الفصل 17 : تقييم الفرق (2).
من خلف حواجز الساحة الرملية، كانت عيون المتدربين من الفرق الأخرى متسعة بذهول لا يُصدق.
الهمسات التي كانت تملأ المكان تلاشت تماماً، وحل محلها صمت مطبق، لا يقطعه سوى دوي الانفجارات السحرية المتتالية.
“هل رأيتم ذلك للتو؟ ما هذا السحر؟”
“أعمدة من الظلام الخالص تنزل من السماء… هذا لا يبدو كسحر تقليدي!”
كان المتدربون يراقبون المشهد وكأنهم يشاهدون أسطورة تتجسد أمامهم.
في وسط الساحة، كان الغبار الكثيف يتصاعد ليغطي الرؤية، لكن ومضات المانا البنفسجية والسوداء كانت تخترق السحب الترابية بوضوح مرعب.
وفي قلب تلك العاصفة، كان زين يقف، يراقب ما يحدث ببرود، بينما يده اليسرى تقبض على قوسه الخشبي بقوة.
لقد كان هذا هو المشهد الذي توقعه ككاتب لهذه القصة، لكن رؤيته على أرض الواقع كانت تجربة مختلفة كلياً.
لوتيان، الفتى ذو الشعر البنفسجي، لم يعد جالساً على الصخرة.
بفضل مهارة [الطفو السحري]، كان يرتفع في الهواء لعدة أمتار، ينظر إلى الأسفل بعينين خاليتين من المشاعر، وكأنه يراقب حشرات.
أمام هذا المشهد، كان المدرب المخضرم يلهث بشدة، وسيفه الخشبي المغطى بـ الأورا الزرقاء يرتجف في يده.
لقد استخدم كل مهاراته في التوغل والمراوغة، لكنه لم يستطع حتى خدش ملابس هذا الفتى الذي يتلاعب به كدمية.
“هذا… هذا ليس مزاحاً بعد الآن…”
تمتم المدرب من بين أسنانه المطبقة.
بالنسبة لفارس تخرج من الأكاديمية الملكية، وشغل منصب مدرب في منشأة الإعداد، فإن التعرض للإذلال واللعب به بهذه الطريقة أمام مئات المتدربين كان أمراً يمس كرامته.
حتى لو كان خصمه يمتلك موهبة فطرية نادرة، فإن كبرياء الفارس المخضرم لم يسمح له بقبول هذه الهزيمة المهينة دون قتال يائس.
غرررر…
صوت احتكاك أسنان المدرب كان مسموعاً بوضوح.
“إنه قادم. استعدوا للأسوأ!”
صرخ زين بأعلى صوته محذراً أرغوس وكورين.
“مـ… ماذا تقصد؟”
تساءل أرغوس، لكنه غرز قدميه في الرمل ورفع درعه البرجي الضخم بإحكام أمام صدره، محتمياً خلفه وكأنه جدار من الفولاذ.
في اللحظة التالية، انفجرت الأورا من جسد المدرب بشكل عنيف وغير مستقر. لم تكن المانا زرقاء صافية كما كانت في البداية، بل بدأت تتخللها خيوط حمراء دموية.
كانت عيناه قد فقدتا بياضهما تماماً، وتحولتا إلى اللون الأسود القاتم مع بؤبؤ أحمر مشتعل.
[حالة غير طبيعية: هيجان المانا].
ظهرت نافذة النظام أمام عيني زين لتؤكد شكوكه.
المدرب قد فقد عقله تماماً. لقد ترك الغضب والمهانة يسيطران على نواته السحرية، مما أدى إلى احتراق المانا بشكل فوضوي يضاعف من قوته الجسدية على حساب إدراكه وعقلانيته.
استخدام حالة الهيجان، أو حتى الأورا عالية الكثافة ضد متدربين مبتدئين في اختبار تقييمي، لم يكن مجرد خرق للقواعد، بل كان جريمة يُعاقب عليها قانون الفرسان.
هذا لم يعد اختباراً. هذه محاولة قتل صريحة.
‘هل فقد هذا الوغد عقله بالكامل؟’
فكر زين وهو يرمي نظرة خاطفة نحو الشرفة العلوية للمنشأة.
هناك، حيث يقف المشرفون، كان القائد راد يقف واضعاً يديه خلف ظهره. لم يكن يبدو مصدوماً أو قلقاً، بل كانت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وكأنه يستمتع بعرض ترفيهي أُعد خصيصاً له.
في تلك اللحظة، فهم زين كل شيء.
‘أنت من رتبت هذا، أيها القائد اللعين.’
لقد تعمد راد وضع مدرب يعاني من صدمات نفسية أو خلل في نواته السحرية لتقييم فريقهم. كان يعلم أن فريقاً يضم عامياً مكروهاً وفاشلين لن يثير اهتمام أحد إذا وقع حادث مؤسف أثناء التدريب.
وإذا مات زين هنا، فسيكون مجرد حادث تدريبي، وسيتنصل راد من أي مسؤولية.
“اللعنة، تفادوا!”
صرخ زين، ورمى جسده جانباً بحركة دحرجة سريعة.
بام! بووووم!
صوت انفجار شديد أصم الآذان.
لم يتجه المدرب الهائج نحو لوتيان المعلق في الهواء، بل غيّر مساره في جزء من الثانية وانقض نحو التشكيل الأرضي لفريق زين، حيث يتواجد الضعفاء.
غير هدفه من أقوى واحد في المجموعة لوتيان، الى الحلقة الأضعف أولا.
بسرعة تفوق قدرة العين على التتبع، وصل المدرب أمام أرغوس. لم يستخدم سيفه، بل وجه ركلة مدمرة مشبعة بـ الأورا الحمراء مباشرة نحو مركز الدرع البرجي.
كرااااش!
صوت تحطم مرعب تردد في الساحة.
الدرع المقوى بالحديد، والذي كان يُفترض أن يتحمل هجمات وحوش الهاوية من الرتبة المنخفضة، تحطم كقطعة بسكويت هشة.
“أووووه!”
أطلق أرغوس صرخة ألم مكتومة، وطار جسده الضخم في الهواء لعدة أمتار قبل أن يسقط على الأرض بقوة، متدحرجاً كدمية مكسورة. درع التدريب الجلدي الخاص به تمزق بالكامل، وفقد الوعي على الفور.
“أرغوس!”
صرخ كورين برعب، وبدافع الصدمة والذعر، ضغط على زناد نشابه السحري بشكل متكرر ودون تفكير.
انطلقت ثلاثة أسهم سحرية مضغوطة متجهة نحو صدر المدرب الهائج.
لكن المدرب لم يراوغ. اكتفى برفع ذراعه اليسرى، واستخدم الأورا الكثيفة كدرع صلب لصد الأسهم.
تناثرت الأسهم السحرية كشرارات ألعاب نارية دون أن تترك خدشاً واحداً.
وقبل أن يدرك كورين ما يحدث، كانت قبضة المدرب قد اخترقت المسافة وضربته في بطنه.
غوووه!
تقيأ كورين اللعاب، وتلوى جسده النحيل من الألم قبل أن يسقط بجوار أرغوس، فاقداً للوعي هو الآخر.
في غضون ثلاث ثوانٍ فقط، تم تحييد نصف الفريق.
‘هذا المدرب المجنون… إنه ينوي قتلنا حقاً.’
تصلبت عضلات زين وهو ينهض من دحرجته، موجهاً قوسه نحو المدرب.
الآن، وجه المدرب الهائج نظره المليء بالدماء نحو لوتيان الذي كان لا يزال يطفو في الهواء.
يبدو أن إسقاط الضعفاء كان مجرد إحماء لغضبه الحقيقي.
[سيد الليل]
[ضربة ضوء القمر]
لوتيان، الذي أدرك أخيراً أن خصمه لم يعد يلتزم بقواعد التدريب، أطلق مهارتيه في نفس الوقت.
أعمدة من الظلام وشفرات من المانا البنفسجية هطلت كالمطر على المدرب.
تشيك… كراك.
رغم كثافة الهجوم السحري، كان المدرب يستخدم الأورا الهائجة لاختراق وابل التعاويذ. جسده كان يُخدش وتنزف منه الدماء، لكنه لم يتوقف. الألم كان يزيده هيجاناً وسرعة.
وبقفزة وحشية حطمت الأرض تحته، وصل المدرب إلى مستوى لوتيان في الهواء.
بوم!
ضربة قوية من قبضة المدرب اصطدمت بالحاجز الشفاف الذي يحيط بلوتيان.
الحاجز الذي امتص الضربات السابقة بسهولة، بدأ يتشقق هذه المرة كزجاج نافذة ضُرب بمطرقة.
‘حاجز الحماية المطلقة لـ عشيرة الليل الأزلي ليس مثالياً. إنه ينهار إذا تجاوزت الأضرار المتراكمة حداً معيناً!’
أدرك زين نقطة الضعف فوراً.
وبالفعل، مع توجيه المدرب لضربة ثانية مدعمة بالأورا الحمراء، تحطم الحاجز السحري بالكامل وتناثر كشظايا ضوئية.
قبل أن يتمكن لوتيان من استخدام مهارة [الطفو السحري] للابتعاد، امتدت يد المدرب الخشنة وأمسكت بعنق الفتى ذو الشعر البنفسجي بقوة غاشمة.
“كُغ… غاااه…!”
أطلق لوتيان صوتاً مختنقاً، وبدأ وجهه الشاحب يميل إلى الزرقة.
سقط الاثنان على الأرض بوزن ثقيل، والمدرب لا يزال يطبق بيديه على عنق لوتيان، عازماً على خنقه حتى الموت.
‘اللعنة!’
لم يفكر زين مرتين.
لقد كان يكره هذا الفتى المتعجرف، لكن موت شخصية محورية كلوتيان هنا سيعني دمار خطته بالكامل، وربما دمار القارة لاحقاً.
[تم تفعيل المرحلة الأولى من مهارة: وقت الصيد].
مع تفعيل المهارة التي بدأت تتراكم، اندفع زين كالسهم نحو المدرب.
لم يطلق سهماً، فالمسافة كانت قريبة جداً، ولوتيان كان في خط النار.
بدلاً من ذلك، استخدم خفة حركته بفضل [خطوة الظل]، واقترب من النقطة العمياء للمدرب من الخلف.
وبحركة سريعة ومدروسة، سحب خنجره الداكن من حزامه، ووجه طعنة دقيقة نحو أوتار ذراع المدرب التي تخنق لوتيان.
سويييش! تشاك!
اخترق نصل الخنجر الخاص بزين طبقة الأورا الحمراء الخفيفة المحيطة بالذراع، وغاص في اللحم.
“غرااااه!”
زأر المدرب من الألم، وأفلت قبضته عن عنق لوتيان لثانية واحدة كافية.
استغل زين تلك الثانية، ودفع كتف المدرب بقوة ليُفقده توازنه، ثم سحب لوتيان من ياقته ورماه إلى الخلف لتأمين مسافة.
سعل لوتيان بشدة، وهو يمسك بحنجرته التي طُبعت عليها علامات أصابع حمراء داكنة.
“أيها… الشقي.”
نطق زين وهو يتنفس بصعوبة، واقفاً كدرع بين المدرب الهائج ولوتيان.
“كُح… كُغ… لست…”
“إنها هدنة مؤقتة، هل تفهم؟”
قاطعه زين بصرامة، وعيناه لا تفارقان المدرب الذي بدأ ينهض ببطء، والدم يقطر من ذراعه.
“أنا… أكرهك.”
همس لوتيان بصعوبة.
“الشعور متبادل يا صديقي. أترى ذلك الوحش الذي فقد عقله؟ إما أن نتعاون الآن لكسر جمجمته، أو نموت كالفئران.”
“لست طفلاً… لكي تتحدث معي هكذا!”
“حسناً، حسناً! إذا تعاونت معي الآن ونجونا، سأبدأ بمناداتك بلوتيان من الليل الأزلي، و بـكل تلك الألقاب الفخمة التي تحبها. هل اتفقنا؟”
“…أنت…كيف.”
“ليس الوقت المناسب للأسئلة الأن، أنا في الطليعة كمشتت، وأنت المدفعية من الخلف. لا تُصبني بتعويذاتك بالخطأ!”
زمجر لوتيان، وبدأ في حشد المانا البنفسجية حوله مجدداً، وعيناه تشتعلان بغضب حقيقي هذه المرة.
“ممتاز.”
صرخ زين، وبدأ في التحرك.
كان المدرب يحدق بهما بعينين يملؤهما الجنون. لم يعد هناك أي أثر للعقل في تصرفاته، بل غريزة قتل عمياء.
انطلق المدرب نحو زين بسرعة مرعبة.
رفع زين قوسه بيده اليسرى، ليس للرماية، بل للتمويه. وفي اللحظة التي رفع فيها المدرب سيفه الخشبي المحطم جزئياً لتوجيه ضربة قاضية، انزلق زين من تحته.
حاول توجيه طعنة بخنجره نحو ركبة المدرب.
لكن… الفجوة في القوة الغاشمة كانت كبيرة جداً.
تمكن المدرب من تعديل مسار ضربته في منتصف الهواء، واستخدم قبضته الحرة ليوجه لكمة كاسحة نحو وجه زين المنزلق.
‘تباً… سريع جداً!’
لم يتمكن زين من تفادي اللكمة بالكامل.
باااام!
اصطدمت القبضة المغطاة بـ الأورا الحمراء بفك زين الأيسر.
شعر وكأن صاعقة قد ضربت جمجمته. وميض أبيض أعمى بصيرته، وطار جسده في الهواء، ليصطدم بالأرض الرملية بقوة أفقدته إحساسه بالواقع للحظة.
‘آه…تبا هذا مؤلم كالجحيم، هل سأموت هنا.’

تعليقات الفصل