تجاوز إلى المحتوى
WorldEnd/ نهاية العالم| ماذا تفعل عند نهاية العالم؟ هل أنت مشغول؟ هل ستنقذنا؟

الفصل 21 : الماضي الذي لا يُمحى والمستقبل المندثر -انقطاع الأخبار كان خبرا جيد-

الماضي الذي لا يُمحى والمستقبل المُتلاشي

-كان انقطاع الأخبار أفضلُ الأخبار-

1. مطارد الأرواح___ أ

لِنُعِد عقارب الساعة للوراء قليلا.

قبل خمسة أيام.

الجزيرة رقم 15، قبل الانهيار.

تعالت صرخةٌ تجاوزت كل حدود المنطق، صرخةٌ كانت كفيلة بتمزيق كرة حديدية بقوتها المجردة فحسب. وأمام موته الثامن وسبعين بعد المئة (178)، انهار جسد تيميري الهامد فوق الأرض بقوة.

وبالطبع، لم تمضِ لحظة حتى ظهر صدعٌ على ظهره معلناً بدء فقس حياته التاسعة والسبعين بعد المئة (179). كان يغير شكله في كل مرة يولد فيها من جديد، ويبدو أنه اختار هيئة نبتة هذه المرة؛ فداخل بقايا الجسد رقم 178، كانت هناك كتلة خضراء تتلوى، وتنبثق منها مجسات لا حصر لها وهي تلتف حول بعضها.

“أيتها المحاربة ذو الشعر السماوي، انسحبي! ستبدأ قوات المدفعية قصفاً مكثفاً لتغطية انسحابك!”

دوت أوامر لايمسكين عبر ساحة المعركة.

لكن المحاربة السماوية، كوتوري نوتا سينيوريوس، لم تكن راضية عن ذلك. فـالكارليون سينيوريوس الذي تقبض عليه بيدها كان في حالة تناغم تام مع الوحش الماثل أمامها. وهذا الـكارليون الذي تزداد قوته استجابةً للعدو الذي يتردد صداه معه، كان بإمكانه في هذه اللحظة تحديداً إظهار أعظم قواه التدميرية.

وفي هذه الحالة، كان عليها تحمل عبء هذه المعركة لأطول فترة ممكنة.

“دعني أقتله مرة واحدة أخرى فقط!”

“كلا!”

توبيخ حاد. لبرهة خاطفة، ترددت، وتساءلت عما إذا كان عليها عصيان أمره والبقاء. كانت القوة الغاشمة طوعَ بنانِها؛ فهي تساهم الآن في أرض المعركة بأكثر مما فعلت في أي وقت مضى. فبعد أن استخرجت بشكل صحيح قوة السلاح العتيق —لا، بل الـكارليون— أظهرت القدرات الحقيقية لـالأبطال، تلك القوة التي اندثرت مع فناء الإمنيتويت. لم يكن بمقدورهم الانتصار بدونها أو بدون سينيوريوس. بالتأكيد لن يمانعوا إذا ضغطت على نفسها قليلاً بعد—

مياهٌ حمراء.

—هاه؟

رياحٌ رمادية. العملاق الضاحك. حاجبٌ ذو ندبة.

—ما هذا…؟

ترنحت. لم تكن هناك أي إشارة أو رابط منطقي؛ فجأة، بدأت صور غريبة تتجلى أمام عيني مخيلتها. ظنت أنها فقدت تركيزها، فبعد مرور أكثر من 120 ساعة على بدء المعركة، لم يكن من المستغرب أن يتشتت ذهنها دون أن تشعر. وكان من الطبيعي أن يتلاشى إحساسها بالواقع بعد قضاء وقت طويل في مكان يبدو سريالياً كهذا. ظنت أنها ربما تفعل شيئاً ذكياً كالحلم وعيناها مفتوحتان.

كان عليها التركيز. لا يمكنها خسارة هذه المعركة. ولا يمكنها الموت هنا.

عليها العودة للمنزل. العودة إليه.

لهذا السبب—

أسماكٌ تسبح في الليل. برجٌ من الرمل يخترق السماوات. شمسٌ تتفتت لتصير بلون أخضر بحري. سكرات الموت العذبة. ذراعٌ ملأى بالمكعبات. كتابُ سحرٍ أحمر، موصدٌ بالأقفال. عنق ثعلبٍ تفيض منه أشجارٌ شاهقة. مسمارٌ فضي. خبازون يعملون معاً لصبغ قوس القزح بأكمله باللون الأصفر ومحو كل لون غامض. مهرجٌ بلا رأس في قاع سفينة غارقة وسط عاصفة منتصف الليل، يضحك ويضحك ويضحك ويضحك ويضحك ويضحك ويضحك ويضحك ويضحك ويضحك ويضحك ويضحك ويضحك ويضحك ويضحك—

“—ماذ—؟”

حتى عندما حاولت التركيز، حتى عندما أرادت ذلك بشدة، لم تستطع كبح جماح الأمر. كانت تلك الأشياء تتزايد وتتزاي؛ شيءٌ ما، صورٌ فوضوية، أوهامٌ مفككة، أحلامُ يقظة تفرض وجودها فرضاً. ظلالُ ماضٍ لم يكن ينبغي لها أن تتذكره، ولطخاتٌ على روحها كان يجدر بها مسحها. همساتُ شخصٍ يقف ظهراً لظهر معها. واقعٌ خارج حدود الأحلام. اضطرابٌ جارف يدفعها نحوه بلا هوادة.

“حسناً، هذا يكفي.”

اخترق صوتٌ مألوف شتات أفكارها.

“آيـ… آيسيا؟”

“لقد اقترحتُ أن نتبادل الأدوار. هنا عليكِ الطاعة والانسحاب.”

“لكن، قليلاً فقط—”

“إذا تقدم التآكل (Encroachment) ولو لخطوة إضافية، فربما يكون الأوان قد فات.”

التآكل. كلمةٌ سمعتها من قبل. أين كان ذلك؟ أوه، صحيح، لقد أخبروها عن ذلك عندما أصبحت جندية جنيّة. ما الذي كنّ يمثلنه بالضبط—ما هي الجنيات؟ ما مدى زيف حياتهن؟ وما هي الطرق الأخرى التي قد يمتن بها، بعيداً عن الجراح؟

الجنيات كنّ أرواح أولئك الذين ماتوا صغاراً وعجزوا عن مغادرة هذا العالم. وجودهن لم يكن ليُسمى حياةً بالمعنى الصحيح، بل كان مجرد ظاهرة طبيعية، ولدت نتيجة تخبط الأرواح الجاهلة. لهذا السبب، سيأتي يومٌ تتذكر فيه تماماً حقيقة ما هي عليه.

“هل هذا… هو ما يحدث…؟”

“ظننتُ أن هذا لن يحدث لفترة بالنظر إلى عمركِ. لكن الإحصاءات ليست موثوقة تماماً، أليس كذلك؟ قد يكون السبب هو أن الـفينيوم الخاص بـ سينيوريوس قد عجل بالأمر، مما أدى لتفاقم الحالة فجأة.”

“عمري…؟ آ-آه!”

أمسكت آيسيا بياقة كوتوري من الخلف وأجبرتها على الانسحاب من ساحة المعركة.

بدأ القصف خلفها؛ حيث اصطف جنود شعب السحالي الأشداء، المغطون بالدروع من الرأس إلى أخمص القدمين، مشعلين مدافعهم.

دَوى زئيرٌ يصدع الجماجم، تبعه اهتزاز الأرض تحت أقدامهم. قذائف المدافع، التي أُطلقت دون أي فينيوم، اكتسحت الأشجار وحفرت الأرض، وحطمت جسد تيميري الذي كان إلى ألف قطعة. بالطبع، لم يكن ذلك ليؤدي إلى إصابة قاتلة —إذ كان عليهم استخدام الأسلحة العتيقة أو تعاويذ من فئة الـكارليون لإزهاق روحه— لكنه كان مفيداً بما يكفي لوقف تجدده مؤقتاً.

تدلت كوتوري بين يدي آيسيا، التي بسطت أجنحتها الذهبية فوقهما محلقةً بهما نحو خيمة الاستراحة على بُعد 1200 “مارمر” (marmer)* من أرض المعركة.

*يبدو أنها وحدة القياس في هذه الرواية

“هوب!”

ألقت بها آيسيا على الأرض تقريباً.

“… آآآخ.”

“تمسكي بوعيكِ طالما استطعتِ. أترين تلك المرآة هناك؟”

رفعت كوتوري رأسها وهي لا تزال مستلقية على بطنها. على الأرض، بجانب جبل من الصناديق المملوءة بالمؤن، كانت هناك مرآة يد صغيرة.

“ما شأنها؟”

“ستعرفين الآن.”

امتثالاً لما قالته آيسيا، مدت كوتوري يدها نحوها، أمسكت بالمقبض، قربتها منها، وأمعنت النظر فيها.

كانت هناك عينان قرمزيّتان تحدقان بها.

“… ما هذا؟”

كانت عينا كوتوري نوتا سينيوريوس بلون أزرق داكن. لم تكن تحب هذا اللون كثيراً، لكن ويليم امتدحهما ذات مرة قائلاً إنهما يشبهان لون المحيط، فتغير رأيها قليلاً مؤخراً. المشكلة كانت أنها لا تعرف ما هو المحيط، وهل يجدر بها اعتبار كلماته إطراءً أم لا؛ لكن هذا موضوع آخر. مهما حدقت، ومهما رَمشت، كانت عينا الفتاة في المرآة حمراوين كاللهب.

“هذه هي الأعراض الأولية. من المفترض أن تخف بعد ساعتين من الراحة، لكن يمنع عليكِ منعاً باتاً استخدام الـفينيوم الخاص بك حتى ذلك الحين. وفكري في نفسكِ قدر الإمكان؛ لا تسمحي لذكريات شخص آخر بالاستحواذ عليكِ. تشبثي بذكرياتكِ الخاصة.”

—وحدةٌ في ظلامٍ أبيض. صلواتٌ يتردد صداها في مكان ضيق. غرفةٌ تضج بالكتب.

ظلت صورٌ مجهولة تمور وتثور في عقلها كما كانت. حاولت تغطية عينيها بيديها وهز رأسها، لكنها لم تختفِ بسهولة.

“هذه… هي… ذكريات؟ ذكريات الشخص الذي مات صغيراً قبل أن أصبح أنا؟”

“شخصٌ آخر. شخصٌ لا علاقة له بكِ يا كوتوري. غريبٌ تماماً، لا نقطة تواصل بينكما. في الثانية التي تنسين فيها ذلك أو يختلط عليكِ الأمر، سيبتلعكِ التآكل بالكامل.”

“لقد ذكرتِ شيئاً عن عمري سابقاً، فهل هذا هو…؟”

“أجل. ليس هناك الكثير من الجنيات اللواتي يعشن طويلاً في المقام الأول، وعلى ما يبدو فإن التآكل الناتج عن حياة سابقة حالة نادرة جداً لدرجة أنه يمكن تجاهلها في معظم الأحيان. لكن الاتجاهات التي نعرفها من هذه الحالات القليلة تُظهر أن الجنيات، اللواتي نضجن جسدياً وعقلياً، يبدأن بالتذكر ببطء مع اقترابهن من سن العشرين.”

“حالياً، أنتِ حالة استثنائية في إطار حالة نادرة بالفعل. كما قلتُ سابقاً، يبدو أن حالتكِ تفاقمت لأنكِ بقيتِ على اتصال بقوة فينيوم تفوق قدراتكِ لفترة طويلة. بالمعدل الذي كنتِ تسيرين عليه، كنتِ ستموتين قبل انتهاء اليوم، ناهيكِ عن نهاية المعركة.”

“لا أريد هذا…” انقلبت كوتوري على ظهرها. “هل سيختفي كل شيء بعد ساعتين من الراحة؟”

“أعراضك الحالية فقط. لكن، كما تعلمين، لن تتمكني من إجهاد نفسك في أي قتال بعد الآن.”

“… يا للهول.” غطت عينيها بذراعها، وهي تضحك بمرارة وجوف. لقد كان قدرها أن تموت في هذه المعركة؛ كان من المفترض أن تدفع طاقتها الـفينيوم الخاص بها إلى حد الانفجار عمداً، لتحرق العدو وتتحول هي إلى رماد. ولكن لأنها لم تكن—أو لم تستطع—تقبل تلك النهاية، تعلمت منه كيف تستخدم الـكارليون. تعلمت كيف تقاتل كـبطلة. ومع ذلك—

كيف يمكن أن يلوح في الأفق الآن، من بين كل الأوقات، موت لم تتخيله قط؟

“لا بأس. من ناحية أخرى، طالما أنكِ لا ترهقين نفسك، فمن المفترض ألا يتقدم التآكل كثيراً. حتى لو ساءت الحالة قليلاً الآن، فأنتِ لا تزالين تملكين جسد طفلة؛ وإذا التزمتِ بنمط حياة معتدل، فلن تقع أي حوادث تآكل أخرى. لن يسبب لكِ الأمر أي مشاكل في حياتكِ اليومية. أنا أعرف سابقة لهذه الحالة جيداً، لذا أنا واثقة تماماً.” نقرت آيسيا على صدرها النحيل.

“… كعكة الزبدة، أظن ذلك.”

“همم؟”

“أفكر في سبب يمنعني من الموت، إلى جانب وعدٍ مهم قطعته. من المهم أن أتشبث بذكرياتي الخاصة، أليس كذلك؟”

“صحيح، ولكن يا لها من ذكرى أنانية، هاه؟”

“الحاجات المتجذرة في الغريزة تكون قوية—أو ربما شيء من هذا القبيل.”

“بالتأكيد،” ضحكت آيسيا.

شعرت كوتوري وكأنها المرة الأولى التي تراها تبتسم فيها منذ وقت طويل. وعندما فكرت بهدوء، بدا هذا الشعور غير منطقي؛ فـ آيسيا كانت دائماً مرحة بطريقة تفتقر للرسمية، تبتسم وتضحك وتشرق بوجها دوماً، لدرجة أنه كان من الصعب تذكر أي تعبير آخر لها سوى ذلك.

“حسناً، أنا مغادرة.”

“… إلى أين؟”

“إلى الخطوط الأمامية. الدور الآن على رين، ويجب أن تكون غارقة في العمل الآن، لذا سأكون دعماً لها. سنكسب لكِ الكثير من الوقت، لذا ابقي هادئة ولا تتحركي.”

“حسناً… شكراً.”

“على الرحب والسعة،” ضيقت آيسيا عينيها، وأومأت بابتسامة.

راود كوتوري سؤال: لماذا تملك آيسيا كل هذه المعرفة الواسعة عن تداخل ذكريات الحياة السابقة؟

كيف استطاعت آيسيا رصد التغيرات التي طرأت على كوتوري بهذه الدقة المتناهية؟

لكنها لم تستطع السؤال، ولم يكن هناك ما يدعو لذلك.

“هيا بنا!”

فعلت آيسيا الـفينيوم الخاص بها، وبسطت أجنحتها، ثم حلقت في السماء. لمحت كوتوري وميضاً قرمزياً في تلك العينين الذهبيتين.

بالغون يتشاجرون. بركة ماء كبيرة، كبيرة جداً. أقدام دجاج.

“يا لها من ذكريات غريبة،” تمتمت كوتوري.

بحيرة مشوهة. طريق برتقالي لا نهاية له. نسيج فضي متلألئ.

“الأرواح التي تموت وهي لاتزال أطفال تصبح جنيات، هاه؟ يبدو أن هذا الطفل حقا يدرك الكثير نظرا لكونه طفلا. أين وُلد بحق العالم؟”

(قصدها أن ذكريات هذا الطفل التي تتداخل مع ذكرياتها غريبة لهذه الدرجة)

أو ربما… ربما هي فقط لا تعرف، بما أنها “وُلدت” كجنية في سن متقدمة نوعاً ما، ولعل هذا هو شكل العالم في عيون الأطفال الصغار. لنأخذ سحلية صغيرة تركض عبر الغابة؛ بالنسبة لهم، قد تكون تنيناً ينفث اللهب، أو قد تكون دليلاً يستدرجهم إلى عالم آخر، أو ربما في عيونهم مجرد مقبض حقيبة انفصل عن مكانه ويتدحرج مع الريح. لهذا السبب، كان العالم الذي ينبسط أمام عيني طفل —بالنسبة لشخص لم يعد طفلاً— مليئاً بالألغاز والسخافات. ربما هذا هو ما كانت تراه الآن.

“… تسك”

استلقت على ظهرها، تحدق في سقف الخيمة من الداخل. وهكذا، انحدرت دموعها فوق صدغيها نحو أذنيها.

يقولون إن الجنيات يتجسدن للوجود عندما تضل أرواحٌ شابة لم تستطع استيعاب الموت تماماً طريقها. وبقدر ما كانت تعلم، لم تكن هناك جنيات عشن طويلاً بما يكفي ليُطلق عليهن وصف “بالغات”. لطالما ظنت أن السبب هو القتال؛ فبدايةً من أكبر الجنيات سناً، كانت كل واحدة منهن إما تُصاب في المعارك الضارية مع الوحوش، أو تدفع طاقتها للحد الأقصى وتتلاشى في مهب الريح.

أو هل يمكن أن تكون مخطئة؟ هل يمكن أن تكون الجنيات، في الأصل، كائناتٍ قُدّر لها ألا تصبح بالغة أبداً؟ ظلال الأرواح التي لم تدرك الموت يوماً تكبر، وفي النهاية، تدرك حقيقة الموت؛ وعندها ينحل كل شيء، وتعود الأرواح إلى أحضان الطبيعة.

ربما كان هذا هو الشعور بالقدر لو كان له وجود حقاً. مهما بلغت قوة أمنياتها، ومهما تضرعت في صلواتها، لم يكن بمقدورها قلب ما تقرر منذ البداية.

“لقد كنت أخطط للضغط عليه، قائلة: ‘إذا عشت طويلاً بما يكفي لأصبح بالغة، فلن يكون لديك عذر للاعتراض، لذا تزوجني’.”

لقد سمعت ذلك من ويليم ذات مرة؛ في عالم الإمنيتويت، كانت المأساة إحدى الصفات الضرورية في الـبطل. أولئك الذين يحملون ماضياً وأقداراً يندى لها الجبين كانوا أكثر ملاءمة ليكونوا أبطالاً —أفراداً يسخرون قوى هائلة— مقارنة بغيرهم. يبدو أن الأمر كان كذلك. و سينيوريوس، الأقدم والأقوى بين الـكاريلون، كان يفضل تحديداً أولئك الذين يملكون مثل هذه النزعات؛ فالمحملون بأقدار الموت والدمار وحدهم من يمكنهم حمل النصل الأبيض الطاهر.

“—لقد فهمت… لهذا السبب تسمح لي، من بين الجميع، باستخدامكِ.”

رمقت سينيوريوس الملقى على الأرض بنظرة حادة.

كانت الجنيات بطبيعتهن لا يبالين بحياتهن، ربما لأنهن صُنعن من أرواح الموتى، فلم يكنّ يخشين الموت حقاً. بهذا المعنى، كانت كوتوري الآن في وضع لا يشبه الجنيات أبداً؛ فقد صار لديها سببٌ يمنعها من الموت، وصار لها مكانٌ يجب أن تعود إليه حية.

“كعكة الزبدة.”

قبضت يدها بقوة وتمتمت بتلك الكلمات.

—حسناً، حسناً. فهمت. سأجعلكِ تأكلين من الكعك حتى تصابي بحرقة المعدة.

—لقد فهمتِ، أليس كذلك؟ لذا عليكِ أن تعودي.

استحضرت في ذهنها ذلك الوعد الذي قطعته معه في تلك الليلة المتلألئة بالنجوم، فتصلبت عزيمتها. لم يعد يهمها إن لم يُسمح لها بالعيش طويلاً، ولم يعد يهمها إن لم تنضج لتصبح امرأة بالغة بجانبه. كانت تكره الاعتراف بذلك، لكنها ستتخلى عن هذا الحلم؛ فذنبها الوحيد أنها وُلدت حنية من بين كل الكائنات، وهذا يعني فحسب أنها كانت سيئة الحظ بما يكفي ليعجب بها سلاح عتيق يعشق المآسي.

ولكن، لهذا السبب تحديداً، وعلى أقل تقدير.. أرادت أن تعيش لفترة أطول قليلاً في هذا الحلم العابر. فحتى لو كان العالم سينتهي يوماً ما، فإنه سيظل موجوداً حتى لحظة نهايته، وتلك اللحظات هي المكان الذي تعيش فيه. لذا—

“حسناً، فلنذهب!”

استجمعت شجاعتها، ورفعت قبضتها عالياً في الهواء.

واستمر القتال. غربت الشمس، وأشرقت، ثم غربت من جديد، وأشرقت مرة أخرى.. مراراً وتكراراً.

كان اليأس حاضراً؛ وقد تجسد هذا اليأس في هيئة كائن ضخم بلا وجه، مُشكل من لبلاب أسود يلتف حول نفسه. كان ذلك هو الوحش الخفي السادس المولود من موت تيميري السادس عشر بعد المئتين ، وجسده الهامد أمام موته السابع عشر بعد المئتين، والشرنقة التي تلد حياته الثامنة عشرة بعد المئتين—

—ومهدٌ لشيء آخر يولد من رحمه.

“تيميري آخر…؟” تمتم جندي من شعب السحالي، ناسياً أمر قصفه.

“كلا،” نفت نيفرين بأنفاسها المتهالكة، وقد بلغ بها الإعياء حد الانهيار. “المستشعرات التكتيكية لم تذكر أن عدداً من تيميري سيهاجمون. المستشعرات مطلقة عندما يتعلق الأمر بهجمات تيميري. هذا شيء آخر.”

“لكن المدفعية لا تجدي نفعاً! أليس هذا تيميري؟!”

“هل هو وحش آخر غير تيميري لا يعرفه أحد…؟”

“لماذا كان على هذا الشيء أن يظهر الآن؟!” صاحت آيسيا، وهي بين البكاء والضحك.

كان الجميع مستنزفين بسبب المعركة الطويلة؛ ظلوا يقتلون تيميري مراراً مخبرين أنفسهم بأن هذه ستكون المرة الأخيرة، وأن هذه ستكون الضربة القاضية. وفي النهاية، كان هذا هو الموقف الذي وصلوا إليه. لقد نفذت قذائف المدافع والبارود لدى شعب السحالي تقريباً، تماماً كما نفدت طاقتهم الجسدية، والمعركة التي لا تنتهي كانت تنهش معنوياتهم. حقيقة أن عدد الأعداء قد ازداد فعلياً —دون التطرق حتى لمسألة قدرتهم على قتلهم من عدمها— كانت كافية لجعل كل من هناك يصلي لأجل روحه.

لا يمكنهم الانتصار. كان الجميع يفكر في ذلك، لكن لم يجرؤ أحد على النطق به.

“—سوف نسحب القوات.”

كان لايمسكين هو من أعلن ذلك بصوت حازم. “خلال عشرين دقيقة، سنرفع القيود التي تغطي هذه الجزيرة. وفي الوقت نفسه، سنرسل تحذيراً إلى جميع الجزر المجاورة. لقد فشلنا في إزالة العدو الدخيل من الجزيرة رقم 15، وستصبح الجزيرة من الآن فصاعداً تهديداً لكل أشكال الحياة بينما نتنازل عن هذه الأرض للوحوش.”

“انتظر، انتظر، انتظر!! هذا سيئ حقاً! أرخبيل ريغول آير لا يزال عائماً لأن الوحوش لا تستطيع الطيران بحرية! يمكننا ببساطة أن نبدأ العد التنازلي للفناء إذا سمحنا لهم ببناء عش قريباً جداً!!”

“هذا صحيح تماماً. ولهذا السبب يجب أن نُسقط هذه الجزيرة بأسرع ما يمكن. ومع ذلك، هذه الجزيرة كبيرة؛ وإذا أردنا إسقاطها، فإن قوتنا النارية المعتادة لن تكفي. يجب أن نركز القوة النارية الجماعية لـ ريغول آير بأكملها. سيكون سباقاً ضد سرعة الوحوش.”

“…سأكتفي بالسؤال للتأكد فقط، ولكن ماذا سيحدث إذا خسرنا السباق؟”

“هل تودين حقاً أن تعرفي؟”

“أوه، لا، أنا بخير. شكراً.” غطت آيسيا أذنيها وهزت رأسها.

“—إنه خطئي،” تمتمت كوتوري، وكان شحوب وجهها واضحاً حتى من مسافة ميل. “لو أنني دفعت طاقتي لأقصى حد وحدي كما كان مفترضاً، لسقطت الجزيرة بسهولة. فقط لأنني قلت إنني أريد العيش، حدث هذا—”

“كلا،” قاطعتها “نيفرين”، وهي تجثو بثبات على الأرض، متجاوزة حدود طاقتها المتهالكة. “المستشعرات التكتيكية لا يمكنها سوى حساب قوة عدو تيميري. حتى لو فجرتِ نفسكِ يا كوتوري، لكان ذلك بالكاد سيهزم تيميري. أما ذلك الوحش الآخر لكان سيبقى خلفنا؛ وعندها كنا سننتهي بمحاربة هذا الوحش المجهول بدونكِ. هذا وضع أسوأ بكثير من وضعنا الحالي.”

“يا صاح… عقلانية تماماً… هذا المأزق سيئ بما يكفي، ولكن، حسناً، هو أفضل قليلاً من أسوأ سيناريو محتمل، لذا يمكن القول إنكِ أنقذتنا قليلاً.” ارتعشت زاوية فم آيسيا.

“أنتِ… تعتقدين ذلك؟” ارتسمت على وجه كوتوري تعابير عدم التصديق.

“أجل،” صرحت نيفرين بقوة. “لم يكونوا أعداءً يمكننا الانتصار عليهم منذ البداية. وبمجرد أن نقرر اعتبار الأمر كذلك، يجب علينا الآن التفكير في كيفية إغراق الجزيرة.”

“هذا أيضاً منطقي،” أومأ “لايمسكين” برأسه. “إذا قمنا بجمع كل المدفعية المتاحة تحت تصرف الحرس المجنح، فمهما أسرعنا، سيستغرق الأمر على الأرجح عشر ليالٍ. ولكن إذا لم يقع ضرر بالجزر الأخرى في هذه الأثناء، فقد نبدأ في رؤية بذور النصر.”

مَركَز الرِّوايات: لا تجعل السهر على الروايات يضيع عليك صلاة الفجر.

“…يبدو أننا سنمشي على أرض رقيقة جداً من الجليد بحلول ذلك الوقت، ولكن ما مدى تأكدك من أن كل تلك القوة النارية يمكنها إغراق الجزيرة؟”

“حوالي عشرين بالمئة.”

“وا-ها-ها، هذا واقعي أكثر من اللازم؛ لا يمكنني الضحك على ذلك.”

“بالتأكيد.” ضحك جنرال شعب السحالي، مصدراً صوتاً يشبه خشخشة حصاة في حنجرته.

“أوه، صحيح”؛ فكرت كوتوري. كان من المدهش كيف تقبل قلبها بسهولة فكرة أن هذا العالم قد ينتهي. لم تشعر بأي غرابة تجاه هذا التصريح، ولم تجد في نفسها حاجة لرفضه. شعرت وكأن شيئاً ما ظل يظلها طوال حياتها قد استقر فجأة على كتفيها وبين يديها.

هذا العالم كان يحتضر منذ البداية، والآن وصل ببساطة إلى تلك النقطة. النهاية، التي تأجلت مراراً، حانت أخيراً. هذا كل ما في الأمر. لا داعي للحزن؛ فالجميع سيموتون، ولن يُترك شيء خلفهم، ولن يشعر شخص واحد بالحزن أو الوحدة. لذا، الخيار الأفضل هو مواجهة الوقت ببالٍ مستريح عندما يحين؛ فالهلع والغضب لن يجلبا أي خير.

(—لكن لا يمكنني السماح بحدوث ذلك!)

أمسكت لا شعورياً بالقلادة المثبتة على صدرها. لم تكن قد نسيت؛ فلديها سبب يجعلها تعود للمنزل حية. لا يمكنها الموت حتى تحشو نفسها بكعكة الزبدة احتفالاً بالنصر. كان عليها أن تعيش حتى يقبل ذلك الأحمق عرض زواجها، حتى لو عنى ذلك الدوس على الطين. أجل، يبدو أنه لا خيار أمامها سوى أن تعيش حياة طويلة.

ولكي تفعل ذلك، لا يمكنها أن تدع العالم يدمرها. وبالطبع، لا يمكن لويليم أن يموت ويتركها، كما أنها لم ترد حتى التفكير في تعريض الصغيرات —اللواتي لم يقاتلن بعد— للخطر. لذا—

قاربٌ يتمايل.

—تباً، هذا التآكل مجدداً.

سمحت لذهنها بالشرود لجزء من الثانية، فانبثق التآكل من فجوات وعيها. كان يطارد حياتها الخاصة؛ يا له من أمر مزعج. هي، ككائن غير مستقر لكونها جنية، قد تكون في الطرف الأضعف، ولكن ماذا يهمها؟ هي على قيد الحياة. هي حية وتسعى وراء سعادتها، ولن تسمح أبداً لشخص مات منذ دهور بسلبها هذا الحق.

في اللحظة التي قررت فيها ذلك، خطرت لها فكرة. لم تكن الطريقة الأذكى بأي حال من الأحوال، ولو فكرت بتمعن أكبر، لربما وجدت طرقاً أفضل بكثير. لكن الآن، وفي هذه اللحظة تحديداً، كان وقت التفكير محدوداً، وشعرت أن الخطة التي وضعتها هي الأفضل بالفعل.

ما كانت تحتاجه لوضع خطتها حيز التنفيذ هو مجرد القليل من العزيمة.

—الاسسستسلام والعزيمة، هما في الجوهر شششيء واحد.

—كلاهما يشيران إلى التخلي عن ششيء مهم في سبيل تحقيق أهداف المرء.

صحيح. ستستسلم، بكل فخر وثقة. ستتخلى عما كان مهماً بالنسبة لها من أجل هدفها؛ هذا ما كانت تحتاجه الآن. ببطء، استنشقت نفساً عميقاً، وببطءٍ مماثل، استغرقت وقتها في الزفير.

“كوتوري؟” نادتها رين، ربما لظنها أنها تتصرف بغرابة، لكنها لم تجب.

“لقد فكرتُ في شيء ما. أيها الضابط الأول، ابدأ الانسحاب فوراً،” نصحت كوتوري بهدوء، وهي تحدق مباشرة في الوحش المتلوي. “آيسيا، رين.. ساعداني. يمكنكما التحليق بمفردكما، والوصول إلى السفينة الطائرة حتى لو تأخر هروبكما، أليس كذلك؟”

“عن ماذا تتحدثين؟”

“سأقوم بتحطيم هذه الجزيرة،” أعلنت، وهي تلوح بـ سينيوريوس في يدها اليمنى.

اتسعت الشقوق التي لا حصر لها في النصل، وانبثق من تلك الفجوات ضوء خافت يشير إلى هياج السحر. لقد صُنعت أسلحة الـكارليون لكي يتمكن الضعفاء من الوقوف في وجه خصوم أقوياء بشكل ساحق؛ وقد أصبح ذلك ممكناً بفضل الآلية التي تستخدم قوة أي شيء يلامس النصل. كلما زادت قوة الخصم، زادت قوة الـكارليون لمواجهته.

والآن، كان أمامهم خصمٌ جبار لدرجة مرعبة، خصمٌ يمكنه تدمير عالم ريغول آير بأكمله.

“حسناً، إذاً.”

لم يتبقَّ سوى بضع ثوانٍ حتى تنتهي حياة تيميري الثامنة عشرة بعد المئتين (218) من الولادة

اندفعت كوتوري وانطلقت.

الـفينيوم المستيقظ في جسدها رفع تركيزها، ومدَّ مجرى الزمن أمامها حتى بدا كأنه يتمدّد ببطء.

دفعت بجدران الهواء التي أحاطت بها في ذلك العالم الرمادي الخالي من الألوان، وقطعت المسافة في نَفَسٍ واحد.

التفّت المجسات، مستعدةً للهجوم.

تعمّدت كوتوري أن تدرس تشابك المجسات السبعة والثمانين.

رغم كثرتها، كان معظمها مجرد خدع للتهديد.

خمسة وستون منها ستهوي عبثًا إلى الأرض إن تجاهلتها، ولن تحتاج حتى إلى تفاديها.

المشكلة كانت في الاثنين والعشرين الباقية.

ثمانٍ منها تستهدف ساقيها لتسلبها حركتها،

خمسٌ تتجه إلى ذراعيها وإلى الـكارليون لتقلّص قدرتها الهجومية،

والتسع المتبقية تصوّب نحو رأسها وصدرها لإنهاء حياتها.

عند التدقيق، لم تكن تتحرك بدقة عالية، لكن كثرتها جعلت تفاديها جميعًا مستحيلًا.

لو كان هجومًا انتحاريًا، لكان عليها أن تتحمل الجراح القاتلة وتفكر فقط في التقدم،

لكنها لا تستطيع الاعتماد على أساليب يمكن قراءتها بهذه السهولة.

إذًا—

(الأول!)

قطعت المجسات المتجهة إلى ساقيها، وفي اللحظة نفسها جعلت سينيوريوس يتعلم السحر الجاري داخل المجسات التي لامست نصله.

ازداد الضوء المتدفق من الشقوق سطوعًا.

تسارعت أفكار كوتوري وحركتها الجسدية.

السرعة المكتسبة اشترت لها لحظات إضافية من الزمن.

دافعةً نفسها إلى تلك الفجوة الزمنية، لوّحت بسيفها.

تناثرت المجسات الخمس المتجهة إلى ذراعيها إلى شظايا في الهواء.

(التالي!)

الضفدع ذو العيون السبع.

التآكل تسارع بدوره.

لا وقت للانشغال به الآن، فتجاهلته.

السحر داخل سينيوريوس ازداد هيجانًا مع المجسات الخمس التي قُطعت للتو.

الأسد الذي ابتلع الأفعى.

جبلٌ من العملات.

تكرر الأمر نفسه مرةً أخرى.

ركّزت على جزِّها بنصلها، وكأن كل ما يهمّها هو ملامستها فحسب، بدءًا بالأقرب إليها.

القوة التي كانت تكتسبها مع كل ضربة كانت كافية لتمنحها لحظة إضافية لاندفاعتها التالية وخطوتها التالية.

جبلٌ يرتفع من السماء.

بلدةٌ ريفية ضبابية تغمرها الأمطار.

حلوى في وعاء صغير.

انعدمت المسافة بينهما.

غرست الـكارليون من الأعلى في الكتلة المتشابكة من المجسات أمامها.

شقّ السيف عدة مجسات، واخترق الكتلة ذاتها، ثم نفذ مباشرةً إلى أرضية الجزيرة رقم 15.

إشارةُ طريقٍ مشتعلة.

قوسُ قزحٍ دائري.

صوتُ صنوجٍ يقرع بلا انتظام.

قطٌّ بفراءٍ مخطّط بالذهب والفضة.

عجلةٌ تتدحرج صعودًا.

سكينٌ ذو حدّين بلا مقبض.

قفازاتٌ بحجم الجبال.

رجلٌ معلّقٌ من برج—

(—كيف—)

زمجر سينيوريوس استجابةً لإرادة كوتوري.

الـفينيوم، المتخم بحرارةٍ طاغية، تجاهل الوحش عدوّها، وأطلق كامل قوته في طرف النصل المغروس في الأرض.

«—أيعجبك—»

توهّج نصل الـكلرليون نفسه بسطوعٍ مبهر.

ابتداءً من المقبض، تجمّع اللمعان وتدفّق نحو الطرف.

«—هـــذاااا؟!»

اختفى الضوء كلّه في باطن الأرض.

لحظةُ صمتٍ قصيرة.

فوووم.

دوى صوتٌ منخفضٌ مكتوم ارتجّ في أحشائها.

ظهرت شقوق في الأرض.

امتدت كشبكة عنكبوت، لتغلف الجزيرة بأكملها.

تدفّق الضوء من الشقوق.

ومن داخل الأرض، أخذ الضوء يوسّعها أكثر.

انشقّت الأرض.

غرقت الجزيرة.

مدّ الوحش مجساته على اتساعها، متشبثًا عشوائيًا بالصخر الأم حوله.

لكن الصخر الذي تمسّك به كان ينهار هو الآخر، فلم يكن ليمنحه سندًا مهما قاوم.

وكأنه يُدفن تحت ركامٍ متهاوٍ، واجه الوحش السطح وبدأ سقوطه.

«____»

خالَت كوتوري أنها سمعت الوحوش تصرخ بشيءٍ ما وهي تهوي.

لكنها كانت تعلم، بالطبع، أنه ليس سوى وهمٍ من خيالها.

«هـــل—هـــل فَقَدتِ عَقلكِ تماااامًا؟!»

حلّقت آيسيا بأجنحتها الوهمية، صارخةً بأعلى صوتها.

وفي النهاية، التقطت كوتوري التي كانت تتشبث بالوحش شبه فاقدةٍ لقواها.

أما نيفـرين، التي لحقت بهما، فصدّت ضربةً من المجسات التي اندفعت نحوهما من الخلف.

«لا أصدق هذا التهور…»

ارتفعن إلى علوٍّ خارج مدى المجسات.

وأمامهن، كانت الجزيرة رقم 15 تبدأ سقوطها.

رغم أن احتمال سقوط الجزيرة لم يتجاوز عشرين بالمئة حتى بعد جمع كامل ترسانة الحرس المجنّح، فقد انهارت بسهولة أمام قوة كارليون واحد.

«كوتوري، هل تسمعينني؟»

سألت آيسيا وهي تحمل الجنيّة ذات الشعر السماوي.

«مم… أنا بخير… أسمعكِ…»

«هل تدركين ما الذي فعلتِه للتو؟»

«أنا بخير… أتذكر…»

«لستِ بخير! هل تتذكرين نوع الوضع الذي أنتِ فيه؟ ألم أقل إن دفع نفسكِ سيُسرّع التآكل؟! هذا ليس مجرد تقصير بسيط في عمركِ، أتفهمين؟!»

«قلتُ… أنا بخير… بخير…»

رفعت كوتوري رأسها وابتسمت.

ضيّقت عينيها القرمزيتين اللامعتين، وارتسمت على شفتيها ابتسامة واهنة.

«لقد وعدتُ أن أعود إلى البيت. أليس كذلك؟»

ابتسامة عابرة—

على وشك أن تتلاشى.

«سأعود إلى البيت مرفوعة الرأس وأخبر ويليم.

أنه بسببه ما زلتُ حيّة.

لكننا لا نعرف ما الذي قد يحمله الغد، لذا أرجوك أن تعلّمني كل ما تستطيع ما دمتُ إلى جانبك.»

كان في ضحكتها روحٌ نابضة.

«…آه، لكن أظن أن عليّ إبقاء أمر التآكل سرًّا، أليس كذلك؟ أنا متأكدة أنه لو سمع به لقلق كثيرًا. أريده أن يبقى كما هو دائمًا: كسولًا قليلًا، لكن رائعًا ويمكن الاعتماد عليه.»

«يا إلهي، لستِ جذابة أبدًا حين تتسرب مشاعركِ بهذا الشكل!»

عانقت آيسيا جسد صديقتها النحيل بكل ما أوتيت من قوة.

«هذا يؤلم يا آيسيا.»

«هذا دليل أنكِ حيّة. تحمّلي الأمر.»

«حسنًا إذن…»

همست كوتوري واسترخت.

لقد وعدت بأنها ستعود إلى البيت.

وكانت قادرة على الاستمرار في العيش لأنها تمسّكت بذلك الوعد.

كان ذلك جيدًا.

المشكلة… كانت ما بعده.

حين تفي بوعدها، حين يختفي الوعد من الوجود—

ماذا سيتبقى من حياتها؟

لم تسأل آيسيا هذا السؤال البديهي.

ولم تُجب كوتوري عنه.

لأنها لم تُرد أن تعرف الإجابة.

ولأنها، حتى يحين اليوم الذي لا تعود قادرة فيه على الهرب، لم تُرد أن تنظر إليها.

التالي
21/76 27.6%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.