تجاوز إلى المحتوى
صانع دمار العالم

الفصل 18 : تقييم الفرق (3).

في اللحظة التي يتلامس فيها الموت مع الحياة، يتباطأ الزمن، وتصبح الحواس حادة كشفرة مسنونة.

[تم تفعيل المرحلة الثالثة والقصوى من مهارة: وقت الصيد].

مع رنين هذا الإشعار السحري في عقله، شعر زين بانفجار هائل للطاقة في كل خلية من خلايا جسده. الإرهاق الذي كان يثقل كاهله تبخر في لحظة، وحل محله شعور بالخفة والقوة المطلقة.

أمامه، كان المدرب المخضرم يندفع كوحش هائج مجددا، وعيناه تشتعلان بالمانا الفاسدة ذات اللون الأحمر القاني.

كانت سرعة المدرب تفوق الخيال، لكن في عيني زين، التي تفعلت فيها مهارة [عين الافتراس]، كان كل شيء يتحرك بالتصوير البطيء. خطوط بيضاء متوهجة بدأت تُرسم على جسد المدرب، كاشفة عن مسارات المانا المضطربة ونقاط الضعف الناتجة عن هيجانه الأعمى.

‘الآن!’

تجنب زين الهجوم الكاسح للمدرب بانزلاق سلس تحت نصل السيف الخشبي المحطم، وبدلاً من محاولة طعنه بالخنجر في قتال متلاحم ومميت، ركل الأرض بقدمه واندفع للخلف بمرونة بهلوانية، مستغلاً مهارة [خطوة الظل] لخلق مسافة آمنة في جزء من الثانية.

وهو في الهواء، سحب سهماً خشبياً من جعبته، وبحركة واحدة متصلة، ركبه على وتر القوس وسحبه حتى لامس خده.

قام بتركيز كل المانا المتاحة لديه في رأس السهم.

سوييييش!

انطلق السهم ليس مستهدفاً قلب المدرب أو رأسه، بل مستهدفاً نقطة بيضاء مضيئة في مفصل ركبته اليمنى، حيث كانت الأورا الحمراء تتجمع بشكل فوضوي وغير مستقر.

بااام!

اصطدم السهم بالمفصل، ولم يخترقه، لكن الطاقة السحرية الكامنة فيه تسببت في خلل لحظي في توازن المدرب. تعثرت خطوة الوحش الهائج، واختل توازنه، مما أجبره على التوقف لثانية واحدة لتصحيح وقفته.

ثانية واحدة فقط. لكنها كانت كل ما يحتاجه زين.

“هل ستكتفي بالمشاهدة، أيها المتعجرف؟! اقضِ عليه!”

صرخ زين بأعلى صوته، موجهاً كلامه للفتى ذو الشعر البنفسجي الذي كان يجمع المانا خلفه.

من بين سحب الغبار، ارتفع صوت لوتيان البارد كجليد الهاوية، وهو ينطق بجمل غير مفهومة.

[نداء القمر: المرحلة القصوى]

فجأة، اختفى ضوء الشمس في الساحة.

تحولت السماء فوقهم إلى ظلام دامس، قبل أن تنشق وتطلق عموداً هائلاً من الضوء البنفسجي الساطع، الذي هبط كنيزك من السماء مستهدفاً المدرب مباشرة.

‘اللعنة… هذا ليس هجوماً عادياً!’

اتسعت عينا زين برعب عندما أدرك حجم التعويذة. لم يفكر مرتين، ورمى جسده بكل قوته نحو حافة الساحة، محاولاً الهروب من دائرة الاستهداف.

كوااااااابووووم!

الاصطدام لم يكن مجرد صوت، بل كان زلزالاً هز الساحة بأكملها.

الأرض الحجرية تحطمت، وموجة صدمة عاتية محملة بطاقة المانا اجتاحت المكان كإعصار مدمر.

حتى مع ابتعاده، لم يسلم زين من الموجة الارتدادية. شعر وكأن مطرقة عملاقة قد ضربت ظهره، طار جسده في الهواء لعدة أمتار قبل أن يرتطم بالجدار الرملي المحيط بساحة التدريب، وتغلفه غيوم من الظلام وفقدان الوعي.

‘تباً… هذا الوغد… لقد شملني في نطاق هجومه عمداً…’

كانت هذه هي الفكرة الأخيرة التي مرت في ذهن زين قبل أن يسقط في غيابات الظلام.

*

رائحة قوية من الأعشاب الطبية النقية تسللت إلى أنفه.

فتح زين عينيه ببطء وصعوبة. السقف الذي كان يحدق فيه لم يكن سقف المهجع الحجري المألوف، بل كان سقفاً أبيضاً نظيفاً تنبعث منه إضاءة هادئة.

“آخ… هل مت أخيراً؟”

تمتم بصوت أجش وهو يحاول تحريك رقبته المتصلبة. جسده بالكامل كان يصرخ من الألم، وكأن قطيعاً من الخيول المدرعة قد داس عليه.

“أوه! لقد استيقظت!”

صوت مألوف ومزعج بعض الشيء رن في الغرفة.

أدار زين رأسه بصعوبة ليرى كورين، وريث التجار، يجلس بجوار السرير وعلامات الارتياح تملأ وجهه. وفي الزاوية، كان أرغوس الضخم يجلس بصمت، ورأسه ملفوف بضمادات بيضاء، لكنه أومأ برأسه تحيةً له.

“أين أنا…؟”

سأل زين وهو يحاول الجلوس، فأسنده كورين بسرعة.

“أنت في جناح الشفاء المركزي التابع للمنشأة. لقد نمت ليوم كامل يا رجل!”

“يوم كامل؟”

تنهد زين ومسح وجهه. تذكر اللحظات الأخيرة من القتال. الموجة الارتدادية لتعويذة لوتيان، والمدرب الذي فقد عقله.

بحث بعينيه في أرجاء الغرفة، وسرعان ما وجد الهدف.

بالقرب من النافذة، كان لوتيان يجلس على مقعد خشبي، واضعاً ساقاً فوق الأخرى، يقرأ كتاباً قديماً ببرود تام، وكأن شيئاً لم يحدث.

“أنت… أيها الوغد…”

بصق زين الكلمات بمرارة وهو يحدق في لوتيان.

“لقد كدت تقتلني بضربتك تلك. هل أدخلتني في نطاق الاستهداف عمداً؟”

لم يرفع لوتيان عينيه عن الكتاب، وأجاب بنبرة خالية من أي اهتمام.

“نطاق تعويذتي كان دقيقاً. أنت من لم يكن يمتلك السرعة الكافية للابتعاد. المرة القادمة، حاول ألا تكون عائقاً في طريقي.”

“عائق؟ لولاي لكان ذلك المدرب قد سحق جمجمتك قبل أن تنهي تلاوتك السخيفة!”

رد زين بغضب، لكن لوتيان اكتفى بقلب صفحة من كتابه وتجاهله تماماً.

“لا تهتم به يا ران. إنه يتصرف هكذا منذ أن استيقظ.”

تدخل كورين محاولاً تلطيف الأجواء، ثم خفض صوته واقترب من زين ليهمس له بآخر المستجدات.

“الأمور كانت فوضوية جداً في الخارج. لقد تعرض المدرب لإصابات بالغة وتحطمت نواته السحرية بالكامل بسبب هجوم لوتيان. بعد أن وصلت فرق الشفاء، أُقيمت جلسة تحقيق طارئة.”

“وماذا حدث؟”

سأل زين باهتمام.

تحذير: هذا الفصل مسروق إذا كنت لا تقرأه الآن على موقع مـركـز الـروايـات الأصلي. markazriwayat.com

“المدربة جينيسكا احتجت بشدة، واتهمته باستخدام سحر محظور ضد المتدربين. تم تجريده من رتبته وطرده من المنشأة على الفور. لكن…”

تردد كورين قليلاً قبل أن يكمل.

“القائد راد تدخل. صرح بأن ما حدث كان مجرد ‘حادث تدريبي مؤسف’ ناتج عن فقدان السيطرة على المانا، وأغلق القضية لمنع وصولها إلى الأكاديمية الملكية. إنه يحاول التستر على الفضيحة.”

‘كما توقعت تماماً. ذيل السحلية يُقطع لحماية الرأس.’

فكر زين ببرود. راد تخلص من أداة فاشلة، واستخدم سلطته لإسكات الجميع. هذا الحادث لم يكن عشوائياً، بل كان استهدافاً مباشراً تم ترتيبه بعناية.

في تلك اللحظة، ظهر إشعار مألوف أمام عينيه.

قام زين بتفعيل مهارة [ملاحظات المطور] بصمت، ليرى ما إذا كانت هناك أي تغييرات خفية في الحبكة بسبب هذا التدخل.

____

[تحديث الإعدادات: القائد راد فقد صوابه بسبب عقدة النقص تجاه القائد الأعلى ليد. وجود متدرب يحمل توصية من ليد أدى إلى تسريع انحداره نحو التطرف]

[راد لم يعد مجرد خصم أكاديمي، بل أصبح يمثل تهديداً مباشراً يبحث عن فرصة للقتل.]

____

‘إذن، هذا بسببي…’

تنهد زين داخلياً. لقد كان يعلم أن راد يكرهه، لكنه لم يدرك أن كراهيته قد وصلت إلى هذا الحد من التطرف بسبب التوصية. راد مستعد للتضحية بأي شخص فقط لكسر كبرياء ليد من خلال تدمير المتدرب الذي أرسله.

على أي حال، لقد نجا هذه المرة.

استدعى زين نافذة حالته ليرى نتيجة هذا الجحيم الذي مر به.

____

[القدرة القتالية الشاملة: 151]

____

ابتسم زين برضا.

لقد ارتفعت قدرته القتالية بشكل ملحوظ. القتال ضد خصم يفوقه قوة، واستنزاف المانا حتى آخر قطرة، ساعد في توسيع نواته السحرية وزيادة توافقه مع جسده الجديد.

“هذا جيد.”

تمتم زين، مما أثار استغراب كورين.

“ما الجيد في الأمر؟ لقد كدنا نموت جميعاً!”

“نجونا، وهذا هو المهم. وبما أننا اجتزنا التقييم، فلدينا وقت للراحة، أليس كذلك؟”

أزاح زين الغطاء الأبيض عنه، ووقف على قدميه. رغم الألم الذي كان يسري في عضلاته، إلا أن قدرته على التعافي كانت ممتازة.

“أجل، اليوم هو يوم راحة للدفعة بأكملها للتعافي من التقييمات.”

“ممتاز. إذن، هل نذهب للاحتفال؟ سأعزمكم على الطعام في قاعة الطعام المركزية.”

أعلن زين وهو يرتدي قميصه النظيف.

اتسعت عينا كورين بصدمة، وكذلك أرغوس الذي كان يراقب بصمت.

“أنت؟ ستدفع ثمن الطعام؟”

سأل كورين بغير تصديق.

“بالطبع لا، أنت من سيدفع. أليست عائلتك هي الأغنى هنا؟”

رد زين بوقاحة تامة وهو يبتسم.

“هاه؟! لماذا أدفع أنا؟!”

“لأنك كدت تقتلني أنت وأرغوس بسبب عدم كفاءتكم! اعتبرها ضريبة الحماية التي أقدمها لكم. هيا، لنذهب، أنا أتضور جوعاً.”

دفع زين كورين من كتفه مازحاً، ونهض أرغوس ببطء ليتبعهما، فرغم بساطته، كان يدرك أن زين هو العقل المدبر الذي أبقاهم أحياء.

وعند الباب، توقف زين، والتفت نحو الزاوية حيث كان يجلس الفتى الانطوائي.

“وأنت أيضاً. اترك ذلك الكتاب اللعين وتعال معنا، أيها الطفل.”

توقف لوتيان عن القراءة، ورفع عينيه البنفسجيتين القاتلتين نحو زين.

“لا تدعني بذلك الاسم. وليس لدي أي نية لمرافقة حشرات مزعجة مثلكم لتناول الطعام.”

كان رفضه قاطعاً وبارداً كالثلج.

لكن زين لم يتراجع. اقترب بخطوات هادئة حتى وقف أمام لوتيان، وانحنى قليلاً ليهمس في أذنه بحيث لا يسمعه كورين أو أرغوس.

“إذا لم تأتِ… فسوف أقف في منتصف قاعة الطعام، وأشرح للجميع بالتفصيل الممل كيف أن الناجي الأخير من عشيرة ‘الليل الأزلي’ يمتلك شهية انتقائية ويخاف من تناول الطعام مع البشر.”

تجمد جسد لوتيان بالكامل.

اتسعت عيناه بصدمة حقيقية، واهتز بؤبؤه البنفسجي لأول مرة.

‘كيف… كيف يعرف هذا البشري هويتي الحقيقية؟’

كانت الصدمة واضحة على وجهه الذي كان دائماً يحافظ على بروده.

تراجع زين، وابتسم بانتصار وهو يرى تأثير كلماته.

“إذا كنت لا تريد أن تصبح مركز اهتمام المنشأة بأكملها، فمن الأفضل أن تنهض وتتبعنا بصمت. لا تقلق، لن نجعلك تدفع الفاتورة.”

حدق لوتيان في زين لعدة ثوانٍ بنظرة تحمل مزيجاً من القتل، الحيرة، والإكراه.

في النهاية، أغلق كتابه بقوة أحدثت صوتاً مسموعاً، ونهض من مقعده بملامح متجهمة بشدة، وتبعهم دون أن ينطق بكلمة إضافية.

“هذه هي الروح التعاونية! هيا بنا يا رفاق!”

صاح زين بمرح مصطنع، وقاد فريقه الغريب الأطوار نحو قاعة الطعام.

‘قد يكون طفلاً قوياً ومخيفاً… لكنه في النهاية مجرد طفل يسهل التلاعب به إذا عرفت أسراره.’

فكر زين وهو يسير في الممر.

✦ انتهى الفصل ✦

هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.

تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .

مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

التالي
18/27 66.7%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.