الفصل 11 : بمجرد انتهاء هذه المعركة -درب تضيئه النجوم للغد-
بمجرد انتهاء هذه المعركة
ـ درب تضيئه النجوم نحو الغد ـ
1. ذلك اليوم منذ زمن بعيد.
أخيراً، وضعت تلك المعركة الطويلة أوزارها. غربت الشمس ثلاثاً، وأشرقت ثلاثاً أخرى. مياه المحيط التي اندفعت بعنف ملأت فجواتٍ كانت تشغلها جبال شاهقة قبل الحرب، لتُشكّل خليجاً واسعاً لم يكن له أثر. أما نيران الجحيم التي أُطلقت عنانها بين الأشجار، فلم تظهر أي علامة على الخمود، بل واصلت نشر الموت والرماد الأسود في كل اتجاه.
تناثرت شظايا معدنية لا حصر لها في الأرجاء؛ ولو فحصها خبيرٌ عن كثب، لتبين له بوضوح أنها بقايا تعاويذ مُحطمة. كانت أغلب تلك القطع يوماً ما جزءاً من “تميمة الصد”، المصنوعة وفقاً لأرقى المعايير في الورشة المركزية للإمبراطورية المقدسة. أما كتل البرونز المتشظية التي تتقاذفها أمواج الخليج، فليست سوى حطام تميمة “تسكين الداء العضال”، الموروثة داخل اتحاد رمال غارمندو الغربية. وفي قلب الغابة، كان الحديد المصهور الذي يغلي بلون أحمر قانٍ يمثل —حتى قبل أيام قليلة— سر مدرسة “سيلينزرود” للسحر، وهي “تميمة حماية القدر”.
كانت تلك الساحة تجسد حشداً مهيباً لأعظم سحر قتالي عرفته البشرية، جُمع من أصقاع الأرض قاطبة؛ لكنها الآن مجرد حطامٍ استُنفد تماماً وافترش التراب.
— “يا رجل، لقد جعلتَ أمد هذا النزال طويلا حقا.”
شعر الشاب وكأنه لا يملك القوة لتحريك حتى إصبع واحد. ألقى بسيفه المكسور جانباً، ثم تهاوى جالساً فوق صخرة قريبة، وأردف بتذمر:
“لم يخبرني أحد بأن عليّ فعل كل هذا لأنتصر، تباً.”
أجابه صوتٌ آخر:
“أنا من يُفترض به قول ذلك، أيها الشاب.”
ارتعش الهواء لصدى ذلك الصوت المرير؛ كان صوت العجوز كأنه يتردد من أغوار سحيقة في الهاوية.
“ومع ذلك… سأقرّ بأنك نلتَ مبتغاك حتى الآن عبر استنزاف تلك الحياة المضنية اتي تحياها.”
رد الشاب:
“هذا لا يسعدني، فاعترافك لن يمنحني مزيداً من الوقت… كما أنك تتحدث بشكل طبيعي، أليس من المفترض أنك ميت؟”
“بالفعل. حتى أنا، وقد دُمّر جسدي المادي بهذا الشكل الكامل، لا بد لي من غمر هذا الكيان في سكون الموت لمائة عام. ما يخاطبك الآن، ببساطة، ليس سوى أصداء وجودي.”
“أوه، عظيم. هذا يبعث على الارتياح.”
أحد عشر سيفاً من طراز “بيرسيفال” مع سبعة تمائم مدمِّرة، تم شحذها إلى حد التدمير الذاتي. لقد أجبر نفسه حتى على استخدام تقنيات السيف النهائية للأبطال، تلك التي لم يكن يملك الحق في تفعيلها. إن لم يكن كل ذلك قد قتله، فلا يوجد شيء آخر يمكنه فعله.
“أقول هذا وأنا أتقبله تماماً، يا لها من حكاية مرعبة. أنت تمتلك كل هذه القوة بمفردك، رغم كونك عاجزاً تماماً. إنه أمر مخيف حقاً، حقاً. لو أنك استخدمت تلك القوة في عالم البشر، لكان بمقدورها تحويل مملكتين أو ثلاث إلى رماد في ليلة واحدة. لكن… بطبيعة الحال، يبدو أنها لم تكن قوة بلا ثمن.”
تذمر الشاب بضيق، بينما طفت سحب طويلة وخيطية من الضباب حوله. ومع تزايد أعدادها ببطء شديد، راحت تلتف حول جسده وكأنها تحاول تقييده.
“هذا هو حجم تلك التعويذة. تتحول النتيجة إلى لعنة تعذب ملقيها. إن إلقاء واحدة منها فقط كفيل بتحطيم جسد المرء، ولن يكون من المستغرب أن تتلاشى روحك أيضاً. أما أن تلقي سبعاً منها… فقد تبتلى بآلام لا توصف.”
“إذا كان الأمر سينتهي بموتي، فلا يهم إن ألقيتُ واحدة أو سبعاً، وإذا لم أعد قادراً على القتال، فلا يهم إن كنت أتألم أو أشعر بالوجع.”
“… لا يبدو هذا منطقاً سديداً.”
“لطالما ردد الناس ذلك على مسامعي لسنوات، لكن سماعها من وحش حقيقي يعطيها وقعاً مختلفاً بعض الشيء.”
قهقه ذلك الصوت عالياً:
“لا يمكن للمرء مقارعة الحكام دون اتخاذ مثل هذه التدابير، أليس كذلك؟
— لقد حان وقت الفراق بيننا، وسأغطّ الآن في سبات لمائة عام.”
“أسرع وارحل من هنا، على الأقل اترك لي بعض الهدوء حين يحين أجلي.”
“حسناً جداً. يمكنني الإقرار بأن هذا أقل حقوقك كمنتصر—”
تلاشى الصوت، ومع تلاشيه انقشع ذلك الإحساس الطاغي الذي كان يملأ الهواء حول الشاب، وتبدد مع الريح.
“هيي، هل متَّ بعد؟”
نادى الشاب، لكن لم يأته أي رد.
سمع صريراً جافاً عند قدميه؛ فاستجمع كل قوته ليرفع رأسه وينظر للأسفل، ليرى أن كاحليه وقدميه قد تحولا إلى حجر خشن وكتليّ.
— ما هذا بحق الجحيم؟
تعالى جوق من أصوات التصدع الخافتة، وبدأ اللون الرمادي يزحف صعوداً على جسده. إلى ركبتيه.. إلى فخذيه.. ثم إلى خصره، وواصل صعوده أكثر فأكثر.
اللعنات السبع التي كان يُفترض أن تودي بحياته.. تداخلت فيما بينها بإحكام، وبعد سلسلة من التفاعلات المتبادلة، تجسدت في هيئة مغايرة تماماً. وبينما بدأ صدره يتحجر، ابتسم الشاب مرة أخرى.
“كنت أخطط للعودة إلى الديار، ولكن كيف انتهى بي المطاف هكذا؟”
رفع بصره نحو السماء، ووجه إلى كل أولئك الغالين على قلبه تحت تلك السماء نفسها كلماتٍ لن تصلهم أبداً.
“أنا آسف يا ليليا، عودي إلى الديار بسلام مع المعلم.
آسف يا سو وونغ، أريدك أن تلبي كل طلبات ليليا من الآن فصاعداً.
إيمي، أنا… أنا لم أعدكِ بشيء. أظن أنكِ ستكونين بخير بمفردكِ، لكن، حسناً، على الأقل عيشي حياة سعيدة وصحية.”
ثم… ثم…
وبينما كان ينطق بكلماته الأخيرة، كان جسد الشاب يتحول إلى حجر بسرعة مخيفة. كانت هناك أسماء كثيرة يود ذكرها، لكن الوقت المتبقي له كان ضئيلاً جداً.
لم يكن بيده حيلة حيال الأمر؛ راح يغربل كل الأسماء التي خطرت بباله حتى لم يتبقَّ في غرباله إلا اسمٌ واحد.
“— ألماريا، أنا آسف حقاً…”
كان الاسم الأخير الذي اختاره هو اسم ابنته، تلك التي لا تربطه بها صلة دم، والتي كانت تنتظره في دار للأيتام في مكان سحيق.
“— لا أظن أنني سأعود لأكل كعكة الزبدة تلك.”
وفي النهاية، دوت رنة خافتة.. ولم يتبقَّ في المكان سوى كتلة حجرية على هيئة شاب.
2. الشخص الذي لا ينبغي أن يكون حياً
“ما هذا؟”
كانت تلك أول كلمة نطقت بها نايغلاتو فور انتهائها من علاجه.
“ما الذي دها جسدك؟”
“ها-ها-ها، أظن أنه يمكنكِ القول إن الصدأ قد نال مني؛ لم أمسك سيفاً منذ أمد بعيد، لذا لم يستطع جسدي مواكبة الأمر.”
“لستُ بحاجة لسماع مزاحك. أنت تعلم جيداً ما يعنيه هذا، أو على الأقل، تدرك نوع الموقف الذي تمر به.”
كانت نايغلاتو تضع تعبيراً جاداً، وفوق ذلك، كانت عيناها محتقنتين بالدم لسبب ما وصوتها يرتجف؛ بدا واضحاً أنه لن يتمكن من التملص من الأمر بمزحة عابرة.
“لأكون صريحة معك.. أنت حطام. لديك تصدعات دقيقة في جميع عظامك تقريباً، وهي لا تلتئم. أوتارك ضعيفة ولم تتعافَ. ونصف أعضائك الداخلية تقريباً لا تعمل بشكل صحيح. العلاج بالتأمل ليس اختصاصي، لذا لستُ متيقنة تماماً، ولكن من هذا المنظور، يمكن القول إن تدفق طاقتك الداخلي في حالة فوضى عارمة.”
اعتقد ويليم أنها محقة على الأرجح. لم يكن يعرف الكثير عن ذلك، لكنه كان يدرك أن جسده خرابة.
“حتى أنني لن أحتاج لاستخدام سكين لتقطيع ألياف لحمك؛ فهي مليئة بالتمزقات لدرجة أنني أستطيع تمزيقها بأسناني وحدها.”
تمنى لو أنها لم تكن تقول ذلك وعلى وجهها تلك النظرة الحزينة.
“وهذه ليست جروح الأمس أو اليوم، فكلها قديمة. هل يعني هذا أنك كنت تخفيها طوال هذا الوقت؟”
“الأمر ليس سراً حقاً.”
“بل هو كذلك، حتى لو تظاهرت باللامبالاة ولزمت الصمت! كم كان عليك أن تجتهد وتضغط على نفسك لتتمكن من المشي والحركة هكذا…؟”
تنهدت نايغلاتو بعمق، ثم أردفت:
“… هذه الجروح هي الآثار الجانبية لعملية التحجر، أليس كذلك؟”
“بل هي أقرب للأضرار الناجمة عن القتال الذي سبق ذلك التحول. حسناً، لقد كنت في حالة يُعد فيها مجرد بقائي حياً مكافأة كبرى، لذا أنا لا أطمع في الكثير.”
“ليس هذا عذراً لتعامل حياتك باستخفاف كهذا.”
“أظن ذلك.”
حاول أن يهز كتفيه —أو بالأحرى، أراد فعل ذلك— لكن الألم سرى في كامل جسده بمجرد المحاولة، فاكتفى بابتسامة غامضة بدلاً من ذلك.
“لا تضغط على نفسك كثيراً.”
وضعت نايغلاتو كفها بلطف فوق يده، فخفق قلبه بشكل لا إرادي.
“سوف تفقد نكهتك.”
كان يعلم أنها ستقول شيئاً من هذا القبيل.
“هل يمكنني إخبار الأطفال؟”
“بالتأكيد. كما قلتُ لكِ، لم يكن الأمر سراً في المقام الأول. إذا شعرتِ بضرورة ذلك، فأخبريهم بالقدر الذي ترينه مناسباً.”
“حسناً، سأغادر الآن. ابقَ هنا واسترح في هذه الأثناء. أظن أنك تدرك هذا بالفعل، لكن أي شيء قد يمثل عبئاً على جسدك محظور تماماً، مفهوم؟ لا يمكنني ضمان حياة شخص يتشبث بها في ظل ظروف غامضة كهذه.”
“فهمت. لن أفعل أي شيء قد يضيف طبقاً إضافياً لعشائكِ،” قالها بصعوبة.
“هذا ليس مضحكاً، أنا أتحدث بجدية.”
“… حـ-حسناً.”
زفرت في وجهه بملامح جادة وزمّت شفتيها، لكن هيئتها لم تكن تثير الرهبة حقاً. من كان يتحدث عن “النكهة” قبل قليل؟ شعر بأن في الأمر نوعاً من الإجحاف، لكنه لم يعترض؛ فذلك ربما يكون الأفضل لصحته، ولكن… والأهم من ذلك، أنه يعلم أن استخدام المزاح لإخفاء إحراجه من قلق شخص ما عليه ليس من حسن الأدب في شيء.
*
اختارت نايغلاتو قاعة الطعام لتكون مكاناً لاجتماع كل الجنيات. استرعت انتباه نحو عشرين منهن، ثم تنهدت قائلة:
“… أرى أنكن تنظرن إليّ بوجوه تملؤها التوق، لكنها قد لا تكون قصة ممتعة حقاً، حسناً؟”
ردت آيسيا:
“حسناً، يمكننا تقرير ذلك لاحقاً. نحن، كما تعلمين… لسنا متحمسات تماماً، لكننا نرغب في معرفة الحقيقة.”
أومأت الجنيات من حولها بحماس؛ وبدا أنه لا مفر لـ نايغلاتو من الخوض في التفاصيل. تمتمت قائلة: “أظن أنه لا خيار أمامي”، ثم استجمعت شتات نفسها وبدأت تروي:
“كان ذلك في ربيع العام الماضي على ما أظن، قبيل إرسالي إلى هنا مباشرة. اضطررتُ للعمل مع المُنَقِّبين لمرة واحدة، تحت أوامر اتحاد أورلاندري.”
“المنقبون!!”
لمعت أعين العديد من الجنيات. كان للمنقبين —أولئك الذين يطاردون المغامرة ويندفعون برؤوسهم نحو الخطر— شعبية بطولية بين بعض الأطفال في ريغول آير، وإن كانوا أكثر شعبية لدى الفتيان.
“في الواقع، لم يكونوا بارعين جداً في عملهم؛ فقد نزلوا إلى السطح مرات عديدة، لكنهم لم يظفروا بالكثير. وفي ذلك اليوم، كانوا على وشك العودة إلى الجزر خالي الوفاض، لولا أن أحدهم تعثرت قدماه فخرَّ ساقطاً عبر فجوة في الأرض—”
هناك، اكتشفت المجموعة بحيرة جوفية هائلة متجمدة. وأوضحت أنهم عثروا في قاع تلك البحيرة على تمثال حجري لشاب لا سمات له.
قالت إحدى الفتيات ذاكرةً عنوان قصة خيالية: “هذا يشبه نعش الجليد.”
“لكن لم تكن هناك أميرة في الداخل، بل تمثال لرجل.”
لاحظت إحدى رفيقاتهن، ممن يملكن قدرة البصيرة، أن الأمر لم يكن مجرد تمثال، بل إنساناً حقيقياً أضحى حجراً جراء نوع من اللعنات. وبعد ذلك، وبطبيعة الحال، لم يعد خيار العودة وتركه وشأنه مطروحاً. بذلوا جهداً مضنياً في تحطيم الجليد وانتشال التمثال، ورغم ثقل حمله، فقد تمكنوا من إعادته إلى الجزيرة.
بعد إلقائه في مستشفى خيري لمدة شهر تقريباً، زال التحجر عنه أخيراً واستيقظ.
“كان الأمر شاقاً للغاية حينها؛ فقد كان يتصرف بجموح كلما رأى بوغارد أو أورك، ولم يكن يفهم لغتنا على الإطلاق. اضطررنا لاستقدام خبير تواصل من الاتحاد، وحينها فقط تمكنا من التحدث إليه للمرة الأولى. وفي النهاية، اكتشفنا أنه إمنيتويت حقيقي؛ الجندي الأخير الناجي من عرقٍ جعل من الجميع أعداءً له باستثناء أنفسهم. لا أدري لماذا، لكنه ظل نائماً لمئات السنين في قاع تلك البحيرة…”
“هل ظل على السطح طوال ذلك الوقت ولم تأكله الوحوش؟”
“ربما لأنه تحول إلى حجر؛ ولعل هذا هو الشيء الوحيد الجيد الذي نتج عن ذلك الموقف.”
كانت مشكلة اللغة سهلة الحل نسبياً؛ فمن بين التعاويذ العتيقة التي عُثر عليها على الأرض قرب الجليد كانت تعويذة “استيعاب اللغات”. استخدم الشاب تلك التميمة وبدأ يتحدث عن نفسه شيئاً فشيئاً، واستوعب المعلومات التي شرحها له المنقبون عن الحاضر.
ما زالت نايغلاتو تذكر تعبير اليأس الذي ارتسم على وجهه؛ لم تستطع نسيان عويله ونحيبه حزناً. لقد كان على الأرجح آخر من تبقى من الإمنيتويت، العرق الذي كان يُفترض أن ينقرض منذ أمد بعيد.
قرر الرفاق ترك هذا الكيان الاستثنائي وشأنه، تماماً كما تمنى. لم تكن نايغلاتو تعرف الكثير عما حدث بعد ذلك، سوى أن الرجل ذهب ليعيش في الجزيرة رقم 28 —من بين كل الأماكن، اختار موطناً يزدري سكانه عديمي السمات— وعمل بجد مضنٍ ليسدد الديون التي تراكمت عليه من المنشطات، والمستشفى، وخبير التواصل، وغير ذلك. كان هذا جلَّ ما سمعته من أحد المنقبين.
ثم… هذا صحيح، لقد جاء إلى هنا.
لقد نضج الشاب خلال العام والنصف الماضيين؛ وصارت ابتسامته تظهر بوضوح أكبر الآن، بل وأظهر لطفاً غريباً تجاه الأطفال. ورغم ذلك، فإن شعلة الفراغ القاتمة التي كانت ترتجف في أعماق عينيه لم تتغير منذ ذلك الحين.
“هذا كل ما أعرفه.”
بإخفاء بعض التفاصيل الذاتية، أنهت نايغلاتو سرد القصة العامة. تبادلت الفتيات النظرات، وشرعن في الهمس بكلماتٍ غير مفهومة فيما بينهن.
“— وهذا كل ما يمكنني قوله لكنّ. وثمة شيء آخر أطلبه منكن كخدمة؛ قد لا يكون ذلك ممكناً على الفور، ولكن أرجوكن ألا تشعرن بخوف شديد منه أو تنبذنه كثيراً… هذا كل شيء.”
ومع تلك الكلمات، غادرت نايغلاتو قاعة الطعام. وبينما كانت تسير في الممر، حدثت نفسها قائلة: “أعتقد أنني ارتكبتُ خطأً”.
لقد كان عرق الـإمنيتويت مكروهاً؛ ورغم أن ويليم نفسه قد لا يكون له يد في الأمر، إلا أن الـإمنيتويت هم من أطلقوا العنان للوحوش السبعة عشر التي بدأت بتدمير العالم، دون أدنى شك. لم تكن تعتقد أن هذه الجنيات سيعاملنه كما يعامله بقية المجتمع، ولكن حتى لو لم يفعلن ذلك، فمن المحتمل أن تكون ردة فعلهن مشابهة.
فهؤلاء الفتيات كائنات خُلقت لتقاتل الوحوش السبعة عشر، هن أسلحة تُستهلك في تلك المعارك. والمسؤولية عن خلق هذا القدر البائس لهن، إذا ما تتبعنا خيوطها إلى البداية، تقع على عاتق الـإمنيتويت
ومع ذلك، إذا كان هناك شيء يمكنها منعه —فهي لا تريد للأطفال أن يرفضوه. لم تكن تريد تدمير هذا المكان، حيث تمكن ذلك الشاب بطريقة ما من الابتسام رغم حقيقة أنه لم يعد له وطن باقٍ في هذا العالم. كانت نايغلاتو متأكدة من أنه لم يكن يتمنى حدوث شيء كهذا؛ فقد حاول معرفة الحقيقة بشأن الجنيات وكشف الحقيقة عن نفسه، ولم تكن تريد لقراراته أن تذهب سدى.
كان ذلك هو السبب في نبشها للماضي. ومع ذلك، لم تتلاشَ رغبتها في عدم الاستسلام؛ كانت تعلم مدى أنانية هذا الشعور، لكنها بطريقة ما أرادت للأطفال أن يبقوا بجانب ويليم كما كانوا دائماً—
توقفت فجأة عن السير. سرى إحساس بالقلق وخز خلف عنقها.
لا، لا يمكن لشيء كهذا أن يحدث الآن، ليس في هذا التوقيت. لكنها في الوقت ذاته، فكرت بأنه فعلٌ يتناسب تماماً مع ما قد يقدمون عليه.
استدارت بسرعة فائقة، وهرعت نحو المستوصف. وبينما كانت تقترب من زاوية الممر—
“ويلي! لقد سمعنا القصة! هل كنت محطماً؟”
تناهت إلى مسامعها أصوات مرحة خالية من الهموم؛ فتعثرت في مشيتها من المفاجأة.
“واو، الـإمنيتويت يشبهوننا كثيراً!”
“هذا مثير للاهتمام حقاً، آمل أن تقص علينا حكايات عن زمنك.”
“أمم، لا أعرف كيف أقول هذا بشكل جيد، ولكن من فضلك ابتهج.”
كان المستوصف مكتظاً بالجنيات؛ كنّ يتحلقن حول سرير مريض مصاب بجروح خطيرة كان على شفا الموت قبل لحظات، وكنّ يثرن جلبة لا يستهان بها.
“…”
وقفت نايغلاتو شاردة أمام الباب لنحو عشر ثوانٍ. ثم استغرقت خمس ثوانٍ أخرى لتبتسم لسخافة مخاوفها؛ في الحقيقة، كان من السهل عليها تخيل انتهاء الأمر بهذا الشكل، فمِمَّ كانت خائفة؟ غمرتها السعادة وهي ترى الفتيات يحاولن تشجيع ويليم كلٌ بطريقتها الخاصة، واستغرقت ثانيتين إضافيتين لتمسح تلك الابتسامة عن وجهها. سبع ثوانٍ كاملة لتأخذ نفساً عميقاً وتغير أسلوبها.
“أيتها الفتيات؟”
تصلبت جموعهن في مكانها. وبصوت صرير يشبه برغياً صدئاً، أدرن رؤوسهن جميعاً لينظرن إليها.
“المريض متعب للغاية الآن وهو يرتاح. عليكن أن تلتزمن الهدوء. الأطفال السيئون الذين لا يسمعون الكلام…”
ببطء وهدوء، ارتسمت ابتسامة على وجهها اتسعت كتمزق في نسيج القماش.
“… يعرفون ما يحدث لهم، أليس كذلك؟”
لم يستغرق الأمر حتى عشر ثوانٍ؛ تدافعت الفتيات خارج الغرفة وانطلقن ركضاً في الممر.
“واو، لقد ساد الهدوء فجأة.”
أطلت آيسيا من خلفها، فقالت نايغلاتو:
“إذا كنتِ ستثيرين الضجيج، فسأطردكِ أنتِ أيضاً.”
“نيا-ها-ها، أفضل ألا تفعلي.”
ابتسمت آيسيا بخفة، وعلى وجهها تعبير غامض جعل من الصعب معرفة ما إذا كانت جادة أم تمازحها.
“لكن هناك شيء أريد التحقق منه مع هذا الرجل المحتضر هنا. هل تعتقدين أنه يمكنكِ السماح لي بذلك؟”
“… ماذا تريدين أن تسألي؟”
قبل أن تتمكن نايغلاتو من التفوه بكلمة، أجاب ويليم. أدركت نايغلاتو أنها لن تستطيع التدخل الآن.
“شكراً،” قالت آيسيا بابتسامتها المعتادة وهي تتسلل إلى الغرفة وتجلس على كرسي صغير بجانب السرير. “أولاً، دعني أتأكد مجدداً: أنت من الإمنيتويت، أليس كذلك؟”
“أظن أننا في مرحلة ما بدأنا نُسمى بذلك. عندما كنت أعيش على السطح، لم نكن نكلف أنفسنا عناء إطلاق اسم خاص على عرقنا؛ كنا مجرد بشر، وأي عرق آخر كان يُعامل كمسخ.”
“يا لها من عصور بربرية.”
“حسناً، لن أنكر ذلك… إذاً، إلى ماذا ترمين؟”
ابتسمت آيسيا برضا، ثم سألت بصوت منخفض وقد جديّة مباغتة على ملامحها:
“… لماذا قد يزعج إمنيتويت عظيم نفسه بالاهتمام بنا؟”
تابعت: “نحن ممتنات لك، يا ضابط التعاويذ الثاني. لكن بعد سماع حقيقتك، ضعتُ مجدداً في التساؤل عن سبب استنزاف كل طاقتك في مكان كهذا. القتال مع كوتوري وأنت في هذه الحالة المزرية يعرض حياتك للخطر. من الغريب جداً أن تفعل كل ذلك دون سبب حقيقي، أتعلم؟”
“بالطبع أريد أن أكون لطيفاً مع الفتيات.”
“… هذا جواب مباشر أكثر مما ينبغي.”
لانت تعابير آيسيا، وحكت خدها بطرف إصبعها قائلة: “بالتأكيد، يقول علماء الأحياء إنه من الطبيعي لذكور فصيلة ما أن يكونوا لطفاء مع الإناث، لكنك تدرك الأمر، أليس كذلك؟ هذا مجرد مظهر خارجي بالنسبة لنا.”
كانت الجنيات الليبركان جميعهن إناثاً. لم تكن تعرف السبب، لكنها حقيقة لا يمكن تغييرها، ولم تجد أي استثناءات لها على الأقل. وبالمعنى الدقيق للكلمة، لم تكن كائنات حية، بل “أشياء” تتكاثر طبيعياً، لذا لم يكن هناك عائق لعدم وجود ذكور. وبالتالي، لم يعتقد أحد أن ذلك يمثل مشكلة، ولكن بعبارة أخرى:
“جميعنا فتيات، لذا فالأمر وكأننا بلا جنس في المقام الأول. نحن أساساً مثل الرخويات.”
“لا أفهم ما تعنين.”
أطلق ويليم ضحكة ساخرة مع ابتسامة: “وحدة التشكيل في فرقة دمى العاصمة ستستشيط غضباً لو سمعوا ذلك.”
“هاه؟ ربما، لكني لا أعرف من هؤلاء.”
“… إذاً، لنقل الأمر هكذا. هل تحبين القطط الصغيرة؟”
“هاه؟ حسناً، أظن أنني أحبها كأي شخص آخر.”
“وترغبين في حمايتها؟”
“بالتأكيد، كأي شخص آخر.”
“هذا هو الأمر ببساطة.”
“انتظر… لا أفهم ما ترمي إليه.”
فكر ويليم للحظة ثم قال:
“هذا شيء سمعته منذ زمن بعيد؛ الكائنات التي تمتلك مظهراً خارجياً رائداً لا تظهر هكذا عشوائياً، بل تمتلك طبيعة فطرية ترغب في أن تكون محبوبة، ومحمية، ومدللة، لذا تنمو وتتطور بهذا الشكل.”
وتابع: “لذا، وسواء كان كائناً حياً أو بشرياً، لهذا السبب يكون الأطفال ظرفاء بغض النظر عن عرقهم. إنهم يأملون بيأس أن يكونوا شيئاً يرغب الناس في حمايته… أتفهمين؟”
“… هل تقول إننا مثلهم؟”
“أنتن كائنات استثنائية؛ أصولكن أرواح كان بإمكانها اتخاذ أي شكل شاذ تشاء، ومع ذلك، وُلدتن لا كأطفال فحسب، بل كفتيات صغيرات. هل يقنعكِ هذا؟”
“أوه، إذاً أنت مجرد رجل طيب القلب تجاه عرقنا بأكمله، هاه؟ عندما نأخذ في الاعتبار ذوقك في الفتيات الصغيرات أيها الضابط، يصبح كل شيء منطقياً.”
“هيي، على رسلكِ! من أين أتيتِ بهذا الكلام؟!”
ضحك الاثنان معاً.
ما هذا بحق؟ تساءلت نايغلاتو في نفسها؛ شعرت بالبؤس وهي تلوم نفسها على كل ذلك القلق الذي استهلكها. في النهاية، لم تكن الجنيات ولا ويليم نفسه قد أخذوا ما كانت تخشاه في الحسبان بالعمق الذي توقعته؛ لقد كان تفكيرها متمركزاً حول ذاتها بشكل مفرط. الجميع لا يتحركون إلا وفق منطقهم ومعاييرهم الخاصة.
ببساطة، لم يكونوا سوى قطيع من الحمقى. والحمقى يبقون حمقى لأنهم لا يمكنهم أن يصبحوا دهاةً بتلك السرعة؛ هم حمقى لأن بإمكانهم الضحك بكل تلك الحرية.
“آه، كم أحبكم جميعاً.”
ولسبب ما، كان الجميع يصابون بذعر شديد عندما تنطق بمثل هذه الكلمات بصوت عالٍ، لذا اكتفت بالصراخ بها في أعماق قلبها.
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل