الفصل 75
وفي هذه الأثناء، كان ويليم أقرب إلى الدرع المعدني مما كانت عليه رانتولك؛ وكان في موقع يسمح له برؤية ما بداخل ذراعه اليمنى بوضوح أكبر مما استطاعت رانتولك رؤيته.
وهكذا، في اللحظة الوجيزة التي سبقت انفجار ذلك الشيء إلى ضوء وتلاشيه، رأى كل شيء— وعلم كل شيء.
داخل الذراع اليمنى للدرع، كانت هناك فتاة ملفوفة بخيوط لا تحصى حول جسدها، مثبتة في مكانها بواسطة براغي الدرع. كان لديها شعر أزرق زاهٍ، وكان وجهها عديم السمات، تفتقر إلى القرون والأنياب. كانت ترتدي قناعاً أسود؛ لذا لم يستطع رؤية وجهها. كان جسدها ينبعث منه ضوء باهت.
اخترقت وحوش أورورا جلدها وتشبثت بجسدها بالكامل؛ وكان الفـينيوم المشتعل بفرط فوق طاقتها قد خرج عن السيطرة— وكلا الأمرين كان قاتلاً. استطاع أن يعرف من نظرة واحدة أنها بحاجة إلى مساعدة.
أصبح الضوء أقوى بشكل ملحوظ. انفجرت إلى أشلاء، ثم تلاشت. لم يعد للفتاة أثر؛ لقد فُقدت من هذا العالم إلى الأبد.
وفجأة، داهم ويليم ذلك الصداع المؤلم نفسه.
(«إنه مجرد افتراض. مجرد افتراض فحسب. لو قُدّر لي أن أموت خلال خمسة أيام، هل كنت ستعاملني بلطف أكثر؟»)
صوت.
سمع صوتاً، صوتاً كان من المفترض أن يكون محبوساً في صندوق مغلق بإحكام ومدفوناً في أعماق قلبه.
«حتى لو كنت ستغادر، ألن ترغب في ألا تختفي على الأقل؟ ألا ترغبي في أن يتذكرك شخص ما؟ أن تكون مرتبطا بشخص ما؟»)
«آه…»
كانت ذاكرته مشوشة. بالكاد استطاع تذكر صاحبة الصوت، أو وجه الفتاة. كان الشعور القوي بأن عليه ألا يتذكر يقف عائقاً أمام تجدد ذاكرته.
(«إذن، هل يمكنك صنع كعكة الزبدة؟»)
كان لديها شعر سماوي صافٍ. عيناها كانتا زرقاوين عميقتين كالمحيط. كانت صادقة بشكل غير معقول، بالنظر إلى الصعوبة التي تجدها في أن تكون مباشرة، وأنانية جداً في طريقتها التي تضع بها نفسها دائماً في المرتبة الثانية، فتاة محيرة لدرجة أنها كانت تحيّر نفسها— كل ذلك كان يعني أنه كان هناك شخص كهذا معه منذ وقت ليس ببعيد—
(«هـ-مهلاً! آو! هذا مؤلم! لا أستطيع التنفس! توقف! أنا مغطاة بالطين ولدي خدوش في كل مكان ولم أنظف نفسي والجميع يشاهدون— هل تسمعني حتى؟!»)
كلا.
ومضة الضوء الأزرق الفاتح التي رآها للتو كانت مختلفة عن اللون السماوي في ذاكرته. الحياة التي تلاشت للتو أمام عيني ويليم لم تكن حياتها. لا يمكن أن تكون كذلك؛ فهي لم تعد موجودة هنا.
(«أجل… أنا… لقد حاولت بجد حقاً…»)
أراد أن يجعلها سعيدة.
أراد التشبث بتلك الرغبة.
أراد نسيان الماضي والتفكير فقط في الحاضر والمستقبل.
كان هذا صحيحاً حينها، تماماً كما هو الآن. وفي اللحظة التي تَلتْ أمنيته، فقدَ كلاً من الحاضر والمستقبل اللذين كان يتوق إليهما بشدة.
(«شكراً… لكَ.»)
ذلك اللون الأزرق الفاتح الذي رآه لم يكن لونها. كان يعلم أنه ليس كذلك. كانت شخصاً آخر، جنية مختلفة تماماً.
لكن ذلك كان كافياً.
بدأ ويليم يتذكر.
كوتوري نوتا سينيوريوس.
كانت ترغب في أن يتذكرها شخص ما حتى بعد رحيلها.
«اللعنة…»
مَن كان يلعن حين أفلتت تلك الكلمات من بين شفتيه دون وعي؟ أيلعن نفسه، ذاك الذي نسيها؟ أم نفسه، ذاك الذي اضطر للنسيان كي يحافظ على بقائه؟ أم نفسه، ذاك الذي صار على حافة نقطة اللاعودة لأنه استعاد تلك الأجزاء من ذاكرته؟ أم ربما كل ما سبق؟
«ويلي!»
اندفعت إلك نحوه.
«ابتعدي!»
«لا بأس. لم يعد هناك أي وحوش بالجوار.»
«أنتِ مخطئة. هناك واحد هنا تماماً!»
ومع صرير هادئ لحذائها الجلدي، تجمدت إلك في مكانها.
«ويلي، لا…»
«ما زال بإمكاني فعل ذلك. أظن أنه لا يزال بإمكاني… التراجع،» أنَّ مستجيباً.
لم يكن يتظاهر بالقوة. الختم الذي وضعه نيلز ديديك— (لمَ بحق الجحيم لا يزال ذلك المعلم اللعين حياً في هذا العالم، ويتصرف وكأنه لا شيء حدث؟)— كان ختماً متيناً، بل ومرناً أيضاً.
كان ويليم كميتش يتحول إلى مجرد وحش. سواء كانت روحه أو جوهره، فقد اختلطا بالأفكار المعرقلة التي تقشرت عن الناشد وغيرت هيئته المادية. وبينما ظل مظهره الخارجي دون تغيير تقريباً، كانت أحشاؤه قد تجاوزت بالفعل حدود ما يمكن احتواؤه في إطار حياة طبيعية.
كان ختم نيلز يشبه فصل الحليب عن الشاي في الشاي بالحليب لتحقيق الاستقرار.
ذلك التوازن لن ينهار بمجرد هزة خفيفة بعد استقراره. وطالما أنه لم يضع ملعقة ويحرك المزيج بنفسه، فإن الذكريات التي طفت على السطح ستتلاشى وتختفي قريباً. وعندما يحدث ذلك، سيعود إلى ما كان عليه قبل وقت ليس ببعيد؛ سيعود إلى تلك الأيام الكسولة في النزل.
كان ذلك صحيحاً. كان لا يزال بإمكانه التراجع الآن، طالما أنه يتمنى ذلك.
«ويلي…»
«ابتعدي.»
ثم وقف.
تحسس ويليم أجزاء مختلفة من جسده بخفة ليتفحص الحالة التي كان عليها. كان بخير في الغالب؛ مجال رؤيته ضيق بسبب إبقاء إحدى عينيه مغمضة، وكان هناك نبض شديد في عقله كما هو الحال دائماً. لكن أطرافه كانت تعمل وتتحرك، وعظامه وعضلاته لا تزال عظام وعضلات إمـنيتويت. استنشق الهواء وزفره، مؤكداً لنفسه أن رئتيه وحجابه الحاجز لم يتغيرا. ومع استقرار كل شيء، يفترض أن يكون قادراً على استخدام جميع المهارات التي تتطلب هيئة البشر.
«انتظر—»
«اذهبي إلى كارماين لييك، يا إلك هرقستن،» بصق كلماته ببرود وهو يوليها ظهره. «أشكركِ على بقائكِ معي طوال هذا الانعطاف الصغير. لكن اذهبي إلى حيث يتعين عليكِ الذهاب.»
«ولكن—»
«—أرجوكِ استمعي إليّ.»
التفت لينظر إليها وضحك بمرارة.
«لن أتمكن من أخذ أي شخص معي إلى حيث سأذهب.»
«ويلي!»
لم يستجب لندائها، ووجه نظره للأمام مرة أخرى.
ماذا أكون؟ فكر ويليم.
إيمنيتويت. بطل شبه شرعي سابق. شخص لا يملك كارليون خاصاً به. ضابط التعاويذ الثاني في الحرس المجنح. مجرد زينة. مدير مستودع الجنيات.
لقد انتهى العالم منذ زمن طويل.
وأُغلق الكتاب على قصة الأبطال منذ أمد بعيد.
إذن… ماذا كان يفعل هنا؟
لم يتبقَّ له الكثير من الوقت ليبقى على طبيعته. كان عليه إنهاء كل الأشياء التي يمكنه القيام بها طالما استطاع. لم يكن لديه وقت للرثاء على رحيله الوشيك.
على الأرجح، كانت المعلومات حول عدو مزعج بشكل خاص يتم تداولها بين الوحوش. ظن أنهم تشتتوا في جميع أنحاء المدينة، لكنهم بدأوا يتجمعون حول الدرع المعدني، واحداً تلو الآخر.
وفي كل مرة كان الدرع يلوح بمطرقته، كان عدد الوحوش ينقص واحداً. كان الدرع محاطا بالأعداء، لكن كان هناك فرق واضح في القوة. كانت الوحوش أعداءً غير عقلانيين إلى حد بعيد، لكن الـفينيوم الطاغي كان أحد الطرق القليلة جداً لمحاربتهم. وطالما كان يعمل بفعالية ضد الوحوش، فلا يمكن اعتبار أي شيء غريباً جداً.
تلاشت هيئات وحوش أورورا في النهاية.
«يا رجل، هذا الشيء قوي.»
كان لديه فكرة عامة عما قد تكون عليه تلك الكتلة الكبيرة من الدرع. لقد كان سلاحاً جديداً سيُستخدم ضد الوحوش، صنعته منظمة عسكرية ما. من خلال إظهار كمية هائلة من الفـينيوم باستمرار، هجومياً ودفاعياً، استطاع تحمل هجمات الوحوش ومكنته من القتال، حتى بدون الأفضليات التي يمنحها الـكارليون.
بالتأكيد، إذا استطاعوا استخدام هذا الشيء بأمان، فإنه سلاح أسهل بكثير في الاستخدام من وضع السيوف في أيدي فتيات غير مستقرات.
لقد كان حقاً تطوراً كبيراً. لو لم يعرف ويليم أبداً ما بداخله، لربما أراد واحداً لنفسه.
«أراهن أن تطويره كان مؤلماً. لو اكتشف شخص ما أنهم يفعلون ذلك قبل أن ينتهوا من وضع الأساسات، لكان جميع المتورطين قد جُرُّوا مباشرة إلى السجن.»
ربما خططوا لهذا الأمر بدقة شديدة.
وربما استثمروا قدراً هائلاً من الوقت والمال للتخطيط له بعناية فائقة.
ربما كان للخطة نفسها اسم رمزي للتطوير يفوح بمثالية ومغامرة زائفة، وغالباً ما وضعوا توقيعاً تعريفياً جذاباً على الآلة نفسها ليتناسب مع ذلك الاسم.
شعر وكأنه صادف شيئاً ممتلئاً بمثل هذه العاطفة العميقة من قبل أيضاً. وحينها، حطم ثمار تلك الجهود دون تفكير ثانٍ. وهذا الموقف لم يكن يختلف عن ذاك في شيء.
«معذرة. أعتقد أن السماح لسلاح مثلك بدخول الخدمة سيكون أمراً مزعجاً للغاية.»
نزع رقعة العين عن عينه اليمنى، وفتح عينه الذهبية على وسعها. غطى مجال رمادي مزعج رؤيته بالكامل.
(.. أحدهم وحش غاضب هنا، أليس كذلك؟)
دمّـــر، امــــحُ، عُــــد، ارجـــــع، اهـــــــدم
رافقت الرغبة الشديدة في التدمير ينبوعاً لا ينتهي من الكلمات. لكن طالما كان مستعداً لذلك مسبقاً، فبإمكانه كبح جماحها. كان بإمكانه التحرك في هذا الجسد بوعي كـ ويليم كميتش لمدة خمس دقائق أو نحو ذلك.
اندفاع العندليب.
ارتمى للأمام بكل قوته، مقلصاً المسافة بينه وبين الدرع في لمح البصر.
(هذه هي المرة الوحيدة التي سأتفق فيها معك. لنحول هذا الشيء إلى غبار.)
بينما كان ويليم يقترب، يبدو أن الدرع مَيَّزَهُ كعدو. أرجح مطرقته نحوه بسرعة رهيبة مدعومة بقوته الفائقة الجنونية. وبعد جزء من الثانية فقط، تبع ذلك هبوب ريح قوية.
(يا للهول.)
وبينما كان يشاهد غُرته ترفرف أمام عينيه، خطا أخيراً الخطوة الأخيرة التي كان يؤجلها.
كانت المسافة المثالية، أكثر قليلاً من نصف خطوة. ألقى بنفسه في الهواء، ودار إلى الجانب، واستخدم قوة دورانه ليوجه قبضته مباشرة إلى مفصل الدرع.
صدر صوت يشبه طقطقة الزيت على مقلاة ساخنة. كان الفـينيوم، الذي تصاعد إلى كثافة انفجارية في لحظة، يحاول دفع يده بعيداً بقوة. صار واعياً بالألم الشديد لجلده وهو يذوب، ولحمه وهو يتفحم. ومع ذلك، لم يلقِ ويليم بالاً لذلك، واندفع للأمام ليضرب براحة يده.
لوى ذراعه داخل الدرع حتى مرفقه، وأمسك بما كان هناك، وسحبه للخارج، ممزقاً خيوط التعليق التي لا تحصى أثناء قيامه بذلك.
كانت هناك فتاة صغيرة بشعر بلون الهندباء. *(درجة من الأصفر)
كما ظن، كانت في حالة من فرط استخدام الـفينيوم لفترة من الوقت، بفضل الفـينيوم المفعل بشكل زائد. كان هناك ضوء خافت ينبعث من جسدها بالكامل. كانت معرضة للانفجار في أي لحظة.
«هل تريدين أن ترتاحي؟»
شك في أنها تستطيع سماعه، لكنه سأل على أي حال. خُيل إليه أنه رأى ابتسامة خفيفة ترتسم على وجهها.
وضع إصبعاً في منتصف صدرها، وضغط بخفة عكس نبضات قلبها. توقيته القاتل أربك إيقاع قلبها، فتوقف على الفور.
إذا تمكن من إيقاف تدفق دمها، فلن يبقى الفـينيوم في حالة فرط الاستخدام. تلك الجنية التي لم يعرف لها اسماً ماتت بهدوء.
الآن، وبدون الفـينيوم اللازم للاستمرار في العمل، تجمد الدرع في مكانه. سحب ويليم فتاة أخرى كانت في منطقة الصدر وأنهى حياتها بنفس الطريقة.
وبنفخة هادئة، انفجرت الجثتان الهامدتان إلى قطرات من الضوء وتلاشتا.
ظل ويليم صامتاً للحظة وسط ذرات الضوء التي تذروها الرياح، حداداً عليهن.
استنشق الهواء.
ثم زفره.
لم يكن يعرف تلك الجنيات؛ لم ينتمين إلى المستودع على الأقل. وهذا يعني أنه رغم ولادتهن في أرخبيل الجزر، إلا أنهن لم يتمكنّ أبداً من الوصول إلى المستودع. لقد اختُطفت هؤلاء الفتيات وحُوّلن إلى أجزاء لسلاح قبل أن تتاح لهن الفرصة.
لو كنّ أوفر حظاً بقليل، لتم إحضارهن إلى مستودع الجنيات كالبقية… وحتى لو لم يتغير قدرهن كونهن أسلحة، لكان بإمكانهن قضاء أيام خالية سعيدة وخالية من الهموم هناك.
لكن ذلك لم يحدث أبداً.
عض ويليم على شفته؛ لطالما كان الأمر هكذا. لقد شعر بهذا الشعور مرات عديدة، منذ أن عقد العزم على أن يصبح بطلا.
في الوقت الذي يجد فيه شخصاً يريد إنقاذه، تكون الأمور قد تجاوزت بالفعل نقطة اللاعودة.
«…… افعلها.»
حدق بمرارة في حطام الدرع بعينه اليمنى، مانحاً الإذن للوحش القابع في قلبه.
بتهليل صامت، تحرر جزء من التكوين البيولوجي الذي ورثه عن الناشد.
كانت حالة من الوجود تعيد البيئة من حوله إلى شكلها الأكثر بدائية، محولةً كل ابتكارات الزوار— أي شيء تقريباً ليس وحشاً أو تراباً أو رملاً— إلى حالته الأصلية.
الزوار— أو بالأحرى الـبـوتو الذين خدموهم— أخذوا هذه الأرض الفارغة المليئة بالرمال وصنعوا منها تربة غنية. ولذا فإن كل الأشياء التي ولدت من تلك التربة ستعود إلى غبار عندما يتم إرجاعها إلى أشكالها الأصلية.
بوووف.
بصوت يفتقر إلى الرقة، تحول ما كان يوماً طقماً محطماً من الدروع إلى جبل من الغبار الرمادي. ساد الصمت في المنطقة المحيطة به.
بالطبع كان كذلك؛ فلا أحد يرغب في البقاء طويلاً في مكان تجوب فيه الوحوش الضارية. سكان المدينة كانوا أذكياء وسريعين.
وعندما أدار ويليم رأسه ليلقي نظرة حوله، لم يلمح سوى شخص واحد.
«رانتولك.»
عندما نادى اسمها، تقدمت الفتاة بضع خطوات للأمام، وكأنها تشحن عزيمتها… ومع ذلك، لم تكلف نفسها عناء الاقتراب أكثر.
كان الـكارليون في يدها، هيستوريا، ينبعث منه وهج خافت، مما يشير إلى أنه مستعد للقتال.
مثير للإعجاب.
كانت الجنيات أطفالاً في جوهرهن، لذا كنّ يَمِلْنَ جميعاً إلى كونهن صريحات. وبمجرد أن يقتربن من شخص ما، فإنهن يخاطرن بعدم التشكيك أبداً في أي شيء يفعله أو يقوله. وكان لديه شعور بأنه على عكس بقيتهن، كانت رانتولك واحدة من القلائل الذين يمكنهم إصدار أحكام أكثر تعقّلًا. وحتى الآن، كانت لا تزال تحافظ على حذرها عندما رأته، مدركة بحذر أن هناك خطباً ما.
… سيتجاهل تماماً احتمال أنها ببساطة كانت تكرهه منذ البداية.
«بما أنكِ هنا في أرخبيل الجزر، فهذا يعني أن بلانتاغينيستا عادت بأمان، هاه؟ كنت قلقاً حقاً. لماذا أنتِ هنا؟» سأل ويليم.
«ماذا تقول؟ كنت على وشك أن أسألك الشيء نفسه تماماً. لقد مر وقت طويل منذ آخر مرة رأيتك فيها، أيها الضابط.»
«بالتأكيد مر وقت. هل أنتِ وحدكِ اليوم؟»
«هيه، مَن يدري؟ ربما يكون هناك شخص ما يختبئ في مكان قريب.»
حسناً إذن. لم تكن تخفي مدى ارتيابها منه، بل كانت تستخدم ذلك كورقة مساومة لإبقائه تحت السيطرة. كانت فتاة متزنة وذكية للغاية. في حالته الطبيعية، كان بإمكان ويليم بسهولة معرفة عدد الجنيات القريبات، فغموض الكمين لن ينجح أبداً في مفاوضات معه. لكن الآن، وهو يتحمل هذا الصداع المستمر أثناء حديثه، كانت الأمور مختلفة.
«هل للحديث عن إغلاق مستودع الجنيات علاقة بهذا الشيء؟» سأل ويليم وهو يركل كومة الرمل بخفة.
«من أين سمعت ذلك؟»
لقد تحدثا عن ذلك عندما زارته نيفرين. لم يكن قد اهتم بالأمر في ذلك الوقت لعدم امتلاكه ذاكرة، ولكن بالتفكير في الأمر الآن، أدرك تماماً ما الذي كان قد تجاهله.
«لقد حدث الكثير. إذن؟»
«أنت محق. كانت قوات الدفاع الجوي في إلبيس تخطط لانتزاع حقوق قتال الوحوش من الحرس المجنح، وكانوا يروجون لهذا الشيء كـ سلاح أقوى منا بكثير.»
(فهمت.)
كانت الإجابة متوافقة في الغالب مع ما كان يتوقعه، ولكن في الوقت نفسه، كانت أكثر مما توقعه. كان من السهل معرفة ما يخطط له ذلك الجيش، ولكن الآن بعد أن صنعوا مثل هذا السلاح القوي في الواقع، سيكون من الصعب إيقافهم.
(أوه، انتظر.)
لم يكن ذلك صحيحاً تماماً.
من الصعب تسميتها طريقة ذكية للقيام بالأمور، ولكن كانت هناك طريقة للتعامل معها.
(… غـ—)
كان صداعه يزداد سوءاً. وقته المتبقي كان يتناقص بينما هو واقف هنا. لم يعد هناك وقت للأسئلة والأجوبة.
«لدي سؤال لك. ماذا كنت تفعل طوال هذا الـ—؟»
«آسف، لكن سيتعين عليّ رفض جميع الطلبات غير العاجلة. سأجيب على ما هو على الأرجح أكبر سؤال في ذهنكِ الآن.»
«ماذا—؟ آه؟!»
قفزت رانتولك قفزة هائلة للخلف. وفي الوقت نفسه، تحول عمود الإنارة والمقعد واللافتة التي كانت تقف بجانبها تماماً قبل جزء من الثانية إلى غبار، ثم انهاروا على الأرض.
«تلك القوة… لا تخبرني أنك قد تحولت بالفعل إلى وحـش؟!»
ابتسم ويليم.
«سلالة فرعية من الناشد، على ما أظن.»
«لا—»
«الوحش الذي بداخلي هو مجرد كتلة ضخمة من الرغبة في التراجع.
يريد استعادة العالم الذي عاش فيه يوماً ما.
تلك الرغبة تُترجَم مباشرة إلى إرادة لتدمير العالم كما هو الآن.»
«ولكن—»
«هل تعرفين مدى صعوبة العيش في عالم لم يعد موطنكِ فيه موجوداً؟»
ابتلعت رانتولك ريقها بصعوبة.
«لذا، دعينا ننحي الأسئلة جانباً الآن. لقد حان الوقت للبدء، يا حامية ريغول آير العظيمة—»
قطع حديثه ومال للأمام قليلاً. استغل بنية جسده المادي إلى أقصى حدودها، وارتمى للأمام بأسرع ما يمكن. كانت واحدة من أعظم مَعالي الحكمة التي نسجها الإمـنيتويت ووضعوا مصائرهم عليها.
اندفاع العندليب.
دعمكم للمترجم يكون بقراءة الفصل على مِـركِز الروَايــات وليس في المواقع الناسخة.
لقد باغَت رانتولك، لوي جسده وقلص المسافة بينهما في لحظة كانت أسرع من أن تستجيب لها. أي شيء قد تفعله لن يكون سريعاً بما يكفي؛ كان واثقاً أنها هلكت.
المسافة المتبقية بينهما يمكن تغطيتها في أكثر بقليل من نصف خطوة. استدار، وصوب بدقة نحو النقطة الحيوية في منتصف صدرها، نفس النقطة التي استخدمها لقتل الجنيتين السابقتين، وبعد مروره الخاطف عبر نقطتها العمياء، جهز أصابعه للاختراق—
لكنه توقف.
سيف عظيم واحد اندفع في أصغر فجوة بين ويليم ورانتولك. سرت ومضة من الحرارة عبر أطراف أصابع ويليم، وتطايرت غرة رانتولك.
الـكارليون فالغوليوس.
«لا أدري إن كان يعجبني انفرادكما بهذا القتال!»
كانت بجانبهما تماماً. آيسيا، التي اندفعت نحوهما دون أن يلحظها، كانت عيناها مضيقتين، وابتسامتها المعتادة ترتسم على وجهها.
«هل تسمح لي بالانضمام؟»
«بالتأكيد، لكني لن أتهاون معكِ.»
«نيا-ها-ها، سماعك تقول ذلك يجعل الأمر سهلاً بما يكفي بالنسبة لي!»
لوت آيسيا معصمها. رسم نصل فالغوليوس زاوية غريبة وحادة في الهواء، مستهدفا اختراق عنق ويليم. وعندما انحنى لتفاديها، رأى أن السيف أصبح بطريقة ما يهوي مباشرة فوق رأسه.
«وااه!»
تدحرج للخلف، وبالكاد نجا من الهجوم.
«تباً لك— لقد تفاديته!» علقت آيسيا ببرود. «مثير للإعجاب. لم يسبق لي أن أخطأت في معركة بهذا السيف.»
«أراهن على ذلك.»
ارتعشت زاوية فمه، وتدحرجت قطرة عرق على خده. تعلم في تلك اللحظة أنه لا يزال بإمكانه العرق، حتى بعد تحوله إلى وحش.
«هجوم مفاجئ مع التحكم في القصور الذاتي منذ البداية… أنتِ حقاً لا تتساهلين، أليس كذلك؟»
«أعني، أنا جادة تماماً بشأنك أيها الضابط،» قالت ببريق من المزاح في صوتها وهي تتبع قولها بهجوم آخر فوراً. بالكاد شعر بأي قوة منبعثة من الفـينيوم في نصلها، لكن هذا لم يكن يعني بالضرورة أنه سيخرج سليماً.
«توقـ… توقفا أنتما الاثنان! ماذا تفعلان؟!» صرخت رانتولك بعد فوات الأوان بعدة ثوانٍ.
«ألا تلاحظين؟ أنا أتلقى حب الضابط وعطفه!»
«هذا ليس شيئاً يقال وأنتِ تهاجمينني!»
«لستُ هنا لأسمع نكاتكما!»
«نكات؟»
ضربت ظهر يد ويليم سيف فالغوليوس ليبعده جانباً، وترنحت آيسيا— أو هذا ما أراد له أن يحدث. بدلاً من ذلك، ركلت ببراعة الشارع المرصوف وقفزت في الهواء، متدحرجة للخلف لتضع مسافة بينهما.
«أنا لا أمزح. ران، لا تخبريني أنكِ لا تزالين لا تدركين لِمَ يفعل الضابط هذا!»
«… ماذا؟»
نقر ويليم بلسانه. «ليس عليكِ قول أكثر مما يجب.»
ظلت آيسيا على ركبة واحدة وتابعت كلامها:
«إنه يمنحنا “واجباً”.»
«قلتُ لكِ، ليس عليكِ قول ذلك.»
«لقد كنا الحصن الأخير والأقوى الذي يحمي ريغول آير من الوحوش. هذا اللقب هو ما جعلنا نُرسَل إلى المعركة، لكنه حمى وجودنا أيضاً. ذلك الفتى المدرع الكبير كان دليلاً جيداً على ذلك. لقد عرفتُ فوراً كيف أراد رجال إلبيس استخدامنا.»
في الحقيقة، لم تكن تلك التكنولوجيا شيئاً يستهان به؛ فقد اكتشف مطورو ذلك الدرع كيفية فتح البوابات إلى موطن الجنيات مع التحكم في كميات الفـينيوم الهائلة المنطلقة أثناء دخول الجنيات في حالة فرط استعمالهم للـفـينيوم. كانوا يعاملون الأمر ليس كانفجار لحظي، بل كوقود عالي الإنتاج يدوم طالما كان السلاح يعمل. وبينما ظل مصير الجنيات كما هو (الموت)، أصبح استخدامهن كأسلحة أسهل بكثير بهذه الطريقة.
«هذا هو السبب في أنه يحاول إعادة اللقب إلينا مرة أخرى،» حادت آيسيا بنظرها قليلاً. «ذلك الشيء المدرع الضخم لم يكن نداً للضابط— لهذا الوحش. إذا تمكنا من قتل الوحش، فسُيظِهر ذلك للجميع أنه لا يمكنهم تجاهل القيمة التكتيكية للجنيات. على الأقل، ستفشل أهداف إلبيس تماماً.»
«آه.» أصدرت رانتولك صوتاً صغيراً ثم غطت فمها بيدها.
وقفت آيسيا وهي تمسح زوايا عينيها.
«… هذا الأحمق يخاطر بحياته لأنه يريد الحفاظ على مستودع الجنيات آمناً.»
«حقا، لم يكن عليكِ شرح الأمر بالتفصيل.»
لم تكن خطته تتطلب منهن الفهم. لو كان قد اكتفى بأداء دوره كـ “وحش”، كشرير يحتاجون لهزيمته، لكان كل شيء بعد ذلك قد سار على ما يرام.
«… مهلاً، أنتن. هل تحببن الصغيرات في المستودع؟»
«عذراً؟» اتسعت عينا رانتولك من المباغتة.
«ماذا؟» أمالت آيسيا رأسها.
«هل تقاتلن بأرواحكن على المحك لحمايتهن؟»
«ذ-ذاك…» احمر وجه رانتولك بشدة. «هذا لا يهم!»
انفجر ويليم ضاحكاً. «هاه… ها-ها-ها!»
لقد اشتاق إليهن. أوه كم اشتاقَ إليهن.
كان ذلك صحيحاً؛ منذ زمن بعيد، سأل كوتوري الشيء نفسه. والإجابة التي سمعها منها حينها كانت هي ذاتها التي قدمتها رانتولك الآن.
«يا إلهي، أنتن! حقاً، أنتن لا تدركن—!»
— كم كان يعزهن.
عاد إليه كل شيء— ذكريات عما كان يحاول القيام به في هذا العالم. لم يعد لديه معركة هنا، لكن كان هناك من يقاتلون بنفس المشاعر في قلوبهم كما كان هو ورفاقه يوماً ما. أقل ما يمكنه فعله هو دعمهم. سيحرص على أن يكونوا هم— بدلاً من نفسه، الرجل الذي لم ينقذ أحداً أبداً— من سيحققون رغباتهم في حماية من يحبون.
«—لننطلق.»
لم يعد بإمكان ويليم استخدام الفـينيوم الآن.
الفـينيوم هو انعكاس لقوة الحياة؛ وكلما اقترب المرء من الموت، زادت قوة الفـينيوم التي يمكنه إشعالها، وكلما زادت تلك القوة، سُحب صاحبها نحو الموت بشكل أسرع. ومن زاوية أخرى، فإن أولئك الغرباء عن الموت لا يتوافقون مع الفـينيوم. الأعراق القوية بطبيعتها مثل لايمسكين ونايغلاتو لا يمكنهم حتى إنتاجه في المقام الأول.
جسد ويليم الآن لم يعد جسد إمـنيتويت. بل كان من المشكوك فيه ما إذا كان لا يزال يملك مستقبلاً يتضمن نهاية كـ “الموت” أصلاً. لهذا السبب، وبالطبع، كان أعزل اليدين. الأسلحة الوحيدة التي يمكنه استخدامها هي الفنون القتالية التي تعلمها، وإطلاق طبيعته الحقيقية كـوحـش لتحويل خصومه إلى رمال. وبما أن الجنيات لا يملكن أجساداً مادية بالمعنى الدقيق، فإن الخيار الأخير قد لا يكون فعالاً ضدهن. عملياً، الشيء الوحيد الذي يمكنه الاعتماد عليه هو تقنياته الخاصة كبشري.
ستكون معركة صعبة، لكنه سيبذل كل ما في وسعه. وهذه المرة، سيضع حداً لمعركته الخاصة أخيراً.
أزاح جسده للأمام وهو يستنشق الهواء.
خطوة السديم.
لا بد أن آيسيا شعرت بالخطر— فقد كبحت المنطقة من حولها بإطلاق قوس من البرق من سيفها. انزلق ويليم من خلال الهجوم بأكمله وظهر بجانبها مباشرة. لمح رانتولك وهي تبدأ التحرك بعد لحظة، لكنها لن تلحق به. صوب بمرفقه الأيمن نحو ذقن آيسيا وبقبضته اليسرى نحو خاصرتها. تركت آيسيا سيف فالغوليوس. من الواضح أن ترك جسم ثقيل في منتصف التأرجح سيؤدي إلى تعثر أي شخص. أخطأ مرفقه وقبضته أهدافهما بصعوبة. مدت آيسيا يدها وأمسكت بشعر ويليم، وسحبته بقوة، جالبة رأسه بالكامل إلى صدرها. طبقة الفـينيوم المحيطة بها جعلتها قوية جسدياً بشكل مذهل، ولم يستطع القفز بعيداً.
«ران!» نادت آيسيا. «أسرعي!»
«أرغ…»
رغم أنها بدت لا تزال مترددة، تحركت رانتولك لتفعل ما يجب عليها فعله. مدت هيستوريا للأمام، وانغرز طرفه مباشرة في بطن ويليم.
النصل المُغَلَّف بالـفـينيوم مزق لحمه، وغاص أكثر فأكثر في أحشائه. اضطربت تعابير رانتولك وهي على وشك البكاء، وتلاشت القوة من ذراعيها.
«… آه… آه…»
«أهذا كل شيء؟»
ضغط ويليم بقبضته على صدر آيسيا. اخترقت الضربة عبر دفاعات الفـينيوم الخاصة بها. حطم رئتيها، فأغمي على آيسيا بصمت من الألم، وتلاشت القوة من اليدين اللتين كانتا تثبتان رأسه في مكانه.
«لقد أغفلت آيسيا أمرين عندما كانت تتحدث قبل قليل. إذا لم تكوني قوية بما يكفي، فسَتُدَمّرن جميعاً، وهذه هي النهاية. أعلم أنكِ تسمعين هذا كثيراً، لكن الموت الآن أفضل بكثير من المعاناة لاحقاً.»
ألقى بـ آيسيا بعيداً، ممسكاً بنصل هيستوريا وهو يبرز من معدته.
«والأمر الآخر— أنا وحش بالفعل. إدراكي لذاتي الذي يبقيني هنا أتحدث هكذا سيختفي قريباً. إذا لم تتمكني من إيقافي الآن، فإن الجزيرة رقم 11 ستسقط.»
التوى وجه رانتولك بألم أكبر، وسحبت هيستوريا منه. كان النصل مبللاً باللون الأحمر. رفعت السيف فوق رأسها. كانت حركاتها بطيئة، مليئة بالثغرات. كان بإمكانه ضربها أينما وكيفما شاء.
(— أهذه دعوة؟!)
ألقى بقبضته اليسرى ومد قدمه اليمنى في ركلة. لم تكن أي منهما ضربة جادة— بما أنها قدمت له دعوة للهجوم، فقد كانت مجرد دعوة في المقابل لاستخراج دوافع رانتولك الحقيقية. نتيجة لذلك، لوت جسدها، متجنبة بقوة مسار هجماته المتلاحقة، ثم وضعت كل زخمها في هيستوريا وضربت.
انفجر تيار من الريح بحدة المقصلة عبر عنقه.
«فهمت.»
تمكن ويليم من الانزلاق خلف رانتولك بحركات سلسة وانسيابية وهمس في أذنها:
«يسعدني أن أرى أنكِ توقفتِ عن التردد. لكن كما تعلمين، إذا كان هذا هو هجومكِ بعد أن بذلتِ كل ما في وسعكِ، فلا توجد طريقة تمكنكِ بها من قتـ—»
«تاااااااااااااااااااااااااا!»
بجانب أذنه مباشرة، جاءت صرخة معركة لطيفة لكنها قوية من الجنية الثالثة.
— هاه؟
تيات.
أوه صحيح. لقد نسيت.
الشخص الذي أحضرها إلى هذه المدينة لأول مرة لم يكن سوى ويليم نفسه.
هذه الفتاة كانت جندية جنية أيضاً— حامية لأرخبيل الجزر، مع كارليون في يدها، الوريثة الشرعية لـلأبطال.
(— إغناريو!)
الـكارليون الذي كانت تحمله تيات، إغناريو، لم يكن نصلاً من طراز رفيع بأي حال من الأحوال. لقد كان سيفاً عادياً، أقوى بقليل فحسب من تلك التي تُنتج بكميات كبيرة. موهبته المميزة كانت أيضاً محدودة الاستخدام— وهي أن يصبح صاحبه غير ملحوظ.
— وهي تستخدمه بالفعل؟ يا رجل، إنها تنمو بسرعة!
ولكن بالطبع سارت الأمور على هذا النحو؛ فقد كان يركز كل انتباهه على آيسيا ورانتولك. كما أن صداعه الذي لا ينتهي لم يساعده أيضاً. ومع ذلك، فإن حقيقة وصول تيات إلى هذا القرب دون أن يلحظها كانت تستحق الثناء.
قدرة السيف لم تكن تأتي بشكل طبيعي بمجرد أن يستقر النصل في يد حامله لأول مرة. كان عليها أن تقضي وقتاً طويلاً جداً في التدرب على سيفها بجدية لتبدأ حتى في استيعاب ما يتعين عليها فعله ونوع التأثير الذي سينتجه ذلك.
هذه الفتاة ستكون جندية رائعة. هذا صحيح— لقد تذكر ذلك الطبيب السايكلوب وهو يقول ذلك ذات مرة. لقد كان محقاً تماماً. لقد أصبحت كذلك بالضبط. كان الطبيب ذكياً.
لكنها لم تكن قريبة بما يكفي.
دفع رانتولك بعيداً واستدار ليواجه تيات. كانت تملك الروح؛ كانت تملك ما يكفي من التصميم؛ حركاتها لم تكن مشوبة بالتردد. لكنها كانت تفتقر بشكل يائس إلى البنية الجسدية، والقوة، والتقنية والخبرة. وسواء نجحت في هجوم مفاجئ أم لا، فقد كانت تمنح ويليم كميتش وقتاً كافياً للهجوم المضاد، مما يعني أنه لم يعد هناك أمل لـ—
ثــــــوووم
«… هاه؟»
نصلٌ هائل برز من صدر ويليم.
كان يعرف شكل هذا النصل جيداً.
إنه واحد من أقدم الكارليونات— سينيوريوس.
(— مستحيل— كوتوري؟)
بعقل مشوش بالارتباك، حاول ويليم الالتفات إلى الخلف. كان جسده متصلباً، وبصعوبة بالغة أدار رأسه.
«أوه… و-واه…»
هناك، رأى وجهاً غارقاً في البكاء. كان وجهاً يعرفه جيداً، لكنه وجه لم يتوقعه على الإطلاق.
«لا… كيش…؟»
«واااااه… سـ-سيد… ويليييي…!»
لماذا هي هنا؟ كان من المفترض أن تكون لا تزال صغيرة جداً.
… أوه، انتظر. لم يكن هذا صحيحاً.
(الأطفال يكبرون. تغيب عنهم للحظة، فيتغيرون تماماً.)
لقد كانت هناك قوة جديدة تنمو في مستودع الجنيات بينما كان هو بعيداً.
«… ها-ها.»
كان سعيداً جداً.
تلك الأرواح المحطمة للأطفال الذين دعموا هذا العالم المحتضر— لقد كانوا أقوياء حقاً. أقوى بكثير مما سيكون عليه هو—الذي قضى كل وقته تائهاً— في أي وقت مضى. لن يحتاج للقلق بشأن المستقبل بعد الآن. حتى لو لم يكن موجوداً، حتى لو لم يستطع فعل أي شيء لأجلهم، سيكونون بخير.
بعد حكاية طويلة من التكرار والزوائد، أمكنه أخيراً وضع حد لقصة البطل الفاشل، ويليم كميتش.
«جيد. بالكاد فعلتها، لكنكِ نجحتِ.»
ضحك بمرارة، والدم ينضح من ركن فمه.
«أوه، ولكن يا لاكيش؟ لا يمكنني منحكِ الدرجة الكاملة بناءً على كيفية استخدامك لـ سينيوريوس حتى الآن. إذا كنتِ ستواجهين كائناً خالداً، فعليكِ استخدامه حقاً كقاتل للخالدين. سينيوريوس مجنون حقاً— لقد نجح في إبقاء الزائرة إلك هرقستن مختومة لمدة خمسمائة عام، كما تعلمين.»
«هاه…؟»
«راقبي جيداً. هكذا يُفعل الأمر.»
وضع راحة يده على النصل.
قام الكارليون بتصعيد الفـينيوم الخاص به استجابةً لقوة الخصم الذي يقاتله.
ورغم أن ويليم لم يعد قادراً على إنتاج أي فـينيوم بحالته الحالية، إلا أن جوف سينيوريوس كان يفيض بقوة أكثر من كافية؛ وكان ذلك كافياً لكي يُنفذ سينيوريوس معجزاته.
بدأ ينقر على أوردة التعاويذ التي تجري عبر النصل، واحداً تلو الآخر. ملأ صوت هادئ الأجواء، وكأنه يعزف على قيثارة. تجمعت الأصوات لتصبح نوتات وبدأت تؤدي ترنيمة نوم خشنة.
يُقال إن سينيوريوس، الذي يُعد عتيقاً حتى بين الكارليونات، هو أحد أكثر النصال المقدسة كبرياءً، والسبب في ذلك هو ندرة من يستطيعون استخدامه. ولتوضيح الأمر بشكل صحيح، كانت هذه هي شروط استخدام سينيوريوس:
فقط أولئك الذين ليس لديهم وطن يعودون إليه، أولئك الذين تخلوا عن العودة إلى المكان الذي أرادوه، أولئك الذين ألقوا بمستقبلهم بعيداً.. هم فقط من ينالون الحق في حمل سينيوريوس.
لم يكن الأمر يتعلق بشخص مأساوي، ولا بشخص تجاوز المأساة. لم يكن شخصاً بلا أمل، ولا شخصاً استسلم للأمل. بل فقط أولئك الذين قبلوا حقيقة أنهم لن يصلوا أبداً إلى المستقبل الذي تمنوه ورجوه، هم من يمكنهم أخذ السيف بيدهم واستهداف مستقبل مختلف.
انتشرت الشقوق على طول النصل العظيم، وانسكب ضوء خافت من الفجوات بينها. تجلت القدرة المميزة لأعظم كارليون في العالم الفاني؛ قدرته على تحويل كل أشكال الحياة إلى أموات، دون استثناء للأهداف الخالدة.
ضعف الضوء الخافت ببطء ثم اختفى.
«أيها الضابط…؟» تمتمت رانتولك بهدوء وهي ترفع رأسها.
«ويليم…؟» نادت تيات اسمه في ذهول، وهي لا تزال ترفع إغناريو عالياً فوق رأسها؛ لم يعد هناك أحد لتهوي به عليه.
«أوووه… واااااه…»
كل ما فعلته لاكيش هو كتم صوتها والانفجار في النحيب.
(أيتها الغبيات الكبار.)
لم يعد قادراً على الكلام، لذا اكتفى بالابتسام لنفسه.
(لقد انتصرتن. لقد قضيتن على الوحش الخطير وحميتن الجزر. أنتن بطلات. لقد أثبتن قيمتكن، وضمنتُن مستقبلكم بأيديكن.
لذا، كنّ سعيدات.)
(كنّ سعيدات لأجلي.)
(إذا بدأتُن بالبكاء الآن، فستنسين ببساطة لِمَ أموت هنا في المقام الأول. كل هذا خطأ آيسيا؛ راحت وكشفت حيلي. خطتي للعب دور الشرير المثالي ذهبت أدراج الرياح.)
(آآآه، سحقاً. لم أستطع أبداً فعل أي شيء بشكل صحيح، أليس كذلك؟ لِمَ كل ما أحاول فعله لا ينتهي بخير؟)
(— لا بأس بذلك، أليس كذلك؟ إنه يشبهك تماماً أن تحاول دائماً بذل قصارى جهدك.)
ظن أنه سمعها تضحك عليه بخفوت. كان يعلم يقيناً أنه لا توجد طريقة لسماع ذلك الصوت؛ كانت هلوسة. ولكن مع ذلك، كان سعيداً لأنه تمكن من سماع صوتها في النهاية.
(……)
كانت هناك أشياء كثيرة أراد قولها لها. مشاعر كثيرة أراد مشاركتها معها. لكن لم يعد يملك الوقت ولا الطاقة لفعل ذلك. ولذا—
(شكراً لكِ.)
— أخيراً، تمتم بتلك العبارة بصمت في قلبه.
فــووم— أظـلـم بـصـره، وكأن سـتـارة قـد أُسـدِلـت.
غـلّـفـه شـعـور بانـعـدام الوزن، وكأنه يسـقـط إلى ما لا نـهـايـة.
غاص في السواد المحيط به— بـعـيداً، عـمـيقـاً، وثـقـيـلاً.
إلى أســفــل و أسـفـل.
*
—الجزيرة رقم 2.
استدارت نيفرين فجأةً.
هناك رأت حديقةً غريبة، بدت كمزيجٍ شاذٍّ من الفصول كلّها في آنٍ واحد. وخلفها امتدّت سماءٌ زرقاء لا نهاية لها.
«ما الأمر؟» سألها الحكيم العظيم، لكنها لم تُجِب.
بدلا من ذلك—
«…ذلك الأحمق.» همست.
—وانحدرت دمعةٌ صغيرةٌ وحيدة على خدّها.
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل