تجاوز إلى المحتوى
WorldEnd/ نهاية العالم| ماذا تفعل عند نهاية العالم؟ هل أنت مشغول؟ هل ستنقذنا؟

الفصل 67

3. الرجل الذي بلا ماضٍ

كان هناك ذلك الشعور وكأنه يخرج من طين ثقيل ولزج. وبمجرد أن جلس، انزلق السواد الذي يغطي جلده ببطء. لكن هذا لم يعني أنه قد اختفى؛ بل تجمع عند قدميه ولم يغادره.

— كان هذا هو شعوره في اللحظة التي استيقظ فيها.

«آه…»

فتح عينيه ببطء.

اخترق شعاع من الضوء عالمه شديد السواد. نما ذلك الشعاع بثبات وسرعان ما أصبح وجه طفلة صغيرة تتفحصه عن قرب.

«… آه؟»

«أوه!»

تلاقت أعينهما. رأى عينيها الحمراوين الكبيرتين ترمشان مرة واحدة. وراقب تعبيرها الجاد وهو يتحول ببطء إلى ابتسامة عريضة من الأذن إلى الأذن.

«وي…»

وي؟

«ويلي استيقظ!»

«… هاه؟»

لم يكن دماغه يعمل بشكل صحيح. كانت أفكار غير مفهومة ومشتتة تدور داخل جمجمته، لكنه لم يستطع تذكر أي شيء مهما حاول. ما هو “ويلي”؟ بدا الاسم مألوفاً بشكل غامض، ومع ذلك كان غير مريح نوعاً ما.

«نيلز، تعال إلى هنا! ويلي استيقظ!» صرخت وهي تستدير وتقفز في مكانها. كان شعرها الأحمر الطويل بشكل غير معقول يتأرجح بنعومة ذهاباً وإياباً.

«أجل، أجل، أنا أسمعكِ. اخفضي صوتكِ— ستزعجين الجيران.»

دخل الغرفة رجل يبدو عليه التعب، وهو يحك مؤخرة رأسه بتكاسل.

صحيح، الغرفة. نظر حوله مرة أخرى ورأى أنها غرفة تتم صيانها جيداً، وعلى الأرجح كانت في نزل. الأثاث، بما في ذلك السرير الذي كان يستلقي عليه، لم يكن فاخراً بشكل خاص، لكنه لم يكن رثاً أيضاً. كان السعر المعتاد لهذه الغرفة ربما حوالي ثلاثين برادال لليلة— وكان بإمكانه أن يعرف من نظرة واحدة أنها تخضع للتنظيف، لذا قد تكون أغلى قليلاً من ذلك.

لكن الوقت لم يكن مناسباً لهذه التأملات العبثية.

كان هناك ألم مكتوم في أعماق عقله. ظلت أفكاره تدور في حلقات مفرغة. كانت الأشياء التي لا تهم تثير انتباهه بينما استمر تجاهل ما هو مهم حقاً بشكل عابر.

«هيك، ويليم،» قال الرجل الواقف بجانب سريره، وهو يخفي بابتسامته ما يفكر فيه حقاً.

«… ويليم؟»

«أجل. هذا هو اسمك. لقد نسيته، أليس كذلك؟»

ويليم. ويليم. صحيح. إذن هذا هو اسمه. والآن بعد أن سمعه، كان له بالتأكيد وقع مألوف. لكنه لم يكن ليلاحظ أبداً لو لم يذكره الرجل، مما يعني—

«هل فقدتُ ذاكرتي؟» سأل.

أدرك على الفور مدى غرابة هذا السؤال. الشخص الوحيد الذي يمكنه معرفة ما إذا فقد ذاكرته هو هو نفسه. لم يكن شيئاً يمكنه سؤال شخص آخر عنه، على الأقل. وبمجرد أن خطرت هذه الفكرة بباله—

«يمكنك قول ذلك.» جاءه رد غير متوقع. «إليك الأمر، سأشرح لك القصة بأكملها ببساطة:

في الوقت الحالي، هناك شيء خبيث متجذر في ذاكرتك وشخصيتك. وجسدك المادي سينتهي به المطاف كحطام إذا تركناه مكشوفاً. لذا، قمت شخصياً بوضع غطاء على جزء كبير من ذاكرتك لإغلاقه بإحكام. إنه إجراء طارئ ومؤقت، لكنه من ”صنعي“، لذا لن يتم تمزيقه بهذه السهولة. يمكنك أن تبكي وتتوسل عند قدمي كشكر لي.»

«انتظر، ما البسيط في كل هذا؟»

«اخرس. من هو الشخص الذي ظهر عند عتبة بابي وهو في حالة يرثى لها في المقام الأول؟»

لم يجد خياراً سوى الصمت عندما قال الرجل ذلك.

«… هل تتحدث عني؟ لا أتذكر.»

«كلاكما، أنت وهذه الطفلة هنا. أنتما بالتأكيد متفقان، تجلبان مثل هذه الإزعاجات.»

ربت الرجل على الفتاة، وكانت راحة يده الكبيرة ثقيلة على رأسها.

«آي! آي!»

«لا تقلقي، لن يقتلكِ هذا مجدداً بعد كل ما حدث على أي حال.»

قام ببعثرة شعرها بخشونة.

«لا، آي! توقف!»

«با-ها-ها-ها، حسناً، حسناً.»

اعتدل ويليم في جلسته على السرير.

تحركت ذراع ويليم بسرعة أكبر مما تدركه عيناه؛ أزاح يد الرجل بعيداً وجذب الفتاة الصغيرة إليه. استقر جسدها الصغير والخفيف فوق صدره مباشرة مع صوت ارتطام خفيف.

«إيك!» صرخت بصوت خافت.

(إنها باردة)، فكر ويليم. عادةً ما تكون درجة حرارة أجسام الأطفال في هذا العمر أعلى بكثير.

«لا أعرف ما الذي يحدث هنا، لكن كفَّ عن ذلك. إنها لا تحب هذا.»

«… صحيح.» بينما رد الرجل مذهولاً، لانت النظرة في عينيه. بدا الأمر وكأنه يراقب شيئاً لم يره منذ زمن طويل.

أما الفتاة التي بين ذراعيه، فقد عجزت عن الكلام، وحبست أنفاسها بوجه محتقن باللون الأحمر، وأخذت ترمش بعينيها. لم يبدُ أنها تكره الأمر بشكل خاص، لذا قرر البقاء على وضعه الحالي في الوقت الراهن.

«وبعد؟ الطريقة التي كنت تتحدث بها توحي بأنك فعلت شيئاً لها.»

«كفَّ عن تلك النظرة المخيفة. لم أفعل أي شيء هي لا تحبه، حسناً؟»

«هل أنت متأكد؟ لقد كنت تضربها للتو!»

«مهلاً الآن، نحن مقربان فحسب. ألا يرسم هذا ابتسامة على وجهك؟ لا ترفع حاجبيك في وجهي هكذا.»

«لا يوجد أحد آخر هنا يبتسم. هذا العذر لن ينطلي عليّ.»

حدق في الرجل بحدة.

«أنت لا تتغير أبداً، أليس كذلك…؟» قال الرجل، بنبرة تحمل عمقاً غريباً.

«حسناً، مهما يكن. تلك الفتاة هناك هي جثة حية. ما قد نسميه نوعاً من الأشباح منخفضة المرتبة، ويا للسخرية.»

أشار بإصبعه إلى الفتاة.

«ماذا؟»

«حسناً، هذا الجسد خالد في الأصل. كانت اللعنة التي أصابتها تهدف لتحويلها إلى جثة، وهذا ما حدث عملياً. لذا قمتُ أنا، الشخص المميز، بفك اللعنة عنها قليلاً فقط. وروحهـا، التي أصبحت أنحل الآن بعد أن تحطمت إلى نصفين، انزلقت في تلك الفجوة. لقد شُفيت لمجرد لمسة— جسدها تحسن بنسبة واحد بالمئة تقريباً، وروحهـا بنسبة خمسين بالمئة.»

«انتظر، عن ماذا تتحدث بحق؟»

جثة؟ شبح؟ خالدة؟ روح؟

فكر ويليم (لأنه لم يمتلك ذاكرة تسعفه في إصدار حكم دقيق) أن هذه الكلمات ليست مما يُسمع عادة. على الأقل، ليست أشياء تناسب الطفلة الصغيرة التي بين ذراعيه.

«ألا تصدقني؟ اسحب ملابسها وألقِ نظرة بنفسك. قلبها لا يزال مشقوقاً إلى نصفين. لم يلتئم بعد.»

«ماذا؟»

تعجب حقاً مما يهذي به هذا الرجل، لكنه قرر تنفيذ ما قاله في الوقت الحالي. علق إصبعه بياقة ملابس الفتاة وجذبها، ثم ألقى نظرة خاطفة عبر الفتحة.

— وهناك كانت: طعنة عريضة وعميقة في صدرها.

مهما حاول تحليل الأمر، كانت تلك الطعنة قاتلة. أي كائن حي طبيعي لا يمكن أن يبقى على قيد الحياة بإصابته بجرح كهذا.

«ماذا…؟»

«أرأيت؟ أخبرتك. قد أرتكب خطأ هنا أو هناك أحياناً، لكنني لا أكذب أبداً.»

لم يبدُ له أن هذا شيء يجب قوله بكل فخر، لكن ذلك لم يهم الآن. أعاد نظره نحو صدر الفتاة، محاولاً فقط استيعاب ما يجري—

همم؟

رفع نظره إلى الفتاة. وعلى الرغم من أنه لا ينبغي أن يكون هناك دم يتدفق في عروقها، إلا أن وجهها كان محمراً بشدة. كانت الدموع تتجمع بسرعة في زوايا عينيها، وكأنها ستنفجر بالبكاء في أي لحظة.

لقد فات الأوان بالفعل عندما أدرك السبب.

«أحمققققق!!!»

لطمت بكلتا يديها على خديه.

أما الرجل، فكان يقهقه بصخب.

«ما المضحك في الأمر؟»

«وجهك، وماذا غيره؟ إنه قطعة فنية بمدى احمراره. انظر في المرآة.»

كان بإمكانه تخيل ذلك؛ ولم يرغب في تكبد عناء النظر فعلياً.

بدلاً من ذلك، نظر ويليم نحو الباب الذي اندفعت الفتاة خارجة منه.

عندما فكر في الأمر بهدوء، كان من الواضح له أنه قد فشل فشلاً ذريعاً للتو. الفتيات يبقين فتيات، حتى— لا، خاصة اللواتي في مثل سنها. كان ينبغي أن يكون أكثر حذراً.

(انتظر— قد تكون طفلة صغيرة، لكنها لا تزال “جثة”. ولكن حتى لو كانت جثة، فهي لا تزال فتاة. لماذا تتحرك جثة على أي حال؟ خالدة؟ لماذا؟ تباً، أنا لا أفهم أي شيء من هذا.)

«… حسناً، لننسَ الأمر في الوقت الحالي. دعني أتحدث معك بجدية.» انخفض صوت الرجل إلى نبرة عميقة. «كم تستطيع أن تتذكر، سواء عن نفسك أو عن أي شيء آخر؟»

«عن نفسي…؟»

فكر ويليم قليلاً.

أولاً، بما أنه كان قادراً على إجراء هذه المحادثة، فهذا يعني أنه لم ينسَ اللغة المشتركة لأرخبيل الجزر. كان بإمكانه تذكر أسماء الأشياء المختلفة في الغرفة— نظر حوله ليتأكد— لا مشكلة.

ولكن أي شيء عن نفسه؟ لا شيء. أين كان؟ من كان المقربون منه؟ ماذا كان يفعل؟ كل الأشياء التي يحبها، وكل الأشياء التي لا يطيقها— لم تظهر أي من تلك المعلومات من أعماق عقله. لم تكن المحاولة تسير بشكل جيد كلما حاول استرجاع ذكرى شخصية؛ كان يعترض طريقه ضغط يشبه غوصه في أعماق مستنقع بلا قاع.

ومع ذلك، أجبر يده على الغوص عميقاً في طين ذكرياته—

—وهناك كان شخص ما، يبتسم له بحزن.

«غـــهـ!!»

صداع مفاجئ داهمه. ضغط ويليم على جبهته.

«توقف. لقد وضعتُ الختم لسبب ما، فلا تُضَيِّعه،» تذمر الرجل. «في الوقت الحالي، أنت تقف على خط رفيع جداً حيث لا تزال قادراً على أن تكون نفسك. إذا تخطيت ذلك الخط، فلن ينتظرك سوى سقوط عظيم. كل ما كان يمثلك سيختفي. وعندما يحدث ذلك، لن أستطيع فعل شيء. هل فهمت؟ إذا كنت تقدر حياتك، فلا تحاول أبداً، أبداً، أن تتذكر.»

«… ماذا لو كان هناك شيء يتعين عليّ فعله؟»

إذا أبقى عينيه مغمضتين وأصابعه تضغط على جبهته، فإن صداعه يخف ببطء.

«تخلَّ عن ذلك،» هز الرجل كتفيه. «أنا لا أقول هذا من باب الضغينة، أتسمعني؟ لا أعرف ما الذي كنت تريد فعله، ولكن في اللحظة التي تتذكر فيها ماهيته، ستتوقف عن كونك نفسك. وذلك الشيء الذي ليس أنت لن يحقق بأي حال من الأحوال ما كنت تصبو إليه. أنا أقول إن الأمر لن يحدث في كلتا الحالتين.»

كان منطقه صحيحاً. من الناحية الأساسية، لم يكن لدى ويليم وسيلة للرفض سوى الاعتراض عاطفياً. لكن الرغبة في فعل ذلك لم تأته قط. لم يستطع حقاً أن يقول لا.

«… صحيح.»

لسبب ما، شعر بثقل طفيف يزاح عنه في تلك اللحظة. عندما قال الرجل إنه ليس مضطراً لتذكر ماضيه وليس مضطراً لتحمل كل التبعات التي تأتي معه، شعر وكأنه قد أُنقذ بطريقة ما.

اختفى صداعه، لكن عقله وأحشاءه ظلوا يشعرون بالثقل. ألقى برأسه مجدداً على الوسادة.

«سأتبع نصيحتك. لا أستطيع تذكر ما فعلته، ولكن يبدو أنك فعلا اعتنيت بي جيداً.»

«حسناً، نم قليلاً بعد. في المرة القادمة التي تستيقظ فيها، يجب أن يكون رأسك المخبول هذا أفضل قليلاً.»

داهمه نعاس مفاجئ.

«… أجل،» رد بذهول. «أوه صحيح، هناك شيء أريد أن أسألك عنه.»

«ماذا؟»

«أنت والطفلة. ما اسماكما؟»

«صحيح… أجل، معك حق. يا رجل، لقد نسيت تماماً.» حك الرجل رأسه وهو يتحدث. «أنا نيلز. والصغيرة هي إلك. واسمك أنت ويليم.»

نيلز.

وإلك.

«أشعر وكأنني سمعت كلا اسميكما من قبل. هل كنا نعرف بعضنا في الأصل؟»

«أجل. كنت تتطلع إليّ وتناديني “معلمي”.» قال الرجل بفخر وتعبير غبي على وجهه.

«كلا، لم يحدث ذلك قط.»

«لا تشك فيّ! أنا لا أقول الأكاذيب، أتذكر؟!»

«لا، هيا، مستحيل. لا تبدو كنوع الأشخاص الذين يعلمون الناس أي شيء، أتعلم؟»

«أقول لك— إنها الحقيقة! لماذا هذا هو التفصيل الوحيد الذي ترفض تصديقه؟!»

« حدس طبيعي.»

«لقد اعتدتَ قول هذا الهراء طوال الوقت! أنت تعلم أن ذاكرتك من المفترض أن تكون مختومة، أليس كذلك؟!»

حسناً، حتى هو اعتقد أن الأمر غريب قليلاً. أدرك أن أسلوبه لم يكن موجهاً لشخص يقابله للمرة الأولى. شعر بملائمة غريبة في المزاح معه، وكأنه عاد إلى مسقط رأسه البعيد للمرة الأولى منذ زمن طويل.

«أنت تشبه والدي اللعين أكثر من كونك معلماً.»

«… حقاً، أيها الولد…» تنهد نيلز بعمق. «آه، مهما يكن. أنا مغادر، لذا نل بعض الراحة.»

«شكراً على كل شيء.»

«لو كنت ستشكرني بصدق هكذا طوال الوقت، لكان عليك فعل ذلك منذ البداية. يا للهول.»

على الرغم من أن ظهر الرجل كان إليه، إلا أنه كان لا يزال بإمكانه معرفة أن الرجل كان يبتسم بِزُهُوٍّ من فوق كتفه. لم يلتفت لمواجهته؛ خمن ويليم أنه قد يكون محرجا.

«—أوه أجل.» وقف نيلز بجانب الباب وأضاف شيئاً آخراً وكأنه مر بباله لتوّه. «لا تستخدم عينك اليمنى كثيراً. ختمي يعمل فقط على التغييرات في الروح، حسناً؟ التغييرات في جسدك تبقى كما هي. سينفك الختم إذا اعتدت عليها أكثر من اللازم.»

«عيني اليمنى؟»

«ألقِ نظرة بنفسك. هناك مرآة هناك.»

أُغلق الباب. تلاشت خطواته.

وفي المكان الذي أشار إليه بذقنه أخيراً، كانت هناك مرآة مكتب صغيرة بما يكفي لتناسب راحة يده.

«ما الذي يحدث بحق…؟» شعر بتعكر المزاج نوعاً ما، لكنه لم يستطع تجاهل الأمر فحسب. سحب جسده المتثاقل والناعس من السرير، وأمسك المرآة بيده، ونظر إلى وجهه.

«……»

أمامه كان وجه شاب ذو شعر داكن يفتقر إلى الطموح.

أول شيء لاحظه هو كيف كان كلا خديه أحمرين ومتورمين بآثار كفوف صغيرة.

والشيء الثاني هو كيف كانت عينه اليمنى… وعينه اليمنى فقط تتوهج بلون ذهبي، تماماً مثل عين حيوان مفترس. كانت عينه اليسرى سوداء مثل شعره، لذا كان هذا على الأرجح لونه الأصلي. كان ذلك على الأغلب الدليل على أن شيئاً فظيعاً بداخله يحاول فعل أشياء فظيعة به، تماماً كما قال نيلز.

«… فهمت الآن.»

انتفخ القلق بداخله بمجرد النظر إلى اللون الذهبي. ومهما كان ذلك الشيء، لم يكن شيئاً جيداً. والآن بعد أن آمن بذلك بقوة، أغلق عينه اليمنى. ثم زحف تحت الغطاء وأغلق عينه المتبقية ببطء.

«السيد نيلز؟ لقد غادر في وقت مبكر جداً هذا الصباح.»

أخبره صاحب النزل بذلك في الصباح التالي— وكان صاحب النزل، ويا للمفاجأة، رجلاً من عديمي السمات.

«هاه؟»

«أخبرني أنه سيذهب في رحلة قصيرة وليس متأكداً مما إذا كان سيتمكن من العودة. وقال أيضاً اعتني بنفسك.»

«انتظر، انتظر، توقف لحظة. لم أسمع أي شيء عن هذا؟»

«إنه من النوع الذي ينهض ويغادر دون تفكير مسبق، كما ترى. ومن الطريقة التي صاغ بها كلامه، قد يعود فجأة في وقت ما قريباً، ولكن من يدري متى سيكون ذلك؟»

«انتظر، ماذا؟»

أي نوع من المتشردين كان ذلك الرجل العجوز؟ لقد كان ويليم هو الطرف المتلقي لكل مساعدته، لذا ربما لا ينبغي له أن يفكر في الأمر بهذه الطريقة، لكنه تمنى لو أمضى الرجل على الأقل أكثر من ثانيتين في التفكير في الأشخاص الذين سيتركهم خلفه. لم يستطع ويليم تذكر ماضيه، لذا لم يكن لديه أي ممتلكات باسمه. لم يكن من الطبيعي ترك شخص لا يعرف اليمين من اليسار ولا الأعلى من الأسفل بمفرده تماماً. على الأقل، هو نفسه سيكون خائفاً جداً من فعل ذلك.

قال الرجل إن ويليم دعاه ذات مرة بـ “المعلم”. مستحيل أن يكون ذلك صحيحاً؛ لم يستطع ويليم تخيل نفسه يتطلع إلى ذلك الرجل غير المسؤول كمعلم.

«أوه، يبدو أن رفيقتك قد استيقظت.»

متسائلاً من تكون، التفت ويليم، ليجد وجهاً يطل من خلف زاوية في الرواق، كان وجه الفتاة ذات الشعر الأحمر— إلك.

«رفيقتي؟»

«هذا ما قيل لي.»

(حسناً. هكذا شرح الأمر إذن. من خلال استبعاد نفسه من الصورة.)

ازداد انزعاج ويليم من منقذه، وأشار بلطف للفتاة لتقترب.

ترددت إلك في البداية، لكنها سرعان ما أظهرت نفسها وهرعت نحوه.

«ص-صـباح الخير…»

«آسف بشأن الأمس.»

أحنى ويليم رأسه. حدقت إلك فيه بذهول.

«أوه… لا-لا بأس. طالما أنك تفهم… أمم، علاوة على ذلك، لست غاضبة تماماً بعد الآن…»

«أرى ذلك. أنتِ طيبة جداً يا إلك.»

رفع رأسه وابتسم لها. لسبب ما، أصدرت إلك صوتاً قصيراً يشبه «أورك!» وتراجعت نصف خطوة عنه.

«ما الأمر؟»

«لا-لا شيء.»

كان من غير المعتاد سماع كلمة “لا شيء” تبدو غير مقنعة إلى هذا الحد. فكر في مضايقتهت من خلال الضغط عليها بالسؤال، لكن ذلك لن يكون تصرفاً ناضجاً منه، لذا امتنع عن ذلك.

يبدو أنه قد عُثر على كل من ويليم وإلك قريبين نسبياً من بعضهما البعض. ومثله تماماً، أنقذها نيلز أيضاً. ومعاً، تركهما نيلز خلفه. لم يكن يعرف منذ متى يعرفان بعضهما، لكنهما كانا في هذا الموقف معاً، لذا كان من الأفضل على الأرجح أن يتفاهمان. على الأرجح.

أولاً، كان بحاجة للاستعداد لبدء حياة جديدة. كان بحاجة لفهم ما يمكنه وما لا يمكنه فعله. كان بحاجة للعثور على عمل أيضاً. لا تزال إلك صغيرة، لذا كان عليه جني ما يكفي من المال لرعايتها هي أيضاً. وعندما يعود نيلز، سيلقنه درساً لن ينساه؛ لن يتجاهل هذا أبدا.

«بالمناسبة، لم أستلم بعد دفعة إقامة ليلة أمس— ما الذي تنوي فعله حيال ذلك؟»

أجرى تعديلاً واحداً على تصريحه السابق. عندما يعود نيلز، سيوجه إليه لكمة قوية لتصاحب ذلك الدرس الذي سيلقنه له. لن ينسى هذا أبدا.

«هل تعرف أي أماكن هنا قد توظف شخصاً من عديمي السمات لا يعرف شيئاً عن نفسه؟»

«بالتأكيد. يمكنني التفكير في مكان واحد فوراً.»

يبدو أن هناك مكاناً كهذا بالفعل، ويا للمفاجأة. كان قد شك في وجوده عندما سأل.

«هذه مساعدة كبيرة. هل يمكنك تقديمي إليهم؟»

«ستحصل أيضاً على ثلاث وجبات كاملة يومياً، ولن يمانعوا وجود سيدة صغيرة معك.»

«هذا—»

«وأعتذر عن التأخر في تقديم نفسي. أنا أستارتوس، المالك. قد نكون نزلاً صغيراً، لكن هناك الكثير من العمل للقيام به. تأكد من أنك على قدر المسؤولية، حسناً؟»

مد يده اليمنى متوقعاً المصافحة. (تباً لنيلز ذاك. لقد توقع أن يحدث هذا وتركنا خلفه، أليس كذلك؟) كان مقتنعاً تماماً بأن هذا هو الحال، وشعر بالأسف على نفسه الآن لأنه لم يملك خياراً سوى قبول عرض صاحب النزل الكريم.

«… أجل. شكراً.»

محارباً الرغبة في خفض كتفيه بخيبة أمل، أمسك ويليم بيد الرجل اليمنى بيده.

✦ انتهى الفصل ✦

هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.

تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .

مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

التالي
67/76 88.2%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.