تجاوز إلى المحتوى
WorldEnd/ نهاية العالم| ماذا تفعل عند نهاية العالم؟ هل أنت مشغول؟ هل ستنقذنا؟

الفصل 74

4. كفاءات بطلٍ

كانت الـوحـوش الـسـبـعـة عـشـر تمثل التهديد الأكبر لكل أشكال الحياة.

تم تداول هذه الحقيقة كمسلمة من مسلمات المنطق العام، لكن لم يكن معروفاً على وجه التحديد ماهية هذه الوحوش.

كان هناك سببان رئيسيان لذلك:

الأول هو أن الأشياء المحاطة بالغموض لم تكن معروفة جيداً في المقام الأول. والثاني هو أنه بما أن من واجهوها عادةً لم يعودوا إلى ديارهم أحياء، فإن أولئك الذين لا يزالون على قيد الحياة لم تكن لديهم أي تجربة مع أي وحش بشكل عام.

بمعنى آخر:

إن مجرد فكرة التعرض لهجوم من هذه الكائنات لم تكن تعتبر احتمالاً وارداً لكل من يعيشون في العصر الحالي.

حتى وإن كانوا جميعاً جنوداً في الحرس المجنح؛ فمعظم الجنود في الحرس لم يسبق لهم رؤية وحش في الحياة الواقعية، لذا كان من الصعب القول إنهم مستعدون لهم، ناهيك عن الاعتياد عليهم.

علاوة على ذلك، لم تكن الوحوش قادرة على الطيران. تيميري—الوحش السادس—كان بإمكانه الانجراف في الهواء إذا سمحت الظروف، ولكن هذا كل ما في الأمر. لذا، طالما لم يجرؤ أحد على وضع قدمه على السطح، لم تكن هناك فرصة لرؤية أي من الوحوش الأخرى. وهذا هو السبب في أن كل المعلومات المتعلقة بـوحوش أورورا وكيفية التعامل معها كانت ناقصة بشكل كارثي في هذا المكان.

كان مقر قيادة الحرس المجنح في حالة مريعة من الفوضى.

توالت تقارير الأضرار من كل قطاع؛ نصفها كان بسبب هجمات الوحوش، والنصف الآخر بسبب حالة الهياج التي أصابت السكان نتيجة لذلك. وعلى الأرجح كانت الأغلبية إما إشاعات أو أنباء كاذبة. شعر الجميع في كل مكان وكأنهم محاصرون في كابوس مريع، مما جعل من المستحيل حتى البدء في تمني الحصول على معلومات دقيقة في تلك اللحظة. ومع ذلك، فإن الجنود المخلصين الذين اعتقدوا أن عليهم التحرك بمجرد حصولهم على أي معلومة وتصرفوا بناءً على تلك الفكرة، كانوا ببساطة يصبون الزيت على النار.

«أظن أن هذا هو وقت تألقنا.»

فركت آيسيا عينيها وهي تتثاءب.

كان من الصعب معرفة ما يجري في الخارج من مكان وجودهم. ما عرفوه هو أن وحشاً قد جاء إلى الجزيرة، وبناءً على معلومات شهود العيان، بدا أن خصمهم هو الرقم اثنان— أورورا.

كانت متأكدة من وجود الكثير من الوثائق المفصلة حول أورورا في غرفة المواد بمستودع الجنيات. ومع ذلك، لم يتخيل أحد أبداً أنهم سَيُجرُّون فجأة إلى معركة مع أحدها، لذا لم يخصص أحد وقتاً لقراءتها بجدية. الاستثناء الوحيد كانت نيفرين، التي كانت تقرأ بعناية كل كلمة حتى في أكثر الوثائق مللاً، لكنها لم تعد موجودة هنا.

ومع ذلك، لم يكن لديهم أبداً ما يكفي من المعلومات عند مواجهة وحش. لم تكن تلك مشكلة كبيرة.

«هذا القتال غير مألوف بتاتاً مقارنة بنزالاتنا المعتادة. أنا متوترة قليلاً لمعرفتي أن هذه هي المباراة الأولى لشخص ما.»

«بالفعل.»

التفتت كل من آيسيا ورانتولك للنظر إلى تيات، التي كانت لا تزال بملابس النوم. أطلقت تيات صوتاً مضحكاً يشبه الصيحة:

«أ-أنا ذاهبة أيضاً! من فضلكِ دعيني آتي!»

بينما كنّ يجبرن تيات على تبديل ملابسها على عجلة، لوحت لاكيش بيدها بقوة.

«كلا،» هزت نايغلاتو رأسها. «ليس لديكِ سلاح عتيق متوافق بعد.»

«لكن لديكِ سيف!»

ترددت نايغلاتو. كان كلامها صحيحاً؛ فبالإضافة إلى كـارليونات الجنيات الثلاثة — فالغوليوس، وهيستوريا، وإغناريو— كان هناك سيف رابع تحمله نايغلاتو معها لجلب الحظ. لم يكن هناك أي طريقة تمكن أياً منهن من استخدامه، ولهذا السبب لم يكن له أي غرض فعلي سوى كونه تميمة للحظ. كان مقبضه لا يزال يبرز من حقيبة ظهر نايغلاتو الضخمة.

«ولكن—»

«ينتابني شعور سيئ بمجرد إمساكه. أشعر بالحكة وعدم الصبر. أنا… لا أعتقد أنني سأكون عوناً كبيراً، لكنني لن أقف في الطريق!»

اخترقت وخزة ألم صدر نايغلاتو.

«كلا. لم تنهي تدريبكِ الأساسي بعد التعديل، ولا يمكنني السماح لكِ بالاقتراب من الخطر باستهتار. المرة الوحيدة التي سأسمح لكِ فيها بإمساك السيف هي أثناء الاختبارات، على الأكثر.

تعلمين أنه لا يوجد ضمان لقدرتكِ على استخدامه دون مشاكل في معركة حقيقية، أليس كذلك؟»

«ولكن!» رفعت لاكيش صوتها أكثر. ثم—

«عذراً لكنّ أيتها السيدات،» قاطعهم صوت رجل.

خلفهم كان هناك عدة رجال يرتدون بدلات أنيقة. تقدم من بينهم أورك بوجه ماكر؛ وإذا دقق المرء النظر، استطاع رؤية ضمادات ملفوفة حول أجزاء مختلفة من أجسادهم تحت البدلات.

«أنتم… من إلبيس!»

كانت هناك ومضة غضب في صوت نايغلاتو.

«إيييك!»

«آنـ-آنسة نايغلاتو، يا لها من مصادفة أن نراكِ هنا!» بينما تراجع الرجال، تمكن الأورك بطريقة ما من تمالك نفسه. «يبدو الوضع مرعباً في الخارج، أليس كذلك؟ لقد جئنا إليكِ لأننا اعتقدنا أننا قد نتمكن، بأقصى قدراتنا، من تقديم بعض المساعدة.»

«يا لها من وقاحة…!»

كانت إلبيس قد هرّبت وحشاً إلى الجزر سراً، هذا ما سمعته. ومن المحتمل جداً أن تكون كل هذه الفوضى من فعلهم. لا بد أن هناك الكثير من الناس يفقدون حياتهم في المدينة في هذه اللحظة بالذات. الحرس المجنح وقوات أمن المدينة يبذلون قصارى جهدهم للمقاومة، لكن الأسلحة النارية والذخائر العادية لا تكاد تفعل شيئاً للوحوش في المقام الأول. وفي فوضى كهذه، من الصعب الاعتقاد بأنهم قد توصلوا إلى خطة معركة مناسبة.

«لا بد أنكِ مخطئة— هذه الجلبة ليست من فعلنا. وفقاً لشهود العيان، يبدو أن هذا من عمل عصابة إجرامية تسمى فرسان الإبادة أو ما شابه.»

(وهل يقرر الآن ادعاء الغباء؟) استطاعت أن تعرف من نظرة عينيه أنها كذبة واضحة.

«سأقدر لكِ ألا تبدي منزعجة هكذا. لقد جئنا للمساعدة اليوم بدافع الإحسان الخالص.» وكأنه يحاول إقناعها بأنه لا يضمر أي سوء، لوح بيده المغلفة بالضمادات «القوة النارية القانونية التي يمكن لـ الحرس المجنح استخدامها هنا هي، اعذري صراحتي، لا تضاهي تلك المخلوقات. ولكن اليوم، تصادف وجود سفينة محملة بأسلحتنا الخاصة راسية في الميناء.» وأضاف بتعمد: «لقد اتبعنا الإجراءات القانونية لإدخالها، بالمناسبة،» وكأنها فكرة طرأت له فجأة. «كنا نفكر في استخدامها لإخضاع تلك المخلوقات.»

«أنت…»

فهمت نايغلاتو ماذا يعني أن يستخدم جيش جزيرة أخرى أسلحته في هذه المدينة. أي شخص درس ولو القليل من التاريخ سيعرف ذلك.

«لن يُسمح لكم أبداً بفعل شيء كهذا! ستتم معاقبتكم من قبل الحرس المجنح بموجب ميثاق ريغول آير!»

«أوه، لا، أنتِ مخطئة.»

اتسعت ابتسامة الأورك لتشمل وجهه بالكامل. كانت ابتسامة مبالغة فيها، وكأنه قطع كل هذه المسافة فقط ليخبرها بذلك:

«لقد توصلنا بالفعل إلى اتفاق مع الإدارة العليا لـ الحرس المجنح.»

«… ماذا؟»

«أوه، وأعتقد أنكِ ستتلقين قريباً بلاغاً من تحالف تجار أورلاندري، ولكن، حسناً، سأمضي قدماً وأخبركِ أولاً بدافع من طيبة قلبي،» أضاف، وكأنه يتظاهر بأنه تذكر للتو. «لقد تم بالفعل اتخاذ القرار والموافقة على حلّ منصبكِ وذلك الكوخ الصغير الخاص بكِ، بالإضافة إلى جدول زمني مفصل لما سيتبع ذلك. وبالطبع، يشمل ذلك أيضاً التعامل المستقبلي مع المعدات التي تم الاحتفاظ بها هناك.»

«هذا… لا يمكن أن يكون…»

«هيا الآن، لا داعي لتبدو حزينة هكذا. إن تعبيرات عديمي السمات يصعب قراءتها حقاً، لكن الاستثناء الوحيد هو عندما يغمرهم الشعور بالعجز. إنه أمر واضح جداً، لدرجة أنني بالكاد أستطيع حبس ابتسامتي.» بسط ذراعيه، ولوح بعصا أخرجها من مكان ما، ووضع على رأسه قبعة حريرية ظهرت بالمثل من فراغ. «ولذا، يا آنسة نايغلاتو، هذه المدينة هي مسرحنا. أنصحكِ ألا تفعلي أي شيء مثل ترك جنياتكِ يركضن هنا وهناك.

أما عن كيفية التعامل مع دُماكِ اللطيفة والثمينة بمجرد أخذها منكنّ… حسناً، أنتِ ذكية. تعرفين ما عليكِ فعله، أليس كذلك؟»

لم ينتظر إجابة قبل أن يستدير، ورغم أنه لم ينفجر بالضحك صراحة، إلا أنه بدا قريباً جداً من ذلك بينما غادر الرجال نحو غرفة التحكم.

«… يا للهول. قيادة الحرس أكثر فسادا مما ظننت،» تمتمت آيسيا. رفعت تيات رأسها وأطلقت صيحة هادئة من الارتباك.

«من المحتمل تماماً أنهم مضوا قدماً وأبرموا عقداً دون إخبارنا بأنهم يبرمون صفقة مبهرجة،» أضافت رانتولك. «أفترض أنهم اعتقدوا أن بإمكانهم قبول رشوة صغيرة لمجرد الحصول على بعض المال الإضافي، لكنهم يدركون الآن أنه لا يوجد طريق للعودة.» ثم نظرت تيات إليها وأطلقت صيحة ارتباك أخرى أعلى صوتاً.

«أعتقد أن هذا يعني أن شعب إلبيس واثقون من قدرتهم على تقديم عرض جيد وهزيمة الوحوش الهائجة… أنا محبطة قليلاً، لكن أظن أن الأمر لا بأس به،» رثت لاكيش حالها.

«لا-لا-لا-لا تخبريني أنكِ فهمتِ حقاً كل تلك المحادثة، لاكيش؟!» صرخت تيات وهي مضطربة.

«نـ-نعم. واجهتُ صعوبة في بعض الأجزاء الأكثر تعقيداً، لكنني أظن أنني فهمت الجوهر…»

«هل أنا الوحيدة التي لم تفهم؟!»

«ا-اهدئي، لا بأس. سأشرح لكِ.» قامت لاكيش بتهدئة تيات، التي بدت وكأنها على وشك الاندفاع والإمساك بها مجدداً. «أممم، أنتِ تعرفين بشأن إلبيس، صحيح؟ إنها دولة في الجزيرة رقم 13، وهي بمثابة جارة بعيدة لهذه الجزيرة، أممم، وهي تشبه دولة-مدينة.»

«نعم، لقد كانت تلك الدولة الشريرة في “نيران إلبيس وظلال بيثوس”، أليس كذلك؟»

«نعم، لكن انسي كيف كانوا في العرض السينمائي. لذا فإن إلبيس تريد… على ما أظن… بدء حرب أو شيء من هذا القبيل.»

«لماذا؟»

لم يبدُ على تيات أنها فهمت أي شيء على الإطلاق.

نظرت لاكيش نحو آيسيا.

تلاقت أعينهما، فتولت آيسيا مهمة الشرح. «هناك تأثير سحري للحروب، حيث يمكن لبلد ما أن يتجاهل مشاكله الخاصة ويؤجلها لوقت لاحق.

لنقل مثلاً، مهما كانت علاقتكِ سيئة بجاركِ، فلن تتقاتلا عندما يقتحم عدو خارجي المكان بفأس، أليس كذلك؟ ومهما كنتِ فقيرة أو جائعة، فلن تشتكي من ذلك وأنتِ قلقة بشأن القتل أو التعرض للقتل.

وجود عدو خارجي يغطي على المشاكل الداخلية.» كشرت آيسيا قليلاً وهي تشرح مثل هذا الموضوع غير السار على الإطلاق. «لكن عندما يحل السلام مجدداً، فإن كل المشاكل التي نَحَّوْها جانباً تعود ببساطة. عندما يختفي العدو الخارجي، تتذكرين أنكِ لستِ صديقة لجارك مرة أخرى. وعندما يحدث ذلك، لا يوجد سوى طريقتين لحل المشكلة: بدء حرب مع جارك أو بدء حرب مع عدو خارجي آخر.»

«… ألا يفكرون في أن يتصالحوا ويصبحوا أعز الأصدقاء؟»

«بالطبع يفعلون. هم فقط يحتاجون للعثور على الشخص التالي ليشنوا الحرب ضده.

تيميري لعب ذلك الدور حتى قبل بضعة أيام. لهذا السبب كان معظم سكان ريغول آير منسجمين جيداً. لكن… بمجرد انتشار الخبر بأن تيميري لن يظهر لفترة، بدا أن بعض الدول تذكرت أنها في الواقع لا تحب هذا الشخص أو ذاك.

وإلبيس هي إحدى المجموعات التي باشرت بالعمل فوراً.

إنها طريقة بارعة جداً للقيام بذلك. إذا شرعوا علانية في ضرب جارهم، سينظر إليهم الجميع كبرابرة يزعزعون سلام ريغول آير، وسيتم تصنيفهم كعدو خارجي جديد. لذا غيروا نهجهم؛ استدعوا عدواً من الخارج وأطلقوا سراحه في باحة جارهم. عندها يدخلون باحة جارهم المأزوم ويقضون على العدو بشجاعة. فيشكرهم جارهم ويعرض عليهم مساعدته. وبعد ذلك يعيشون في سعادة دائمة.»

صفقت بكسل.

«إذن هذا يعني أنه رغم استعدادهم ليكونوا هم الأشرار، إلا أنهم يتظاهرون بأنهم أبطال ويجبرون الآخرين على رد الجميل لهم؟!»

«أجل، تماماً. لقد استوعبتِ الأمر بسرعة.»

«لـ-لكن مهمة الحرس المجنح هي أن يكونوا هم الأبطال، أليس كذلك؟ لا يمكن للآخرين أن يقرروا ببساطة أنهم يريدون القيام بذلك.»

«لهذا السبب حرصوا على نزع العمود الفقري منهم أولاً. وبما أن الأبطال الأصليين، الحرس المجنح، لا يستطيعون القيام بعملهم، فإن خطتهم هي انتزاع الثقة التي بناها الحرس طوال هذا الوقت لأنفسهم من خلال التظاهر بالبراعة عندما يقاتلون بدلاً منهم.»

«هذا… ولكن…»

سكتت تيات بعد أن نفدت منها الأسئلة.

تقبلت كل من آيسيا ولاكيش واقع الموقف وفعلتا الشيء نفسه.

«ها قد وصـلتم.»

بتحركات صامتة لا تتناسب مع بنيته الضخمة، جاء لايمسكين منطلقاً عبر الرواق.

«نايغلاتو، أعيدي الجنيات إلى الغرفة.»

«… أجل، أعلم،» تمتمت نايغلاتو بصوت خافت.

«انتظر لحظة. لا تخبرني أنك ستذعن لما قالوه للتو؟!» اعترضت رانتولك طريقهم.

«سسسوف نذعن. هذه أوامر من القيادة العليا، وهي وسسسيلة لوضع حد لهذا الخطر بأقل قدر من الإصابات.»

«لكن إذا أردنا التأكد من عدم حصولهم على ما يريدون، فعلينا التأكد من أن الأسلحة التي أجبروها على العمل لا تعطي النتائج المنشودة. وإذا ذهبنا الآن، فقد نتمكن من تقليل حجم الدمار في المدينة.»

«لكن سيظل هناك الـكـثيـر من الدمار. وأي دمار تمنعونه قد ينتهي به الأمر بإيذائكم أنتم،» كان صوت نايغلاتو مثل مواء قطة خائفة. «السبب في أنني أرسلتكم إلى المعارك طوال هذا الوقت هو أنني كنت مضطرة لذلك، لأنه لم يكن هناك أحد غيركم يمكنه أن يحل محلكم. وبما أن هذا لم يعد صحيحاً الآن، فلن أضعكم أبداً في خطر. ولكن…» عادت ومضة من القوة إلى نظرتها: «ولكن هذه ليست معركة من هذا النوع. هذه مجرد ساحة صيد أعدوا لها كل الترتيبات، وسيتكلفون فيها بكل القتال، وسيربحون ويحصلون على كل الغنائم. لا يوجد سبب يدعوني للمخاطرة بحياتكم من أجل مثل هذا العرض الأناني.»

«أنتِ تعلمين أن هذا يعني أن كل شيء سيسير كما يريدون، أليس كذلك؟ هل ستصمتين وتتركينهم يغلقون مستودع الجنيات؟»

«أنا لا أقول ذلك على الإطلاق. سأحاربهم بكل ما أوتيت من قوة حتى النهاية. لكن هذه معركتي أنا. إنها ليست شيئاً يستحق المخاطرة بحياتكم وأطرافكم من أجله.»

«ممم.» ومع ذلك، أومأ لايمسكين برأسه قليلاً بتعبير هادئ بشكل استثنائي. «دعوني أسسألكن شيئاً. هل وصلت إرشادات الرياح إلى تجاويف قلوبكن؟»

«… ماذا؟»

للمرة الأولى منذ فترة، واجهوا وابلاً من لغة السحالي غير المفهومة.

«النصل قد لا يختار معاركه بنفسسسه. مَن يتوق للقتال في سسساحة معركة معينة لا يمكن تسسسميته محارباً. يجب على المرء أن يُسسسكِن الريح داخل الأصابع التي تقبض على المقبض، وفي الأذرع التي ترفعه.»

«… أممم؟»

أجل، لم تكن لديهم أي فكرة عما كان يحاول قوله.

«آيسيا.» وكزت رانتولك صديقتها بمرفقها وهمست: «أنتِ تعرفين الكثير من الحقائق الغريبة. ألا تعرفين بالصدفة ماذا يقصد؟»

«يمكنني قول الشيء نفسه عنكِ يا ران،» همست آيسيا رداً عليها. «أنتِ تدرسين اللغات القديمة وما إلى ذلك، أليس كذلك؟ أنتِ أكثر ملاءمة للثقافات الأجنبية مني.»

«قد تكون هوايتي، لكنني لستُ جيدة فيها. إنها لا تساعدني على الإطلاق الآن.»

«وأنا ليس لدي أي فكرة على الإطلاق— أنا أرفع يديّ استسلاماً الآن!»

«… أممم، أيها الضابط الأول… لايمسكين؟» متجاهلة شجار الفتاتين الأكبر سناً، تقدمت تيات نصف خطوة للأمام. «نحن نحب هذه المدينة. أليس هذا سبباً كافياً…؟ أممم، سيدي؟»

«إذا هلكتُنَّ في هذه الأرض، فإن الأرض التالية التي ستتعرض للتهديد ستعاني من أضرار أكبر بكثير. هل تفهمن ذلك؟»

«أنا… لا أفهم ذلك حقاً، لا.»

«أوه؟»

«لكن لو كانت الآنسة كوتوري هنا، أعتقد أنها كانت ستقول… “أنا لا أهتم بالمكان التالي. جنود الجنيات يقاتلون من أجل ما هو مهم. لا أريد أبداً الهروب عندما تسوء الأمور هكذا، مهما حدث…” صحيح؟»

بصعوبة، بلعت نايغلاتو ريقها. أما آيسيا فقد أطلقت صوتاً غريباً، بينما اتسعت عينا رانتولك بصمت. وحدها لاكيش لم تبدُ متفاجئة.

«أولئك الذين يتبعون خطى المحارب، سيصبحون يوماً ما محاربين أيضاً… على ما أظن.» أصدرت حنجرة لايمسكين حشرجةً تدل على البهجة. «سأمنحكن الإذن بالهجوم، لكن لا تبالغن في الأمر.»

«أيها الضابط الأول!»

صرخت نايغلاتو، والضيق يملأ نداءها.

«ما هو الخيار الآخر؟ لا يمكنني إجبارهن على البقاء هنا، ولا يمكنني تركهن يشققن طريقهن بالقوة إلى الجبهة.»

«هذا… قد يكون صحيحاً، ولكن—»

«والأهم من ذلك، أن هذه المحاربة الشابة قد أرتنا الريح.»

مسح رجل السحالي بخفة على شعر تيات براحته الضخمة.

«حشد كامل من الناس لا يمكنه تقييد الريح، والريح لن تسمح بذلك. هذا كل شيء.»

تماماً كما قيل لها مسبقاً، بقيت لاكيش وحدها في الخلف.

بعد أن حصلت على أكبر عناق على الإطلاق من نايغلاتو، راقبت بوجه شاحب رانتولك وآيسيا وتيات وهن يحلقن في سماء الصباح.

عندما نظرن للأسفل من السماء، أدركن لأول مرة أنهن لم يحلقن على الإطلاق منذ قدومهن إلى كولينا دي لوتشي. رؤية الشوارع والمباني من منظور مختلف منحهن ابتهاجاً غريباً، مثل التسلل إلى كواليس مسرح للحصول على لمحة عن طاقم العمل. كان إحساساً غريباً… مثل وضع كتاب على رف كتب أعيد تنظيمه بعد قراءة ممتعة والتحديق في كعبه من مسافة بعيدة.

بمجرد أن خفضن ارتفاعهن قليلاً، استطعن رؤية أن الشوارع والمباني قد شُوهت. سقطت المباني وتحولت إلى أكوام من الأنقاض. وفي منتصف ذلك كانت هناك سفينة جوية محطمة. وفي بقع حولها كان هناك أُناس، منهارون، وبحيرات من الدماء متناثرة حولهم. كان هناك من لديهم دماء حمراء، ودماء زرقاء، ودماء شفافة تماماً. جثث متنوعة من أعراق مختلفة ملقاة في الشوارع مثل الدمى المكسورة.

… لقد كان مشهداً مرعباً بشكل موضوعي.

كان عرق الجنيات يفتقر إلى الخوف الطبيعي من الموت، ولهذا بالكاد شعرن بأي نفور من المشاهد والحوادث المتعلقة بالموت. على سبيل المثال، حتى مع وجود عدد من الجثث حولهن، فإن ذلك لن يخيفهن. ومع ذلك، بالطبع، في مواجهة جبال من الموت غير المنطقي، تملكهن غضب شديد كما قد يحدث لأي شخص.

«آه! ها هو ذا! هذا هو السلاح الجديد!»

لوحت تيات بيديها، وجسدها كله يشير إلى اكتشافها الكبير.

رأين درعاً معدنيا ضخما يسير عبر الشارع تحتهن. كان ضخما بما يكفي ليسع عملاقين أو ثلاثة من لايمسكين. كان ذلك يعني أنه لا بد من وجود عملاق حقيقي بداخلها، لكن حركتاته كانت غير سلسلة، لذا لم يبدُ أن الأمر كذلك.

لاحظت عدة وحوش أورورا وجوده واندفعت للهجوم. استخدمت شعيراتها الناعمة التي لا تحصى للتسلل فوراً إلى قدمي الدرع وتشبثت بكاحليه مثل العلق في مستنقع.

لكن شعيراتها، التي يمكنها اختراق المعدن عندما يتصلب، تم صدها بسهولة شديدة بواسطة الدرع، وانقلبت الوحوش بسهولة بالغة فوق شارع مرصوف بالحجارة. وبعد لحظة واحدة، قامت مطرقة حرب عملاقة بتهشيمها إلى نصفين.

«إنه… أقوى بكثير مما ظننت.»

«بالتأكيد. كنت أفكر في الشيء نفسه تماماً.»

قبل لحظات قليلة فقط، كنّ ينظرن إلى شعب إلبيس على أنهم ليسوا أكثر من حمقى تملكهم الغرور عندما يتعلق الأمر بقياس قوتهم. افترضن أن إلبيس لديها إيمان لا أساس له بقدرتها المطلقة على القتال والانتصار ضد الوحوش، التي لا يعرفون عنها شيئاً، لأنهم أقوياء للغاية.

لكن الجنيات كنّ مخطئات.

هذه الدرع المعدني كان يُغَطى باستمرار بـ فـينيوم يشتعل بقوة لا تصدق. وتلك المطرقة الحربية كانت كذلك أيضاً.

لا يمكن تدمير الوحوش بالوسائل العادية؛ إذ لا يمكنها تلقي أضرار جسيمة إلا من هجوم باستخدام فـينيوم قوي لتعطيل بنية أجسادها. كان هذا هو السبب في أن الجمع بين الجنيات والأسلحة العتيقة أصبح ضرورياً للقضاء على الوحوش. ومع ذلك، كان هذا الدرع المعدني يُظهر نتاجاً من الـفينيوم يضاهي نتاج جنية تستخدم سلاحاً عتيقاً.

«هذا السلاح الجديد قد يعمل حقاً كـ ورقة رابحة ضد الوحوش…»

ما كان يزعجهن هو مصدر الفـينيوم الخاص بهذه الدرع.

الفـينيوم هو انعكاس لقوة الحياة؛ فكلما اقترب شخص ما من الموت، زادت قوة الفـينيوم التي يمكنه إشعالها. إذا كان هذا الدرع مجرد آلية بدون أحد بداخله، مثلاً، فليس هناك طريقة تمكنه من استخدام الفـينيوم في المقام الأول. لكن من الصعب تخيل وجود شخص من عرق ضخم و مُعضَّل يمكنه ارتداء درع بهذا الحجم والتجول به دون مشكلة، وفي الوقت ذاته يملك حياة ضئيلة متبقية لدرجة تمكنه من استخدام كل هذا القدر من الفـينيوم.

(… هذه القوة قد تعادل حتى القدر الذي نحصل عليه عندما نفتح البوابات إلى موطن الجنيات…)

“فتح البوابات إلى موطن الجنيات” كان اسم ظاهرة التدمير الذاتي الناتجة عن إشعال الجنيات غير المستقرة للـفـينيوم بما يتجاوز حدودها. إنها تمنحها في تلك اللحظة قدراً متفجراً حرفياً من الفـينيوم— الذي تُبخر حرارته أي وحش يلامسه مباشرة. لم يكن من المفترض أن يكون شيئاً يمكن تكراره عبر أي تركيبة من التكنولوجيا والمواد المادية.

(كيف بحق… يعمل هذا الشيء…؟)

لم يكن هذا سؤالاً يمكن الإجابة عليه بمجرد التفكير فيه؛ بدا الأمر وكأنه نتاج تكنولوجيا مذهلة تتجاوز فهم أي شخص عادي على أي حال. ومع ذلك، استمررن في التفكير.

لاحظن شيئاً يشبه قطرة من الضوء تنسكب من الكوع الأيمن للدرع. لقد رأين ذلك الضوء في مكان ما من قبل. وبينما كنّ يحاولن تذكر أين عرفنه، عضّ وحش الذراع اليمنى للدرع، محولاً شعيراته التي لا يتحصى إلى إبر، وطعن هدفه. لم تكن دفاعات الـفينيوم كافية؛ إذ اخترقت آلاف الإبر الألواح الفولاذية، وشققتها، ومزقت الدرع إلى قطع.

«آه…»

ما كان بداخل الدرع انسكب إلى الخارج. ورغم أن الثلاثي كنّ يحلقن بعيداً في الهواء، فقد رأينه بوضوح. كانت هناك كتلة ضخمة من قطرات الضوء، تماماً مثل تلك التي رأينها قبل لحظة… وفي أعماقها… كان هناك شيء مغمور بضوء أزرق فاتح ناعم—

«… هاه؟»

وفي اللحظة التي اعتقدن فيها أنهن لمحن لمحة عنه، انفجر الشيء بأكمله إلى جزيئات من الضوء واختفى. ورغم فقدان أحد أذرعه، استمر الدرع المعدني في الحركة؛ أعاد ضبط قبضته على مطرقته بيده اليسرى، وبدون أن يتأثر على الإطلاق بما حدث، حطم الوحش الذي مزق ذراعه اليمنى.

«كان ذلك—»

رأينه للحظة واحدة فقط. واستطعن تخمين ماهيته فقط من تلك اللحظة. لم يكنّ متأكدات تماماً مما قد يكون من تلك اللحظة الوحيدة فقط.

«لا يمكن…»

كانت تلك بالتأكيد القطعة التي تعمل كأساس لقوة الدرع المتحركة؛ لقد كانت سر الأسرار. وإذا كان ذلك الشيء هو فعلا ما اعتقدنه، فقد يفسر بسهولة سبب إشعال الدرع واستخدامه لكل هذا القدر من الفـينيوم.

— لا يمكن أن يكون. أو ربما يمكن.

لكن كلا. كان ذلك انتهاكاً كاملاً لميثاق أرخبيل الجزر. حتى لو نالت إلبيس الحق في القيام بذلك في المستقبل القريب، فلا يزال غير مسموح لها بتجربته.

الواقع والخيال، أشياء أرادت تصديقها وأشياء لم تردها— كل ذلك اختلط داخل رأس رانتولك، وللحظة وجيزة، صار عقلها فارغاً.

(*باختصار شديد للي ما فهم ــ وهذا حسب فهمي الحالي فقط ــ

بعد ما اختفت تهديدات وحوش تيميري، والي كان الحرس المجنح والجنيات هم المتكلفون بها، ما عادت للجنيات أي فائدة، ولهذا قرر الحرس أنهم يغلقوا المستودع ويصرفوا الجنيات.

إلبيس ـــ والي هي منظمة منافسة للحرس وتتمركز بالجزيرة رقم 13ـــ عرفت السالفة وقررت تباشر بالتحرك مباشرة؛ راحوا جابوا وحوش من السطح و خططوا انهم يرموها على مدينة ما ويتسببوا بمذبحة وفوضى، بعدها يجون يتدخلون بـ “سلاحهم الخاص”، والي هو، حسب ما شفنا، ذاك الدرع العملاق.

وبهذا يثبتون جدارتهم ويهدمون كل الثقة الي بناها الحرس المجنح طوال هذا الوقت بمحاربة الوحش السادس، وعندها يحلون مكان الحرس وبكذا يحققون غايتهم.)

التالي
74/76 97.4%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.