل بانتصار صامت.
‘الخطة اكتملت.’
بفضل رؤيا إيثان، لم يعد التحالف مجرد اتفاقية باردة من أجل الدرجات، بل أصبح رابطة يائسة من أجل البقاء. إيثان الآن يعتبر زين حليفاً موثوقاً وشخصاً يمتلك العقلانية التي يفتقر إليها هو.
بالإضافة إلى ذلك، بوجود ميرا ككشافة وداعمة، وتأمين دعم ليفيا السحري أيضا بسبب تحكمها البيئي، وقوة لوتيان التدميرية، وفريق إيثان… فقد شكل زين ‘فرقة أبطال’ مثالية قبل أوانها بكثير.
‘أتمنى أن يتغير شيء بسبب هذه الإستعدادات.’
فكر زين، وهو ينظر إلى السماء، لأنه كان يعلم بالجحيم الذي سيحدث بعد أيام بسبب ما كتبه.

تعليقات الفصل