الفصل 20 : المجنون.
قبل يومين من هذا اللقاء المفتعل، وفي الطابق العلوي من المبنى الإداري الحجري الذي يطل على ساحات التدريب، كانت هناك محادثة تدور في الخفاء.
طرقات خفيفة ومترددة على الباب الخشبي الثقيل.
“ادخل.”
جاء الرد بارداً وقاطعاً من الداخل.
فتح ‘كايل’ الباب ببطء، ودخل بخطوات منضبطة، مؤدياً التحية بوضع قبضته اليمنى على صدره العريض.
خلف مكتب البلوط، كان القائد راد يجلس براحة، يقلب تقارير التقييمات اليومية للمتدربين. رفع عينيه ببطء وتأمل الفتى الضخم الذي يقف أمامه.
كايل، الفتى الذي يُلقب بـ ‘المتجدد’. موهبة فذة في الدفاع والتحمل، وواحد من أبرز المرشحين لاحتلال المراكز الأولى في هذه الدفعة، وكان متواجد من بين الثمانية التي ثم إختيارهم سابقا بواسطة القائد راد.
“اجلس يا كايل.”
أشار راد بيده نحو المقعد المقابل.
“أشكرك سيدي القائد، سأبقى واقفاً.” أجاب كايل بجمود.
ابتسم راد ابتسامة خفيفة لا تصل إلى عينيه. كان يعلم أن هذا الفتى لا يميل إلى الثرثرة أو المجاملات الفارغة، وهو بالضبط ما يجعله أداة مثالية.
“أنت تعلم أنني من قمت بتبنيك ورعايتك منذ أن كنت تعمل في تلك المزرعة البائسة على الحدود، أليس كذلك؟ لقد رأيت فيك إمكانات لم يرها أحد غيري، ووفرت لك الموارد لتصل إلى ما أنت عليه اليوم.”
“أنا مدين لك بحياتي وبمستقبلي، سيدي.”
أجاب كايل بنبرة تحمل ولاءً أعمى.
“جيد. إذن أنت تفهم أن ولائك للمنشأة ولقوانينها يجب أن يكون مطلقاً. لكن… مؤخراً، دخل إلى صفوفنا جرذ يعبث بهذا النظام.”
ضاق بؤبؤ عيني كايل، وكان يعلم تماماً عمن يتحدث القائد.
“ذلك العامي… ران فولكان.” تابع راد وصوته يقطر سماً. “لقد استخدم نفوذ القائد الأعلى ليد ليقتحم هذه المنشأة، ويتجاوز القواعد التي تخضعون لها جميعاً. هذا يمثل إهانة لجهودكم ولقدسية التدريب.”
صمت كايل، لكن قبضتيه شدتا بقوة. بالنسبة لشخص قضى حياته يؤمن بالعمل الجاد، كان وجود شخص يدخل بـ ‘واسطة’ أمراً يستفز إحساسه بالعدالة.
“أريدك أن تلقنه درساً لا ينساه. درساً يجعله يدرك أن ساحة المعركة لا تعترف بالرسائل المختومة.”
دفع راد ورقة مطوية بخاتم سحري أحمر عبر المكتب.
“ما هذا، سيدي؟”
“تصريح استثنائي. يسمح لكما بإجراء نزال قتالي حقيقي… بدون الدروع السحرية الواقية.”
اتسعت عينا كايل بصدمة. التدريب بدون دروع امتصاص الصدمات يعني أن أي ضربة خاطئة قد تؤدي إلى إعاقة دائمة، أو حتى الموت. هذا لم يعد تدريباً، بل كان إعداماً مقنعاً.
“ولكن سيدي… هذا يخالف بروتوكولات السلامة المعتمدة للمبتدئين.”
“إذا كان حقاً يمتلك الموهبة التي جعلت القائد الأعلى يزكيه، فلن يموت بسهولة. أليس كذلك؟ أريده أن يُطرد من هنا وهو يجر أذيال الخيبة والكسور. هل ستخذلني يا كايل؟”
نظر راد إليه بعينين مظلمتين كعيني ثعبان يلتف حول فريسته.
ابتلع كايل ريقه، وأومأ برأسه ببطء، ممسكاً بالورقة المشؤومة.
“لن أخذل ثقتك، سيدي.”
*
بالعودة إلى الحاضر، في ساحة التدريب الترابية.
كان زين يراقب الفتى الضخم الذي يقف أمامه ببرود تام.
“ليس لدي أي ضغينة شخصية ضدك.”
قال كايل بصوته الخشن وهو يطوي ذراعيه المفتولتين.
“لكنني لا أحب أولئك الذين يكسرون القواعد ويتفاخرون بامتيازات لم يكسبوها بعرق جبينهم.”
‘يا له من خطاب كليشيهي مثالي لشخصية تم التلاعب بها.’
تنهد زين داخلياً. كان من الواضح جداً أن هذا الفتى مجرد بيدق أرسله القائد راد لإتمام المهمة القذرة.
“إذن، هل جئت لتلقنني درساً في الأخلاق؟ أم تريد مني أن أخلع قميصي لنتقاتل بالأيدي كالرجال الشرفاء؟”
سأل زين بسخرية لاذعة.
“رفضك للنزال يعني اعترافك بالجبن. وإذا قبلت… فهذا هو الشرط.”
مد كايل يده وأظهر الورقة المختومة بالختم السحري للقائد راد.
قرأ زين المحتوى بسرعة، وارتفع حاجباه قليلاً.
نزال بالأسلحة الحقيقية، بدون استخدام الدروع السحرية التي تمتص الأضرار المميتة.
“هذا العجوز اللعين… لقد فقد صوابه تماماً.”
تمتم زين بصوت خافت لم يسمعه سوى كايل.
في العادة، كان زين سيرفض فخاً مكشوفاً كهذا. لكن، التراجع الآن يعني إعطاء راد المبرر المثالي لطرده بتهمة الجبن وعدم الكفاءة. وفوق ذلك، كانت نظرات عشرات المتدربين قد بدأت تتجه نحوهم، مجذوبة برائحة الدماء المحتملة.
الأهم من ذلك، كان لوتيان يجلس بعيداً، يراقب المشهد ببرود. إذا أظهر زين أي ضعف هنا، فإن أي فرصة لترويض ذلك الوحش الانطوائي ستتبخر إلى الأبد.
“بما أنك تكبدت عناء جلب تصريح رسمي للقتل…”
رمى زين سترته العلوية جانباً، وسحب خنجره الداكن بيده اليمنى، بينما أمسك قوسه الخشبي بقوة بيده اليسرى.
“فلنبدأ. أرني ما لديك أيها البيدق المخلص.”
تشوه وجه كايل بغضب واضح من إهانة زين له بوصفه ‘بيدقاً’.
سحب كايل سلاحه. لم يكن سيفاً ولا رمحاً، بل كان درعاً معدنياً ثقيلاً مزوداً بحواف حادة كالشفرات. سلاح هجين مصمم لسحق وقطع أي شيء يعترض طريقه.
في اللحظة التي تلامست فيها نيتهما القتالية، رن الإشعار المألوف في عقل زين.
[تم تفعيل المرحلة الأولى من مهارة: وقت الصيد].
“سأسحق غرورك!”
زأر كايل، واندفع للأمام كحصن متحرك. جسده الضخم لم يعق سرعته، بل جعل خطواته تزلزل الأرض الرملية تحته.
في مواجهة هذه الكتلة العضلية المندفعة، لم يتراجع زين.
بدلاً من ذلك، استخدم مهارة [خطوة الظل]، وانزلق جانباً بحركة انسيابية كالماء، متفادياً الضربة الساحقة لدرع كايل التي شقت الهواء حيث كان يقف قبل جزء من الثانية.
وقبل أن يستعيد كايل توازنه، لوح زين بقوسه الخشبي كعصا، وضارباً به مؤخرة ركبة كايل لإفقاده التوازن.
“تكتيكات رخيصة!”
صرخ كايل، ولم يسقط. استدار بسرعة مرعبة، ووجه ضربة عكسية بحافة الدرع الحادة نحو رأس زين.
انحنى زين بمرونة بهلوانية، ومرت الشفرة فوق شعره بمليمترات. وفي نفس اللحظة، استغل انخفاضه ليوجه طعنة بخنجره نحو خاصرة كايل المكشوفة.
تشاك!
اخترق نصل الخنجر الجلد والعضلات، وتناثرت قطرات من الدماء الساخنة على الرمال.
“أُوغ…!”
أطلق كايل تأوهاً مكتوماً، وتراجع خطوتين للخلف.
النزف كان حقيقياً. الألم كان حقيقياً. غياب الدروع السحرية جعل كل حركة تحمل وزناً مميتاً.
المتدربون الذين كانوا يراقبون المشهد حبسوا أنفاسهم، وكذلك المدربين كانو على إستعداد للتدخل في أي ثانية لولا التصريح المباشر من مدير هذه المنشأة.
لم يكونوا معتادين على رؤية الدماء الحقيقية تسيل في نزالات التدريب.
لكن كايل لم ينهار.
[التجدد]
توهجت هالة خضراء خفيفة حول جسد كايل. كان هذا هو سبب ثقته المطلقة. مهارته الجوهرية التي تسمح له بتسريع التئام الجروح واستعادة قدرته على التحمل طالما أن نواته ممتلئة بالمانا، لذلك السبب كانو يلقبونه ‘بكايل المتجدد’.
“جرح كهذا لن يوقفني!”
عاد كايل للاندفاع، وهذه المرة كانت هجماته أكثر شراسة وتوحشاً.
‘نسيت أن هذا اللعين لديه هذه المهارة.’
كان زين يتفادى الضربات بصعوبة بالغة. كل اصطدام بين درع كايل وخنجر زين كان يخدر ذراع الفتى. القوة الغاشمة لخصمه كانت تفوق التوقعات.
‘إذا استمر الأمر هكذا، فسوف أسحق عاجلاً أم آجلاً.’
فكر زين وهو يتراجع ببطء.
مرت خمس دقائق… ثم عشر دقائق.
[تم تفعيل المرحلة الثانية من مهارة: وقت الصيد].
ومع هذا التفعيل، ظهرت تغييرات جذرية في رؤية زين.
مهارة [عين الافتراس] بدأت تعمل بكفاءة أعلى. خطوط ونقاط بيضاء بدأت تومض على جسد كايل الضخم.
‘مهارته العلاجية تستهلك المانا بسرعة، وهناك ثغرات في دفاعه عندما يركز على الهجوم.’
رصد زين النقطة البيضاء الأكثر سطوعاً… مفصل الكتف الأيمن الذي يرفع به الدرع.
“لن تهرب للأبد!”
صرخ كايل، وقام بقفزة هائلة في الهواء، موجهاً درعه للأسفل في ضربة ساحقة تهدف لتهشيم جسد زين بالكامل.
كان هذا هو الهجوم القاضي الذي لا يمكن صده بخنجر قصير أو القوس الخاص بزين.
لكن زين لم يحاول الصد، ولم يهرب للخلف.
في لحظة من الجنون الاستراتيجي، اندفع زين للأمام مباشرة تحت ظل كايل الساقط.
وعندما كان كايل في منتصف الهواء، غير قادر على تغيير مساره، سحب زين سهمين خشبيين صلبين ومجهزين من جعبته، ولم يضعهما على القوس.
بل أمسك بهما كخناجر إضافية.
بوم!
ضرب درع كايل الأرض الرملية بقوة زلزلت الساحة، لكن زين لم يكن تحته.
انزلق زين خلف كايل مباشرة في اللحظة الحاسمة، وبحركة وحشية ودقيقة للغاية، غرس الخنجر الداكن في مؤخرة ركبة كايل اليسرى.
“آاااه!”
صرخ كايل وفقد توازنه بالكامل، وسقط على ركبة واحدة.
لكن زين لم يتوقف عند هذا الحد. كانت عيناه باردتين، خالية من أي تعاطف أو تردد.
لم تكن هذه معركة شرف. كانت رسالة يجب أن تُرسل للمنشأة بأكملها، وللقائد راد الذي يراقب في الخفاء.
رفع زين السهم الخشبي السميك بيده اليسرى، وبقوة عززها بالمانا، طعن به كتف كايل الأيمن من الخلف، مغرزاً إياه في المفصل لمنعه من رفع الدرع مجدداً.
“أغغغ… تباً لك!”
حاول كايل الالتفاف وتوجيه لكمة يائسة بيده اليسرى.
تجنبها زين بإمالة رأسه ببساطة، ورفع السهم الثاني بيده اليمنى، وطعن به ذراع كايل اليسرى، مسمراً إياها تقريباً في الأرض الرملية.
الدماء كانت تسيل، وصيحات الألم الصادرة من ‘المتجدد’ ملأت الساحة المذعورة.
كان المشهد مرعباً.
الفتى الذي دخل المنشأة كعامي متأخر، كان يجلس الآن بوضعية القرفصاء فوق ظهر أحد أقوى المتدربين، يثبته على الأرض بأسهم مغروسة في مفاصله وكأنه يثبت حشرة مشرحة على لوح خشبي.
لم يكن يطعنه لقتله، بل كان يطعنه لتعطيله تماماً وشله عن الحركة، وبطريقة تحمل قدراً مرعباً من القسوة الباردة.
“هل ستستسلم؟ أم أغرس السهم الثالث في عمودك الفقري؟”
همس زين بصوت خافت جداً بجوار أذن كايل، وهو يضغط بركبته على جرح ظهر الفتى.
“أسـ… أستسلم… أنا أستسلم!”
نطق كايل الكلمات بصعوبة، وصدره يعلو ويهبط من شدة الألم والإذلال، لم تعمل مهارة [التجدد] الخاصة به في هذا الموقف، لأن الأسهم كانت مغروسة في لحمه، فحتى لو فعل المهارة ستكون إضاعة فقط للمانا.
كان زين يعلم بهذه الأشياء جيدا، ككاتب لهذا العالم كان يعلم جميع نقاط ضعف الشخصيات وقوتها، خصوصا الشخصيات الرئيسية ككايل.
في تلك اللحظة فقط، سحب زين الخنجر والأسهم ببطء، وقف على قدميه، ونفض الدماء عن نصله ببرود تام.
الساحة بأكملها كانت غارقة في صمت مميت.
المدربون الذين هرعوا أخيراً لتقديم الإسعافات الأولية لكايل، كانوا ينظرون إلى زين بنظرات تمزج بين الخوف والذهول.
بينما كانت عيون المتدربين تتسع برعب، أدركوا حقيقة واحدة في تلك اللحظة.
هذا الفتى ليس مجرد عامي متعجرف.
في تلك الثواني الدموية، وُلد لقب جديد حُفر في أذهان كل من حضر.
‘المجنون’.
شخص لا يرحم، لا يتردد، ويمزق أعداءه بلا أي ذرة من الشرف.
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل