الفصل 28 : حتى عندما تغرب الشمس نورٌ خافت، أملٌ واهن-

حتى عندما تغرب الشمس
-نورٌ خافت، أملٌ واهن-
1. في أعماقٍ أبعد تحت سماءٍ مرصعة بالنجوم
منذ زمن بعيد، كانت الحياة مزدهرة على السطح.
نمت أشجار كثيفة، ركضت الحيوانات في الأرجاء، واستمر الكثير من الناس، بما في ذلك الإمـنيتويت في ممارسة حيواتهم.
ما دمر ذلك العصر من الرخاء بكل سهولة كان ما سماه العالم فيما بعد بـ الوحوش السبعة عشر. ظهروا كما لو من العدم، ومسحوا تماماً كل شيء وأي شيء على الأرض يمكن اعتباره “حياة”.
اختفى كل من وما سكن السطح يوماً.
الإمـنيتويت، التنانين، الموريان، والإلف؛ لقد أُبيدوا جميعاً. أما القلة الضئيلة التي تمكنت من الفرار إلى السماء فقد نجت من الموت بأعجوبة.
مرّ أكثر من خمسمائة عام منذ ذلك الحين.
حديقة الجيب الأخيرة لـ ريغول آير، حيث بقي الناجون، لم تغرق بعد. كانوا يحاولون الصمود بالكاد أمام الهجمات المتكررة للوحوش.
استعاروا قوة كريستالات الأمنيات التي تركها الإمـنيتويت خلفهم— الـكارليون.
وأرسلوا فتيات يمتلكن حيوات هشة للغاية ليمتن، واحدة تلو الأخرى.
*
الصدى المنخفض والمستمر للفرن المسحور كان يرتج في أعماق معدتها.
نزلَت نوفت من على حافة النافذة، وهي تفكر في مدى سوء ذلك على صحتها. كان العالم وراء النافذة غارقاً في ظلام دامس، فأصبحت النافذة تعمل كمرآة، ولم تستطع أن ترى أي انعكاس عليها سوى طفلة وحيدة بملامح ممتعضة وشفاه عابسة. لم تجد أي متعة في مبادلة ذلك الانعكاس النظرات الحادة.
“أووه! يا إلهي، أنا أشعر بملل شدييييد! ملل، ملل، ملل!”
ارتمت بظهرها على السرير البسيط وأخذت ترفس بساقيها في الهواء. كانت تعلم أن نوبة الغضب هذه لن توصلها لأي مكان، لكن جسدها كان يتحرك من تلقاء نفسه.
هذه السفينة الهوائية — سفينة مراقبة السطح ساكسيفراغا — كانت تحلق الآن على ارتفاع خمسين مارمر تقريباً فوق الأرض.
كانت التقديرات تشير إلى أن الوحوش السبعة عشر، تلك التهديدات القابعة على السطح، لا تستطيع الطيران بحرية، لذا لن يتعرضوا للهجوم إذا حافظوا على هذا الارتفاع. ومع ذلك، فإن البقاء في أمان تام غالباً ما يؤدي إلى الملل القاتل.
“ألم يكن من المفترض أن يكون السطح مليئاً بالرومانسية والمغامرة؟! ماذا عن أميرة الصقر المحاصرة فوق مذبح الإمـنيتويت، ويحيط بها مئة وحش، وهي تنتظر أميراً لإنقاذها؟! ماذا عن جبال الكنوز النائمة تحت الرمال الرمادية وأرواح ملوك اللصوص التي تنتظر لتتلبسك؟! لماذا لا يوجد هنا سوى الرمل والصخور؟! أين الكنوز؟! أين الأرواح؟! وأين هي الوحوش أصلاً؟!”
“نوفت، أرجوكِ اصمتي.”
جاءها صوت هادئ يوبخها. التفتت نوفت برأسها لتنظر، ورأت رانتولك تجلس على السرير المجاور لها وهي تقرأ كتاباً ما.
“ما هذا؟”
“أثرٌ استُخرج من الرمال بالأمس. ظننتُ أنه قد يخفف من مللي، لذا استعرته من حجرة الشحن.”
كان صوت رانتولك يوحي دائماً بالبؤس، وغالباً ما تتحدث بطريقة تضع مسافة بينها وبين الآخرين. لهذا السبب، كانت الفتيات الصغيرات في المستودع عادةً ما يخفن منها أو ينفرن من صحبتها… لكن نوفت كانت ترى أن الفتاة ليست سيئة بمجرد التعرف عليها عن قرب. لم تكن تظن أن رانتولك شخص “طيب” ولكن مرة أخرى، كان هذا الشعور متبادلاً بينهما.
“مخطوطة عتيقة، هاه؟ هل تستطيعين قراءتها؟”
لفت نوفت ذراعيها حول رانتولك من الخلف وأطلت من فوق كتفها.
كان كتاباً بلا شك. ورغم أن لونه بدا باهتاً قليلاً، إلا أن تجليده كان متيناً ولم يبدُ هشاً على الإطلاق؛ ربما حُفظ بشكل أفضل مما توقعتا. وجهت نوفت بصرها إلى ما كُتب على الصفحة، ولكن—كما هو متوقع—بدا الأمر مجرد صفوف متتابعة من الرموز غير المألوفة.
“ممم… هناك بعض الكلمات التي أفهمها.” التقطت رانتولك قطعة بسكويت بسيطة بأصابعها النحيلة. “ليس كافياً لفهم المحتوى بدقة، ولكن عبر ربط الكلمات وتخيل معانيها، تصبح أحجية مثالية لتبديد مللي.”
ظهر عبوس طفيف على وجه رانتولك عندما شعرت بثقل نوفت المتكئ على ظهرها.
“هاه. وماذا يعني إذاً؟”
“أنا أخبركِ فقط بما أظن أنه يعنيه، حسناً؟”
“بالتأكيد، أخبريني بظنك. مجرد التواصل مع السجلات العتيقة وإطلاق العنان لخيالي هو أمر مثير بما يكفي.”
تنهدت رانتولك، وظهرت على وجهها تعبيرات انزعاج طفيفة. كانت نوفت تعرف هذا التعبير جيداً؛ رانتولك ترسم هذا الوجه وهي تتذمر، لكنها تتماشى بصبر مع طلبات نوفت الأنانية.
“—عرق الإمـنيتويت لم يكن يجب أن يبدأ أبداً. كانت هذه هي الخطيئة الأولى والأعظم للزوار الذين خلقوهم.”
“ماذا يعني ذلك؟”
“قلتُ لكِ—هذا ما أتخيله عما يتحدث عنه هذا الكتاب. بعد التحديق في المقدمة لفترة طويلة، يبدو أن هذا هو ما يتحدث عنه السطر الأول.”
“هاه. إذا كان هذا الكتاب قد استُخرج من أطلال الإمـنيتويت، فأعتقد أن هذا يعني أنهم كانوا يعرفون أنهم مصدر للمشاكل أيضاً.”
“كلا، يبدو أن هذه كانت تُعامل كفكرة خطيرة بالنسبة لـ الإمـنيتويت في ذلك الوقت. ربما مثل ‘الأيديولوجية السماوية’ في ريغول آير الآن.”
“أوه.”
الأيديولوجية السماوية. سمعت نوفت عنها من قبل. باختصار، كانت أيديولوجية تنص على أن ريغول آير التي يعيشون عليها الآن ليست سوى نقطة عبور، وأن عليهم الانجراف بعيداً عن السطح الملوث والذهاب إلى النجوم البعيدة. مجرد قول ذلك لم يكن يسبب ضرراً فعلياً، لكن كان هناك أكثر من قلة بين المؤمنين بها ممن لوثوا أيديهم بمحاولة سرقة السفن الهوائية أو بنائها بشكل غير قانوني، لذا كانت معظم الجزر تتعامل معها بحذر.
“ثم”—تتبعت إصبع رانتولك النحيلة السطر على الصفحة—”الوحوش… خُتمت… الناس… أوه، أعتقد أن الأمر بالعكس. الناس حرروا الوحوش، وعالمٌ امتلأ… لا، العالم امتلأ بحقيقة رمادية…؟”
“أووه.”
مالت نوفت أكثر فوق كتفها، مما أدى لضغط المزيد من وزنها على ظهر رانتولك.
“نوفت، أنتِ ثقيلة.”
“إذاً، هذا هو الوقت الذي تحطم فيه السطح بواسطة الوحوش. واو، يبدو الأمر وكأنه نبوءة.”
“أتظنين ذلك؟ يبدو لي أن هذا كان مجرد واحد من كتب كثيرة أُنتجت، وأعتقد أنه قد يكون شيئاً مثل قصة أطفال أو كتاب مدرسي أو مذهب ديني.”
“فهمت.”
بما أنها شعرت بالرضا، مدت نوفت يدها و”استعارت” إحدى قطع البسكويت التي كانت تمسكها رانتولك. كانت جافة وتتفتت وليست لذيذة جداً، لكنها كانت مثالية لخداع معدتها الفارغة وإيهامها بأنها شهية.
“لا يزال هناك المزيد في هذه الجملة. اممم… الشظايا الست عشرة… تغني أغنية الـ… إعادة تصور العالم الحقيقي… والخلاص للنهاية… البحر و اه… خوف… فـسد… قلبٌ مكتمل… اممم، الفراغ… الفجر…؟”
مالت نوفت برأسها في حيرة. لم تكن تلك جملة، بل كانت سلسلة من الكلمات غير المترابطة تماماً.
“أين خيالكِ؟”
“كلا، إنها حقاً مجرد قائمة كلمات هنا. لا يوجد مجال للتفسير في المقام الأول، فضلاً عن الخيال—”
قاطع حديثهما طرقٌ على الباب.
قطبت نوفت حاجبيها وأفلتت رانتولك.
كانت الاثنتان تتمتعان بوضع خاص، والجميع على متن السفينة الهوائية يدركون ذلك؛ فلا أحد يحاول التقرب منهما أو التفاعل معهما. بناءً على ذلك، لم يكن من المفترض وجود أي شخص راكب على هذه السفينة قد يزور هذه الغرفة، إلا في حالة واحدة: إذا واجهت السفينة خطراً لا يتخيله عقل ولا يمكن لأحد سواهما التعامل معه.
لكن السفينة كانت هادئة تماماً. أرهفتا السمع، ولم تسمعا سوى أزيز الفرن؛ لا صراخ، لا عويل، لا صفارات إنذار، ولا قصف مدفعي.
“يمكنك الدخول؛ الباب ليس موصداً.”
نادتا بحذر من كان على الجانب الآخر. دار مقبض الباب.
“—هل هذه غرفة انتظار حرس القافلة؟”
أطل رجل من عرق الـبوغارد ببطء داخل الغرفة. كان يرتدي ملابس متينة مصممة للأغراض العملية فقط، ولم يبدُ عليه أنه ينتمي للجيش على الإطلاق، ولا حتى تاجراً.
“أحتاج للتحدث مع الحارس الذي أعدّ التجهيزات لهجمات الوحوش… همم؟ هل أنتما الوحيدتان هنا يا آنسات؟”
أجابت رانتولك ببرود: “لا أعرف من أنت، ولكن أرجو أن تغادر. وفقاً للوائح الأسطول، يُمنع الاتصال بيننا وبين أعضاء فريق البحث. حتى مجرد الاقتراب من هذه الغرفة لا ينبغي أن يكون مسموحاً به. ماذا يفعل حارسنا؟”
“أوه، هو؟ لقد تراكمت عليه ديون كثيرة لي في لعبة الورق منذ فترة. كل ما توجب عليّ فعله هو الطلب منه، فتظاهر بأنه لم يرني.”
ابتسم الـبوغارد ابتسامة ودودة، ودون لحظة تردد، خطا داخل الغرفة.
“عذراً، نسيتُ أن أعرفكم بنفسي. أنا غليك. عادة ما أعمل كمنقب مدني، لكن اليوم، استأجرتني شركة أورلاندري لأعمل كمستشار لفريق البحث. حسناً، لستُ في مثل هذا المنصب عادة، ولكن أظن أن الأمور تحدث أحياناً… وأنتم؟ ما قد تكون أسماؤكم؟”
أراحت نوفت خدها على ركبتيها وأشارت له بيدها مبتعدة: “أتظن أننا سنخبرك؟ لم نسألك على أي حال.”
وبدورها أشارت رانتولك له بالمغادرة قائلة: “لا ينبغي لك مخالفة نوايا الاتحاد، خاصة إذا كنت قد استُأجرت من قبلهم.”
“مهلاً، الأمر مختلف. ألا تردن إلقاء التحية على شخص سيحمي ظهوركن من الآن فصاعداً؟”
“… أنت رجل غريب أيها العجوز.” ضيقت نوفت عينيها. “لا يوجد هنا سوانا نحن الاثنتان. كما ترى، نحن فتيات صغيرات بلا ميزات خاصة. هل تعتقد حقاً أننا نبدو كمحاربين مذهلين خُصصوا لحماية الأسطول من تلك الوحوش المرعبة؟”
“بصراحة، أنا أصدق ذلك ولا أصدقه في آن واحد، وفي الوقت نفسه، لا أريد أن أصدقه. ولكن كما تعلمن”—أشار الـبوغارد إلى السيف الضخم الملفوف بالقماش والمتكئ على الجدار— “آنسات صغيرات يحملن أسلحة عتيقة… يبدو هذا تماماً كقصة سمعتها بالفعل. «ليبركان»، أليس كذلك؟”
“لماذا تعرف هذا؟”
“أتيحت لي الفرصة للسماع عنهن منذ أيام فقط… وبالمناسبة، لستُ بهذا الكبر.”
“أنت أكبر منا، على الأقل.”
بدت على وجه غلليك ملامح تشير إلى أنه يوافقهم الرأي جزئياً فقط.
“أوه، صحيح، لقد أحضرتُ لكنّ هدية. على الأرجح أنكن لم تأكلن أي شيء لائق منذ بقائكن على السطح لفترة طويلة. تفضلن، إنها فطيرة لحم حصلتُ عليها من كشك في الميناء قبل مغادرة الجزيرة رقم 31 مباشرة.”
أخرج طرداً ووضعه على الطاولة.
ارتجف كتفا نوفت، واخترقت نظراتها الطرد، وسال لعابها، وقرقرت معدتها بألم. كان البوغارد محقاً؛ فقد مر أكثر من شهر منذ مغادرتهن ريغول آير لحماية فريق البحث، وكان كل ما يأكلنه هو اللحوم المجففة والبسكويت—وهو طعام خفيف وسهل الحفظ، لكنه يفتقر لأي طعم حقيقي. لقد اشتاقت للطعام الحقيقي بشدة، شدة لا توصف.
“إنه مجرد منطق سليم بالنسبة لنا نحن المنقبين؛ أن نهتم بالطعام إذا كنا سنبقى على السطح لفترة طويلة. الشخص الذي خطط لهذا البحث ليس لديه أدنى فكرة عن هذه الأمور.
… أوه أجل، طلبتُ منهم وضع المزيد من التوابل لتبقى صالحة لفترة أطول، لكن ينبغي عليكن أكلها في أقرب وقت ممكن. اليوم، إذا استطعتن.”
ابتلعت نوفت ريقها.
لكنها لم تستطع الاستسلام لشهيتها الآن. ركزت كل قوة إرادتها لتصرف نظرها عن الطرد. ثم، وبعينين تملؤهما الدموع، حدقت بحدة في الـبوغارد.
“أنت تمازحني. مستحيل أن تكسبنا بمثل هذه—”
“شكراً لك على هذه الهدية اللطيفة.”
“—الرشوة الواضحة… أوه، يا إلهيييي، ران!”
انهمرت الدموع من عينيها وهي تلتفت لتنظر إلى صديقتها المقربة الجالسة بجانبها.
“لماذا تفعلين هذا؟! لا يُفترض بنا أخذها!”
“لكن رائحتها شهية. لقد ظللنا نأكل البسكويت لفترة طويلة جداً — لا أستطيع مقاومة الإغراء.”
“أفهم تماماً ما تشعرين به، وكل جسدي وروحي يوافقانكِ الرأي، لكن لا يمكنكِ فعععل ذلللك!”
“إن الـبوغارد لديهم حاسة تذوق مختلفة تماماً عنا، لذا إذا رفضنا وأعدناها، فستفسد فطيرة اللحم فحسب. ولكن الأهم من ذلك…” شحذت رانتولك نظراتها وابتسمت. “لدينا بعض وقت الفراغ الآن. لا أظن أنها فكرة سيئة أن نجري محادثة قصيرة، أليس كذلك؟”
… يا للهول، لقد بدأنا.
عرفت “نوفت” أن أي شيء آخر ستقوله لن يغير من الأمر شيئاً. بمجرد أن تبدأ رانتولك في لعب دور “محامي الشيطان”*، لا يوجد أحد في العالم يمكنه تغيير رأيها. قبل نحو ستة أشهر، حتى عندما تجادلت هي وتلك العنيدة كوتوري بلا رحمة، كانت كوتوري هي من نفد صبرها في النهاية.
*مصطلح شهير devil’s advocate يعني باختاصر لعب دور المحقق لكشف خداع شخص ما أو نواياه الخفية.
كوتوري.
… تردد اسمٌ في ذاكرتها، اسمٌ لم تكن ترغب أبداً في استعادته مرة أخرى.
شعرت نوفت بوخزة في داخلها. كانت الاثنتان في العمر نفسه، ومع ذلك، كانت تلك الفتاة هي السينباي المستفزة، والصديقة التي جادلتها كثيراً، والفرد من العائلة الذي لن تراه ثانية، كلهن في آن واحد.
لقد مضى اليوم الموعود بالفعل بينما كنّ يضعن الوقت على السطح بهذا الشكل. بحلول ذلك الوقت، كان من المفترض أن يكون الوحش السادس(تيميري) الضخم للغاية قد بدأ هجومه في السماء؛ وكان من المفترض أن تعترضه كوتوري وتدحر العدو مقابل حياتها.
تماما كما هو مخطط له، كان عليها أن تضحي بحياتها في تلك المعركة المنتظرة. كان ذلك واجب الجنيات الذهبيات. لا داعي للخوف، ولا ضرورة للشعور بالحزن.
لكن عندما فكرت نوفت في أن تلك الفتاة ذات الشعر الأزرق السماوي، الوقحة وكثيرة الانتقاد، لن تكون هناك بمجرد انتهائهن من هذا العمل الممل وعودتهن إلى السماء، شعرت بفراغ طفيف.
“نوفت؟ ما الخطب؟”
“… لا شيء. إذا كنتِ تقولين إن الأمر بأسره بخير يا ران، فأظن أنه كذلك. افعلي ما تريدين.”
أرخت بجسدها إلى الخلف على السرير. وبينما كانت تفعل ذلك، أدارت وجهها بلا مبالاة بعيداً عن الآخرين؛ لم تكن تريدهما أن يريا تعبير وجهها.
“سآكل فطيرة اللحم بأكملها.”
“خذي النصف فقط.”
“أوه، حسناً، أظنني سأفعل… والآن، غليك، أليس كذلك؟ لقد استُدعيت هنا كمستشار—هل يعني هذا أنك تعمل في التنقيب منذ فترة طويلة؟”
“أجل، أظن ذلك. أنا واثق من أنني أمارس هذا العمل لفترة أطول من هؤلاء الفتيان الذين لم يمضِ على وجودهم سوى وقت قصير.”
“إذاً، هل قابلتَ وحشاً من قبل؟”
ارتجفت نوفت.
“دعونا نرى…” وضع غليك إصبعه على صدغه في وضعية تفكير. “لقد تعرضتُ لهجوم الوحش الثاني والثالث والسادس. وإذا حسبنا الأنواع التي رأيتها من بعيد، أعتقد أنه يمكننا تضمين الخامس والحادي عشر أيضاً.”
“كل هذا العدد؟!”
نهضت نوفت فجأة، وقد تبخرت دموعها. “نحن لم نقاتل أبداً أي شيء سوى تيميري!”
“نحن لا نقاتلها وجهاً لوجه كما تفعلن أنتن يا آنسات. في كل مرة، نعود إلى ديارنا محطمين، متمسكين بحياتنا بالكاد.”
“—ومع ذلك، قد يكون من الصائب الاعتقاد بأنك أكثر معرفة بالوحوش منا.”
“لا أستطيع القول إنني أعرف ما يكفي لأطلق على نفسي ‘خبيراً’. أوه، لقد فهمت. تريدين سؤالي عن شيء يخص الوحوش، أليس كذلك أيتها الفتاة الزرقاء؟”
“أجل…”
خشخشت الورقة بينما كانت رانتولك تفتح غلاف فطيرة اللحم، وجاء صوتها خافتاً.
“لقد ظننتُ دائماً أن الأمر غريب. لقد مر خمسمائة عام منذ أن طُردنا من السطح. عشنا حتى الآن تحت رحمة الوحوش السبعة عشر. إن المعجزة التي مكنتنا من النجاة من فكوك الوحوش المحدقة يمكن اعتبارها تاريخ ريغول آير نفسه. ومع ذلك… نحن نعرف القليل جداً عما تكون عليه هذه الوحوش في الحقيقة.”
ها قد بدأنا من جديد، هكذا فكرت نوفت.
كانت رانتولك، على أية حال، أذكى من نوفت. وبكلمة “ذكية”، كان يُقصد بها أنها اعتادت على فعل التفكير نفسه وكانت بارعة في إيجاد مواضيع للتأمل فيها. أو ربما كان ذلك يعني أنها تشعر بضرورة إيجاد إجابة ترضيها لكل شيء.
بينما بالنسبة لنوفت، لا يوجد حل أفضل للأشياء التي لا يمكن حلها بالتفكير سوى التوقف عن التفكير فيها تماماً.
“ما هي الوحوش على أي حال؟ ربما لا تمانع إذا سألتك عن وجهة نظرك؟”
لقد كانت تفكر في أشياء لا تحتاج للتفكير فيها؛ وتريد معرفة أشياء لا تحتاج لمعرفتها.
اخترقت نظرات رانتولك عيني غليك ذواتي اللون القرمزي مباشرة.
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل