تجاوز إلى المحتوى
صانع دمار العالم

الفصل 21 : تحالف.

رائحة الأعشاب الطبية اللاذعة ووهج تعاويذ الشفاء الخضراء كانا يملآن غرفة التمريض التابعة لمنشأة الإعداد.

وقف المدرب كريك مكتوف الأيدي، يراقب بصمت كبار السحرة الطبيين وهم يعملون بجهد مضنٍ لترميم الأوتار الممزقة والمفاصل المحطمة للفتى الضخم، كايل.

ورغم أن كايل يمتلك مهارة [التجدد] الفطرية، إلا أن الدقة المرعبة التي غُرزت بها الأسهم الخشبية في مفاصله عطلت تدفق المانا في جسده تماماً، مما جعل شفاءه الذاتي بطيئاً وشبه مستحيل دون تدخل خارجي.

‘لقد طعنه في النقاط التي تشل الحركة تماماً دون أن تقطع شرياناً رئيسياً… هذا ليس قتال متدربين، هذه جراحة دموية.’

فكر كريك، وشعر بقشعريرة باردة تسري في عموده الفقري.

كفارس مخضرم، كان يعلم أن توجيه ضربات بهذه الدقة في خضم قتال حياة أو موت يتطلب عقلاً بارداً كالموت نفسه.

ترك كريك غرفة التمريض وتوجه بخطوات ثقيلة نحو الساحات الخلفية للمنشأة. كان عليه التحدث مع ذلك الفتى.

*

كان زين جالساً على صخرة مسطحة، يمسح نصل خنجره الداكن بقطعة قماش خشنة، عندما اقترب منه كريك.

“أنت لا تعرف معنى التوقف، أليس كذلك؟”

بدأ كريك حديثه بنبرة تحمل مزيجاً من العتاب والتعب، وتوقف على بعد خطوات من زين.

لم يرفع زين عينيه عن خنجره، واستمر في مسحه بهدوء.

“إذا كنت تقصد كايل، فقد توقفت بمجرد أن أعلن استسلامه، أيها المدرب كريك. ألم ألتزم بالقواعد؟”

“القواعد؟ لقد كدت تصيبه بإعاقة دائمة! نحن لسنا في ساحة حرب ضد الهاوية هنا، هذه منشأة إعداد لفرسان الإمبراطورية. لماذا قسوت عليه إلى هذا الحد؟”

“لأنها لم تكن جلسة تدريب عادية.”

توقف زين عن حركة يده، ورفع عينيه الباردتين نحو كريك.

“لقد جاءني يحمل تصريحاً رسمياً موقعاً من القائد راد، يسمح بنزال قتالي حقيقي، بدون دروع المانا الواقية. في قتال خالٍ من ضمانات البقاء، التردد يعني الموت. هل كنت تتوقع مني أن أربت على كتفه بينما يحاول سحق جمجمتي بدرعه الفولاذي؟”

صمت كريك. الكلمات وقفت في حلقه.

“أنت تعلم جيداً ما يعنيه ذلك التصريح، أيها المدرب.”

تابع زين، ونهض ببطء، ليقف في مواجهة كريك.

“القائد راد أرسله ليقتلني، أو على الأقل ليعيقني بشكل دائم بحجة ‘حادث تدريب’. كايل كان مجرد أداة غبية في يد مدير المنشأة. لقد تركتُه حياً فقط لأنني لا أريد أن أُحاكم بتهمة القتل، وليس تعاطفاً معه.”

اتسعت عينا كريك قليلاً.

في أعماقه، كان يشك في تصرفات القائد راد مؤخراً، لكن سماعها تُنطق بهذه الصراحة من متدرب جعله يدرك مدى خطورة الموقف. القائد راد يتجاوز الخطوط الحمراء، مدفوعاً بكراهيته للقائد الأعلى ليد، ومستعد للتضحية بالمتدربين لتصفية حسابات سياسية.

“إذا كان القائد راد ينوي الاستمرار في هذه الألاعيب القذرة…”

همس زين، وابتسامة جليدية ترتسم على شفتيه.

“…فأنا لا أمانع في تحطيم كل أداة يرسلها إليّ، واحدة تلو الأخرى، حتى يضطر للنزول ومواجهتي بنفسه. أرجو أن تنقل له هذه الرسالة.”

تراجع كريك خطوة إلى الوراء لا إرادياً. الهالة التي انبعثت من هذا الفتى لم تكن هالة متدرب في السابعة عشرة من عمره.

“سأقوم… سأقوم بالتحقيق في هذا الأمر بصمت. حتى ذلك الحين، حاول ألا تفتعل المزيد من المشاكل. الأمور متوترة بما فيه الكفاية.”

قال كريك كلماته الأخيرة بضعف، واستدار مغادراً المكان بخطوات أسرع من المعتاد. لقد أدرك أنه يقف بين نيران سياسية قاتلة، ولا يريد أن يحترق بها.

‘ممتاز. زرع الشك في عقول المدربين سيجعل راد معزولاً.’

فكر زين وهو يراقب ظهر كريك يبتعد.

عاد للجلوس وأسند ظهره إلى جذع شجرة فضية الأوراق.

التجربة التي مر بها ضد كايل أثبتت له شيئاً مهماً. مهاراته، وتحديداً [وقت الصيد]، تعمل بكفاءة مرعبة في القتالات الحقيقية. دمج القوس لإرهاق الخصم وتشتيته، مع الخنجر لتوجيه ضربات دقيقة في النقاط العمياء، كان تكتيكاً استراتيجياً مثالياً له.

‘وأيضا…’

[تم تسجيل ‘كايل المتجدد’ كفريسة].

بإبتسامة خبيثة كان ينظر زين الى الرسالة العائمة أمامه، كانت مهارة [تسجيل الفريسة] التي تسمح له بعد هزيمة أي شخص بتسجيله كفريسة، التي تسمح له بهزيمة الفريسة المسجلة بسهولة، مقارنة بالمرة الأولى.

‘على الأقل سيصبح من السهل هزيمة كايل مستقبلا..’

ولكن، لكي يصبح أقوى، كان يحتاج إلى المزيد من ‘الفرائس’.

المشكلة أن التدريبات الودية لا تفعل النظام السحري الخاص به. كان يحتاج إلى مواجهات حقيقية محفوفة بنية القتل. وبما أن افتعال الشجارات سيؤدي إلى طرده، كان عليه أن يكون ذكياً في اختيار معاركه، أو… انتظار الحدث الأكبر.

‘الحدث الرئيسي الأول.’

في الأسبوع الثامن من التدريب، سيتم إرسال المتدربين إلى غابة عميقة لإجراء تقييم البقاء النهائي. وفي تلك الغابة، سينفتح صدع مفاجئ من الهاوية، وتجتاح الوحوش المكان في مجزرة حقيقية.

ذلك هو المكان الذي سيتمكن فيه من جمع التراكمات وتجربة مهاراته بلا قيود، وهو أيضاً المكان الذي سيبدأ فيه بطل القصة، إيثان، رحلته الحقيقية نحو المجد بعد فقدان بعض زملائه.

‘للبقاء على قيد الحياة في تلك الفوضى، يجب أن أتأكد من أن فريقي البائس لن يكون عبئاً يقتلني.’

وبينما كان زين يغرق في أفكاره وخططه المعقدة، بدأ تأثير لقبه الخفي [الكسول] يفرض سيطرته.

جسده الذي استهلك الكثير من المانا والجهد العقلي مؤخراً، أصدر أمراً قاطعاً بالنوم. ثقلت أجفانه، وأرخى رأسه على جذع الشجرة، مستسلماً للنعاس العميق تحت ظل الأغصان الفضية.

*

الرياح الباردة كانت تداعب شعره، لكن ما أيقظه لم يكن البرد، بل إحساس بنغزة خفيفة وحادة على خده.

فتح زين عينيه ببطء، لتستقبله رؤية غير متوقعة.

كانت ليفيا روز فاني، وريثة سحر التحكم البيئي، تجلس القرفصاء أمامه، تميل برأسها بفضول، وتستخدم غصناً صغيراً لنغز خده وكأنه حيوان غريب وجدته في الغابة.

“هل أنت ميت أم نائم؟”

سألت ليفيا بابتسامة بريئة تتناقض تماماً مع طبيعتها الماكرة.

كانت تستخدم تعويذة [التمويه الانكساري] لدمج صورتها مع محيط الغابة، لكنها ألغت التعويذة بمجرد أن فتح عينيه.

“كنت نائماً، حتى قررت إحدى الفتيات النبيلات التصرف كالأطفال وإيقاظي.”

لا تجعل قراءة الروايات تلهيك عن صلاتك، تذكير محبة من مَركَز الرِّوايات. markazriwayat.com

أجاب زين بصوت أجش، وأبعد الغصن عن وجهه بيده.

“أنت غريب الأطوار حقاً، يا ران.”

تجاهلت ليفيا سخريته وجلست على العشب بجانبه.

“في العادة، المتدربون في هذه المنشأة يتدربون حتى تنزف أيديهم، أو يتملقون للمدربين. لكنك… أنت تقضي معظم وقتك في النوم تحت الأشجار وكأنك قط ضال، ومع ذلك، عندما تضطر للقتال، تتحول إلى وحش دموي يحطم كبار المتدربين. التناقض في شخصيتك يثير فضولي.”

“لا يوجد تناقض. أنا أنام لأوفر طاقتي لكسر جماجم من يزعجونني. هل تريدين أن تكوني التالية في القائمة؟”

رفع زين حاجبيه بتحدٍ.

لمعت عينا ليفيا الزرقاء ببريق من التسلية. لم تكن خائفة على الإطلاق.

“هل تريد أن تبارزني؟” سألت بابتسامة خبيثة.

“لا أمانع.”

رد زين ببرود. في الواقع، كان يرغب بشدة في تجربة القتال ضد ساحرة عناصر من الرتبة S ليرى كيف ستتعامل مهارة [وقت الصيد] مع السحر بعيد المدى المتواصل.

“أرفض.”

هزت ليفيا رأسها فوراً، ورفضت العرض ببساطة أثارت استياءه.

“لماذا؟ هل خفتِ فجأة؟”

“لا أريد أن تتسخ ملابسي، أو أتعرق. أنا فتاة نبيلة حساسة، والقتال الجسدي أمر مقزز لا يناسبني. بالإضافة إلى ذلك، لقد رأيت كيف طعنت كايل… ليس لدي أي رغبة في أن يُغرس سهم خشبي في مفاصل ركبتي.”

رغم كلماتها التي تبدو بريئة وهشة، كان زين يعلم أنها تمتلك قوة سحرية قادرة على تسوية هذا الجزء من الغابة بالأرض إذا أرادت ذلك. إنها فقط كسولة وتكره بذل مجهود غير ضروري، تماماً كما كتب في إعدادات الرواية.

“إذن، إذا لم تأتِ لقتالي أو لاستعراض سحرك، ما هو سبب هذا التطفل على قيلولتي؟”

سأل زين، وهو ينهض ببطء وينفض العشب عن ملابسه.

تلاشت الابتسامة اللعوبة عن وجه ليفيا، وحلت محلها نظرة جدية نادرة.

“جئت لأعرض عليك صفقة، أو بالأحرى، تحالفاً.”

“تحالف؟”

“نعم.”

نهضت ليفيا ووقفت أمامه.

“في الأسبوع الثامن، سيُعقد التقييم النهائي لهذه المنشأة. إنه اختبار بقاء شامل في ‘غابة الضباب الأسود’. سيتعين على المتدربين تكوين فرق، وجمع الموارد، والنجاة من فخاخ المدربين وبعض الوحوش المستأنسة. سيكون تقييماً قاسياً، والنقاط التي سنحصل عليها ستحدد ترتيب دخولنا للأكاديمية الملكية.”

“أنا أعلم كل هذا. وما شأني بكِ؟”

“فريقي يضم إيثان، ليلي، وجودي… وأنا بالطبع. نحن نمتلك قوة نيرانية ودفاعية ممتازة، لكننا نفتقر إلى شخص يمتلك غرائز البقاء، شخص يعرف كيف يتتبع، ينصب الفخاخ، ويقرأ البيئة.”

نظرت ليفيا مباشرة إلى عيني زين.

“بناءً على ما رأيته من طريقة قتالك الغادرة، وخبرتك، أنت تمتلك هذه الغرائز. أريد أن ندمج فريقينا خلال الاختبار النهائي.”

ضاق بؤبؤ عيني زين.

‘هذه الفتاة الماكرة… إنها لا تقترح هذا بدافع الصداقة، بل لأنها أدركت قيمتي التكتيكية.’

في الرواية الأصلية، كان فريق إيثان يعاني بشدة في بداية التقييم النهائي بسبب افتقارهم للخبرة في النجاة، مما أوقعهم في فخاخ سخيفة قبل أن يتدخل لوتيان لاحقاً.

الآن، تقترح ليفيا دمج الفصيلين.

فريق يضم بطل القصة إيثان، ساحرة العناصر والتحكم البيئي ليفيا، الناجي من عشيرة الليل لوتيان، وزين نفسه.

‘إذا وافقت على هذا التحالف، فسأكون قد جمعت أقوى القوى الضاربة في هذه الدفعة في مكان واحد. هذا التشكيل لن يكون مجرد فريق ناجح للتقييم، بل سيكون جيشاً مصغراً قادراً على مواجهة أي شيء.’

والأهم من ذلك… زين كان يعلم أن التقييم النهائي لن يكون مجرد اختبار عادي.

سيكون مسرحاً لـ ‘الكارثة الأولى’. انشقاق مفاجئ للهاوية سيحول التدريب إلى مجزرة. التواجد بالقرب من إيثان وليفيا ولوتيان في تلك اللحظة سيزيد من فرص بقائه على قيد الحياة بشكل فلكي، وسيمنحه القدرة على توجيه الأحداث لتقليل الخسائر.

“فريقي يضم تاجراً لا يجيد سوى استخدام النشاب، ومزارعاً لا يملك سوى عضلاته.”

قال زين ببرود، مختبراً رد فعلها.

“لا يهم. يمكننا استخدام التاجر كطُعم، والمزارع كحامل للأمتعة. ما أحتاجه هو أنت… وذلك الفتى ذو الشعر البنفسجي الذي دمر ساحة التدريب قبل أيام.”

أجابت ليفيا بابتسامة خبيثة، كاشفة عن نواياها الحقيقية. إنها تريد القوة المطلقة.

“حسناً.”

أومأ زين برأسه بعد لحظة من التفكير.

“أوافق على التحالف. عندما يبدأ تقييم البقاء النهائي، سنتحرك كفصيل واحد.”

“ممتاز. لقد كنت أثق بأنك شخص براغماتي يفضل المنطق على الكبرياء.”

ابتسمت ليفيا برضا تام، واستدارت للمغادرة.

“سأبلغ إيثان والآخرين. أراك لاحقاً، يا صائد الوحوش.”

مع ومضة من المانا الخفيفة، تفعلت تعويذة [التمويه] الخاصة بها، واختفت صورتها لتندمج مع محيط الغابة، تاركة وراءها صوتاً خافتاً لخطواتها المبتعدة.

بقي زين يقف وحيداً تحت الشجرة الفضية.

رفع نظره نحو السماء التي بدأت تتلون بحمرة الغروب. الرياح التي هبت فجأة كانت تحمل برودة غير طبيعية، برودة لا تنتمي لهذا العالم.

‘لقد تم تشكيل التحالف.’

فكر زين، وشعر بنبض خافت في نواته السحرية.

المتغيرات التي صنعها تتراكم، والأحداث تتسارع نحو نقطة الانهيار. لم يعد الأمر مجرد رواية، بل واقعاً دموياً يتشكل بين يديه.

‘الكارثة الأولى قادمة… وأنا سأكون في قلبها تماماً.’

التالي
21/27 77.8%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.