تجاوز إلى المحتوى
صانع دمار العالم

الفصل 13 : تقييم الأسلحة.

وقف زين في الردهة الحجرية المضاءة ببلورات المانا، يراقب من خلال القوس المعماري المفتوح.

المدربة جينيسكا، فارسة النخبة والمسؤولة عن تقييم الأسلحة.

كانت تجلس خلف طاولة من خشب البلوط، تنقر بإصبعها المغطى بقفاز جلدي على ورقة التقييم الخاصة به. كان حاجباها معقودين في تعبير يمزج بين الحيرة وعدم الرضا التام.

لم يكن زين بحاجة إلى قراءة أفكارها ليعرف سبب انزعاجها. لقد كان يرى بوضوح الخانتين اللتين وضع فيهما علامة الاختيار قبل دقائق في مستودع الأسلحة الأثرية.

السلاح الأساسي: القوس الطويل.

السلاح الثانوي: خنجر القتال المتلاحم.

في تقاليد الأكاديمية الملكية وفرسان النور، هذا المزيج يُعتبر نكتة سمجة. الفرسان يختارون السيف العظيم، الرماح، أو المطارق لسحق وحوش الهاوية.

السحرة يختارون العصي. أما اختيار سلاح للرماية من مسافة بعيدة جداً، مقترناً بسلاح مصمم للطعن من مسافة صفر… فهو اختيار يتناقض مع أي تكتيك قتالي معروف في هذه القارة.

تنحنح زين قليلاً، وخطا داخل الغرفة، حاملاً قوساً خشبياً مرناً في يده اليسرى، بينما استقر الخنجر الداكن في حزامه الجلدي.

رفعت جينيسكا عينيها الحادتين نحوه، وتنهدت ببطء.

“القوس والخنجر. هل أنت مدرك للتناقض الصارخ الذي تحمله بين يديك أيها المتدرب؟”

سألته بنبرة هادئة لكنها تحمل ثقلاً يضغط على الأنفاس.

“أنا مدرك تماماً، أيتها المدربة جينيسكا. لكن هذا المزيج هو الوحيد الذي يتوافق مع طبيعة المهارات الخاصة بي.”

أجاب زين بثقة تامة، دون أن يرمش.

في هذا العالم السحري، السؤال بعمق عن المهارات الخاصة بشخص ما يُعتبر انتهاكاً لخصوصية الساحر أو الفارس. لذا، ورغم عدم اقتناعها، اكتفت جينيسكا بالإيماء برأسها وقامت من مقعدها.

“الكلمات لا تثبت شيئاً في ساحة المعركة. ارتدِ هذا الدرع السحري الخفيف، وإتبعني، أرني كيف ستنجو من هجومي.”

أشارت إلى درع جلدي ملقى على مقعد قريب.

التقط زين الدرع وارتداه بسرعة. بمجرد أن أُغلق المشبك النحاسي، أصدر الدرع طنيناً خافتاً، وتقلص ليتكيف مع حجم جسده وكأنه جلد ثانٍ. لقد كان درعاً مشبعاً بتعويذة حماية، سيمتص ضربة واحدة قاتلة ويتفتت لإنقاذ حياة المتدرب في حالات الخطر.

“هل أنت مستعد؟”

سألت جينيسكا، وسحبت سيفاً خشبياً للتدريب، مغلفة إياه بطبقة رقيقة ومرعبة من الأورا الزرقاء.

“دائماً.”

أجاب زين، وفي اللحظة التي نطق فيها بالكلمة، تغيرت أجواء الساحة تماماً.

انطلق العد التنازلي لمهارة [وقت الصيد] في أعماق جسده، وومضت عيناه للحظة بتأثير [عين الافتراس].

لكن الصدمة كانت حاضرة، جسد جينيسكا لم يظهر عليه أي نقطة ضعف بيضاء. وقفتها كانت خالية من أي ثغرة سحرية أو جسدية. إنها أشبه بجدار فولاذي أملس.

‘هذا هو الفارق المرعب بين مبتدئ وفارسة من النخبة.’

فكر زين، وبحركة خاطفة، تراجع خطوتين إضافيتين للخلف، سحب سهماً خشبياً غير مدبب من جعبته، ثبته على وتر القوس، وأطلقه.

سوييييش!

انطلق سهم يمزق الهواء متجهاً نحو كتفها.

لم ترمش جينيسكا حتى. حركت معصمها بمليمترات قليلة، وطيرت السهم بطرف سيفها وكأنها تبعد ورقة شجر متساقطة.

“دقة جيدة، لكن توجيه أسهم مكشوفة في خط مستقيم لن…”

قبل أن تنهي جملتها، كان زين قد أطلق سهمين متتاليين في مسارين منحنيين، مستهدفاً ركبتها اليمنى ونقطة عمياء فوق كتفها الأيسر.

اتسعت عينا جينيسكا قليلاً من المفاجأة. لم تكن تتوقع هذه السرعة في إعادة التلقيم من شخص لم يتلق تدريباً.

اندفعت للأمام كالعاصفة، محطمة السهمين بجسدها المغلف بالمانا، وتجاوزت المسافة التي تفصل بينهما في جزء من الثانية.

‘إنها هنا!’

عندما رأى زين السيف الخشبي يهوي نحو عنقه كالصاعقة، لم يحاول استخدام قوسه لصد الضربة كما يفعل الأغبياء. القوس سلاح هش في القتال المباشر.

بدلاً من ذلك، رمى جسده إلى اليمين بمرونة مذهلة، مستغلاً خفة الحركة التي منحتها له مهارة [خطوة الظل] التي اكتسبها مؤخراً.

مر السيف بجانب أذنه، مولداً تياراً هوائياً حاداً جرح خده.

وبينما كانت جينيسكا تظن أنه في حالة اختلال توازن بسبب تفاديه اليائس، انطلق وميض داكن من الأسفل.

تشيييينغ!

اصطدم سيف جينيسكا الخشبي بشيء صلب.

لقد كان خنجر زين، الذي سحبه في منتصف تفاديه، مستخدماً إياه كخط دفاع أخير لصد النصل.

القوة التي انتقلت من سيفها إلى خنجره كادت أن تكسر معصمه. ارتد جسد زين للخلف بعنف وتدحرج على الرمال، لكنه سرعان ما استعاد توازنه ووقف على قدميه، يلهث بشدة.

“يا له من تكتيك ماكر.”

تحدثت جينيسكا، وخفضت سيفها قليلاً، وعيناها تلمعان باهتمام حقيقي.

“استخدام القوس لتشتيت الانتباه وإجباري على إغلاق المسافة، ثم تجهيز الخنجر للطعن أو الصد من النقطة العمياء. هذا ليس أسلوب فارس… هذا أسلوب قاتل متمرس.”

“في الغابات والمناطق الملوثة، الفارس الذي يعتمد على الشرف فقط يموت أولاً.”

أجاب زين وهو يمسح قطرة دم تسربت من خده المخدوش.

“أتفق معك تماماً.”

ابتسمت جينيسكا، وهذه المرة، لم تتساهل.

اندفعت نحوه بوابل من الهجمات. لم تمنحه ثانية واحدة لسحب سهم آخر. أجبرته على الانخراط في قتال متلاحم حيث يكون خنجره القصير في موقف ضعيف جداً أمام مدى سيفها الطويل.

كان زين يتراجع باستمرار، يصد بالخنجر تارة، ويستخدم القوس كأداة للتمويه تارة أخرى. كان جسده يصرخ من الألم، والمانا في نواته تكاد تنفد.

مرت عشر دقائق من الجحيم.

[تم تفعيل المرحلة الثانية من مهارة: وقت الصيد].

مع هذا التفعيل، استعاد زين بعض التوازن، أصبحت ردود أفعاله أسرع، وبدأ يقرأ حركات جينيسكا بشكل أفضل، لكنه كان لا يزال في موقف المدافع الذي يقاتل للنجاة بحياته.

“كافٍ.”

تراجعت جينيسكا فجأة، وأخفضت سيفها.

كان زين يقف وهو يتنفس بصعوبة بالغة، وقميصه ملتصق بجسده من شدة العرق.

“لقد أثبتّ وجهة نظرك. القوس لإبقاء العدو في حالة توتر، والخنجر للتعامل مع المفاجآت القريبة. رغم أن أسلوبك مليء بالثغرات ويفتقر للأساسيات السحرية الصحيحة، إلا أن حواسك القتالية وقدرتك على دمج سلاحين متناقضين استثنائية.”

“شكراً لكِ… على هذا التقييم المنصف.”

“ستحصل على 9 درجات من أصل 10 في هذا الاختبار. الآن، توجه إلى مكتبة الأرشيف، واحصل على أدلة التدريب الخاصة بالرماية والقتال المزدوج. لا أريد أن أرى هذه الأخطاء البدائية عندما أختبرك مجدداً.”

أومأ زين برأسه باحترام، وغادر الساحة.

لقد حصل على مراده. إثبات جدارته، وتثبيت أسلوبه القتالي الغريب دون أن يثير الشكوك حول طبيعة مهاراته التي تعتمد على إطالة أمد المعركة.

*

بعد أن استعار زين المخطوطات القديمة من الأرشيف، توجه نحو الساحة المفتوحة وبدأ في قراءة وضعيات الرماية الصحيحة، محاولاً تصحيح وقفته وتدفق المانا في ذراعيه.

كانت الشمس تميل نحو الغروب، وتلقي بظلال طويلة على مجسمات التدريب.

وبينما كان يركز على سحب وتر القوس، سمع صوت خطوات متعددة تقترب منه.

خفّض قوسه ببطء، والتفت.

كان بطل القصة، إيثان، يرافقه ثلاثة من زملائه المتدربين، يقفون أمامه بوجوه يكسوها الجدية والانزعاج.

“هل هناك خطب ما، إيثان؟”

سأل زين بهدوء، وهو يضع السهم في جعبته.

“الأمر يتعلق ببارسونز.”

تحدث إيثان بصرامة، وعيناه تلمعان بمشاعر مختلطة من خيبة الأمل والغضب المكتوم.

بارسونز. المتدرب الذي تم طرده صباح الأمس بحجة الحفاظ على التشكيلات الرباعية، والذي كان في الواقع ضحية لتصفية الحسابات بين القائد راد وزين.

“إنه عند البوابة الغربية الآن، يحزم أمتعته وينتظر عربة العودة إلى قريته. لقد انتهى حلمه بأن يصبح فارساً.”

تابع إيثان كلماته، وتقدم خطوة نحو زين.

“أريدك أن تأتي معي، وتعتذر له قبل أن يغادر.”

لم يطالب إيثان زين بالرحيل بدلاً من بارسونز، فهو يعلم أن أوامر القيادة لا تُناقش. لكنه بصفته الشخصية المثالية التي تدافع عن الضعفاء، كان يرى أن زين مدين للمتدرب المطرود باعتذار، كونه السبب غير المباشر في تدمير مستقبله.

توقع أصدقاء إيثان أن ينفجر زين غضباً، أو أن يرد بوقاحة وتكبر قائلاً: ‘ولماذا أعتذر لضعيف فشل في إثبات نفسه؟’. لقد كانوا مستعدين للاشتباك معه.

لكن ردة فعل زين كانت مفاجئة للجميع.

“حسناً. لنذهب.”

أجاب زين ببساطة تامة، ورمى قوسه على الحامل الخشبي.

“…ماذا؟”

رمش إيثان بذهول، وفقدت ملامحه الغاضبة توازنها للحظة.

“ألم تقل إن العربة ستغادر قريباً؟ دعنا نذهب قبل أن يفوت الأوان.”

سار زين متجاوزاً إياهم نحو البوابة الغربية، تاركاً إياهم يتبادلون النظرات المربكة قبل أن يلحقوا به بسرعة.

‘لماذا أجادل هذا البطل الأحمق؟’

فكر زين ببرود وهو يسير. في الواقع، كان من الصحيح القول إن بارسونز طُرد بسببه. وبما أن مجرد كلمات بسيطة يمكن أن تمنع عداوة مبكرة مع بطل القصة المليء بالعدالة، فلن يخسر شيئاً بتقديم اعتذار. بل إنها فرصة مثالية لترسيخ شخصيته في أذهانهم.

عند البوابة الغربية.

كان بارسونز يجلس على حقيبته الجلدية البالية، ورأسه بين يديه، كمن فقد روحه للتو.

عندما سمع وقع الخطوات، رفع رأسه المحتقن بالدموع، ورأى إيثان يقترب، وخلفه زين.

“بارسونز.”

تحدث زين فور وصوله، ووقف أمام الفتى المنهار مباشرة.

نظر بارسونز إليه بمزيج من الخوف والقهر.

“أنا أعتذر بصدق. لقد تم طردك بسبب قدومي المتأخر، وهذا أمر غير عادل لك بعد أن عانيت في التدريب. أنا آسف حقاً لضياع مجهودك.”

كانت الكلمات واضحة، نبرته كانت هادئة وتحمل أسفاً حقيقياً لا يمكن إنكاره.

تنفس إيثان الصعداء، وبدا وكأنه يقدر موقف زين. لكن ما حدث في اللحظة التالية كسر تلك الأجواء تماماً.

انحنى زين قليلاً نحو بارسونز، وتغيرت نبرته من الأسف إلى برودة قاتلة، وكأنه يغرس خنجراً مسموماً في جرح مفتوح.

“ولكن… دعنا نكن واقعيين يا بارسونز. من بين ألف متدرب، أنت كنت تحتل المركز الأخير في تقييم المانا واللياقة.”

توقفت أنفاس بارسونز، واتسعت عينا إيثان بصدمة.

“أن تكون الأضعف والأبطأ في منشأة للتدريب مخصصة للنجاة من وحوش الهاوية، يعني أنك كنت ستموت في أول غارة حقيقية خارج هذه الأسوار. وتموت بطريقة بشعة، وربما تتسبب في مقتل فريقك بأكمله.”

“ماذا تقول بحق الجحيم؟!”

صرخ أحد أصدقاء إيثان، وتقدم ليمسك بياقة زين، لكن إيثان أوقفه بيده، وهو يرتجف من الغضب.

لم يلتفت زين للصراخ خلفه، بل أبقى عينيه مثبتتين على بارسونز الذي بدأ يرتجف.

“طردك اليوم لم يدمر مستقبلك… بل أنقذ حياتك. عُد إلى قريتك، وتدرب حتى تدمي يداك. إذا كنت حقاً تريد أن تصبح فارساً، فعد في العام القادم وأنت قوي بما يكفي لكي لا تكون الحلقة الأضعف التي تُرمى لتصحيح الأرقام.”

استقام زين في وقفته، ونظر إلى الفتى المحطم للمرة الأخيرة.

“أعتذر مرة أخرى لسوء الحظ الذي جلبته لك. أتمنى لك رحلة آمنة.”

استدار زين ببرود، وبدأ يبتعد بخطوات هادئة نحو ساحات التدريب.

خلفه، وقف إيثان وأصدقاؤه في حالة من الذهول المطلق. الكلمات التي نطق بها زين كانت قاسية، سامة، وتفتقر لأي ذرة من التعاطف، لكن في جوهرها…

كانت الحقيقة العارية والمؤلمة لهذا العالم القاسي.

التالي
13/27 48.1%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.