تجاوز إلى المحتوى
الحصول على نظام تكنولوجي في العصر الحديث

الفصل 935

الفصل 935: ترحيب

رسم تقرير ما بعد المعركة صورة قاتمة لكنها متوقعة، فقد كانت المعركة مع القوة الخلفية قصيرة ووحشية

“بالنسبة إلى قوة خلفية، كانوا عدوانيين على نحو مفاجئ”، قال أميرال إيلارا متأملًا، وعيناه تمسحان تدفقات البيانات، فقد قاتل الغزاة بشراسة انتحارية، بغضب يائس يشبه غضب حيوان محاصر، وقد كلف ذلك أسطول إيلارا إحدى فرقاطاته، وحين نفدت أسلحتهم، حوّلوا سفنهم ببساطة إلى صواريخ، في فعل تحد أخير مليء بالحقد

ففي النهاية، الفرق الوحيد بين سفينة فضائية وصاروخ هو النية، إحداهما تحمل الناس ويمكن إيقافها، والأخرى لا، لكن كلتيهما قادرتان على جلب الموت إذا كان الطيار مصممًا بما يكفي على أن يصبح جزءًا من الحمولة

“لم يكن التراجع خيارًا لهم أبدًا، يا أميرال”، أجاب مساعده، وهو ضابط شاب يدعى كايلين، وكان يقف إلى جانب الأميرال، وعيناه مثبتتان على العرض التكتيكي، “في اللحظة التي عرفوا فيها أننا اكتشفناهم، أصبحت مهمتهم الوحيدة أن يموتوا وهم يقاتلون، لأن الوقوع في الأسر أو الفرار كان سيعرض موقع قوتهم الرئيسية للانكشاف، لقد كانوا قابلين للتضحية، وكانوا يعرفون ذلك”

“إلهاء مكلف”، قال الأميرال متنهدًا، “لقد خسرنا عنصر المفاجأة، وهم يعلمون الآن أننا قادمون”، ثم أعاد تشغيل لقطات المعركة، وكانت مثالًا دراسيًا لمعركة فضائية حديثة، فقد انتهى كل شيء في غضون دقائق، وفي عصر التحليل التكتيكي الذي تقوده الحواسيب الفائقة، كانت نتيجة معظم المعارك تُحسم قبل إطلاق الطلقة الأولى، والمتغيران الوحيدان اللذان كانا مهمين هما المعلومات والإرادة، من الذي يعرف شيئًا لا يعرفه الطرف الآخر؟ ومن المستعد لفعل شيء غير مألوف إلى درجة تجعله يفلت حتى من النماذج التنبؤية؟ لكن تلك كانت لحظات نادرة جدًا، شواذ قصيرة العمر تتحول سريعًا إلى جزء من المعايير المحدثة ما إن تُستخلص البيانات

ونتيجة لذلك، كانت معظم المعارك تنحدر إلى واحد من ثلاثة أنواع: صمود أخير، أو عملية تأخير، أو هروب يائس، وكان الأخير هو الأكثر شيوعًا، ففي الفراغ الهائل للفضاء، ومع عدد شبه لا نهائي من الاتجاهات الممكنة للفرار، كان إيقاف شخص مصمم على الهرب أمرًا شبه مستحيل

“كان عنصر المفاجأة دائمًا ميزة مؤقتة، يا أميرال”، أشار كايلين، “حتى لو بقينا غير مكتشفين، فبقية الأساطيل تطلق حملات التحرير الخاصة بها في أنحاء الكونكلاف، والأخبار تنتقل، ولم يكن هذا ليبقى سرًا طويلًا على أي حال، بل يجب أن نشعر بالفخر، فنحن أول من ينجح في تحرير عالم محتل”

وقبل أن يتمكن الأميرال من الرد، قاطعتهم ضابطة الاتصالات بصوت واضح ومهني: “سيدي، لقد انتهينا من فتح طريق إلى الكوكب، واكتملت عمليات المسح الكوكبي في جميع القطاعات المسموح بها، وكل شيء واضح”

رفع كايلين رأسه بسرعة، وقال: “المسموح بها؟ ما معنى المسموح بها؟ هل تقولين إن هناك أجزاء من هذا الكوكب رفضوا أن نُجري لها مسحًا؟” وكان صوته مشوبًا بغضب حاد لا يصدق ما يسمعه

“نعم، سيدي”، أكدت الضابطة، “جادلت الحكومة الكوكبية بأن تلك القطاعات لم يمسها الغزو، وادعت أن قواتها قد أمّنت تلك المناطق بالفعل، وأن عمليات المسح التي نجريها غير ضرورية”

“غير ضرورية؟” ارتفع صوت كايلين، وبدأ تماسكه يتشقق، “أوغاد جاحدون! لقد جئنا إلى هنا لنحررهم، وهذه هي الطريقة التي يعاملون بها منقذيهم؟ كان ينبغي أن يكونوا على ركبهم، يستقبلوننا بكل توقير! يا أميرال، لا يمكن التساهل مع هذا التعدي، أطلب إذنًا بالنزول إلى هناك بنفسي وإعادتهم إلى مكانهم، يجب أن يفهموا حجم العار الذي جلبوه عليك!” وبدا الهواء حول زيه العسكري وكأنه يرتجف بحرارة غضبه، فيما برزت عروق عنقه بوضوح

أما الأميرال، الذي ظل صامتًا طوال ثورة كايلين، فقد أدار رأسه ببطء، ولم يقل شيئًا، بل اكتفى بالنظر إلى مساعده، وكان وجهه قناعًا من خيبة أمل باردة وعميقة

وكان الأثر فوريًا، إذ اختفى غضب كايلين، وحل محله رعب مفاجئ يتكشف أمامه، فسقط على ركبتيه، وضغط رأسه إلى أرضية الجسر في إشارة خضوع مطلق، وقال متلعثمًا، وصوته يرتجف: “يا أميرال… أعتذر، تجاوزي… لا يُغتفر”

“أنا أفهم غضبك”، قال الأميرال بصوت رتيب كان، بطريقة ما، أشد رهبة من أي صراخ، “لكن أن تجرؤ على التحدث بهذه الطريقة في حضوري… فأنت محظوظ لأننا على وشك نصر عظيم، وإلا لأحلتك إلى محاكمة عسكرية في هذه اللحظة نفسها”، ثم توقف قليلًا، تاركًا ثقل التهديد يهبط عليه، “سأتعامل معك بما تستحقه عندما تنتهي هذه المهمة، لكنك أولًا ستذهب إلى الكوكب بدلًا مني، وستتولى قيادة الوضع الأرضي، وستضمن أمن هذا النظام النجمي، هل فهمت؟”

“سأنفذ الأوامر، يا أميرال”، أجاب كايلين بصوت مشدود، “وعند عودتي، سأتقبل عقابي بشرف”، ثم نهض على قدميه، وعدل زيه، وأدى التحية بحزم، ومن دون كلمة أخرى، استدار ومشى نحو الحظيرة، وظهره مستقيم كالقضيب الحديدي

راقبه الأميرال وهو يغادر، ثم وجه نظرته الباردة إلى ضابطة الاتصالات، التي كانت متجمدة في مكانها طوال ما حدث، وقال: “قومي بالترتيبات اللازمة، وأظن أنني لا أحتاج إلى شرح ماهيتها، أليس كذلك؟”

“لا، سيدي”، أجابت، ثم اندفعت خارج الجسر بسرعة قبل أن تصبح الهدف التالي لسخطه

………………….

هبطت المركبة عبر غلاف الكوكب الجوي، ترافقها حفنة من القوات المحلية، وهي البقايا البائسة من قوة دفاعهم، ومع ازدياد حجم مقر زعيم الكوكب في نافذة الرؤية، أخذ كايلين نفسًا عميقًا مرتجفًا، وتخيل العقوبة التي تنتظره، والعار، ونهاية مسيرته، لكنه اضطر إلى دفع تلك الأفكار جانبًا، فكانت لديه مهمة يجب أن ينجزها، وكان عليه أن يحافظ على رباطة جأشه، وأن يُظهر هيبة إيلارا، وأن يبدي الاحترام لحضارة بات يحتقرها تمامًا، وكانت تلك مهمة بدت شبه مستحيلة لرجل يفخر بمكانة حضارته ضمن العشرة الأوائل

لكن الأوامر هي الأوامر

وعندما نزل من المركبة، كانت على وجهه ابتسامة دبلوماسية متقنة، وسار نحو وفد الاستقبال، ويده ممدودة، وفي اللحظة التي لامست فيها بشرته بشرة المسؤول البيلاكي، تجمد جسده كله، فقد صرخت فيه كل غريزة صقلتها المعارك، وكل خيط في كيانه، بالخطر، اخرج، اهرب

لكن قبل أن يتمكن حتى من استيعاب التحذير، وقبل أن يسحب يده، وقبل أن يفكر حتى في الهرب…

دووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووم

انفجر وميض أعمى من الضوء من نقطة التلامس، موجة صامتة كاسحة من الطاقة ابتلعت كل شيء في لحظة، المركبة، ووفد الاستقبال، والقصر، وكايلين نفسه، كل ذلك اختفى، وتحوّل إلى لا شيء سوى ذكرى وسحابة تتسع بسرعة من الغبار فائق السخونة

✦ انتهى الفصل ✦

هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.

تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .

مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

التالي
935/1,045 89.5%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.