الفصل 9
كانت الشمس تغرب، وبدأ مطر خفيف يهطل.
“كان يجب أن أحضر مظلة…”
رغم أن هذه الكلمات أفلتت من بين شفتيه بهدوء، إلا أنه لم يشعر برغبة في الاحتماء من المطر أو العودة إلى غرفته. ميناء الجزيرة رقم 68؛ هناك حيث يُخزن كل ما هو ضروري لذهاب وإياب السفن الهوائية—بوابة الجزيرة.
وقف عند الحافة والقطرات تنهال على جسده. كانت هناك عدة سحب قطنية ممزقة تطفو تحته، ومنبسطاً تحتها بعيداً جداً، استطاع رؤية ما كان يُعرف يوماً بالسطح.
لم يعد هناك وجود لخضرة الأشجار، ولا لزرقة الأنهار والمحيطات، ولا حتى لصفرة الرمال والأحجار. كل ما استطاع رؤيته هو غبار رمادي غريب ومُعَكَّر يغطي كل شيء.
لقد خرج إلى هنا ليرى هذا المشهد؛ أراد أن يتأكد من الأشياء التي فقدها ولن يتمكن من استعادتها أبداً. لكن حتى ذلك الرمادي كان يذوب في ظلام الليل، وكأنه يطارد الشمس الغاربة.
باتت عدة أمور الآن واضحة ومنطقية. على سبيل المثال، كيفية التعامل مع الفينينوم.
كان الفينينوم يشبه الحرارة؛ فمن خلال استدعاء لهب السحر إلى قلبه، كان بإمكانه إشعاله، ومن ثم إعادة توجيه تلك الطاقة إلى العالم الخارجي، وهذه هي الطريقة التي يستخدم بها قوته. ومع ذلك، فإن هذه الحرارة ترهق جسد المستخدم؛ فحتى لو حاول المستخدم الحصول على نار أكثر قوة، فإن قوة حياته الخاصة ستكبح جماحه.
كان هذا هو العامل الذي يحدد الحد الأقصى لكمية الفينينوم التي يمكن لأي شخص استخدامها، وهي تختلف بين عرق وآخر. وهذا يفسر لماذا يمكن للكائنات الحية الغريبة —غير المهتمة بسلامتها الشخصية— أن تستخدم مثل هذه القوة الهائلة التي لا يمكن لأي عرق آخر محاكاتها.
تلك القوة، التي لا يضبطها وازع أو كبح، يمكن أن تضطرب وتنفجر. الانفجار الناتج سيكون ضخمًا بما يكفي لنسف المستخدم وأعدائه معًا، مخلفًا فجوة هائلة في ساحة المعركة، ولا شيء في مركزها سوى سلاح عتيق وحيد.
“يا لها من أسلحة ممتازة حقًا—”
لقد كنّ قنابل معدة للاستخدام لمرة واحدة تمامًا. قد لا تكون هذه الطريقة الأكثر كفاءة لاستخدام الطاقة، لكن وجود هذا الخيار بحد ذاته يحمل معنىً وقيمة عظيمة.
كان هناك شيء آخر صار منطقيًا الآن. لقد فكر ويليم يوماً: يا رجل، أراهن أن هؤلاء الفتيات قويات جداً، عندما سمع عنهن لأول مرة. عرق متخصص في الحروب؛ كائنات حية قَدَرُها هو السعي خلف النصر فحسب. يا لها من خلفية “مقنعة” تمامًا. تلك هي الوظيفة الوحيدة التي يحملنها، ولا مجال له للاعتراض. هؤلاء الفتيات سيكنّ الوريثات المثاليات للقب “البطل الشرعي”. ومع أنه لم يتمكن قط من أن يصبح واحداً، إلا أنهن قادرات على فعل ذلك نيابة عنه.
رائع. يا له من أمر مبهج. من المؤكد أنهن يتمنين الشيء نفسه أيضًا. في هذه الحالة، يجب أن يفرح لأجلهن. يجب أن يباركهن. وو-هو، هذا رائع! سأترك كل شيء لكنّ، حظاً موفقاً!
“—أريد أن أموت.”
بالطبع، هو يعلم. لن يتذمر من هذا. الجانب القبيح من فطرته المشوهة، الذي تضخم لدرجة النسيان، كان يدور في حلقات مفرغة داخل عقله. إنه يفكر في أشياء غريبة فقط لأنه وحيد في ذلك المكان. سيكون من اللطف والشهامة لو ذهب إلى الفتيات—أو بالأحرى إلى “الجنيات”—وأخبرهن بما يشعر به.
لكنه لم يستطع فعل شيء كهذا؛ فالدخلاء الغرباء لا يجب أبداً أن يعقدوا المعارك التي يستعد لها الأبطال.
“—هممم؟”
اخترق ضوءٌ بحر السحب فوق رأسه ودخل مجال رؤيته. سفينة هوائية كانت تقترب. كان الضوء ساطعًا لدرجة أنه لم يستطع تمييز معالمها بوضوح، لكنه أدرك أنها ليست سفينة ركاب عادية، بل سفينة نقل عسكرية صغيرة. دَوَّت أصوات المعادن الثقيلة وهي ترسو في الميناء، وأصدرت منصة الاصطدام أنينًا خفيفًا.
توقفت المحركات ببطء، وانفتحت بوابة الخروج بضغط الهواء. خرج من داخل السفينة شخصان.
“أنتما—”
كانت الفتاتان… هما من يعرفهما؛ كوتوري وآيسيا. كانتا ترتديان ملابس غريبة—زيًا عسكريًا نسائيًا غير رسمي. كان هناك خطبٌ ما؛ فـ آيسيا كانت ترتدي تعبيرًا قاسيًا بينما بدت كوتوري مستنزفة تمامًا وتتكئ عليها وهي تمشي.
“… حسناً، حسناً. مساء الخير، ضابط التعاويذ الثاني ويليم.” نظرت إليه آيسيا، وحدُها طريقتها في الكلام كانت تُذكِّر بشخصيتها المعتادة.
“يا له من مكان غريب للقاء. هل خرجت للمشي تحت المطر؟”
كانت محقة تقريبًا، ربما قالت ذلك لتلطيف الجو. لكنه لم يستطع السماح لهما بخداعه الآن.
“أنتما الاثنتان، ما الذي كنتما تفعلانه بحق—؟”
“حسناً، أظن أن بإمكاننا قول الشيء نفسه لك. لقد خرجنا في نزهة قصيرة خارج الجزيرة… لكنك لن تصدقني إن قلت ذلك، صح؟”
“أنتِ محقة تماماً. هذا—” تردد ويليم. هل يسلأهما الآن؟ ومع ذلك—
“لقد كنتما تقاتلان، أليس كذلك؟ ضد الـوحوش السبعة عشر.”
“نيا-ها-ها، إذن كنت تعلم؟ يا للخجل.”
لم تستجب كوتوري. وعندما حاول الاقتراب ليرى إن كانت مصابة، حدث شيء آخر.
“أمم، لا شكراً لك. لا يوجد ما تفعله أيها الضابط. إذا كنت ستسأل، فمن فضلك اهتم بهذا.”
تحولت عينا آيسيا للحظة إلى الخلف. رأى جبلاً… جبلًا مغطى بالكامل بحراشف بيضاء لؤلؤية، يرتدي زيًا عسكريًا. تقلص الجبل ببطء وخرج من السفينة. كانت عيناه تحدقان في ويليم.
لقد رأيت هذا الشخص من قبل، إنه من شعب السحالي.
“هذا الزي.. إذن أنت ويليم.” فحيح صوته كان يشبه الأفعى.
“… أجل. وأنت؟”
تجاهل السحلية سؤاله وقال: “احمل هذه.” وألقى عليه غرضين طويلين ونحيفين. فِعلُ ذلك بتلقائية جعلت ويليم يمد يده دون تفكير. لكن ما كان حملاً بسيطاً لقوة شعب السحالي الخارقة، كان ثقيلاً جداً على عضلات إنسان إيمنيتويت عادي. لم يستطع ويليم الإمساك بهما، فسقطا على الأرض محدثين صوتاً معدنياً حاداً.
“… هذا…”
كانا سيفين ضخمين، ملفوفين بعناية بقماش أبيض.
“هذه أسسلحتهنّ. أعدها إلى المسستودع.”
هذا كل ما قاله السحلية قبل أن يعود للسفينة.
“ه-هوي!”
“ليسس لدي ما أقوله لك. أولئك الذين ليسسوا محاربين لا يدخلون الأماكن التي يقف فيها المحاربون.”
أُغلق الباب، وابتلع ذلك الظهر الذي يشبه الصخرة.
“آاااه. لا تهتم له. هكذا هو السيد سحلية.” قالت آيسيا بخفة.
“وبما أنك لن تهتم له، سيكون من المفيد جداً أن تحمل هذين السيفين. كما ترى، يداي مشغولتان بمساعدة كوتوري.”
“… هل هي مصابة؟”
“كلا، لقد تحمست أكثر من اللازم وأصيبت بالدوار. بمجرد وضعها في المستوصف، ستستيقظ في النهاية.”
“فهمت.”
رفع ويليم أحد السيوف عن الأرض. كان إحساساً لم يشعر به منذ زمن بعيد، إحساساً يعرفه حتى من خلال القماش السميك. حتى في الضوء الخافت، لا يمكن أن يخطئ فيه.
“سينيوريوس… صح؟”
“أوه؟ فاجأتني بأنك تعرفه.”
بالطبع يعرفه. لقد كان بطلا غير شرعي عاش في زمن كان فيه الجميع يعرف هذا الاسم. ضربة لليمين تقطع التنانين، وضربة لليسار تشطر الحكام. السيف الأول من نوع كارليون. قاهر التنانين البرونزي. محطم الحكام. النصل السري في الغمد البسيط. ألقابه تكفي لملء كتاب كامل—سيف مقدس يحمل الكثير من التاريخ والإنجازات. الرفيق المحبوب للبطلين الشرعيين الثامن عشر والعشرين—رمز البطولة نفسها.
“هل هو لكِ؟”
“كلا، هذا لـ كوتوري. السيف الذي أتوافق معه هو الآخر،” قالت ذلك، فتذكر ويليم وحمل السيف الثاني.
“فالغوليوس.”
“بالضبط. واو، يبدو أنك صرت تعرف الكثير فجأة. هل قرأت قائمة السيوف الخاصة بنا أم ماذا؟”
“لا.” هز رأسه. “إنها مجرد مصادفة أنني أعرف الكثير عن السيوف.”
“هممم، لست متأكدة من أي نوع من التواضع هذا.” أمالت آيسيا رأسها.
“أعطني هذا أيضاً.”
“هاه؟ أوه، انتظر—” حمل ويليم كوتوري، التي كانت لا تزال غائبة عن الوعي، ووضعها على ظهره.
خلفهما، صدر صوت معدني حاد؛ كانت السفينة الهوائية تقلع من الميناء.
“… أنت أقوى مما ظننت.” قالت آيسيا وهي تلوح بيديها وقد أصبحت حرة من الحمل.
“من واجبي دعمكم.”
“واو، كلامك يبدو بطولياً حقاً.”
بدأ ويليم في المشي أولاً، وتبعته آيسيا بنصف خطوة خلفه.
“إذن.. كم من الأشياء عرفتَ عنا؟”
“… لا أعرف شيئاً. كل ما أعرفه هو أن الجنيات يستخدمن الـكارليون.. أعني، الأسلحة العتيقة.. للقتال من أجل حماية الجزر. شيء من هذا القبيل.”
“أووه، هذا قريب جداً من كبد الحقيقة،” قالت آيسيا بشرود وهي تنظر للسماء.
“ألم يفزعك الأمر؟ حياتنا قابلة للاستخدام والتخلص منها. نستخدم الإرث، أو أياً كان ما تركه أولئك الـإيمنيتويت المروعون خلفهم. حتى أنا أظن أنه إعداد قصصي** مقرف للغاية.”
“لا تسميه إعداداً قصصياً.”
أجل، إنها محقة. هذا هو الواقع بالضبط. ببساطة، الأبطال يحتاجون تماماً إلى هذا النوع من “الظروف المأساوية المُختَلَقة”؛ كلما كان الأمر أكثر حزناً، كان أفضل. وكلما كان أكثر بؤساً، كان مثالياً. يصبحون أقوى من خلال مجموعة من الظروف التي تشكل وظيفتهم أو قدرهم أو مصيرهم أو أي مسمى آخر. ثم تتحول تلك الصفات ببساطة إلى قوة للتحكم في مواريث البشر. وسواء رغبوا في ذلك أم لا، لم يكن لهم أي علاقة بتلك الظروف.
“—منذ زمن بعيد، عرفتُ أشخاصاً في وضع مشابه لوضعكن.”
“أوه، قصة قديمة؟ هل تحاول إغوائي؟”
“ليست قديمة بما يكفي لتكون قصة. لقد كنتُ مديناً لهم بالكثير. لذا عندما سمعتُ عنكن، لم أستطع تجاهل الأمر فحسب. هذا كل ما في الأمر.”
“واو، كانت هذه قصيرة جداً.”
“لقد قلتُ إنها لن تكون طويلة.”
“أظن أنك فعلت،” قالت بنبرة مسطحة وهي تركل حصاة عند قدميها.
“ألا تشعر أن هذا هو الجزء الذي تفضي فيه لي بكل شيء، ونبدأ في بناء قصة حبنا؟ أعني، نحن هنا وحدنا تماماً.”
“هل نسيتِ الشخص الثالث على ظهري؟”
“كوتوري هي من النوع الذي يستيقظ في منتصف الموقف ويشاهدنا، ثم نبدأ مثلث حب جميلاً من العشق والغيرة.”
“ماذا كنتِ تقرئين مؤخراً؟”
“ثلاثية الانفجار (Bursting Triad).”
لقد سمع ويليم هذا العنوان من قبل؛ كانت رواية تدور أحداثها في جزيرة خيالية. وإذا تذكر بشكل صحيح، فإن أكثر من نصف الشخصيات في الكتاب يكررون دورة من الخيانة والزنا باسم البحث عن الحب الحقيقي. الآن أصبح الأمر منطقياً؛ فقد تساءل كيف تتعلم هؤلاء الفتيات (و نايغلاتو) السائد في المجتمع وهن يعشن بمفردهن في الغابة، وكانت الروايات الرومانسية إحدى الطرق لاكتساب معرفة (وإن كانت متحيزة) عن العالم الخارجي.
“خاصة المجلد الثالث. إنه جيد جداً.”
“سأصادر ذلك الكتاب. ليس شيئاً يقرأه الأطفال.”
“هذا استبداد! من تسميه طفلاً؟! لحظة، هل تعرف ما هو بمجرد سماع العنوان؟!”
في الجزيرة رقم 28، بكل سحرها المنحل، كان هناك تدفق مستمر للملذات القادمة من مختلف الجزر. وبينما كان ويليم ينتقل من وظيفة نهارية إلى أخرى، صدف أن سمع مثل هذه المعلومات؛ هذا كل شيء. في هذه الأثناء، قرر تجاهل شكاوى آيسيا وأسئلتها.
“لا تكوني صاخبة جداً. ستوقظينها.”
وبينما كان ظهره يتمايل قليلاً مع المشي، سمع أنيناً خفيفاً.
** في الترجمة الانجليزية كانت:
“Even I think it’s a pretty nasty setting.”
وتترجم حرفيا لـ”إعداد”، لكن المعنى الحقيقي هو “الظروف الممهدة لحدث ما” أو كما سميتها “ظروف مأساوية مختلقة، أي كأنه سيناريو مأساوي مكتوب مسبقا.
عندما قالت آيسيا أن حياتهن مجرد “Setting” مقرف، كانت تقصد أن وجودهن كـجنيات خُلقت لتموت كقنابل موقوتة مستخدمة أسلحة البشر العتيقة كان إعدادا وُضِع لخدمة هدف ما. باختصار مصير مأساوي مصمم مسبقا.
4.الشجعان وخلفاؤهم
“ماذا أكون أنا؟” فكر ويليم.
لم يعد بطلاً، ولم يعد لديه سبب للقتال من أجل هذا العالم الذي فقد اتساعه، كما افتقر إلى القوة للقيام بذلك. لذا، كل ما تبقى هو مجرد مدير أسلحة واهٍ؛ شخص تقتصر مسؤوليته على البقاء هناك كقطعة ديكور. يمكنه أن يختفي في أي وقت ولن يتأذى أحد. مجرد شبح غير مرئي.
بعد عشر دقائق، في المستوصف:
“لماذا أنت هنا؟”
كانت تلك أول كلمة نطق بها كوتوري بعد استعادتها لوعيها.
“ألا يمكنني البقاء بجانب المرضى؟”
“من تنعته بالمريض؟”
كان وجهها لا يزال محمراً، وصوتها يخرج وهي تقطب شفتيها بامتعاض.
“أنتِ، بكل وضوح. هل كنتِ تعلمين؟ الأبطال القدامى، أولئك الذين تحاولن محاكاتهم، كانوا يحصلون على أجر إضافي إذا أصيبوا بأمراض أو إصابات محددة أثناء الخدمة. وكان على رأس تلك القائمة تسمم الفينينوم الحاد—وهو ما تعانين منه الآن بالضبط.”
“… أحياناً لا أفهم نكاتك.”
أشاحت بوجهها بعيداً بغضب. لم تكن نكتة، لكن ويليم لم يمانع ألا تصدقه.
“هيا، انظري إليّ. دعيني أغير المنشفة على جبينك.”
“لا.”
“هذا ليس شيئاً يقرره المرضى.”
“لا يزعجني الأمر. هذا يحدث دائماً، وسيزول إذا ارتحت قليلاً.”
“لا تكوني سخيفة،” نقر جبهته بخفة. “عليكِ تصفية السم بالكامل في كل مرة؛ وإلا فإنه سيستمر في العودة. ستصلين إلى حدكِ الأقصى بسرعة إذا استمررتِ في التعامل معه هكذا.”
“واو، تبدو وكأنك متخصص.”
“أنا متخصص فعلاً. أنا ضابط تعاويذ.”
“همف.”
زاغت عينا كوتوري مجدداً، وكأنها لا تريد الاستماع إليه. ضباط التعاويذ الفعليون كان يُفترض بهم في الأصل العمل على صياغة وتنظيم الآلات المسحورة التي تدعم العمليات في ساحة المعركة، تماماً كما يوحي اللقب. وضابط من الرتبة الثانية يمتلك قوة ومسؤولية تضاهي الرتب العليا. وبالطبع، يتطلب الوصول لهذا المنصب عبر القنوات العادية درجة عالية من التعليم والتدريب. لكن ويليم لم يملك مثل هذا الماضي كعضو في الحرس؛ ما ذكره لم يكن سوى ستار ولا يتوافق مع قوته الفعلية—وهذا كان أمراً معروفاً لدى الجنيات.
“أنا المدير. على الأقل اسمحي لي بالقلق.”
“أنا لا… لا يهم إذا كنت مديراً أو أياً كان. ليس عليك القلق بشأني.”
لم تنظر إليه، لذا لم يستطع رؤية وجهها. في الوقت الحالي، استطاع رؤية أن أذنيها محمرتان، مما يعني أن حماها لم تنخفض بعد.
“الأمر فقط… الحدود والأشياء الأخرى، لا شيء من ذلك يهم. لم يعد لديّ أي وقت على أي حال.”
“وقت؟ عما تتحدثين؟”
“هوي، دعني أسألك شيئاً،” متجاهلةً الارتباك في صوته، ردت بطرح سؤالها الخاص. “ماذا؟”
“لو. مجرد لو. لو كان عليّ الموت خلال خمسة أيام، هل ستكون أكثر لطفا معي؟”
… صمت.
“ماذا؟” لم يكن متأكداً مما ترمي إليه، فرد بسؤال آخر دون قصد.
“فقط أجب، حتى لو كان الأمر فرضياً. هل ستسألني عن أمنيتي الأخيرة وأشياء من هذا القبيل؟”
“انتظري. خمسة أيام؟ من أين جاء هذا؟ عليكِ إخباري المزيد عن هذا؛ وإلا فلن أستطيع الإجابة.”
“بعد خمسة أيام من اليوم، الوحش السادس العظيم، تيميري، سيهاجم الجزيرة رقم 15.”
صمتٌ آخر.
“لا أحد من الوحوش السبعة عشر يستطيع الطيران. لهذا السبب تبقى ريغول آير طافية، حتى بعد دمار كل شيء على السطح. لكن فقط تيميري، الوحش السادس الخفي، يمكنه البقاء على السطح ومع ذلك مهاجمة ريغول آير في نفس الوقت. لديه قوتان هما: تمزيق نفسه، والنمو السريع. يمكنه ترك جسده الرئيسي في الأسفل بينما يتمزق إلى ملايين القطع الصغيرة، ثم يترك تلك القطع تحملها الرياح. ينتظر أن يُرفع فوق جزيرة ما بمحض الصدفة. وعندما يصل إلى هناك، سينمو بسرعة هائلة، ويمتص ويدمر الجزيرة في ظرف ست إلى ثماني ساعات.”
صمت.
“بالطبع، لدى ريغول آير وسيلة لمحاربة هذا. دخيل بحجم وحش سيؤدي حتماً إلى تفعيل التنبؤ التكتيكي قبل وصوله للجزر. وكلما كانت الشظية أقوى، كان التوقع أسرع. وبالطبع، من الممكن أيضاً اتخاذ تدابير وقائية والاستعداد لشيء كهذا. هكذا تمكنت ريغول آير من تجنب العديد من هجمات تيميري لقرون.”
صمت.
“منذ ستة أشهر تقريباً، توقعوا وصول شظية كبيرة بشكل خاص. وحددوا حجمها بدقة كافية أيضاً. القوة النارية العادية التي يمكنهم نشرها في الموقع لن تكون نداً لها. لكن جنية تحمل سلاحاً عتيقاً—”
“—يمكنها هزيمته مقابل حياتها؟”
“… صحيح. سمعتُ أنه الحجم المثالي لـ سينيوريوس، ومن المفترض أن أهزمه بهجوم انتحاري بتفجير نفسي. لحسن حظي.”
هزت كوتوري كتفيها وهي على السرير. لا توجد نتيجة أفضل من تضحية شخص واحد فقط. إذا كانت قوتها غير كافية، ولو قليلاً، فسيخسرون جنية ثانية أو ثالثة أيضاً. وهذا سينتهي به الأمر ليكون إما آيسيا أو نيفرين—
“أقول لكِ، لا تبيعي نفسكِ بثمن رخيص بذريعة كونكِ يائسة لدرجة القبول بأي شخص. فعل ذلك مع أي شخص يصادف وجوده بالقرب منكِ سينتهي بكِ بشكل سيئ.”
“لا يهمني، لذا تعال واشترِ كل شيء ما دام رخيصاً! التسوق الذكي الأساسي هو ألا تدع فرصة شراء جيدة تفوتك!”
“هذا ليس تسوقاً مع الزوجة، يا إلهي. وإذا كنتِ ترغبين في البكاء، فابكي قدر ما تستطيعين بينما يوجد شخص بجانبكِ. وحدهم الخبراء يعرفون كيف يتوقفون عن البكاء عندما يكونون بمفردهم، ولا يمكنني حقاً أن أوصي مبتدئة بذلك.”
“اخرس. بما أنك لن تقبلني، فلا تتحدث. أنا لا أبكي.”
“يبدو لي أنكِ تبكين بالفعل؟”
“لستُ كذلك،” أصرت بعناد.
ماذا أكون أنا؟ تساءل ويليم. فحص الأمر مراراً وتكراراً؛ كان مجرد وعاء لبطل فقد كل ما أراد حمايته. والأوعية لا تتمنى شيئاً، ولا تملك تلك القوة.
“… بصراحة،” حك ويليم رأسه. “استلقي لثانية واحدة فقط.”
“لا.” أشاحت كوتوري بوجهها بغضب.
“فقط استمعي إلي.”
“لا.”
“أقسم أنكِ عنيدة جداً.” أمسك بكتف كوتوري بقوة وأدارها نحوه. وبينما فعل ذلك، اقترب منها وطبع قبلة خفيفة بشفتيه على جبينها.
“هاه؟”
تجمد جسد كوتوري بالكامل فجأة. صدمة هائلة جعلت دماغها يُفعِّل أجراس الإنذار تلقائياً. لم تستطع استيعاب ما حدث لجبينها للتو؛ عرفت فقط أن جسدها قد فزع من شيء ما، فانغلق على نفسه. الإحساس الذي كان يجب أن تشعر به على جبينها لم يصل إلى دماغها على الإطلاق.
“الآن أعتقد أنكِ ستستمعين. هيا استلقي.”
“ماذا؟ انتظر. ما هذا؟ أنا لا أعرف حقاً.”
“هيا بسرعة،” فرقع ويليم أصابعه بكلتا يديه، ثم أمسك بكتفها وقلبها على بطنها.
“آاااه!”
“قد يكون الأمر قسرياً بعض الشيء، لكن حماكِ ستنخفض. أغلقي فمكِ، للاحتياط فقط.”
“ف-فمي؟ هاه؟ ماذا يعني ذلك؟”
وضع يده على ظهرها وتحسس عضلاتها ودمها بسبابة يده. إحدى خصائص ضحايا تسمم الفينينوم هي أن أنسجة الجسم التي لا تزال نشطة بالفينينوم قد تفقد وظائفها، لذا أحياناً يتصرف الجسم بافتراض أنه أصيب بمرض مروع، مما يؤدي إلى حمى شديدة.
“هنا… وهنا.”
“إييييي!!”
ضغط بقوة بإصبعه. كونه بطلا غير شرعي لفترة طويلة، لم يكن غريباً عليه أو على رفاقه الإصابة بتسمم الفينينوم، واضطروا مراراً لتخفيف الأعراض في ساحة المعركة لمواصلة القتال. كان من المهم جداً منع استنزاف قوتهم. لهذا السبب التصق ويليم بالمسعفين الميدانيين وأجبرهم على تعليمه هذه التقنية.
“آخ، هذا مؤلم!!”
“الفينينوم الخاص بكِ متخثر في عضلاتكِ، هذا هو السبب. ستشعرين بتحسن عندما أرخيها.”
“أعرف، ولكن آه! هذا يدغد—!”
“توقفي عن الحركة كثيراً. ابقي ساكنة.”
“قلتُ إنني أعرف، ولكن… هنن، هنننغ، مممم…”
كانت “النقاط” عبارة عن عشر نقاط تسير بالتوازي على جانبي العمود الفقري. واحدة تلو الأخرى، ذهب إلى كل منها وأرخاها بسبابته، وكأنه يدفع تجمعات الفينينوم بدم صحي. وبصراحة، كان الإحساس مشابهاً جداً لتدليك العضلات المتصلبة لتخفيف التوتر، مع بعض الاختلافات التقنية.
“هااااه…”
وجد نقاطاً صغيرة من الفينينوم المتجمع وأجبرها على التحرك. استمر في فعل ذلك لمدة عشر دقائق تقريباً. بعد إنهاء العلاج، حرر ويليم جسد الفتاة أخيراً؛ كانت معظم عُقَدِ الفينينوم قد أُرخيت، ومع عودة القوة لعضلاتها وانتظام تدفق دمها، سيتمكن جسدها من طرد البقية بمفرده.
“حسناً، هذا يجب أن يكون كافياً.”
كوتوري، التي عصفت بها تلك المنبهات القوية، كانت مستنزفة الطاقة وتحدق بنعاس. سحب ويليم البطانية فوق ظهرها.
“الآن، ارتاحي فقط. ستشعرين بتحسن كبير في الصباح.”
“هسنا…” كان ردها غير واضح، ربما لأنها لم تكن بكامل وعيها بعد. كانت ستغفو من تلقاء نفسها قريباً لو تركها وشأنها.
ترك ويليم كوتوري وحيدة، وأنفاسها لا تزال متلاحقة، وخرج من المستوصف.
__
ما أنا؟ تسائل ويليم.
لكن سرعان ما أصبح الأمر صعبا، فتوقف. كانت بجعبته أشياء أخرى ليفكر فيها.
__
نهاية الفصل

تعليقات الفصل