الفصل 4 : المجاري.
‘جمرة وامضة!’
صرخ بها كايلين في أعماقه، دافعاً كل قطرة من القوة السحرية البائسة التي تولدها دائرته اليتيمة والمشوهة في صدره.
في المساحة المغلقة والمظلمة لدرج الخدم الحلزوني، لم يكن هناك مهرب للضوء أو الحرارة. بمجرد أن لامست الشرارة الضئيلة سحابة مسحوق الفوسفور المعلقة في الهواء الرطب، لم يحدث اشتعال عادي، بل وقع انفجار ضوئي عنيف.
بببببوووووم!
لم يكن مجرد صوت، بل كان ارتجاجاً ضغط على طبلتي أذني كايلين بقسوة شديدة. اندلع وميض أبيض ساطع، كشمس مصغرة وُلدت وماتت في جزء من الثانية.
كان الضوء نقياً وقاسياً لدرجة أنه اخترق جفنيه المغمضين بقوة، تاركاً بقعاً حمراء وزرقاء تتراقص في مجال رؤيته الداخلي. رافق الوميض موجة حرارة مفاجئة لسعت وجهه، ورائحة أوزون حادة اختلطت برائحة شعر محترق.
“غآآآآآه!”
صرخة القاتل الأجشة لم تكن صرخة ألم مميت، بل صرخة مفاجأة وغضب خالصين. في ذلك الحيز الضيق، كان تركيز عينيه منصباً بالكامل في الظلام لتعقب كايلين، مما جعل الوميض الفوسفوري يصيب شبكيتي عينيه بصدمة عمى مؤقتة ومؤلمة.
سمع كايلين صوت ارتطام نصله المعدني الثقيل بالجدار الحجري بدلاً من لحمه، وتناثرت شرارات برتقالية تناغمت مع الضوء المتلاشي. جسد القاتل ترنح للخلف، واصطدم كتفه بالدرابزين الحديدي، فاقداً توازنه للحظة حاسمة.
لم ينتظر كايلين لثانية واحدة. لم يفتح عينيه اللتين كانتا تدمعان بغزارة من أثر الوميض، بل رمى جسده بالكامل إلى الأسفل.
لم يكن يقفز، ولم يكن يمشي، بل ترك الجاذبية تسحبه في سقوط حر ومتهور على الدرجات الحجرية الخشنة.
كانت رحلة هبوط كارثية، ارتطم كتف كايلين السليم بالحافة الحجرية الأولى، ثم التوى خصره ليصطدم بالدرجة التالية. كان يتدحرج كدمية خرقة رُميت من نافذة، وكل ارتطام كان يرسل صدمات زلزالية من الألم عبر جسده الهزيل.
كاحله المكسور كان يصرخ مع كل انقلاب، وكتفه الذي أعاده إلى مكانه للتو كان يهدد بالانخلاع مجدداً مع كل خبطة.
ومع هذا الألم الجسدي الطاحن، استيقظت اللعنة. التوتر الجسدي والنفسي العنيف حفز ذاكرة جهازه العصبي، وفجأة، وفي منتصف تدحرجه، عاد إليه إحساس الاختناق.
شعر مرة أخرى ببرودة السيف الفضي وهو يجز رقبته، وبحرارة الدماء الوهمية تملأ قصبته الهوائية. بدأ يسعل ويشهق بشكل لا إرادي وهو يهوي في الظلام، يختنق بهواء نظيف، ويحتضر من جرح غير موجود.
تداخل عذاب الماضي القريب مع جحيم الحاضر، ليخلقا زوبعة من العذاب كادت أن تفقده وعيه.
‘ابق مستيقظاً… إياك أن تفقد وعيك!’
عض على لسانه بقوة حتى امتزج طعم الدم المعدني في فمه. الألم الحي والجديد كان مرساته الوحيدة ليمنع عقله من الغرق في هلوسات الموت.
ثووود!
انتهى السقوط بارتطام عنيف على أرضية مستوية ورطبة. لقد وصل إلى قاع السلم. كان يلهث، مستلقياً على بطنه، وصدره يعلو ويهبط بجنون.
فتح عينيه بصعوبة، ليدرك أن الظلام هنا لم يكن حالكاً كلياً. كان هناك بصيص ضعيف من ضوء أزرق ينبعث من بلورات حفظ البرودة المعلقة في سقف مقبب وواسع، إنه قبو النبيذ.
رائحة خشب البلوط العتيق، والعنب المتخمر، والتربة الرطبة ملأت أنفه. صفوف طويلة من البراميل الضخمة كانت تصطف كجنود صامتين في العتمة. كان كل برميل يحمل ختماً محفوراً يمثل شجرة “السيادي الأول”، وهو شعار عائلة فاليريوس.
من أعلى السلم، سمع صوت خطوات غاضبة وثقيلة، تتسارع هذه المرة، ولم تعد هادئة أو موزونة.
“سأسلخ جلدك وأنت حي أيها الوغد!”
تردد صوت القاتل في بئر السلم كزئير وحش جريح. لقد استعاد بصره جزئياً، وكان الغضب قد محا كل ذرة من احترافيته الهادئة، لم يعد يريد قتله بصمت، بل كان يريد تعذيبه.
ضخ الذعر جرعة جديدة من الأدرينالين في عروق كايلين المحترقة. زحف ببطء نحو الباب الخشبي السميك الذي يفصل قاعدة السلم عن القبو.
كان باباً ثقيلاً ومقوساً، ومزوداً بمزلاج حديدي قديم. سحب نفسه للأعلى مستنداً على الجدار، وبذراعه اليمنى المرتجفة، أسقط المزلاج الصدئ في مكانه بصعوبة بالغة.
كلاانك!
منحه صوت إغلاق المزلاج ثانية واحدة من الراحة النفسية، لكنه كان يعرف جيداً أنه لن يصمد طويلاً أمام ضربات قاتل محترف معزز بالسحر. كان عليه العثور على المدخل السري فوراً.
نظر حوله بعينين محمومتين. في لعبة “دموع السيادي”، كان مدخل مجاري تصريف المياه يقع خلف رف معين يحمل زجاجات نبيذ نادرة من طراز “دموع الجليد”. المشكلة كانت…
‘كيف يبدو هذا الرف في الواقع؟’
سحب كايلين ساقه المكسورة خلفه، يقفز على ساقه السليمة بين الممرات الضيقة التي تفصل البراميل. كانت الإضاءة الزرقاء الباهتة تجعل كل شيء يبدو متشابهاً، وكأنه داخل متاهة.
بوووم!
هزت صدمة عنيفة الباب الخشبي المقوس خلفه، وتناثر الغبار والصدأ من المزلاج الحديدي. لقد وصل القاتل إلى الأسفل وبدأ في تحطيم الباب.
“لا يمكنك الاختباء في صندوق خشبي، يا كايلين! أنا قادم!”
عض كايلين على شفته، وأسرع في قفزه يلهث كحيوان مطارد، حتى وصل إلى نهاية القبو حيث يوجد جدار حجري رطب تتراكم عليه طبقة من الطحالب اللزجة.
كان هناك رف خشبي مغطى بالغبار، يحمل زجاجات زجاجية سوداء أنيقة ومختومة بشمع أحمر داكن.
“هذا هو… يجب أن يكون هذا!”
همس لنفسه، والأمل البائس يشتعل في صدره. بحث بيده المرتعشة عن الزجاجة التي تعمل كرافعة للممر السري، ففي اللعبة، كانت الزجاجة الثالثة من اليسار في الرف الثاني هي المنشودة.
أمسك بالزجاجة، وحاول سحبها أو إمالتها، لكنها لم تتحرك. كانت مجرد زجاجة نبيذ عادية.
اتسعت حدقتاه، وبرودة الموت تسللت إلى قلبه. هل كان موقع المدخل السري مختلفاً في هذا “الواقع”؟ هل كانت تفاصيل اللعبة مجرد خيال لا ينطبق على كل شيء هنا؟
كراااك!
صوت انشطار الخشب مزق سكون القبو. نظر بلمح البصر نحو المدخل ليرى نصل السيف العريض قد اخترق منتصف الباب الخشبي السميك، وانسحب بقوة ليترك فجوة واسعة.
كان يستطيع رؤية عين القاتل المحتقنة بالدماء من خلال الفتحة، ومزلاج الباب بدأ ينحني تحت الضغط. الباب لن يصمد لأكثر من ثلاث ضربات أخرى.
‘فكر! فكر أيها الأحمق!’
ضرب كايلين رأسه بقبضته السليمة محاولاً الاستيعاب. هذا العالم ليس لعبة تعمل بالبكسل، بل إنه عالم حقيقي يحكمه المنطق والهندسة. لماذا قد يصمم مهندس قبوٍ مدخلاً سرياً يعمل بزجاجة قد تنكسر أو تُشرب بالخطأ؟
نظر أسفل الرف، هناك حيث تلتقي الأرضية الحجرية بالجدار. كان هناك حجر يبدو أنظف قليلاً من البقية، ولا تنمو عليه الطحالب.
انحنى بسرعة متجاهلاً الألم الحاد الذي مزق ركبته، ومرر أصابعه حول الحجر ليجد تجويفاً صغيراً في الأسفل. أدخل أصابعه، وسحب بقوة.
غريييييت!
صوت طحن الحجر الثقيل على الأرضية جعل قلبه يقفز من الفرحة المطلقة. بدأ الرف الخشبي بأكمله، مع جزء من الجدار، ينزلق ببطء نحو الداخل متيحاً فجوة مظلمة بالكاد تتسع لمرور شخص بالغ.
تزامن ذلك مع صوت تحطم باب القبو بالكامل. انخلع الباب من مفصلاته بضربة نهائية ساحقة، ودخل القاتل إلى القبو. كان قناعه الجلدي محترقاً من جانب واحد، وعباءته ممزقة وتفوح منها رائحة الدخان.
سقطت عيناه على كايلين فوراً، ورأى الممر السري الذي ينفتح ببطء.
“لن تهرب!”
صرخ القاتل بصوت شيطاني، وانطلق نحوه كالرصاصة متجاوزاً البراميل بسرعة مرعبة. كان سيفه مرفوعاً عالياً ومستعداً لشق جمجمة كايلين إلى نصفين، لكن هذا الأخير لم ينتظر حتى ينفتح الممر بالكامل.
ألقى بنفسه عبر الفتحة الضيقة، محتضناً ذراعيه إلى صدره. احتك كتفه وصدره بالحواف الحجرية الخشنة، ممزقاً ما تبقى من قميصه الحريري وجلده.
بمجرد أن عبر، انحدرت الأرضية تحته بشكل حاد ومفاجئ، كمنزلق دائري سلس مبني لتصريف المياه وليس لمرور البشر. بدأ يهوي في الظلام الدامس، منزلقاً بسرعة جنونية على سطح حجري مغطى بطبقة لزجة من الطين والعفن.
ومن الأعلى، سمع صرخة غضب القاتل، متبوعة بصوت ارتطام سيفه بالحجر المنسدل للممر السري الذي بدأ ينغلق تلقائياً بعد مرور الوزن عنه. لقد نجا… مؤقتاً.
بدا الانزلاق وكأنه لن ينتهي؛ كان يدور وينزلق في العتمة، وأنفاسه تُسلب منه بسبب السرعة والبرودة التي تزداد مع كل متر ينزل فيه تحت الأرض.
ثم… النهاية.
لفظه الأنبوب الحجري كايلين في الهواء، ليسقط لمسافة قصيرة، قبل أن يرتطم بسطح سائل.
سبلاااااش!
غاص في مياه جليدية، سوداء، وقذرة بشكل لا يوصف. كان البرد كصدمة كهربائية شلت كل عضلة في جسده، وكانت المياه ثقيلة تفوح منها رائحة العفن، والمخلفات.
بدأ يغرق. وزن جسده الضعيف، وساقه المكسورة التي لا تستطيع الركل، والذعر الذي ملأ عقله، كلها عوامل سحبته نحو القاع. ابتلع رشفة من المياه الفاسدة، فحرقت حلقه وجعلته يختنق.
‘اضرب بقدمك السليمة! استخدم ذراعك اليمنى!’
بجهد جبار يفوق قدرته، ركل بقدمه اليمنى وضرب المياه بيده السليمة، متجاهلاً ألم كتفه الذي كاد أن يعميه. كسر سطح الماء بصعوبة، وشهق هواءً نتناً ومكتظاً برطوبة المجاري.
كان يطفو في قناة واسعة وعميقة تحت الأرض، والتيارات كانت قوية بشكل مفاجئ، تسحبه بعنف نحو أعماق المتاهة السفلية للعاصمة.
الجدران كانت مكونة من طوب أسود ضخم، مبلل ومغطى بشبكات عنكبوتية باهتة. لم يكن هناك أي مصدر للضوء، باستثناء انعكاسات خافتة جداً تتسرب من شبكات تصريف المياه في شوارع المدينة البعيدة فوقه.
“هك… هك…”
سعل بقوة، باصقاً المياه الملوثة. كان يرتجف بعنف، وأسنانه تصطك ببعضها البعض لدرجة أنه خشي أن تنكسر.
كان البرد يمتص حرارة جسده بسرعة قاتلة. إذا لم يخرج من هذا الماء قريباً، سيموت من انخفاض درجة حرارة الجسم، وسيعود بالزمن ليجد نفسه في الغرفة مجدداً مع القتلة.
الفكرة وحدها جعلته يسبح بيأس مضاعف. حاول السباحة نحو الحافة الحجرية الجانبية للقناة، لكن التيار كان أقوى منه بكثير. كان يحمله كغصن شجرة مكسور في نهر هائج.
“اللعنة… كيف أخرج من هنا؟”
همس لنفسه، وعيناه تحاولان اختراق العتمة. في اللعبة، لم يصل كايلين إلى هذه المجاري أبداً لأن كايلين مات في اللعبة الاصلية مبكرا، كان هذا مساراً يستخدمه “ليون” بطل القصة كإختصارات، ليذهب الى المدينة او السوق السوداء بسرعة.
لم يكن لديه أدنى فكرة عن الخريطة هنا، أو عن المخاطر التي تختبئ في هذا الظلام اللزج.
فجأة… توقف تنفس كايلين.
لم يكن بسبب البرد، بل بسبب ما شعر به يلامس ساقه المكسورة والمتدلية في الماء. كان شيئاً كبيراً، لزجاً، وبارداً ببرودة لا تنتمي للماء نفسه. انزلق ببطء حول كاحله المحطم، ثم غاص مبتعداً.
اتسعت عيناه، وبدأ يضرب الماء بجنون محاولاً البقاء على السطح والابتعاد عن ذلك الشيء. ومن الأمام، من حيث يأخذه التيار القوي نحو الظلام الحالك… ارتفع صوت.
لم يكن هدير ماء، ولم يكن صدى خطوات. كان زمجرة خفيضة تهتز لها الجدران الحجرية، صوت غرغرة مرعب كأن وحشاً يتنفس من خلال رئتين مليئتين بالوحل والدم.
وفي العتمة المطبقة أمامه، انفتحت عينان دائريتان تلمعان بلون أصفر مريض وخبيث، تحدقان مباشرة إليه وهو ينجرف نحوهما بلا حول ولا قوة.
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل