تجاوز إلى المحتوى
الحصول على نظام تكنولوجي في العصر الحديث

الفصل 916

الفصل 916: في الطريق إلى العالم المثالي

التحول، هذه كانت الكلمة التي تتردد على ألسنة الجميع عندما يتعلق الأمر بالأعمال التي باتت تعمل الآن عبر الواقع الافتراضي

أطلقت الإمبراطورية مؤخرًا مبادرة واسعة لإعادة هيكلة النشاط التجاري داخل الواقع الافتراضي، وكجزء من هذه المبادرة أنشأت طبقة حماية إضافية، أشبه بفقاعة اجتماعية، تحيط بالأفراد الذين ظلوا متصلين بالواقع الافتراضي لأكثر من ستة أشهر، وقد فُرضت على هؤلاء قيود تحد من تفاعلهم الواسع، فلم يعد بإمكانهم التواصل إلا مع من يُعدون علاقات قريبة، بعيدًا عن أولئك الجدد على الواقع الافتراضي

كان الهدف مزدوجًا، منح مستخدمي الواقع الافتراضي الجدد وقتًا للتأقلم من دون ضغط خارجي، وتحقيق قدر من تكافؤ الفرص حتى لا يكونوا في وضع أضعف عند إطلاق أعمال جديدة

وفي المناطق التي سُمح فيها بالتجارة القائمة على الواقع الافتراضي، جرى الحرص على عدم إعطاء الأولوية لأعمال الواقع الافتراضي على حساب الشركات العاملة في العالم الحقيقي، وقد ساعد ذلك في منع انهيار الأعمال التقليدية، وحمى الاستقرار الاقتصادي الأوسع للحضارات بينما كانت الأعمال تنتقل إلى الواقع الافتراضي، ومع ذلك، وحتى مع هذه القيود، كان هناك تحول واضح لا يمكن إنكاره

في الوقت الحالي، كانت التبادلات التجارية محصورة داخل الحضارة نفسها، وكان هذا إجراءً مقصودًا، يهدف إلى إتاحة الوقت لكي تدخل جميع أراضي الكونكلاف إلى الشبكة بالكامل وتستفيد على قدم المساواة عندما تستأنف التجارة بين الحضارات، ومع ذلك، كان الأثر ظاهرًا بالفعل، إذ بدأت الأنظمة النجمية تتخصص، وتركز على الصناعات التي تتفوق فيها بطبيعتها أو التي تملك فيها موارد وفيرة، وفي الوقت نفسه، تخلت عن الصناعات غير الفعالة والمستنزفة للموارد التي كانت مضطرة للحفاظ عليها سابقًا فقط لتجنب التأخيرات التي كانت تمتد لعقود في التجارة بين النجوم، أما الآن، فقد أصبح بإمكانها شراء تلك السلع نفسها من أنظمة نجمية أكثر قدرة وبجزء بسيط من التكلفة

وسط هذا التحول الواسع، ظهرت شركة هيرميس كواحدة من أكبر الرابحين، فقد أصبحت خدماتها اللوجستية وخدمات التوصيل تعمل الآن في كل نظام نجمي متصل تقريبًا، من خلال مشاريع مشتركة مع حكومات الحضارات، وكانت اتفاقيات تقاسم الأرباح بسيطة، 70/30، حيث تحصل شركة هيرميس على الحصة الأكبر، وبذلك وضعت الشركة نفسها فعليًا في موقع الشريان الرئيسي لهذا الاقتصاد الافتراضي الجديد

ومع استمرار هذا التحول، لم تزد هيمنتها إلا اتساعًا

إن الكم الهائل من الإيرادات التي كانت تحققها شركة هيرميس، بقيادة راشيل ريتشاردسون، بصفتها شبكة التوصيل الفعلية لتجارة الواقع الافتراضي، قفز بالشركة إلى المركز الثالث بين أكثر المشاريع المملوكة للإمبراطور ربحية، ولم تتقدم عليها سوى غايا للتكنولوجيا وهيفايستوس للصناعات والتصنيع، وكلاهما حافظ على أرباح لا تضاهى ولم يُظهر أي علامة على التباطؤ

ولحسن الحظ، كان الإمبراطور قد فرض بالفعل ضريبة أرباح واسعة على الشركات التي تكسب أكثر من خمسين تريليون إند من الأسواق الواقعة خارج الإمبراطورية، وكان مطلوبًا من هذه الشركات أن تدفع ما يصل إلى 50 بالمئة من أرباحها كضرائب، وقد صُممت هذه السياسة لمنع مئات التريليونات من الإند من الركود داخل احتياطيات الشركات، أي من تكدسها من دون أن تسهم في حركة الاقتصاد، ونظرًا إلى مستويات الثروة الحالية في الإمبراطورية، خاصة وأنها لم تندمج بعد بشكل كامل مع الاقتصاد الأوسع للكونكلاف، فقد رأى الإمبراطور أن الضرائب المباشرة أكثر فاعلية بكثير من الاعتماد على التبرعات الطوعية لبرامج الدولة

وإلى جانب دعم خزائن الإمبراطورية، أفادت هذه السياسة الضريبية المواطنين العاديين أيضًا، فقد لجأ كثيرون إلى قروض بلا فوائد بضمان حسابات تقاعدهم ليستثمروا في شركات اختارتها الإمبراطورية مسبقًا، وهي مشاريع كانت تعرف أنها سترتفع في القيمة وستدفع أرباحًا موزعة بشكل موثوق، ومع أن مثل هذه الهياكل الاستثمارية كانت موجودة بالفعل داخل الكونكلاف، فإنها كانت خاضعة لنماذج اقتصادية أكثر تقدمًا، ومصحوبة بمصطلحات معقدة وأدوات مالية دقيقة، أما الإمبراطورية فقد أخذت أفضل ما في تلك الممارسات وأعادت تكييفه بما يناسب نظامها الخاص، وبذلك تجنبت كثيرًا من صعوبات البداية التي عانت منها حضارات الكونكلاف في الماضي

ونتيجة لذلك، أصبح جزء كبير من السكان يتطلع الآن إلى تقاعد مبكر، يعيشون فيه بالكامل على الأرباح الموزعة من استثماراتهم، وكان هذا مقصودًا عن عمد

ومع التسارع الكبير في الأتمتة داخل الإمبراطورية، وما تبعه من تراجع في عدد فرص العمل الجديدة، أصبحت الآلات تؤدي كثيرًا من الأعمال الأساسية، ولهذا صار ضمان الأمن المالي الواسع من خلال تخطيط اقتصادي ذكي أولوية واضحة، وبفضل اقتصاد الواقع الافتراضي المزدهر والإيرادات الضريبية التي يولدها، لم تعد الإمبراطورية قادرة فقط على دعم الجوانب الأساسية من الحياة اليومية، بل أصبحت أيضًا تشجع المواطنين على ملاحقة شغفهم بدلًا من الاكتفاء بالسعي للبقاء

وباختصار، كانت الإمبراطورية تعيد تشكيل أساسها بهدوء، ليس بالقوة أو التكنولوجيا فقط، بل بالحرية المالية أيضًا

كانت الإمبراطورية تتطور تدريجيًا لتصبح معادلًا للدول الغنية بالنفط سابقًا في الأرض القديمة، لكن مع فارق حاسم واحد، وهو أنها لا تواجه أي خطر انهيار بسبب نضوب الموارد، فبينما عانت الدول الغنية بالنفط من محدودية أصلها الأساسي، كانت الإمبراطورية تقف على أربعة أركان تضمن استقرارها الطويل وهيمنتها، أولها الواقع الافتراضي، الذي اندمج الآن في الحياة اليومية بعمق حتى صار يقترب من أن يكون ضرورة لا رفاهية، وثانيها ممرات الثقوب الدودية التي تربط الحضارات، وتجعل الإمبراطورية العمود الفقري للنقل والسفر بين النجوم، وثالثها أحجار المانا التي تشغل تقريبًا كل شيء مهم، فطالما كانت الإمبراطورية تملك الوسائل لتوليد الطاقة، فهي تستطيع تصنيع أحجار المانا بلا نهاية، وتغذية حضارتها كاملة، وأخيرًا، وهو الأهم، كانت تملك القوة العسكرية التي تحمي كل ذلك، وعلى عكس الدول السابقة التي اضطرت إلى استرضاء الآخرين أو تشكيل تحالفات مضطربة لتجنب الغزو، كانت الإمبراطورية تقف وحدها، شبه بلا منازع، ومع كل يوم يمر كانت قوتها العسكرية تزداد فقط

وقد أنجب هذا الاستقرار غير المسبوق طلبًا جديدًا، وهو الترفيه، فكلما أصبح السكان أكثر ثراء وأقل انشغالًا بالبقاء، سعوا إلى تجارب أكثر غنى وتنوعًا، وكان الواقع الافتراضي هو المنصة المثالية لتقديمها، ومع الوصول إلى بيانات الدماغ عبر الدمج العصبي، امتلكت الإمبراطورية ميزة قوية أخرى، إذ أصبح بإمكانها مراقبة الأنماط العقلية والعاطفية والحد منها عبر إجراءات الحماية في الجهاز، لضمان ألا يصبح الناس مفرطي التحفيز أو متبلدي الإحساس، وهو ما قد يدفعهم إلى السعي وراء مؤثرات متطرفة في العالم الحقيقي فقط لكي يشعروا بشيء له معنى من جديد

وكانت هذه الدوامات السلوكية، الشائعة في المجتمعات التي تُترك فيها الإثارة بلا ضبط، تُدار مسبقًا عبر تجارب واقع افتراضي مصممة بعناية، فتكنولوجيا الإمبراطورية لم تكن ترفه الناس فقط، بل كانت تضمن أيضًا بقاءهم في حالة متوازنة

وباختصار، كانت الإمبراطورية تسير في طريق يجعلها عالمًا مثاليًا حقيقيًا، عالمًا لا يوفر الوفرة والأمان فقط، بل يملك أيضًا البصيرة والبنية التحتية التي تجنبه المزالق التي تصاحب هذا الازدهار عادة

لقد جعلت الإمبراطورية، أو بالأدق آرون، من ضمان أن يعيش الناس حياة مُرضية هدفًا أساسيًا، لا حياة يعملون فيها فقط من أجل البقاء، وقد نجح في ذلك، لكن هذا النجاح جلب معه تحديًا لأحد أركان الإمبراطورية الأربعة، الجيش

في الماضي، كانت قوى عسكرية كثيرة، مثل الولايات المتحدة سابقًا، تعتمد على الفقر كوسيلة للتجنيد، فتقيم أكشاكًا في المجتمعات المتعثرة، وتعرض الخدمة العسكرية باعتبارها طريقًا للخروج من الضيق، وتستقطب الطلاب بإغراء دفع رسومهم الدراسية، لكن تلك الأساليب لم تعد قابلة للتطبيق في الإمبراطورية، فهذه المجتمعات لم تعد موجودة، والتعليم أصبح شبه مجاني، واحتياجات الناس ملباة، ولم يعد هناك يأس يمكن استغلاله

ونتيجة لذلك، كان الجيش الإمبراطوري، آريس، يحافظ حاليًا فقط على مستوى ثابت يقارب 500,000,000 فرد في الخدمة الفعلية، مما جعله أكبر جهة توظيف في الإمبراطورية كلها، وكان ذلك في حالة حشد وقت السلم فقط، لا حتى في وضع الحرب الكامل

ومع ذلك، لم تكن الإمبراطورية غير مستعدة، فقد كانت لدى آريس خطط طوارئ جاهزة في حال ظهرت حاجة مفاجئة إلى مليارات الجنود، وكانت هذه الخطط تُحاكى بدقة، وتُحدَّث بانتظام، وتُخزَّن بأمان، لكنها ظلت غير مفعلة، تنتظر تحقق شروط تشغيل محددة، وحتى ذلك الحين، لم تكن هناك حاجة لإثارة قلق العامة أو لتحويل الموارد بلا ضرورة

التالي
916/1,045 87.7%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.