تجاوز إلى المحتوى
رواية وجهة نظر المؤلف

الفصل 769 : تغييرات على الأرض [2

الفصل 769: تغييرات على الأرض [2]

[دار أيتام مجتمع مدينة أشتون]

ارتجفت الشموع الخافتة داخل قاعة العبادة بلا توقف، ملقية توهجًا غريبًا على الداخل

خلقت درجات البرتقالي والأسود المتناوبة في الغرفة جوًا مقلقًا، زاده الصمت داخلها ثقلًا

كان الصوت الوحيد المسموع هو صفير الريح اللطيف في الخارج، الذي بدا وكأنه يتسلل عبر الشقوق والفجوات في المبنى القديم

رنين―!

ومع مرور الدقائق، انكسر الصمت فجأة برنين عال. انفتح باب معين داخل قاعة العبادة بعنف، واندفعت راهبة منه

“آه، لا،لا،لا… لا…”

كان على وجهها تعبير مذعور، وعيناها واسعتان من الخوف

“لا… لا، كيف يمكن أن يكون هذا؟”

كان في وجهها جنون واضح وهي تتمتم لنفسها بصوت بالكاد يعلو على الهمس. كانت كلماتها بالكاد مفهومة، كما لو أنها تتحدث إلى شخص غير موجود

“لا بد أنه خطأ”

تسارعت خطوات الراهبة وهي تعبر قاعة العبادة، وقدماها لا تصدران إلا صوتًا خافتًا فوق الأرضية الحجرية

“لا… لا… لا…”

كان نظرها مثبتًا على تمثال معين، وكلما اقتربت، ازداد تعبيرها يأسًا. وبيدين مرتجفتين، شبكت كفيها معًا وسقطت على ركبتيها

ارتطام!

“الحامي”

همست، وكان صوتها بالكاد مسموعًا

احترقت عيناها بالإجلال وهي تنظر إلى التمثال الذي ارتفع فوقها

كان التمثال هو معتقدها، وتجسيد كل ما تعده مكرمًا. ومع ذلك، قبل لحظات فقط، شعرت بأن معتقدها قد اهتز

لم تكن متأكدة من السبب، لكن الشعور كان قويًا جدًا لدرجة أنها لم تستطع تجاهله

وباعتقادها أنها ارتكبت خطأ ما، اندفعت نحو التمثال كي تصلح خطأها

تشقـق―! وفي اللحظة التي كانت على وشك أن تتضرع فيها، حطم صوت حاد هدوء قاعة العبادة

اندفع نظر الراهبة إلى التمثال، واتسعت عيناها رعبًا

تشكلت شقوق على القشرة الخارجية للتمثال، متفرعة في كل الاتجاهات كشبكة عنكبوت. جمد المشهد الراهبة في مكانها، وشحب وجهها بدرجة واضحة

“ا… الحامي،” همست، وصوتها الأجش يتردد داخل قاعة العبادة الخالية. اهتزت عيناها قليلًا وهي تشعر بأن حلقها قد جف، وكل أثر للقوة يغادر جسدها المسن

تشقـق! تشقـق!

تشكل المزيد من الشقوق على التمثال، مما صدم الراهبة أكثر، فظلت تحدق فيه بذهول كامل

وجدت نفسها عاجزة عن الحركة، وبحلول مرور دقيقة، كان التمثال مليئًا بالشقوق

“لا… لا يمكن…”

مع كل شق يتكون على التمثال، كان تعبير الراهبة يتغير أكثر. كان الأمر كما لو أن التمثال كائن حي، وأن الراهبة تستطيع الإحساس بألمه

تمايل

“لا!”

صرخت، واندفعت نحو التمثال. كانت تشعر بأنه سيسقط قريبًا

“لا!”

عانقت التمثال، محاولة بكل ما لديها أن تمنعه من السقوط. كانت يائسة. كان التمثال يمثل معتقدها وقناعاتها ووجودها كله. إذا تحطم، فستتحطم معه

لم تستطع السماح بحدوث ذلك!

لكن…

“لـ، لا!”

تـ… تشقـق―! كان شقًا مثل الشقوق الكثيرة التي ملأت التمثال، لكن ما إن تشكل هذا الشق حتى انهار كامل بنائه

“لا!!”

دمدمة―!

تفتت أكثر من ألف جزء مختلف وسقطت، عاجزة عن البقاء في شكل واحد بعد الآن

“لاااااا!”

صرخت الراهبة، وهي تشاهد التمثال ينهار أمام عينيها

وكان الأسوأ من ذلك أن قطع الصخور الكثيرة سقطت مباشرة عليها، فدفنتها تحت الأنقاض. لم تستمر صرختها طويلًا، وعاد الصمت إلى قاعة العبادة

الجزء الوحيد من الراهبة الذي لم يُدفن كان يدها، وكانت ممدودة إلى الجانب كأنها تستغيث طلبًا للمساعدة

مساعدة لن تأتي أبدًا

‘أوم’ ‘أوم’ ‘أوم’

ظهرت عدة كرات زرقاء بعد انهيار التمثال. كانت بحجم كرة زجاجية صغيرة، وكانت تطفو مباشرة فوق المكان الذي كان التمثال قائمًا فيه

وبينما حامت الكرات الزرقاء فوق بقايا التمثال المحطمة، أضاء توهجها قاعة العبادة، ملقيًا ضوءًا غريبًا على الجدران والمقاعد

نبضت الكرات بطاقة من عالم آخر، كما لو كانت حية وتبحث عن شيء ما

فجأة، بدأت الكرات تدور حول بعضها، واشتد ضوؤها الأزرق مع كل دورة. تحركت أسرع فأسرع، صانعة دوامة من الطاقة كانت تفرقع مع الريح

صار الهواء في قاعة العبادة ثقيلًا بالتوتر، كما لو أن شيئًا مهمًا على وشك الحدوث

كان جسد الراهبة مدفونًا تحت الأنقاض، لكن حتى في موتها، بدت كأنها واعية بالأحداث الغريبة التي تتكشف حولها

حفيف! حفيف! حفيف!

ومع انفجار أخير من الضوء، اندفعت الكرات بعيدًا عن التمثال، شاقة الهواء كالشهب. عبرت جدران قاعة العبادة كأنها غير موجودة، واختفت في الليل

في اللحظة التي اختفت فيها الكرات، غرقت قاعة العبادة في الصمت مرة أخرى

حفيف―! ارتجفت الشموع وانطفأت، تاركة قاعة العبادة ملفوفة بالسواد

لكن الظلام لم يكن الشيء الوحيد الذي ابتلع قاعة العبادة. فمع اختفاء الكرات، ملأ صوت دمدمة عميق الهواء، وبدأت الأرض تحت قاعة العبادة تهتز بعنف

دمدمة―! دمدمة―! تردد صوت الرنين داخل قاعة العبادة مرة أخرى، وازداد علوًا وإلحاحًا. بدأت الجدران تتشقق وتنهار، وقُذفت المقاعد كالأغصان الرفيعة في عاصفة

بدأ سقف قاعة العبادة ينهار إلى الداخل، وتساقط الحطام فوق البقايا المحطمة للتمثال

تحطم―!

انهارت قاعة العبادة

[برج الاتحاد، الطابق العلوي]

جلس أوكتافيوس على كرسيه ذي الظهر العالي، بدا هادئًا وساكنًا وهو يقلب الأوراق المتناثرة أمامه

تقليب―! تقليب―!

كانت أصابعه الطويلة الرفيعة تقلب الصفحات برفق وهو يدرس كل واحدة منها بنظرة خاملة. لم يكن على وجهه أي أثر لتعبير، وبقيت ملامحه فارغة وهو يتفحص الوثائق

“هم؟”

فجأة، تقطبت حاجباه حين أحس بشيء في غير موضعه. تحركت عيناه، اللتان كانتا عادة هادئتين وضبابيتين، نحو النافذة خلفه، وتغير تعبيره قليلًا

نهض واقفًا، واقترب من النافذة ونظر إلى السماء. كان شق كبير قد ظهر، وكان يتوسع بسرعة

“ما الذي يحدث؟”

تمتم أوكتافيوس لنفسه، وكان صوته منخفضًا وثقيلًا على نحو غير معتاد

اقترب أكثر من النافذة، محدقًا فيه بانتباه وهو يحاول تمييز ما يجري. لكن قبل أن يتمكن من الاقتراب أكثر، اتسع الشق بدرجة أكبر، كاشفًا عن مشهد صادم

موجة ملموسة من… المانا؟

شعر أوكتافيوس بأن جسده تجمد في مكانه بينما انهارت الموجة حوله

كان الأمر كما لو أنه يقف على شاطئ المحيط، يشاهد موجة قوية تنهار على الرمال

لكن هذا كان مختلفًا

بدت الموجة غير قادرة على التأثير في المحيط، وظهرت كإسقاط أكثر من أي شيء آخر

حفيف―!

تناثرت المانا في كل مكان، غاسلة الأرض كموجة عملاقة

شعر أوكتافيوس بمستويات المانا الخاصة به ترتفع، تزداد بسرعة ومن دون إنذار. استطاع أن يشعر بنفسه يقترب أكثر فأكثر من عتبة الرتبة إس إس إس ناقص، على بعد خطوة واحدة فقط من قمة القوة

لكن حينها، ومن العدم، ظهرت كرة زرقاء أمامه

أزيز―! اندفعت نحوه بسرعة لم يستطع الرد عليها، وقبل أن يتمكن حتى من محاولة التملص، اصطدمت بجبهته بصدمة عنيفة

“أوخ”

تأوه أوكتافيوس، وارتد رأسه إلى الخلف وهو يحاول استيعاب ما حدث للتو

وبينما كان معلقًا في الهواء، بدأ الفضاء حوله يتغير ويضطرب بعنف

تدفقت الذكريات إلى عقله، وبدأ ألم ظن أنه دفنه منذ زمن طويل يعود إلى الظهور في صدره

“هاااا… هاااا…”

لهث طلبًا للهواء، وخرجت أنفاسه متقطعة وهو يحاول الحفاظ على تماسكه

فجأة، صفت عيناه، وبدأت مشاعر منسية ترتفع داخله. تغير تعبيره بسرعة، متنقلًا بين ابتسامة وعبوس ودموع كانت تهدد بالانحدار على خديه

في بضع ثوان فقط، مر بعدد لا يحصى من المشاعر قبل أن يستقر أخيرًا على ابتسامة رافقتها دموع

حدق في يديه، شاعرًا بإحساس من الحماسة لم يختبره من قبل

فجأة، ارتجف جسده، وكذلك فمه وهو يتمتم لنفسه بصمت

“أنـ… أنا حر”

[الشقة ― 1576]

“هممم”

كان تعبير ليام في هذه اللحظة جادًا تمامًا. لو رأى أي شخص التعبير على وجه ليام، لأصيب بذهول تام، إذ لم يسبق لهم أبدًا أن شاهدوا مثل هذه الجدية النادرة منه

“همممم”

انعقد حاجباه بإحكام أكبر، وشد فكه. بدا أنه كلما مر الوقت، ازداد تعبيره جدية

“همممممممم”

تحول العبوس على وجهه إلى تعبير حائر وهو يدلك جبهته. كان أمامه باب ضخم مصنوع من المعدن

مصدر مشكلته، لوحة أرقام صغيرة على مقبض الباب، تُستخدم لإدخال رمز المرور

“هل يجب أن… أحطمه فحسب؟”

شعر بالإغراء

أنزل يده، وحدق فيها، وكانت تهتز باستمرار. وحين قربها من الباب، اخترقته بمقدار بوصة واحدة فقط قبل أن يوقف نفسه

“ربما لا”

كان قد مر ما يقارب ثلاث ساعات منذ وقف خارج شقته، ومهما ضغط الرمز من مرات، لم يفتح الباب له. سبب له هذا مشكلة صغيرة، لأنه كان بحاجة إلى استخدام الحمام

“يا لها من ورقة عديمة الفائدة”

كان أكثر ما يزعجه في الأمر هو أن رمز الدخول كان مكتوبًا في محفظته. ومع ذلك، ولسبب غريب، لم يبد أنه يعمل

“هل الباب معطل؟”

لم يكن هناك تفسير آخر

لا بد أن هذا هو السبب

“أظن أن الأفضل أن أتصل بشخص ما”

فتش في جيبه محاولًا العثور على هاتفه. وعندما ذهب لإخراج هاتفه، ازداد التجعد بين حاجبيه عمقًا

“هل هذا هاتفي؟”

كان هاتفًا ورديًا مغطى بملصقات قلوب بأحجام مختلفة. للوهلة الأولى، لم يبد كأنه هاتفه، لكنه لم يكن يتذكر تمامًا شكل هاتفه

ربما… كان يمر بمرحلة معينة عندما اشترى الهاتف؟

“ليس… سيئًا جدًا”

أقنع نفسه بأنه ليس سيئًا كما يبدو. بل كلما نظر إليه أكثر، وجد نفسه يعجبه أكثر، وسرعان ما أقنع نفسه بأنه هاتفه فعلًا

نقر الشاشة

“والآن…”

في اللحظة التي لمح فيها خلفية الهاتف، تصلب وجهه في مكانه. كانت صورة لظهر رين

“ما هذا بحق العجب؟”

بدأ جسده كله يرتجف، واقترب بدرجة خطيرة من رمي الهاتف عبر الغرفة. صار واثقًا الآن أن ما يحمله ليس هاتفه

حفيف―!

“هاتف من هذا الــ― آخ!”

تمامًا عندما كان يحاول تحديد ما سيفعله بالهاتف، تجسدت كرة زرقاء من العدم وطعنت ليام في رأسه. وبعد ذلك مباشرة تقريبًا، ارتد رأسه إلى الخلف، وترنح إلى الأمام بضع خطوات

“أوخ… مـ، ما كان ذلك؟”

توقف عندما أصبح ظهره موجهًا إلى الجدار، ونظر حوله غير مصدق. هل تسلل إليه أحد فجأة؟

“هاه؟”

فجأة، وبينما كان ينظر إلى الهاتف ويرمش بعينيه عدة مرات ويحدق فيه، تدفقت الذكريات إلى رأسه

عرف أخيرًا لمن يعود هذا الهاتف

كان يعود إلى ابنة ليوبولد

وليس هذا فحسب…

“هذه الشقة الخطأ”

أدرك أيضًا أنه في الشقة الخطأ. لم تكن التي أمامه هي التي تخصه، بل كانت تلك التي تبعد بابين عنها

“فهمت…”

أعاد الهاتف إلى مكانه ومشى نحو شقته، لكن بمجرد أن خطا خطوتين، تجمد في مكانه

“انتظر لحظة”

اتسعت عيناه، واندفع رأسه إلى الأعلى

“…ذكرياتي؟”

التالي
769/862 89.2%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.