الفصل 934
الفصل 934: عملية الجبهة المتحدة
مع مرور كل يوم واستمرار تدهور الوضع، كثفت الحضارات البيلاكية دعايتها، تنفخ في ألسنة النار وتدفع باللوم كله مباشرة نحو الإمبراطورية، وقد أثمرت جهودهم، فتصاعدت الهجمات ضد المواطنين الإمبراطوريين، وقفز الإحباط بين سكان الإمبراطورية نفسها إلى مستويات هائلة، ومع ذلك، واصلت الإمبراطورية صمتها، متمسكة بقواعدها الراسخة بدقة من دون أن تقدم أي توجيهات إضافية أو تتخذ أي إجراء
وبالنسبة إلى كثيرين، بدا هذا الجمود وكأنه لا مبالاة، وفي النهاية، قرر بعض المواطنين الإمبراطوريين أنهم اكتفوا
وحين رأوا أن النظام لا يقدم حماية حقيقية تتجاوز العقوبات الإجرائية، بدأوا بالرد، وما بدأ كحادثة معزولة لشخص استخدم عصًا ليرد بها وينتهي به الأمر إلى قتل مهاجمه البيلاكي، تصاعد بسرعة إلى اشتباكات كاملة داخل الواقع الافتراضي، معارك ضخمة وفوضوية بين مواطني الحضارتين، وفي عدة حالات بارزة، دفع المقاتلون الأمور إلى حافة النهاية، وأحيانًا قتل بعضهم بعضًا بوحشية، وكان العامل الوحيد الذي خفف الأمر هو القدرة على التحكم في حساسية الألم، لذلك كانت هذه المعارك قاسية، لكن أحدًا لم يشعر بألم حقيقي
وبحلول مرور شهر كامل، تحول الواقع الافتراضي إلى ساحة قتال متقلبة، وبينما كانت التوترات العامة تغلي قرب نقطة الانكسار وتهدد بجر حضارات أخرى إلى الأمر، كان الكونكلاف، الذي يعمل بهدوء خلف الكواليس، قد أكمل إعادة تجميع صفوفه، وأصبحت قواته الآن مستعدة لموجة ثانية من الانتشار، تهدف إلى استعادة الأراضي المفقودة وكشف المدبرين الحقيقيين وراء الهجمات المنسقة
…………
على جسر سفينة إيلارا الرئيسية، ستيلاريس، كان الهواء يطن بطاقة هادئة لأسطول يستعد للحرب، التفتت ضابطة الاتصالات، وهي امرأة شابة كان وجهها قناعًا من الهدوء المهني، نحو أميرالها وقالت: “جميع أنظمة الأسطول في الحالة الخضراء وجاهزة للانتشار، يا أميرال، ونحن ننتظر أمرك”
“أبلغي الوسيط بجاهزيتنا”، أمر الأميرال، وعيناه تمسحان تقرير الأنظمة النهائي على منصة قيادته، “استعدوا للقفز في اللحظة التي تُفتح فيها البوابة”
كان أسطوله قد كُلِّف بنظام يارين، أحد أراضي كوماكار نفسه، وواحدًا من أكثرها تعرضًا للاستهداف مؤخرًا، ومن الناحية السياسية، كانت هذه ضربة بارعة من دبلوماسية الكونكلاف، فتكليف إحدى القوى العشر الأوائل، إيلارا، المرتبطة دائمًا بالمركز العاشر والعالقة في تنافس بارد مع فيرين، بتحرير عالم بيلاكي، كان المجلس يرسل رسالة وحدة، لقد كان استعراضًا للقوة ووعدًا بالدعم، وإعلانًا بأن الهجوم على أحدهم، حتى لو كان عضوًا أقل شأنًا مثل البيلاكيين، هو هجوم على الجميع
وفي عمق نواة ستيلاريس المدرعة، داخل حجرة محمية من كل شكل يمكن تصوره من أشكال الاستشعار الخارجي، كان رجل يطفو بلا وزن داخل خزان من سائل شفاف غني بالمغذيات، وكانت أسلاك تشبه العروق الفضية تصل كل جزء من جسده بالقيادة المركزية للسفينة، لقد كان الوسيط، المفتاح الحي للثقب الدودي، كائنًا كان موقعه داخل كل أسطول من أكثر الأسرار التي تُحرس بشدة
تشنج جسده، رجفة صامتة تموجت عبر السائل، ثم انفتحت عيناه، اللتان كانتا مغمضتين، فجأة، ولم تعودا عيني إيلارا، بل صارتا فراغين، محجرين أسودين خاليين، بدأت من داخلهما نقاط دقيقة من الضوء الأبيض، مثل نجوم بعيدة، تتوهج بشدة سماوية، ونبضت الأسلاك، تدفع إليه سيلًا من الطاقة الخام، تيارًا كان سيبخر أي كائن عادي، وبدأ الفضاء أمام الأسطول يتشوه ويتمزق، وظهر ثقب دودي صغير، لا يتجاوز حجم قبضة يد، أمام ستيلاريس، ثم نما بسرعة مرعبة، واتسع إلى بوابة هائلة متلألئة تفوق السفينة الرئيسية نفسها حجمًا
ولم يتردد الأسطول، بل بدأ يتحرك، موكبًا صامتًا منضبطًا يندفع داخل دوامة الثقب الدودي الملتفة، وبعد ثوانٍ، انهارت البوابة، ولم تترك خلفها سوى فراغ صامت منثور بالنجوم، أما في الخزان، فقد ارتخى الوسيط تمامًا، وعادت عيناه إلى مظهرهما الفارغ، بينما انجرف إلى فقدان وعي عميق يعيد إليه عافيته
كان هذا هو جواب إيلارا على السفر عبر الثقوب الدودية، فالتقنية التي تلقوها من التريناريين كانت هي نفسها التي تلقاها الجميع، لكن الأسلوب الذي استخدموه كان فريدًا، تمامًا كما كان لكل طرف أسلوبه الخاص، إذ استُخدمت التقنية بطرق مختلفة للوصول إليها تبعًا لتناغم كل نوع، أما إيلارا، فقد استخدموا كائنًا حيًا يملك تناغمًا مرتفعًا جدًا مع الزمكان بوصفه المكوِّن الأخير، العامل المحفز الذي يسمح للآلة بأن تفعل المستحيل
…………..
في اللحظة التي خرج فيها أسطول إيلارا إلى نظام يارين، استقبلتهم مقبرة، فقد كانت بقايا أسطول دفاع النظام المحطم تدور حول الكوكب، حقلًا صامتًا متلألئًا من الحطام بكثافة جعلت مغادرة الكوكب محاولة انتحارية من دون دروع عسكرية عالية المستوى
“عمليات مسح بكامل الطاقة، الآن”، أمر الأميرال، وصوته يشق الصمت المصدوم على الجسر
ارتبطت مصفوفات الاستشعار في الأسطول معًا، لتصبح عينًا واحدة هائلة اجتاحت النظام، ورسمت صورة مفصلة للدمار، وكان العدو قد انسحب قبل ساعات فقط من وصولهم، انسحابًا محسوبًا لم يترك خلفه سوى الخراب
“يا أميرال”، قالت ضابطة الاتصالات، وصوتها متوتر، “لدينا جهات اتصال مختبئة داخل حزام الكويكبات، توقيعات الطاقة وبصمات السفن تتطابق مع الغزاة الذين أُبلغ عنهم، ويبدو أنها قوة خلفية تنتظر لترى كيف سنتصرف”
“أرسلوا مجموعة طوارئ للتعامل معهم”، أمر الأميرال من دون لحظة تردد، فقد كان عقله قد سبق الجميع، يحسب المكاسب السياسية التي يمكن جنيها من هذه العملية، فتحرير ناجح لن يحقق فقط واجبهم تجاه الكونكلاف، بل سيمنحه أيضًا مكانة شخصية كبيرة، وكانت الترقية شبه مضمونة، “أما بقية الأسطول فسيتجه إلى الكوكب، ابدؤوا التنظيف وعمليات المسح الكوكبي، وافترضوا أن لديهم قوات برية، وافترضوا أنهم امتزجوا مع السكان المحليين، لا أريد أي أخطاء، ولا أي خسائر، كونوا دقيقين”
ومع نشر أوامره، انقسم الأسطول إلى مجموعات أصغر ذات هدف واضح، وانفصلت قوة من المدمرات والفرقاطات، وكان مسارها قوسًا واسعًا عابرًا بدا كأنه جزء من دورية روتينية، لكن وجهتها كانت دقيقة، فقد كانت تتحرك مباشرة نحو حزام الكويكبات حيث كان الغزاة يكمنون في الانتظار، أما تلك القوة الخلفية، الواثقة من غطائها، فقد بقيت ساكنة تراقب السفن المقتربة، معتقدة أنها ليست سوى مجموعة أخرى من الصخور بين ملايين الصخور، لقد كانوا مفترسًا صامتًا، غير مدركين أن مفترسًا أكبر بكثير كان يقترب من فريسته الغافلة

تعليقات الفصل