تجاوز إلى المحتوى
WorldEnd/ نهاية العالم| ماذا تفعل عند نهاية العالم؟ هل أنت مشغول؟ هل ستنقذنا؟

الفصل 8

3.مستودع الجنيات

كوتوري لم تحبها كثيرا.

لكن الأمر ربما لم يكن متبادلاً؛ فقد كانت تقول دائماً إنها تعتبر كوتوري كأخت صغرى وتعاملها على هذا الأساس. بالطبع، لم يكن للجنيات أخوات كبار أو صغار، بما أنهن لم يولدن من أرحام أمهات. وبصراحة، كان من المزعج كيف تتصرف بهذا القرب، لمجرد السبب السخيف بأنهن ولدن في الغابة نفسها على الجزيرة نفسها، وإن كان ذلك قبلها بخمس سنوات.

كانت تلك الجنية بارعة جداً في استخدام سلاحها العتيق، وهذا أمر لم تكن كوتوري سعيدة به بالتأكيد. كانت تطير إلى ساحة المعركة وسيفها الضخم في يدها، ثم تعود بعدها بكل بسالة والابتسامة تعلو وجهها، تقتحم قاعة الطعام وتلتهم كعكة الزبدة الموضوعة للعشاء، وبدلالٍ فائق تعلن: “أشعر حقاً أنني عدت للمنزل عندما آكل هذا”.

تكرر هذا في كل مرة تخرج فيها في مهمة، وكوتوري، التي كانت لا تزال صغيرة ولا تعرف ساحة المعركة، ظنت أن كل ذلك كان لمجرد إغاظتها.

“… هوي.”

متى كان ذلك؟ بدافع من نزوة مفاجئة، نادتها كوتوري ذات مرة.

“أنتِ ترتدين تلك القلادة دائماً، لكنها لا تبدو جميلة عليكِ. أنتِ تعرفين ذلك.”

“آه-ها-ها-ها، أنتِ تقولين ما يجول بخاطركِ حقاً. أختكِ الكبرى ستبكي.”

“أختي الكبرى؟”

“ماذا؟ أعني، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن أكون أنا الأخت الصغرى!”

“أنا لا أطلب منكِ تغيير علاقتنا.” بعد مزاحهما المعتاد، تلاشت ابتسامتها فجأة.

“كان لدي شخص كالأخت الكبرى منذ زمن بعيد. لقد أخذتها منها.”

“… أخذتِها؟ تقصدين أنكِ لم تحصلي عليها كهدية؟”

“لقد كانت كنزها. كانت تحرص دائماً على ارتدائها. طلبتُ منها مرات عديدة أن تعطيها لي، لكنها لم تستمع أبداً.”

يا له من فعل شيطاني، سرقة شيء ثمين كهذا…

تجاهلت الأخت الكبرى نظرة كوتوري المندهشة بابتسامة كعادتها.

“كلما رفضت طلبي، زادت متعتي. بدأتُ أتحداها في كل أنواع المسابقات؛ وإذا فزتُ، تكون القلادة جائزتي. في درجات التدريب، في مسابقات الأكل، في ألعاب الورق. لكنني لم أستطع هزيمتها أبداً. لم أفز قط، لذا استمررت في تحديها. لقد استمتعتُ كثيراً.”

استطاعت كوتوري تخمين النهاية. لم تكن تعرف الجنية التي كان من الممكن أن تكون أخت هذه المدعية الكبرى؛ لم تكن تعرفها، مما يعني أنها كانت قد رحلت بالفعل بحلول وقت وصول كوتوري. ربما لم يكن عليها أن تسأل. بدا أن هذا الخاطر ظهر على وجهها، فربتت الجنية الأخرى على ظهرها.

“حسناً، في النهاية، فزتُ بالانسحاب. إنها ليست قصة مرضية تماماً. لسبب ما، كان ذلك هو اليوم الوحيد الذي لم ترتديها فيه إلى ساحة المعركة. تركتها على مكتبها في غرفتها. لذا اختطفتُها.”

ضحكت بصوت عالٍ، وكأن في القصة جانباً مضحكاً. “أعرف أنها لا تناسبني، لكنني أشعر أن عليّ الاستمرار في ارتدائها. لا يمكنني الذهاب إلى أي مكان بدونه.”

ستقولها كوتوري مجدداً: لم تكن تحبها كثيراً. لكن—عندما استعادت ذكرياتها—لم تكن تكرهها بذلك القدر أيضاً. لهذا السبب، في اليوم الذي لم تعد فيه من ساحة المعركة، زارت كوتوري غرفتها. كان الباب غير مقفل، ففتحته لتجد الغرفة في حالة فوضى؛ ملابس مبعثرة، ولعبة ورق لم تنتهِ بعد… كل شيء كان مشتتاً.

وسط كل ذلك، كان المكتب وحده نظيفاً. لم تكن هناك ذرة غبار على سطحه اللامع، وهناك، كانت تقبع قلادة فضية وحيدة، متروكة خلفها.

__

لم يرَ ويليم بعض الجنيات لعدة أيام؛ كوتوري، وآيسيا، ونيفرين. لقد اختفت الفتيات الأكبر في مستودع الجنيات معاً في مكان ما. افترض أن هناك سبباً ما ونحى الأمر عن باله.

في ذلك اليوم، هطل المطر صباحاً فصارت الأرض طرية. كان ذلك بعد أن حصل الفريق الأحمر —الذي كان محاصراً طوال الشوط الأول— على حق الهجوم أخيراً. كان الجميع في الفريق في حالة حماس شديد. وبينما قذفوا الكرة عالياً في السماء، هبت ريح قوية دفعتها إلى وسط أجمة كثيفة.

إحدى الفتيات التي كانت تطارد الكرة لم تكن تعرف الاستسلام؛ كانت من النوع الذي لا ينظر لموضع قدميه حين يرفع رأسه للسماء. بالنظر لهذه الحقائق، كانت هناك نهاية واحدة محتملة: انزلقت قدما الفتاة ببراعة، وارتمت برأسها أولاً داخل الأَجِمَّة (شجيرات كثيفة و غصون متشابكة).

“هوي!!”

لن يتفاجأ ويليم لو انتهى بها الأمر بإصابات خطيرة.

“آخ، آخ، آخ… لقد أخطأت، لقد أخطأت.”

عندما وقفت وهي تبتسم وتتحدث بخفة، شعر براحة مؤقتة، لكنه في اللحظة التالية ارتجف؛ كانت هناك تمزقات عميقة في فخذها الأيسر، وأغصان صغيرة اخترقت ذراعها الأيمن العلوي. وبالحكم على كمية النزيف، لم يبدُ أن دقات قلبها تسارعت —وهي النقطة الإيجابية الوحيدة.

على الأقل، لم تكن إصاباتها طفيفة لدرجة يمكن تجاهلها بكلمة “لقد أخطأتُ”.

تفقد ويليم جروحها بسرعة: “إنها عميقة جداً، سأعالجها فوراً.”

“أووه، أنا بخير تماماً.” كانت نبرتها غير مبالية.

هل سمعتُ ذلك بشكل صحيح؟

“هيا، لنكمل اللعب! سنحقق عودة قوية في النتيجة!”

هل يمكن أن تكون جروحها ليست بالعمق الذي تبدو عليه؟

هبطت عيناه لا إرادياً إلى الجروح المفتوحة—لكن مهما نظر، لم يكن هناك أدنى شك في أنها شديدة لدرجة أنها لو لم تُعالج بسرعة، فقد تهدد حياتها.

“ألا… تؤلمكِ؟”

“تؤلمني. لكننا كنا في وضع جيد حقاً في المباراة!”

ابتسامة مشرقة وواسعة مفعمة بالفرح، بينما استطاع رؤية حبات عرق خفيفة تتشكل على جبينها. هنا استوعب ويليم أخيراً حقيقة ما يحدث. تماماً كما قالت، لم يكن الأمر أنها لا تشعر بالألم، بل إن هذه الفتاة—والأطفال من حولها الذين لم يروا شيئاً غير طبيعي فيما تقوله—ببساطة لم يعتقدوا أن الإصابة أمر جلل.

شعر برعشة تسري في جسده. شعر وكأنه محاط بمخلوقات غريبة وغامضة.

“المباراة ملغاة.” أعلن ويليم قراره من طرف واحد وحمل الفتاة بين ذراعيه وسط صيحات خيبة الأمل.

“… إذن، لماذا الفتاة نفسها ليست منزعجة بينما مرافقها هو المستاء؟” سألت نايغلاتو بهمس وهي ترتدي معطفاً مخبرياً فوق ثيابها العادية.

بعد الانتهاء من ضمد الجروح، جلست الفتاة على السرير وأطرافها ملفوفة بالضمادات، وهي تتمتم بشكاوى حول إلغاء اللعبة. أما ويليم، فقد جلس على كرسي واضعاً رأسه بين يديه، ووجه سؤاله إلى نايغلاتو التي كانت تعرف شيئاً بالتأكيد: “لم ألحظ هذا حتى اليوم، لكنهن غير مباليات بحياتهن تماماً، أليس كذلك؟”

“إنهن كذلك. لديهن هذا الميل بالتأكيد.”

“هذا ليس طبيعياً. ما هنّ أصلاً؟”

همهمت نايغلاتو وكأنها تخطط لشيء، ثم سألت: “هل تريد حقاً أن تعرف؟”

رفع ويليم نظره.

“رغم أنه مجرد مسمى وظيفي، إلا أنك لا تزال المدير هنا. إذا طلبت معلومات، فلست في وضع يسمح لي برفض طلبك.” تحدثت بنبرة غامضة، وكأنها مستمتعة وجادة تماماً في آن واحد. “بصراحة، لا أريد إخبارك. عندما تسمع هذا، ستعامل الفتيات بشكل مختلف. لا أظن أنك ستتمكن من الحفاظ على علاقتك بهن كما هي الآن. ظننت أن محاولتك لعب دور الأخ الأكبر اللطيف كانت مقززة في البداية، لكن في المجمل، أنا ممتنة. أريد للأمور أن تبقى كما هي لفترة أطول قليلاً، إن أمكن.”

“… أخبريني.”

“أوه، حسناً. كما تشاء.” هزت نايغلاتو كتفيها. “من الناحية الدقيقة، هؤلاء الأطفال ليسوا أحياء. وبما أنهم ليسوا أحياء، فإن أجسادهم لا تخشى الموت. مشاعرهم الداخلية مختلفة، لكن حواسهم الجسدية تجرهم وراءها وهم لا يزالون صغاراً، لذا من السهل عليهم أن يصبحوا مهملين.”

“… أنا آسف. ليس لدي أدنى فكرة عما تقولينه.”

ليسوا أحياء؟ لا بد أن هذه دعابة. لكنهن يعشن أيامهن بكل إصرار، بكل هذا السطوع والصخب.

“بالتأكيد. أنا أيضاً لم أرغب في تصديق هذا المنطق في البداية،” قالت نايغلاتو بصوت خفيض، ثم غادرت الغرفة وأومأت له ليتبعها. “تعال. دعني أريك شيئاً.”

نهض ويليم بصعوبة وتبعها. “أنت بالطبع تعرف عن الـ إيمنيتويت، صحيح؟” سألت نايغلاتو بينما يسيران في الممر.

“… بقدر ما يعرف أي شخص آخر.”

لا إله إلا الله محمد رسول الله. مـركـز الـروايـات يذكركم بذكر الله. markazriwayat.com

ضحكت بخفة: “لا داعي للتواضع. العرق الأسطوري الذي حكم كل اليابسة قبل أكثر من خمس مئة عام. لم يُمنحوا أي قدرات على الإطلاق.”

بمعنى آخر: لم يملكوا أجساداً ضخمة مثل العمالقة، ولا سحراً متطوراً مثل الإلف، ولا هندسة دقيقة مثل الموريان، ولا خصوبة انفجارية مثل الأورك، وبالطبع لم يملكوا قوة ساحقة مثل التنانين.

كانت كل قدراتهم نصف مكتملة، وكان يُنظر إليهم ككائنات أدنى. ومع ذلك، عادَوْا كل الأجراق الأخرى تقريباً وكانوا الحكام الفعليين لليابسة لفترة طويلة.

“أجل.. سمعت أنهم كانوا ذلك النوع من الناس.”

“دعني أضف شيئاً واحداً. لقد توارث شعبي أن مذاقهم كان الألذ بين كل الأجناس، بفارق شاسع.”

يجب أن تندثر هذه الأسطورة. فكر ويليم.

“أحد ركائز قوتهم كانت التقنيات الممنهجة التي نسميها الآن الأسلحة العتيقة، والتجسيد المادي لهذا النظام كأسلحة فعلية للاستخدام في ساحة المعركة.”

“… لقد سمعت عنها. تحدث عنها أنالا ذات مرة. أظن أنه قال لو استطعت العثور على سلاح عتيق واحد يعمل، فسيجني ما يكفي لتغطية محصول إنقاذ كامل من حيث الأجر…”

“صحيح، لهذا السبب تقدرهم النقابة كثيراً. أعتقد أن أقل سعر هو مئتا برادال، وأظن أن ثمانية ملايين كان أعلى مبلغ دُفع على الإطلاق؟”

ثمانية ملايين. هذا المبلغ يمكنه سداد بقية ديون ويليم (التي لم تكن قليلة بأي حال) خمسين مرة ويبقى منه الكثير.

“وكل الأسلحة العتيقة التي جمعتها النقابة—” توقفت نايغلاتو أمام باب. كان كبيراً وصلباً، مصنوعاً من معدن متين وعليه مسامير في كل مكان، وقفل خماسي، ومقبض يبدو ثقيلاً. كان من الغريب كيف يبدو هذا الباب وحده وكأنه ينتمي لمنشأة عسكرية وسط هذا المستودع المليء بالحياة اليومية.

“—مخزنة هنا.” فتحت نايغلاتو الباب ببراعة ودفعته.

فـووووووم—

رنين عميق تردد في جوفه. رائحة رطبة من العفن والغبار داعبت أنفه. بدا الأمر وكأنه مقبرة.

لم يكن هناك ضوء في الغرفة. “المكان مؤمن حقاً،” تمتم ويليم.

“هذا المكان يحتوي على مواد خطيرة بعد كل شيء،” جاء الرد من جانبه. “أسلحة خارقة عتيقة، فُقدت طرق صنعها أو إصلاحها أو حتى التعامل معها عبر الزمن. منذ زمن بعيد، صنعها جنس عاجز للوقوف في وجه تهديدات التنانين العظيمة، والزوار. رمز لإرادتهم في المقاومة.. رغم أنها صُممت كأسلحة فردية، إلا أنها كانت قادرة على قلب موازين المعارك بمفردها.”

بدأت عينا ويليم تعتادان على الظلام. استطاع أن يرى ما في المستودع بضعف.

“ها-ها،” ضحك بهدوء.

كانت تستند إلى أحد الجدران عشرة أجسام تشبه السيوف. على الأقل، كانت سيوفاً بناءً على مظهرها الخارجي. كانت معظمها أكبر بكثير من السيوف الطويلة العادية. السيوف كانت تتكون من عدة قطع فولاذية بحجم قبضة اليد تم تجميعها معاً لتشكل شكل السيف، مثل لغز جيغسو* مكتمل.

*Jigsaw: باختصار مثل ألعاب الليغو والتركيب

“كارليون…”

“سمعتُ أنهم كانوا يسمونها هكذا منذ زمن بعيد، أليس كذلك؟” هزت نايغلاتو كتفيها.

وعندما نظر حول الغرفة مجدداً، اعتصر الألم صدره.

لقد تعرّف على بعض هذه السيوف.

ولكن بالطبع تعرّف على طراز كارليون واسع الانتشار، من فئة بيرسيفال. عندما كان قد أصبح لتوّه بطلا غير شرعي ولم يمتلك سيفاً مخصصاً بعد، خاض هذا الطراز المعارك بجانبه في مناسبات لا تُحصى. ورغم أنه لم يكن مزوداً بمواهب خاصة، إلا أن مواصفاته الأساسية العالية وقابليته للتطوير— ناهيك عن بنيته المعيارية— جعلت من الممكن إجراء صيانة طارئة له حتى في خضم المعركة. باختصار، كان سهل الاستخدام بشكل لا يُصدق.

أما خليفته، فئة ديندرين، فلم يناسب ويليم تماماً، لكنه كان أكثر استقراراً وشعبية لدى الأبطال غير الشرعيين الآخرين. وفي العمق، كان هناك لوكوس سولوس؛ وهو اسم السيف الضخم والمحبوب الذي قاتل بجانب أحد الأبطال غير الشرعيين ضد التنين الأرجواني في الجنوب. كانت موهبة تنشيط العضلات فيه قد تجلت، ولكن بما أن قواه الشفائية كانت فاشلة، كان مستخدمه يعاني دائماً من آلام فظيعة— تذكر ويليم ذلك الرجل وهو يشتكي منها.

بجانبه كان مولسوم أوريا ؛ الذي أحضره أحد الأبطال غير الشرعيين معه حين استُدعي كتعزيزات للدفاع عن مدينة ريستيل المتألقة. لم يرَ ويليم موهبته عياناً، لكنه سمع أنها تمنح خلوداً مؤقتاً بالفعل.

“… ها-ها.”

فكر في نفسه: يا له من لم شملٍ مروع.

جلس في مكانه، غير مبالٍ بتلطيخ بنطال زيه العسكري. قام بتفعيل قدر ضئيل من السحر ومنح عينيه “قوة الرؤية”. شعر بألم حاد في زاوية رأسه، لكنه لم يعره اهتماماً.

أجل، هذا ما ظنه تماماً. كانت كل السيوف رثة وبالية. عروق التعاويذ فيها قد تفككت، قُطعت، واضطربت تماماً؛ كل شيء في كل مكان كان مبعثراً. “ألا تزالون تقاتلون رغم كل هذا؟”

“— هل يمكنني سؤالكِ عن شيء؟”

“ما هو؟”

“الكارليون هي معجزات صنعها البشر لخدمتهم. لا يمكن لأحد أن يشهرها سوى من ينتمون لنفس العرق ولديهم مؤهلات الأبطال. يجب أن تكون الآن مجرد قطع في المتاحف. فلماذا تجمعونها؟ كيف تجعلونها تقاتل؟”

“ألم تلاحظ بعد؟”

(نحن أبطال أيضاً، أليس كذلك؟) تجاهل الصوت الذي يتردد في زاوية عقله.

“أخبريني.”

“السفسطة وتمطيط المنطق هما أساس السحر،” قالت نايغلاتو.

“بما أنه لم يعد هناك بشر، فنحن ببساطة بحاجة لاستخدام بديل. هؤلاء الفتيات هنّ ليبركانز(leprechauns*)— العرق الوحيد القادر على استخدام نفس أدوات البشر وإتمام عملهم. هذا هو الجواب على سؤالك.”

“… أرى ذلك.”

إذن هذا هو ما يحدث. نهض عن الأرض ونفض الغبار عن ملابسه. نظر إلى كل تلك النصال المقدسة المصطفة في صف واحد.

“إذن، لقد أصبحن شريكاتكم الآن، هاه؟” تمتم ويليم، وشعور غريب يمتزج بداخله؛ شعور بالوحدة، الفخر، والحزن في آن واحد.

*معناها golden fairy أي الجنية الذهبية. أظن أنني سأعتمدها من الآن فصاعدا لأنها تبدو مناسبة أكثر.

___

“ماذا أكون أنا؟” فكر ويليم. خطرت بباله عدة أمور. شخص تمنى يوماً أن يكون بطلاً شرعياً. شخص عاش يوماً مع سيف كارليون بصفته بطلا غير شرعي. وشخص فقد تلك القدرة في نهاية معركة ما، ويعيش الآن كمجرد وعاء فارغ.

كان المرء بحاجة إلى خلفية مناسبة ليصبح بطلا شرعيا؛ ربما الأنسب تسميتها “قوة الإقناع”. شخص وُلد بدم مقدس، أو سليل لبطل سابق، أو وُلد في ليلة نبوءة، أو شخص دُمر مسقط رأسه على يد تنين، أو الابن الوحيد الذي ورث فناً قتالياً سرياً، أو شخصاً خُتِمَ بداخله شيطان قوي.

الأبطال الحقيقيون كانت لديهم خلفيات كهذه. الأشخاص الوحيدون الذين يمكنهم فعلاً اكتساب قوى خارقة هم أولئك الذين ينظر إليهم الآخرون ويتمتمون بإيماءة: “لن أتفاجأ إذا امتلك هذا الرجل قوى خارقة”.

لهذا السبب لم يتمكن ويليم أبداً من أن يصبح بطلاً شرعياً. مهما تمنى، لم يكن مؤهلاً بما يكفي لذلك. والداه الحقيقيان كانا عاملين بسيطين في قطاع القطن. نشأ في دار أيتام. كانت حياته سيئة الحظ نوعاً ما، لكنها محظوظة أيضاً بشكل ما. كان من الطبيعي أن خلفية متواضعة كهذه لن تمنحه سوى قوى متواضعة. كان ذلك أمراً لا يملك السيطرة عليه ولا يمكنه فعل شيء حياله. لو كانت هناك دروس لفنون السيف السرية سهلة التعلم في حيه، لكان الأمر مختلفاً، لكن العالم لم يكن بهذا السخاء.

“أنت لا تملك الموهبة.” هكذا قال له معلمه آنذاك بصراحة.

“نظام خلاص الأبطال هذا مخصص للنخبة في الأساس. الأبطال الأسطوريون، أنصاف البشر وأنصاف الحكام، هم من ابتكروا هذا النظام لمحاربة الكيانات العظمى وأي تهديدات أخرى. إنه في بعد مختلف تماماً عن الأشياء التي تبحث عن النصر في أصغر الحدود، مثل تقنياتنا القتالية. إنه شيء لأولئك الذين يحملون مشاكل العالم على أكتافهم، أصحاب الوظائف والأقدار الاستثنائية.”

هز معلمه رأسه وأكمل: “تلك الفنون الغامضة أيضاً.. لا يستطيع الناس العاديون حتى تفعيلها، ولن يتمكنوا من تحمل رد الفعل حتى لو أجبروها.. لن يؤدي ذلك إلا إلى تحطيم أجسادهم وينتهي بهم الأمر في حالة لا تسمح لهم بالقتال إطلاقاً. ويا ويليم، يُكرِهُني قول هذا لك، لكنك من الناس العاديين.”

خيم صمت قصير، ثم زفير عميق. “لا ترسم هذا التعبير على وجهك. أنا لا أصدر عليك حكماً بالإعدام لأنني أريد ذلك. إنها حقيقة يجب أن أخبرك بها، وواقع عليك أن تفهمه. هذا كل شيء.”

لقد رفض ويليم تلك الكلمات حينها، ورفض الاستسلام. وبالنظر إلى الماضي، ربما كان ذلك انتقاماً طفولياً، لكنه كان جاداً. لم يتخذ ويليم قراره باستخفاف عندما اختار معارضة معلمه حتى النهاية.

تذكر البطلة الشرعية العشرون، التي عينتها كنيسة النور المقدس. كانت تملك تاريخاً مذهلاً ومبهراً؛ لم تكن سليلة أول بطل شرعي فحسب، بل ولدت أيضاً وريثة لبلاد الفرسان. وفي خريفها التاسع، هاجم جيش من إلف العتمة بلادها. كل شيء ثمين لديها—والداها، أصدقاؤها، منزلها—تحول إلى رماد. هرب بها تابع مخلص من القلعة المنهارة، وأحضرها إلى جنرال قديم متقاعد يعيش في قرية بعيدة عند الحدود، حيث تعلمت تقنيات السيف المفقودة.

عندما سمع قصتها لأول مرة، لم يستطع سوى قول: “أهكذا إذن؟”. كان هادئاً بشكل غريب، وهو يرى أي نوع من الأشخاص يتم اختياره ليكون بطلاً شرعياً. حتى عندما علم أن واحداً من أقدم خمسة نصال مقدسة في العالم، سينيوريوس —السيف المحبوب للبطل الشرعي الثامن عشر— سيُعطى لها، لم يشعر لا بالسعادة ولا بالحسد تجاهها. توقف عن التفكير في كيف أنه كلما قارن هذه الحكايات التي تنتمي لعالم آخر بنفسه، أصبح أكثر بؤساً.

لم يدرك إلا بعد وقت طويل جداً أن هناك سبباً جعل هؤلاء الأشخاص يقاتلون. كان لديهم دافع للقتال. أسباب تحتم عليهم القتال. ولهذا لم يلاحظ أحد، بما في ذلك هم أنفسهم، الحقيقة؛ لقد اعتبروا الأمر من المسلمات ولم يتخيلوه قط.

تلك الفتاة.. البطلة الشرعية العشرون. هي التي ولدت بقوة قادرة على إسقاط الشياطين، التي أخفت حزن فقدان عائلتها ووطنها، التي تولت وظيفة غامضة خُلقت في الماضي البعيد، التي حملت نصلاً مقدساً ساطعاً يمكنه حتى الوصول إلى الزوار.. هي لم تكن تتمنى أبداً أن تقاتل. الأحداث ببساطة خلقت موقفاً أجبرها على ذلك، فدفعت بنفسها إلى حرب انتقام. أولئك الذين حولها توقعوا منها ذلك، فوقفت في وجه التنانين والحكام. لقد كانت ببساطة مقيدة بمتطلبات من حولها—دمية بلا إرادة.

في اللحظة التي أدرك فيها ذلك، كرهها ويليم. ظن أنه لن يستطيع مسامحتها أبداً. وفي الحقيقة… حتى الآن، لا تزال تلك المشاعر باقية.

التالي
8/76 10.5%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.