تجاوز إلى المحتوى
صانع دمار العالم

الفصل 8 : القطعة المخفية.

“يجب أن تنام بسرعة. سننطلق قبل بزوغ الفجر الأول، ولا أريد أي تأخير يعيق مسيرتنا.”

كانت نبرة إيفيلين جافة وصارمة كعادتها، لكن زين استطاع بحدسه أن يلمح ارتباكاً طفيفاً يرتجف في نبرة صوتها، وكأنها تحاول جاهدة إخفاء توترها بعد المحادثة القصيرة والمحرجة التي دارت بينهما للتو.

في عالم السحر والنبلاء هذا، طلب فحص القطع الأثرية أو المعدات المعززة بالمانا لشخص آخر دون سبب مقنع يُعتبر انتهاكاً صارخاً للخصوصية.

يشبه إلى حد كبير التطفل على أسرار عائلة نبيلة أو طلب رؤية شخص في وضع غير لائق. لكن فضول زين حول ‘أحذية الرياح’ التي ترتديها كان أقوى من أن يقاومه كلاعب وككاتب يبحث عن فهم آليات هذا العالم.

*

الليل في أطراف الغابة الملوثة لم يكن مكاناً يصلح للراحة أو الاسترخاء.

الظلام هنا لم يكن مجرد غياب للضوء، بل كان كثافة ثقيلة وخانقة تحمل رائحة المانا الفاسدة والطفرات التي سببتها طاقة الهاوية عبر السنين.

جلس زين بهدوء بالقرب من مدخل الضريح الحجري، يستمع إلى صوت تنفس إيفيلين المنتظم.

لقد مرت ساعتان منذ أن تبادلا نوبات الحراسة، وبناءً على معدل تنفسها الهادئ والعميق، كانت تغط في نوم مريح، مسترجعة المانا التي استنزفتها في قتال الغيلان.

‘هذا هو الوقت المناسب.’

فكر زين وهو يضيق عينيه في الظلام.

بالنسبة لمحاربة موهوبة من النخبة مثلها، قد يبدو من المستحيل التسلل من جانبها دون إيقاظ حواسها المرهفة.

لكنها في النهاية لا تزال متدربة شابة لم تصقل حواسها لتصل إلى مستوى الفرسان المخضرمين الذين ينامون بنصف عين مفتوحة، بالإضافة إلى الإرهاق الجسدي الذي نال منها بعد القتال والمسيرة الطويلة في هذه التضاريس الوعرة.

نهض زين ببطء شديد، متحكماً في كل عضلة من عضلات جسده، حريصاً على ألا يصدر أي صوت أو ذبذبة قد تؤدي الى إقاضها. تحرك بخطوات مدروسة، يتفادى الحصى المتناثر وأوراق الشجر الجافة ببراعة صياد متمرس، حتى ابتعد بمسافة آمنة عن المخيم.

بمجرد أن تأكد من أنه خارج نطاق سمعها، زاد من سرعته وانطلق نحو عمق الغابة المظلمة.

لم يكن ترك بطلة القصة نائمة بمفردها في بيئة خطرة تصرفاً مثالياً أو نبيلاً، لذا كان عليه إنهاء مهمته السرية والعودة بأقصى سرعة ممكنة قبل أن تلاحظ غيابه.

ما كان زين ينوي فعله الآن هو شيء قديم، كلاسيكي، ومبتذل جداً في عالم الروايات وألعاب تقمص الأدوار.

‘نهب العناصر المخفية.’

كما هو الحال في أي قصة فانتازيا ذات عالم واسع ومعقد، قام هو ككاتب بزرع العديد من القطع الأثرية والعناصر الأسطورية المخفية في زوايا الخريطة المنسية.

كتابة قصة متماسكة وتطوير الشخصيات بشكل منطقي كان أمراً صعباً عليه في بداياته، لذا كان يعتمد على هذه الصدف السعيدة، والعناصر المخفية لتقوية شخصيات روايته وسد ثغرات الحبكة.

وهنا، بالقرب من نقطة البداية، في المنطقة الجبلية الفاصلة بين العاصمة و منشأة التدريب، يكمن أحد هذه العناصر السرية الثمينة.

في مسودته الأصلية، كان من المفترض أن يكتشف أحد رفاق بطل القصة هذا العنصر في الفصل الخامس بالصدفة البحتة أثناء تعثره في مطاردة. لكن بما أن الحدث لا يزال بعيداً، قرر زين الاستيلاء عليه مسبقاً لتعزيز فرص بقائه.

‘في الأساس، ذلك الرفيق الأحمق لم يكن يعرف كيف يستخدم هذه القدرة بالشكل الصحيح على أي حال. لقد كان مقاتلاً يعتمد على تحطيم الجماجم، وأهدر قدرة تعتمد على التسلل.’

برر زين لنفسه فعلته، مسكتاً أي شعور بالذنب وهو يتقدم في الغابة بسلاسة.

لم يكن الوصول إلى الهدف صعباً. ذاكرة هذا الجسد الجغرافية ساعدته كثيراً في تجاوز المنعطفات، لكن الأهم من ذلك هو أن إعدادات الموقع التي كتبها كانت بسيطة ومباشرة للأسف الشديد.

‘أعلى قمة صخرية في مسار الغابة الملوثة.’

إعداد كسول ومبتذل جداً، أليس كذلك؟

تسلق زين المنحدرات الصخرية الحادة بسرعة، متجاهلاً الخدوش التي أصابت يديه وتمزق ملابسه. وعندما وصل إلى القمة، كان يلهث بشدة، وتتطاير أنفاسه كالبخار في الهواء البارد.

أمام عينيه، وتحت ضوء قمرين خافتين يزينان سماء هذا العالم يعكسان لونا ارجوانيا خافتا، انتصبت شجرة عملاقة متحجرة، متفرعة كأوردة سوداء قاسية في كبد السماء. وتحت جذورها الضخمة الملتوية، كانت هناك كومة من الأحجار المرتبة بشكل هندسي دقيق، وعليها نقوش سحرية مشفرة تتوهج بضوء أزرق فسفوري خافت.

هذه لم تكن مقبرة عادية.

إنها ضريح سري يعود لأحد قتلة جان الظل القدماء، إحدى فرق النخبة التي أُبيدت بالكامل خلال حرب الهاوية الأولى قبل قرون.

عندما يموت هؤلاء المحاربون الأسطوريون، تعود الطاقة المخزنة في أنويتهم لتندمج مع البيئة، تاركة وراءها بلورة إرث تحتوي على جوهر قدراتهم ومهاراتهم لتُمرر للأجيال القادمة.

في القصة الأصلية، وجد ذلك الرفيق الأحمق هذا الضريح وحصل على القدرة، لكنه اعتبرها مجرد تعويذة هروب جبانة.

‘هذه جريمة في حق التكتيك والفنون السرية. سأقوم أنا باستغلالها كما يجب أن تُستغل.’

أزاح زين الأحجار المنقوشة بحذر شديد لكي لا يفعل أي فخ سحري. هل يشعر بالذنب لأنه يسرق ميراث بطل ميت من زمن غابر؟ قليلاً جداً.

لكن البقاء على قيد الحياة ومنع دمار القارة يتطلب قرارات قاسية وعملية. فليسامحه شبح هذا القاتل المجهول، فهو سيعوضه بحماية هذا العالم من الزوال.

بعد إزالة الطبقة السطحية من التراب والأحجار، اصطدمت يده بصندوق معدني صغير مصنوع من الفولاذ الأسود البارد.

سحب الصندوق الذي لا يتجاوز حجمه كف اليد، وفتحه بضغطة خفيفة على القفل الذي انهار بسبب الصدأ. في وسطه، استقرت بلورتان صغيرتان بحجم حبات اللؤلؤ، تشعان بلون أزرق داكن يميل إلى السواد المطبق.

هذا هو العنصر المسمى [همس الظلال]، وهو عنصر إرث يستخدم لمرة واحدة ويسمح للمستخدم باستيعاب مهارات التخفي والحركة المتقدمة التي تميز بها جان الظل.

بمجرد أن لامست أصابعه البلورتين، انبثقت أمامه نافذة النظام السحرية الشفافة.

[خطوة الظل]

[مرشد المسارات المنسية]

بعد قراءة الخيارين المتاحين أمامه، التقط بلورة [مرشد المسارات المنسية] وأعادها إلى الصندوق. كانت قدرة من الرتبة A، لكنها كانت تتطلب توافقاً جينياً معيناً مع سحر لا يملكه، وتعمل كبوصلة استراتيجية لكشف الفخاخ أكثر من كونها أداة نجاة وقتال.

‘واحدة تكفي. لا ينبغي أن أكون طماعاً جداً وأدمر نواتي السحرية بطاقة لا أتحملها.’

نفض الغبار عن البلورة المتبقية في يده، وأحكم قبضته عليها بقوة.

تحطمت القشرة الخارجية للبلورة كالزجاج الرقيق، وتدفق تيار من المعلومات، الصور القديمة، والطاقة الباردة جداً مباشرة عبر مسامه إلى جهازه العصبي ونواته السحرية في قلبه.

[تم اكتساب سلطة سحرية جديدة.]

فتح نافذة المهارات الخاصة به فوراً للتأكد من نجاح عملية الاستيعاب.

____

[خطوة الظل (B): ★☆☆☆☆]

• حركتك في الظلام والأماكن المغلقة تصبح خفية ورشيقة للغاية، حيث تندمج المانا الخاصة بك مع محيطك. عند ترقيتها إلى النجمة الرابعة، يمكنك الانتقال اللحظي للمسافات القصيرة بين ظلين متقاربين.

____

‘ممتاز. لقد حصلت على بطاقة نجاة رئيسية ستنقذ رقبتي في الكثير من المواقف.’

ابتسم زين برضا تام، وبدأ في النزول من القمة الصخرية بسرعة أكبر بكثير من وقت صعوده، مستفيداً فوراً من خفة الحركة الهائلة التي منحتها له المهارة الجديدة.

كان يجب أن يعود قبل أن تستيقظ إيفيلين وتكتشف غيابه وتطرح أسئلة لا يملك إجابات لها.

*

في صباح اليوم التالي.

بعد مسيرة شاقة استمرت لساعات منذ بزوغ الفجر الأول، ومغادرة حدود الغابة الملوثة، وصلا أخيراً إلى وجهتهما المنشودة.

إيجيس، مدينة الحصن العظيمة، وأكبر تجمع للفرسان و التجار في شمال الإمبراطورية.

كان المشهد مذهلاً لدرجة تحبس الأنفاس.

نسيم الرياح الباردة يختلط برائحة الأوزون المنبعثة من الدروع السحرية العملاقة التي تحيط بالمدينة كقبة زرقاء شفافة. الأسوار الشاهقة مبنية من كتل حجرية بيضاء لا يمكن اختراقها، وتتقاطع بين أبراجها جسور حجرية مذهلة تطفو بفعل تعويذات مضادة للجاذبية.

في كل زاوية، كانت هناك مرافق تدريب ضخمة، والآلاف من الفرسان، السحرة، والمتدربين يرتدون أزياء موحدة ويتنقلون بنظام صارم. وفي السماء، كانت عربات تجرها كائنات مجنحة تحلق ببطء.

وفي الساحة المركزية للمدينة، ارتفعت تماثيل رخامية ضخمة للفرسان والسحرة الذين سقطوا في حروب الهاوية، مضاءة بتعويذات نور أبدية، تخليداً لذكراهم وتذكيراً بالخطر المستمر الذي يتربص خلف الأسوار.

هذه هي المدينة التي أسستها كلماته.

رؤية الوصف النصي الذي كتبه على لوحة المفاتيح في غرفته المظلمة يتحول إلى واقع ملموس، نابض بالحياة، بأصواته، روائحه، وحجمه الهائل… كان شعوراً لا يوصف، مزيجاً بين الفخر المطلق والرعب الساحق.

“إذا واصلت التحديق هكذا وفتح فمك كالأبله، سأشعر بالحرج الشديد من السير بجانبك.”

صوت إيفيلين الساخر قطع حبل أفكاره المتدفقة. التفت إليها، ووجد أنها تنظر إليه بنظرة تمزج بين الاستياء والتسلية الصريحة.

“لا أستطيع لوم نفسي، أنا مجرد قروي بسيط لم يرَ مدينة بهذا الحجم والمجد من قبل.”

أجاب زين بابتسامة خفيفة، متقمصاً دوره.

“على أي حال، بفضلك وصلنا بسرعة وأمان. شكراً لكِ، إيفيلين.”

“كما أخبرتك سابقاً، التحدث معي بأريحية تامة يجب أن يُؤجل حتى يتم قبولك رسمياً في الأكاديمية الملكية. أنت لم تتجاوز التدريب الأساسي بعد.”

“لا تقلقي إطلاقاً، سأدخل متصدراً للدفعة لكي تتأكدي من جدارتي بمصادقتك.”

ضحكت إيفيلين بخفة، وهو صوت نادر ومحبب، على كلماته المليئة بالثقة الزائفة.

“إذا تمكنت من تحقيق ذلك حقاً وسط هؤلاء العباقرة، فسأعاملك بكل الاحترام الذي يستحقه زميل متفوق. هذا سيحفظ ماء وجه القائد الأعلى ليد أيضاً الذي راهن عليك.”

“ممتاز. لقد سجلت هذا الوعد، ولا تراجع فيه.”

“حسناً… هل نذهب لتناول الطعام أولاً؟”

اقترحت فجأة، مشيرة إلى صف من الحانات والمطاعم المخصصة للجنود بالقرب من البوابة الخارجية.

“طعام؟ قبل الدخول مباشرة إلى المنشأة؟”

أومأت إيفيلين برأسها، واتجهت نحو أحد المطاعم الذي تفوح منه رائحة اللحم المشوي والتوابل القوية.

كان زين يفتقد الطعام الحقيقي بشدة، وكان فضولياً لتذوق أطباق هذا العالم الفانتازي بعد أن اكتفى بالحصص الغذائية الجافة والمياه، لذا تبعها دون تردد.

قامت بطلب وجبات دسمة تحتوي على لحوم غنية بالبروتين وحساء مركز يقال إنه يساعد في تجديد المانا، وجلسا في زاوية هادئة بعيداً عن صخب الجنود.

“بمجرد دخولك إلى منشأة التدريب، لن تجد وقتاً لتناول وجبة مريحة ولذيذة كهذه. ستأكل فقط لتعيش.”

بدأت إيفيلين في الشرح بينما كانت تنظف أدوات تناول الطعام الخاصة بها بخفة ورشاقة تعكس تربيتها النبيلة.

“إلى هذا الحد من القسوة؟”

“رغم أنه يُسمى تدريباً أساسياً، إلا أنه في الواقع ساحة منافسة دموية لتحديد من يحق له دخول الأكاديمية الملكية واحتلال المراكز الأولى. إضافة إلى ذلك…”

توقفت للحظة، وتركت ملعقتها، ونظرت إليه بجدية تامة جعلت الأجواء تبرد.

“خطاب التوصية الاستثنائي الذي تحمله من القائد الأعلى ليد. هذا سيجعلك هدفاً للأنظار، وخاصة أنظار قائد المنشأة والمشرف العام.”

“قائد المنشأة؟”

“المدرب الأول راد، المشرف العام على التدريب. إنه شخصية صارمة جداً، تقليدي، ويؤمن بالقواعد الملكية أكثر من أي شيء آخر. إنه يكره النبلاء الذين يتجاوزون القوانين، ولا يتسامح أبداً مع أي شكل من أشكال الاستثناءات أو المحسوبيات.”

عند سماع اسم راد، تذكر زين الإعدادات التي كتبها فوراً، وشعر بغصة في حلقه.

المدرب راد لم يكن مجرد شخص صارم، لقد كان متعصباً للقواعد ومجرداً من المرونة. والأهم من ذلك… كان زميلاً ومنافساً سابقاً للقائد الأعلى ليد في نفس الوحدة القتالية قبل عقود.

وبسبب تألق ليد، وموهبته الفذة، وأساليبه العبقرية التي جعلته بطلاً للقارة، تم تهميش راد ووضعه في منصب مدير تدريب، وهو منصب إداري وتعليمي محبط بعيد عن أمجاد جبهات القتال.

بطبيعة الحال، راد يحمل ضغينة عميقة وحسداً، وإن كانت غير معلنة، تجاه ليد.

‘إذن، الدخول بتوصية مباشرة من الشخص الذي يكرهه ويمقت نجاحه… هذا يعني أنني وضعت هدفاً مضيئاً بحجم قلعة على ظهري.’

“لا أعتقد أنه سيرحب بي بالأحضان إذن.”

تمتم زين وهو يقلب قطعة اللحم في طبقه، فاقداً شهيته.

“لذا، كن حذراً جداً. لا تمنحه أي عذر، مهما كان صغيراً، لمعاقبتك، أو إذلالك، أو طردك من المنشأة.”

ابتسم زين بمرارة وهو ينظر إلى الطعام الذي فقد طعمه فجأة.

يبدو أن طريق النجاة في هذا العالم السحري لن يكون مفروشاً بالورود، بل بحقول الألغام التي زرعها هو بنفسه في لحظات طيشه ككاتب.

✦ انتهى الفصل ✦

هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.

تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .

مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

التالي
8/27 29.6%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.