تجاوز إلى المحتوى
WorldEnd/ نهاية العالم| ماذا تفعل عند نهاية العالم؟ هل أنت مشغول؟ هل ستنقذنا؟

الفصل 61

3. عودة غير مرغوب فيها

كان هناك رجل شرير.

والرجل القوي هزم ذلك الشرير.

تلاشى الشر من العالم، وعمّت السعادة الجميع.

كان من المقبول تماماً أن تبدأ القصص بهذا الشكل.

وكان من المقبول تماماً أن تنتهي بهذا الشكل أيضاً.

لكن لسوء الحظ، لم تكن قصتهم هكذا. لم يُمنحوا شراً عظيماً ليكون مصدر كل خطايا العالم، ولم يُمنحوا القوة لسحق ذلك الشر بيُسر.

لذا بدأت قصتهم من مكان غير مألوف بعض الشيء.

وقصتهم ستتبع خطى أقدامهم وهم يتيهون في الظلام، لتنتهي تماماً حيثما حطت بهم الرحال.

ريغول آير، في السماء فوق الجزيرة رقم 11.

حلقت سفينة هوائية وحيدة، مختبئة بين سحب الرعد. من الخارج، بدت وكأنها مركبة مدنية لمراقبة السطح؛ فبدا الهيكل الخارجي للسفينة رثاً إلى حد ما. الصفائح المقاومة للغبار، التي خضعت لعدة طبقات من تقنية ”وِسكيس بوردِرِنغ“، زُينت بنمط مرقط أنيق، ومواصفات المراوح اليمنى واليسرى لم تكن متطابقة، كما كان زجاج عدة نوافذ على طول جانب السفينة متشققا، مما جعل الستائر الداخلية مغلقة بإحكام. رُسم على الجانب بالطلاء وجه قط أسود وعبارة ”وكالة باتو للمغامرات“.

لكن لو وُجد أي شخص ذو خبرة كافية في الجوار، لاستطاع أن يدرك أن مظهر السفينة بالكامل كان مريباً بعض الشيء. كانت الصفائح الواقية من الغبار سليمة عملياً، بل تكاد تكون جديدة تماماً، وهو ما يتناقض كلياً مع قذارة بقية أجزاء السفينة. كانت تطير بثبات نسبي رغم كثرة القطع المُرَكّبة على عجل الملحقة بها، والستائر المرئية خلف النوافذ على طول جانب السفينة بدت متينة للغاية مقارنة بطرازها. والأهم من ذلك، كان صوت الهدير المستقر ينبعث بوضوح من مِصهرٍ* مسحور كبير—وهو أمر لا يناسب بالتأكيد سفينة جوية* مدنية صغيرة الحجم.

ببساطة، لم تكن هذه السفينة الجوية العادية التي قد يوحي بها مظهرها لأي شخص. الاسم الرسمي لهذه السفينة كان ”قابضة الغد رقم 7“. لقد كانت سفينة عسكرية مهيبة، تابعة لقوات دفاع إلبيس الجوية، ومقرها الجزيرة رقم 13.

*(سابقا كنت أترجمها لـ “الفرن المسحور” لكن اكتشفت أن furnace ترجمتها الأدق هي المِصهر لأنه ليس فرنا عادية كالذي بالمنازل 🤦♂️. المهم هي بالانجليزية enchanted furnace)

*(أعلم أنني تأخرت في استيعاب هذا، لكن الافضل ترجمتها لـ السفن الجوية بدلا من السفن الهوائية، لأنها كتبت بالانجليزية airship)

قمرة القيادة.

بعينيه الكبيرتين المستديرتين، تفحص الجندي الضفدع العدادات المثبتة على الجدار. كانت جميع المؤشرات، من أقصى يمين الجدار إلى أقصى يساره، تسجل باستمرار أرقاماً رتيبة وغير مثيرة للاهتمام، تدل على الأمان. كانوا يحلقون بسلاسة.

وفق مسارهم الحالي، ستصل هذه السفينة الجوية قبل الفجر إلى منطقة الرسو الأولى في الجزيرة رقم 11. عندها سيكون بإمكانهم تسليم الغنائم التي استولوا عليها للتو من السطح إلى الفنيين الباحثين في قوات الدفاع الجوي.

«ـــ اممم، أيها الضابط؟» أدار الضفدع رأسه بسرعة. «أعتقد حقاً أنه يجب علينا التخلص من تلك الحمولة. قد يكون ذلك مخالفاً لأوامرنا، لكنني أؤمن أنها خطيرة للغاية.»

«ماذا دهاك؟ هل تملكك الرعب؟»

ارتفعت زاوية فم الضابط المستذئب بضحكة ساخرة، كاشفة عن ناب.

«لا، ليس الأمر كذلك. أنا فقط… لست مرتاحاً. خاصة تلك الأشياء الموجودة في غرف الشحن الثانية والثالثة. لم أسمع قط عن وحش يبدو هكذا.» ارتجف الضفدع. «لا نعرف أي كارثة لا تخطر على بال قد تجلبها.»

«لا يوجد ما يدعو للخوف. نحتاج فقط إلى الثقة في نائب المارشال وخطته.»

نائب المارشال.

لم يستطع الضفدع منع عينيه من الاضطراب في اللحظة التي ذُكر فيها هذا اللقب.

«ليس الأمر أنني أشكك فيه أو أي شيء من هذا القبيل. أنا فقط…»

«الأشخاص الوحيدون الذين يصرون على أن تلك الأشياء خطيرة هم الحرس المجنح. إنهم أوغاد يتقاضون الأموال مقابل القتال ضد هذه الأخطار. ستكون أحمقاً لو صدقت أي شيء يقولونه على علاته.»

«… ماذا تقصد؟»

«أولئك الذين يدعون علانية أن العدو أخطر مما هو عليه في الحقيقة يمكنهم الحصول على أموال من الرعاة. إذا احتفظوا بالمعارك لأنفسهم فقط، فلن يكتشف الغرباء أكاذيبهم أبداً.

ما أحاول قوله هو أنها ليست بالسوء الذي يقوله هؤلاء الرجال—الحرس المجنح يصورونهم كأعداء أقوياء من أجل العمل التجاري فقط.»

«لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً!» ارتعد صوت الضفدع. «إحدى الجزر سقطت بالفعل، أتذكر؟! المنزل الذي نشأت فيه كان في الجزيرة رقم 15!»

«بالطبع. سيخسرون الفوائد ورأس المال إذا بدت جميع معاركهم كانتصارات سهلة. إذا تراجعوا وقدموا بعض التضحيات بين الحين والآخر، فإن الخطر يبدو أكثر إقناعاً. إنه مجرد عرض مسرحي.»

«هذا… لا، ولكن—»

«أما بالنسبة لكل أولئك المستكشفين الذين ذهبوا إلى السطح وقُتلوا، فسأقول إن هذا بالطبع ما سيحدث لمدنيين عديمي الخبرة. أما الجنود المدربون الذين يعرفون المعارك الحقيقية، مثلي ومثلك، فلا يوجد لديهم سبب للخوف من تلك الأشياء أكثر مما ينبغي.»

«آه—»

«وحتى لو كانت خطيرة حقاً، فإن تلك الكائنات الموجودة على متن هذه السفينة قد جُردت تماماً من قوتها بواسطة تقنية الحواجز الخاصة بنا. عند هذه النقطة، فإن كل ذلك الهراء حول كون هذه الأشياء كوارث منيعة لا يمكن المساس بها قد ثبت بالفعل أنه كذبة فاضحة.»

صمت الضفدع.

همهم المستذئب بخفة.

«أنا أعلم جيداً مدى قلقك بشأن مستقبل ريغول آير. إننا نحاول جلب شيء محظور إلى الجزيرة رقم 11، حيث يعيش عدد كبير من الناس—يمكنني أيضاً أن أدرك مدى شعورك بعدم الأمان حيال ذلك. لكن فكر في الأمر ببساطة أكبر.»

«كيف… ذلك؟»

«قال المارشال إن علينا أن نقاتل ونكسب مستقبلنا بأيدينا…» سحب المستذئب كلامه ببطء. «هل تعتقد أنه على خطأ؟»

«إر… آاه، لـ-لا.»

«بالفعل—أنت على حق. هذه هي الحقيقة المطلقة، وهذا هو الصواب. مما يعني أن الحرس المجنح، الذين يحتكرون المعارك مع الوحوش لأنفسهم، لا يمكن أن يملكوا أي حقيقة أو شرعية.»

«هذا—»

«علينا أحياناً تقديم تضحيات من أجل فعل ما هو صحيح. هذه حقيقة لا يمكننا غض الطرف عنها. ومع ذلك، هذا هو السبب ذاته الذي يجعلنا نسير بشجاعة في هذا الطريق. تلك هي مسؤولية وفخر أولئك الأعضاء في قوات دفاع إلبيس الجوية.»

«أنا…»

(هل هذا هو الأمر حقاً؟) تساءل الضفدع، مُميلاً رأسه.

لم يبدُ ذلك صحيحاً تماماً بالنسبة له. لكنه لم يكن متأكداً بالضبط مما هو خاطئ أيضاً. وإذا لم يكن هناك خطأ في الأمر، فلا بد أن ذلك يعني أنه صحيح، مما يجعل تردده مجرد جبن مخزٍ.

«أنا—أنا أفهم. من فضلك انسَ تقريري بشأن هذا الموضوع.»

«سأفعل. يسعدني أن أرى شعلة الشجاعة قد أُوقدت بداخلك.»

أومأ المستذئب برأسه بقوة، وهو يشعر بالرضا.

غرف الشحن من الأولى إلى الرابعة على متن السفينة.

كانت كل واحدة منها بمثابة حصن قائم بذاته.

كانت هناك طبقة رقيقة من الفضة، مُثبتة بخصائص مسحورة، طُليت على طبقات الألواح الفولاذية التي شكلت الجدران. وفي الأرضية، غُرست مصفوفة من الخشب والمعادن وشظايا العظام، مُرتبة في دوائر متحدة المركز. كانت كل واحدة من هذه الدوائر تحاكي العناصر المختلفة التي يتكون منها العالم—الشمس، الأرض، الحياة نفسها… كل واحدة منها صوّرت العالم بشكل مصغر.

شكلت هذه الدوائر حاجزاً مضاعفاً بسيطاً لكنه قوي.

كانت تعاويذ الحواجز وسيلة للحفاظ على جدران تعزل مساحة ما عن العالم نفسه. وبمجرد اكتمالها، يصبح ما داخل الحاجز عالماً مختلفاً عن خارجه. وعندما يحدث ذلك، تصبح القواعد داخل الحاجز مختلفة قليلاً. وفي اللحظة التي تظهر فيها تلك الاختلافات، لا يعود بإمكان العالمين التفاعل مع بعضهما البعض.

جدران العالم المصنوعة بهذه الطريقة لا تتحطم أبداً، مهما كانت قوة الشخص. تماماً مثلما لا يمكن لذئب مرسوم على لوحة قماشية أن يأكل رسّامه أبداً، فإن أي شيء يقع داخل هذه الحواجز لا يمكن أن يؤذي أي شيء في الخارج.

كان هناك شيء ما يجلس جاثما في مركز الحاجز المضاعف.

واتخذ ذلك الشيء هيئة شاب ذي شعر أسود ملامحه غير واضحة.

«… رغ، آغ…»

أطلق صوتاً منخفضاً يشبه البكاء.

هل كان يدرك أنه قد تم أسره؟ وهل علم أنه لا يمكنه الهروب بسهولة من هذا المكان؟ كان منحنياً لأسفل، يكتم ألمه في هذا العالم الصغير المنغلق.

— وفجأة، وقع اصطدام عنيف.

ارتعشت السفينة بقوة.

«ماذا كان ذلك؟ هل اعترض طريقنا حَجَرُ تنينٍ طافٍ؟» عقد المستذئب حاجبيه.

«لا، كان مجرد حجر طافٍ صغير. تباً، لقد كان مختبئاً وسط سحب الرعد، لذا لم ألاحظه.» رغم فحوى كلماته، لم يكن هناك أي توتر في صوت الضفدع. دارت عيناه الكبيرتان وهو يتفحص العدادات. «حسناً، ليست مشكلة كبيرة. هذه سفينة عسكرية في النهاية—مركبتنا ليست هشة لدرجة أن ارتطاماً بسيطاً كهذا قد يغرقنا. ربما تقشر الطلاء قليلاً، لكن طاقم الصيانة سيتولى الأمر لاحقاً.»

«أفهم ذلك—هذا مخيب للآمال قليلاً. جولة عادية من المشروبات لن تكفي لوضع هؤلاء الرفاق في مزاج جيد. وقسم المحاسبة سيعبس في وجهك إذا أحضرت لهم كل تلك الإيصالات.»

«أثق أنك تستطيع فعل شيء حيال ذلك… همم؟»

مرر الضفدع إصبعه بخفة فوق أحد المقاييس. كان هناك غبش طفيف في عرض مقياس الميل، الذي يقيس بانتظام كل جزء من الأجزاء الداخلية للسفينة.

«ماذا هناك؟» سأل المستذئب.

«أوه لا… يعني هذا على الأرجح وجود بعض الالتواء في هيكل السفينة. شيء قد يُفلس مدنياً إذا أراد إصلاحه. نحن جيش، لذا لا داعي للقلق بشأن ذلك.»

«انتظر—هذه مشكلة. الآن علينا استرضاء طاقم الصيانة بمزيد من الكحول.»

«حسناً، أثق أنك تستطيع فعل شيء حيا—»

رفع الضفدع رأسه.

«— هل سمعت شيئاً؟»

«همم؟ عما تتحدث؟»

«لقد كان أشبه بدويٍّ صغير أو شيء من هذا القبيل.»

تحولت نظراته نحو باب واحد. على الجانب الآخر كان هناك ممر، وفي نهاية ذلك الممر كانت غرفة الشحن الثانية.

«هل أنت متأكد أنك لا تتخيل الأشياء؟»

«همم، ربما تكون محقاً.»

وكما تبين لاحقاً، كان تقدير الجندي الضفدع صحيحاً.

المتسبب الحقيقي في الصدمة التي هزت السفينة لم يكن سوى ارتطام حجر طافٍ تائه. لم تتعرض السفينة لهجوم من سفينة معادية تختبئ وسط السحب الرعدية، ولم يتسلل إليها مخرب ليبدأ نشاطه، كما أن “الحمولة” في غرف الشحن لم تبدأ في التمرد.

تقييمه للضرر لم يكن خاطئاً أيضاً؛ فقد أدى الاصطدام إلى التواء بسيط في أحد عظام التنين، مما شوه بنية هيكل السفينة بالكامل. كان هذا هو كل الضرر الذي حدث، وبالطبع لم يكن كافياً للتسبب في مشاكل بطيران السفينة. ولو كانت هذه سفينة مدنية، لربما فزع أصحابها من تكاليف الإصلاح واكتفوا بتركها في المخازن؛ هذا هو كل ما وصل إليه الضرر.

كانت استنتاجاته حتى تلك النقطة صحيحة تماماً.

بيد أن الطاقم لم يكن يفقه الكثير عن تعويذة الحاجز التي نُصبت في غرف شحنهم.

إن تعاويذ الحواجز بهذا الحجم الصغير كانت غير مستقرة بالنظر إلى المستوى التقني الحالي المتاح لقوات دفاع إلبيس. الإطار الذي استندت إليه كان تجريبياً، ولم يكن هناك ما يضمن نجاحه عملياً. إن الفكرة العبثية المتمثلة في خلق عالم جديد داخل عالم موجود بالفعل لا يمكن أن تظل متماسكة إلا من خلال المعالجة الدقيقة لتفاصيل دقيقة للغاية، لدرجة أن أقل خطأ فيها لا يُغتفر.

لقد قرأوا كل المواد، وامتلكوا كل المعرفة، لكنهم لم يفهموا شيئاً منها.

ومع ذلك، لم يكن الأمر ليتغير حتى لو فهموا.

فجأة، تفتت الثلث الخلفي للسفينة الجوية العسكرية “قابضة الغد رقم 7” حرفياً. وفي جزء من الثانية، تحول ما كان يوماً جزءاً من بدن السفينة إلى رمال رمادية ذرتها الأمطار الغزيرة وأذابتها.

اختل توازن الوزن، وغاصت مقدمة السفينة نحو الأسفل.

ومع صوت طقطقة صاخب، بدأت حتى أكثر الأماكن أماناً تتفكك تحت وطأة وزنها.

نُزِعَت إحدى مجموعات المراوح من قاعدتها تحت تأثير عزم الدوران المدمر. والآن، ومع عدم وجود مخرج لضغطه، اندلع المِصهر المسحور في نيران انفجارية.

لم تدم الصرخات والنداءات سوى ثانية واحدة.

تلك أيضاً، جرفتها الأمطار.

وهكذا، سقطت “قابضة الغد رقم 7”.

“— انظر، شهاب!”

كانت ليلة عاصفة فوق كولينا دي لوتشي، المدينة المترامية الأطراف على الجانب الجنوبي من الجزيرة رقم 11.

وعلى الرغم من سوء الأحوال الجوية، تجمع عدة أشخاص وكانوا يراقبون السماء المغطاة بطبقات من السحب الكثيفة.

في تلك اللحظة، رأوه.

كانت كرة نار هائلة مشتعلة، لم تخمد جذوتها رغم الرياح والأمطار.

“أمنية، أمنية! اممم…”

لم يكن من الممكن أبداً رؤية شهاب حقيقي وسط مثل هذه السحب الداكنة. لكن لم يدرك أحد من المراقبين ذلك؛ الشيء الوحيد الذي بدا غريباً بالنسبة لهم هو أنه كان يبدو أكثر سطوعاً قليلاً من المعتاد، ويضيء لفترة أطول قليلاً من المعتاد.

أحد هؤلاء، وهو شاب من المستذئبين، كان يتطلع للأعلى من فراشه، عاجزاً عن النوم، سارع بنطق أمنيته:

“ليعمّ السلام دائماً في ريغول آير.”

كان هناك دويٌّ رعدي وعصفٌ هوائي شديد.

قُصفت الأشجار، واقتلعت الأتربة والصخور من أماكنها.

ارتفعت سحابة عظيمة من الدخان الأسود قبل أن يبتلعها سواد السماء الممطرة.

ولم تبدُ على ألسنة اللهب المشتعلة أي علامة على الخمود، حتى تحت وابل المطر المنهمر.

«أرغ… غ، آغ…»

على مسافة قصيرة من الكتلة المشتعلة التي كانت يوماً سفينة جوية، استلقى رجل واحد—أو شيء يشبه الرجل—على الأرض.

كان يتألم.

لم يكن الألم ناتجاً فقط عن صدمة السقوط من ارتفاع شاهق—بل إن الدافع العنيف للتدمير، الذي كان يغلي بداخله، استحال إلى حمى مستعرة تعذب جسده.

«… الـ… حافة…»

مدّ ذراعاً ترتجف وجرّ نفسه للأمام.

كان يدرك أنه لا يمكنه البقاء هنا. فمهما حاولت عقلانيته المقاومة، لم يكن بوسعه الصمود أمام صرخات غرائزه إلى الأبد.

لقد أراد أن يعيد كل ما في هذه السماء، وهذه الأرض المليئة بالدخلاء غير الطبيعيين، إلى هباء.

حتى الآن، كان يشعر بتلك الصرخة الممزقة للرغبة وهي تنهش روحه ببطء. لهذا السبب، كان عليه أن يلقي بهذا الجسد من الحافة الخارجية لهذه الجزيرة بأسرع ما يمكن.

لم يكن يعرف مدى قوة جسده الجديد هذا. قد يموت، بطبيعة الحال، بسقوطه من الجزر العائمة وصولاً إلى السطح. لكنه لم يهتم. الأهم من ذلك كله هو أنه لا يجب أن يعود أبداً إلى عالم السماء مرة أخرى.

لم يكن يعرف في أي اتجاه تقع الحافة. كان سيل المطر المتجمد وظلام الليل يلفان جسده بالكامل. لم تكن أي من حواسه تعمل.

ببساطة، زحف للأمام دون أي تفكير.

«… هي.»

بينما كان جسده يتمايل تحت قطرات المطر التي تضرب ظهره، سمع صوت رجل. التفت لينظر في ذلك الاتجاه، ورأى رجلاً ضخماً يقف هناك ممسكاً بمشعل يشتعل بزهو—متى ظهر؟ وكان هناك شخص أصغر حجماً على ظهره.

دمِّـــــر

دون تفكير ثانٍ، تصاعد الاندفاع من صدره.

مدّ يده اليمنى دون وعي وأمسك بشجرة زيتون تنمو في الجوار. انبعث صوت خافت، وفي اللحظة التالية، انغلقت قبضة يده دون مقاومة. وعندما فتح قبضته، جرفت الأمطار حفنة من الرمال الموحلة.

وبعد لحظة، سقطت شجرة الزيتون، وقد مُحي نصف جذعها، بصرير حزين.

«ابتعد… عني…»

لقد اجتاحته الرغبة في تدمير أي شيء يقع في مجال رؤيته. لذا فعل أقل ما يمكنه فعله للمقاومة، وغطى كلتا عينيه بيده اليسرى.

صرخ في اتجاه الرجل: «اهرب…! أنا… خطر…!»

«يا للهول. لم أتخيل قط أنك ستكون أنت حقاً، ويليم.»

لم يكن صوت الرجل يبتعد، بل كان يقترب.

استطاع سماع صوت أحذية جلدية سميكة تخوض في الطين بوضوح.

«أعني، ليس الأمر أنني شككت في أنه هو، لكنني أجد صعوبة في التصديق. أشعر برغبة في قول “مستحيل!” أكثر من شعوري بالسعادة للقائه بعد خمسمائة عام، أتعلمين؟» تذمر الرجل للشخص الذي على ظهره، بنبرة خفيفة وغير مبالية.

(ماذا تفعل؟ ارحل من هنا بحق الجحيم! لن أصمد بهذا المعدل.)

«ابقَ… بعيداً…!»

«… مهلاً، لا تخبرني أنك لا تزال “موجوداً” هناك بالداخل، ويليم؟»

كان لا يزال موجوداً، لكن ذلك لن يدوم طويلاً. لم تعد لديه قوة متبقية للإجابة، ولم يدرك حتى غرابة السؤال نفسه.

«أظن أنك على بعد شعرة فقط. متمسك كعادتك بشكل غير عادي.»

بضحكة مريرة، اقترب المتحدث منه مباشرة.

«أجل، أعرف.»

لابد أن هذا الكلام كان موجهاً للشخص الذي على ظهره.

«هذا ليس مجرد نكرة عابر؛ حتى أنا لا يمكنني تجاهله ببساطة. لكنني لا أعرف ما إذا كان ذلك سيكون جيداً له. أنتِ تعلمين أن هذا قد يسبب له ألماً أكثر من اللازم، أليس كذلك؟»

ساد صمت قصير، وتحول انتباهه إلى خلفه، وكأنه ينتظر رداً.

«— أجل، صحيح. أنتِ محقة تماماً. سأترك لكِ حرية التصرف هذه المرة، أيتها الأميرة.»

التفت المتحدث إليه مرة أخرى بتعبير هادئ.

«كن شاكراً. لقد جفت قواي منذ زمن بعيد، لكن لا توجد علاقة يمكن مقارنتها بتلك التي تجمع بين المعلم وتلميذه. سأعصر كل ما تبقى لدي من أجلك، لمرة واحدة أخيرة فقط.»

وضع المتحدث كف يده بلطف على جبهة الشاب.

«ستكون هذه المرة الأولى والأخيرة التي أواجه فيها وحشاً. هذا أمر خاص. سأجعلك تغط في النوم، أنت وحدك، بيدي هذه.»

… لم يفهم ما كان يقوله هذا الرجل.

لكن أخيراً، وأخيراً جداً، أدرك شيئاً ما.

إنه يعرف صاحب هذا الصوت.

في مكان ما، منذ زمن بعيد جداً، كان يتحدث إلى هذا الصوت كثيراً. في مرحلة ما من حياته، لابد أنه كان يتطلع إلى هذا المتحدث بإعجاب. وربما، بطريقة ما، لا يزال يفعل ذلك حتى الآن.

لابد أنه كان يخبر نفسه باستمرار أنه لن يكبر أبداً ليصبح شخصاً بالغاً مثل هذا الرجل.

«تأمل القمر في ظلام الليل اللامتناهي…»

كانت هناك نبرة غريبة في كلمات الرجل، وكأنه يتلو قصيدة قديمة.

بدأ شعور غريب يتسرب من اليد التي تلمس جبهته استجابةً لتلك النبرة.

تملك الشاب حدسٌ بأن شيئاً غريباً يحدث، وأدرك أنه قد يكون شيئاً خطيراً. ومع ذلك، لم يتحرك جسده.

«سوف يلف حمأ الليل عينيك…»

كان همسه الهادئ بمثابة أمر.

وبعد لحظة، وكأن ستارة ثقيلة قد سقطت، غاب الشاب عن الوعي.

✦ انتهى الفصل ✦

هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.

تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .

مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

التالي
61/76 80.3%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.