الفصل 54
انطبعت صورة تيد وهو يرحل في عيني ويليم.
إنه شخص مهم، هكذا فكر، لكن الأوان قد فات الآن. اختار تيد الذهاب بعيداً والاختفاء وحيداً تماماً من أجل الحفاظ على سلامة ألماريا وفتاة لم يكن يعرفها. لا بد أنه شعر باليأس، والتعب، والخوف، والألم. لكن قراره النهائي كان الحفاظ على كرامته كرجل حتى النهاية.
“أرجوك ساعدها”، كان ذلك توسل تيد. فكر ويليم أن هذا طلب غير منطقي؛ كيف وماذا كان من المفترض أن يفعل ليساعد شخصاً حقاً في عالم يحتضر؟
وبالتوفيق في ماذا؟
كان الفتى في المستوى الثامن فقط، ومع ذلك ذهب هكذا، محاولاً التظاهر بالقوة.
حدقت الفتاة ذات الشعر الأحمر بتمعن في فنجان قهوتها.
وبشكل أدق، كانت تحدق في محتواه—السائل البني الكثيف في الداخل.
“همم؟ لستِ من محبي القهوة، أليس كذلك؟” سأل ويليم، لكنها هزت رأسها نفياً. ثم عادت لتحدق في داخل الفنجان. بدت مترددة عندما يتعلق الأمر بشربها.
“إذاً، هل أضع لكِ الحليب والسكر بعد كل شيء؟”
هزت رأسها مجدداً، ثم استجمعت شجاعتها.
بوجه جندي قرر وضع نفسه في فكِّ الموت، رفعت الفنجان، ووضعته على شفتيها، ثم أمالته للخلف.
“…………؟!”
صار وجهها أحمر قانياً.
وبعد أن أعادت الفنجان إلى الطاولة، ضغطت بكلتا يديها على فمها وأطلقت صرخة صامتة.
هاه، هاه، هاه. مثل سمكة سُحبت إلى اليابسة، كانت تفتح فمها وتغلقه.
“يبدو أنها كانت ساخنة.”
صبت نيفرين حليباً بارداً في كوب آخر أصغر ومدته للفتاة. ترددت الفتاة للحظة، وهي تزن كبرياءها مقابل الواقع، قبل أن تخطف الكوب من نيفرين وتفرغ محتواه في فمها.
هييي، هااااه. أمضت بضع لحظات في تنظيم أنفاسها.
“… كانت ساخنة.”
أجل، أعلم ذلك.
“وكانت مُرّة.”
أجل، أعلم ذلك أيضاً. لهذا السبب أخبرتكِ أن تضعي الحليب فيها.
“هل تريدين كوباً آخر إذاً؟”
“… مع الحليب، من فضلك.”
بدا وكأنها تخلت تماماً عن التظاهر. وبخجل، مدت الفتاة فنجانها بتردد.
لقد كانت فتاة غريبة.
بدت في الخامسة عشرة من عمرها تقريباً، مما يعني أنها في نفس عمر كوتوري. ولكن بمجرد الحكم على طريقة كلامها وحركاتها، بدت أصغر بكثير. على الأكثر، يمكنه القول إن نيفرين تبدو أكبر منها سناً.
كانت ترتدي ملابس سفر، لكن لم يكن معها أحد. إما أنها كانت تسافر بمفردها، أو أنها انفصلت عمن كانت معهم. وعندما فكر في الاحتمال الأسوأ—وهو تحول من كان معها إلى وحش—رأى أنه لا ينبغي أن يكون متهوراً في السؤال.
ونظراتها.
عندما كانت تشيح بنظرها عن فنجان القهوة، كانت الفتاة تنظر إلى ويليم بعينين كبيرتين مستديرتين ومتسائلتين. ثم، عندما يوضح ويليم أنه لاحظ فعلتها تلك، كانت تشيح بنظرها بعيداً على عجلة.
لم تكن نظرة ودودة تماماً.
ومع ذلك، لم يشعر بأي ضغينة تنبعث منها أيضاً.
وإذا أراد تحليلها، فسيقول إنها مزيج من ستة أجزاء من الفضول وأربعة أجزاء من الحذر.
“هل هناك شيء على وجهي؟” وجه السؤال إلى نيفرين، لكنها هزت رأسها نفياً.
(إذن… لقد التقينا في مكان ما من قبل…)
استرجع جميع أنشطته كـبطل شبه شرعي على السطح، لكنه لم يتذكرها. لم يكن لينسى أبداً مثل هذا اللون القرمزي الحيوي لو رآه من قبل.
(……)
شعر قرمزي.
تذكر كوتوري. بينما كانت تفقد أجزاءً من ذاكرتها، تآكل لون شعرها الطبيعي ليتحول تقريباً إلى تدرج أحمر ساطع.
وعلى الرغم من أنه ربما كان مجرد الضوء غير الموثوق المنبعث من الموقد، إلا أنه اعتقد أن شعر كوتوري الأحمر وهذا اللون القرمزي الساطع للفتاة التي أمامه يبدوان متشابهين للغاية. ربما لهذا السبب انتابه ذلك الشعور بالـديجا فو.
“… أ-أم—” نظرت الفتاة للأعلى وبدأت تتحدث بشجاعة. “ويلي… أنت ويليم الحقيقي، أليس كذلك؟”
“همم؟ آه، أجل، أظن أنني كذلك،” أجاب مرتبكاً عندما نادته باسمه فجأة. “حسناً، لستُ مشهوراً بما يكفي ليكون لي منتحل شخصية يتجول في الأرجاء… أنتِ تعرفينني من قبل، صح؟”
هزت الفتاة رأسها إيجاباً.
“آه، سمعتِ عني من تيد، أليس كذلك؟”
هزت الفتاة رأسها نفياً.
“لقد رأيتك في حلم. كان قصيراً قليلاً، لكنه كان… أظن أنه حلم حلو وجميل.”
“… هاه؟”
ما هذا بحق الجحيم؟ هل هو نوع جديد من أساليب الغزل؟
لطالما سمع أن الحب يولد بين شخصين في المواقف القاسية التي تنطوي على الحياة والموت. والوضع الآن هو الأقسى على الإطلاق. لكن هذه الفتاة بدت صغيرة جداً، لذا لم يشعر ويليم بقدرته على مجاراة هذا النوع من المشاعر حتى لو حاول.
“هل يمكنني سؤالكَ عن شيء؟”
“ما هو؟”
“هل تتذكر ليليا؟”
بالطبع—ليليا آسبلاي، البطلة الشرعية، كانت أكثر شهرة بكثير من ويليم. لم يكن من الغريب أبداً أن يعرف الجميع اسمها. لكن أن يُطرح اسمها الآن، مقترناً بكلمة “تتذكر”، فقد جلب ذلك بالتأكيد شعوراً بعدم الارتياح.
“حسناً، أمم،” أجاب بضبابية. “لماذا تسألين؟”
“لأنها مهمة بالنسبة لي،” أجابت بفتور. “لطالما أردتُ أن أكون مثل ليليا. إنها قوية جداً—تملك عقلاً راجحاً—وهي مذهلة للغاية.”
رسم ذلك صورة مبالغاً فيها إلى حد ما، فكتم ويليم رغبته في الضحك.
البطلة الشرعية، أقوى جندي لدى البشر قاطبة، كانت بمثابة رمز على الخطوط الأمامية في الحروب مع الأعراق الأخرى. لذا لم تفعل الكنيسة شيئاً سوى إضفاء الرومانسية وتجميل صورتها عند تقديم تقارير عنها. قيل إنها كانت قوية لدرجة لا تُصدق، حيث يمكنها هزيمة تنين بضربة واحدة. وقيل إنها كانت طيبة وفاضلة لدرجة أنها لا تترك الضعفاء خلفها أبداً. وأن مظهرها وهي ترتدي الدرع الكامل كان جميلاً لدرجة أن البوغارد كانوا يتذللون أمامها بمجرد تعرضهم لقوتها. وإلى آخره من المبالغات…
كان كل ذلك مجرد سخافات.
لقد استغرق الأمر منها نصف يوم تقريباً بعد كل شيء لهزيمة تنين الصدأ؛ ولم تكن ضعيفة الإرادة لدرجة نسيان ترتيب الأولويات في تقييم الموقف عندما يكون أمامها شخص ضعيف؛ وعندما جربت الدرع الكامل الذي أرسلته الكنيسة لها، صرخت: “إنه ضيق جداً!” وأعادته على الفور.
ليليا، كما عرفها ويليم، كانت رحبة الصدر، جامحة، تفعل الأشياء بطريقتها الخاصة، وفوق كل شيء، كانت حرة دائماً.
“وبالمعنى الحقيقي للكلمة، كانت بطلة.”
بينما كان ويليم يسترجع ذكرياته، استمرت الفتاة في كيل المديح لـ ليليا.
“كان لديها شخص تحبه كثيراً، لكنها أخفت مشاعرها. تخلت عن إسعاد نفسها من أجل إسعاده. كانت تعلم أنها ستخوض معركة، لكنها انطلقت للقتال دون تردد. لذا هذا هو حال الإمـنيتويت.. هذا ما تعلمته من مراقبة ليليا.”
“هذا درس رائع.”
كان هناك أسلوب غريب في صياغة الكلمات تداخل في حديثها. هل قابلت ليليا بنفسها في مكان ما، ثم استمتعت بالحديث عن الرومانسية أو شيء من هذا القبيل؟
التحدث عن الرومانسية مع ليليا؟ يا للهول. تلك الصورة لم تكن تناسبها على الإطلاق، وكادت تجعله ينفجر ضاحكاً.
“أردتُ أن أكون مثلها. كان ذلك حلمي الأخير. أظن أنه بعد أن أموت وأتشتت إلى أشلاء، ستظل مشاعري باقية، ولو قليلاً—”
“عما تتحدثين؟”
“أوه—”
وكأنها استعادت وعيها فجأة، رفعت الفتاة رأسها المنحني.
“لا شيء. إنه لا شيء، لذا أرجو أن تنسى الأمر. لكن تذكر جزءاً بسيطاً منه.”
ماذا؟ أي الخيارين تقصد؟
“… من أنتِ؟” سألت نيفرين بهدوء. “لسبب ما، أشعر بعدم الارتياح عندما أنظر إليكِ. إنه شعور غريب.”
“… ربما يتخيل لكِ ذلك. أرجو ألا تطيلي التفكير في الأمر.”
تجرعت الفتاة شرابها، الذي كان يتكون من الحليب بنسبة 70 بالمئة وأصبح عملياً لاتيه في تلك المرحلة، ثم تنهدت.
“هل هدأتِ الآن؟”
“أجل.”
أومأت بصدق.
“حسناً. آسف، ولكن هل يمكنكِ حراسة المكان لي لفترة قصيرة؟”
“هاه؟”
نظرت إليه بذهول.
“علينا الخروج قليلاً.”
تبادل نظرة سريعة مع نيفرين.
“في هذه الأثناء، أريد ترك دار الأيتام المتهالكة هذه بين يديكِ. هل يمكنني الاعتماد عليكِ في ذلك؟”
“إلى أين أنتما ذاهبان؟”
“هناك شخص يجب أن أراه. سأقتحم مكانه وأقلب ملعب رأساً على عقب بينما أنا هناك.”
“إذاً سآتي أنا أيضاً.”
“لا يمكنكِ ذلك—الأمر خطر. هنا آمن— حسناً، لا يمكنني ضمان ذلك، لكنه أفضل من أي مكان آخر. ذلك الفتى اللعين طلب مني الاعتناء بكِ، لذا لا يمكنني وضعكِ في طريق الخطر.”
أصدرت الفتاة أنيناً خافتاً.
“هل ستعود؟ هل يمكنك أن تعدني؟”
—هذا…
بعد هذا، كانا سيواجهان الشخص الذي خلق هذا العالم. ونتيجة لذلك، إما أن يتحطم هذا العالم أو يتمزق بسبب المعركة— وفي كلتا الحالتين، لن يعودا إلى هنا على الأرجح. لذا حتى لو قطع الوعد، فلن يتمكن من الوفاء به أبداً.
“آسف. لا يمكنني ذلك.”
لقد كانت مجرد كلمات على أي حال—كان ينبغي له أن يقول إنه سيفعل… لكنه لم يستطع. لم يستطع تكرار الكذبة نفسها في دار الأيتام هذه مرة أخرى.
أمسك بمقبض الكارليون المتكئ على الجدار وقذفه إلى نيفرين—ديندرين، وهو سلاح عتيق من الطراز المنتج بكميات كبيرة. كان أقل شأناً بكثير من نصلها المتوافق، إنسانيا، ولكنه تميز بقدرات عالية ومتوازنة. لقد نال استحساناً بين الأبطال شبه الشرعيين المتوسطين الذين لم يتمكنوا من حمل سيوف ذات مكانة أعلى—لقد كان تحفة الورشة الإمبراطورية.
“هل علي أخذه؟”
“يمكنني القتال قليلاً دون أي أسلحة، لكنكِ تحتاجين لشيء تقاتلين به، أليس كذلك؟”
أومأ برأسه بخفة عندما نظرت إليه نيفرين لتسأله.
“نحن منطلقان.”
أدارا ظهريهما للفتاة.
*
“—كان هناك الكثير مما أردتِ التحدث عنه، أليس كذلك؟”
ظهرت سمكة السماء من العدم، ملتفةً حول الفتاة القرمزية.
“لقد تمكنتِ أخيراً من لقائه. ألم تكوني تنوين استدراجه أو التودد إليه؟”
“كلا.”
هزت الفتاة رأسها.
“لستُ أنا من يحب ويلي. أنا لا أحب الأشخاص الذين يفتقرون للجاذبية إلى هذا الحد.”
“أنتِ عنيدة جداً… حسناً، أظن أننا سننحي ذلك جانباً في الوقت الحالي.” دارت سمكة السماء حول الفتاة. “ألم يكن من المفترض أن تذهبي معهما، حتى لو عنى ذلك الكشف عن هويتكِ؟ هدفنا هو نفسه هدفهم في الأساس. أعتقد أن فرصنا في النجاح ستزداد إذا عملنا معاً بصدق.”
“……”
“حتى لو أصررتِ على أنه يكرهكِ. هو ليس من النوع الذي ينسى أولوياته، أليس كذلك؟ أعتقد أنه كانت لدينا فرص كثيرة لتشكيل جبهة موحدة.”
“أعتقد أنكِ على حق.”
“إذاً لماذا؟”
“أنا… لا أعرف.” بينما كانت تتحدث، التفتت الفتاة نحو النافذة ونظرت إلى حيث ركض ويليم ونيفرين. “لأنه عندما أخبرني أنني لا أستطيع الذهاب معه، شعرتُ… بالسعادة تقريباً، قليلاً.”
“تنهيدة… أرى ما تقصدينه.”
“ماذا؟… هل تعلمتِ شيئاً؟”
“كلا. فكرتُ فقط في مدى تشابه هذا الكلام مع شخصيتكِ،” تحدثت سمكة السماء بنبرة بدت منزعجة نوعاً ما، قبل أن تخطر لها فكرة. “أوه، صحيح. كيف كانت قهوتكِ السوداء الأولى؟” سألتها.
كان ردها: “لقد كانت ساخنة”.
*
أنبتت نيفرين أجنحتها الوهمية وحلقت في السماء.
أما ويليم، فقد استخدم الـفينيوم الخاص به لتقوية ساقيه وأخذ يقفز من سطح إلى آخر.
اندفع الاثنان عبر المدينة وهما ينظران للأسفل نحو أسراب وحوش أورورا التي كانت تحتشد في الشوارع بالأسفل.
“لم يكن شيطاناً من خلق هذا العالم، بل كان وحشاً.”
مع كل خطوة يخطوها ويليم، كانت قطع من قرميد الأسطح تتطاير.
“وهذا الوحش لم يكن موجوداً في هذا العالم حتى وقت قريب. كان يعيش كإنسان هنا قبل أن يتحول إلى وحش. لهذا السبب لم يتلاعب بالعالم ليقترب منا مباشرة، ولهذا السبب لم نجده أبداً رغم كل ذلك البحث. لكن اليوم قد حان في هذا العالم أيضاً؛ فاللعنات التي بُثت قد ولّدت الوحوش، وبدأ الخالق في ممارسة دوره. لهذا السبب، في تلك اللحظة، بدأ الخالق في التلاعب بهذا العالم. لقد تم نقل آلماريا لأن الخالق ارتأى أن ذلك ضروري.”
من كل أنحاء المدينة تحتهم، كان بإمكانه سماع صرخات، بعضها عالٍ وبعضها خافت.
كان هناك أشخاص لا يزالون على قيد الحياة. وقريباً، لن يتبقى أحد.
“… أنا لا أفهم حقاً.”
فكر ويليم: لا ألومكِ.
لأن ويليم نفسه لم يستوعب الموقف تماماً. كل ما فعله هو صياغة ما ارتئاه صحيحاً في كلمات؛ لم يكن الأمر منطقياً، ولم يكن هو متأكداً.
“حسناً، لا تقلقي كثيراً بشأن ذلك. الأهم من ذلك هو أن هذا العالم يعيد تمثيل ما حدث في عالمنا قبل خمسمئة عام بدقة نسبية نسبية(*إلى حد ما). في نهاية هذا الطريق، هناك حيث سيكون عالمنا. لا بد أن يكون هناك شيء في هذا العالم صمد لخمس مئة عام، وموجود في عالمنا أيضاً.”
وصل ويليم إلى قمة برج الكنيسة وقفز فوقه لينظر للأسفل نحو الساحة المركزية. توقف وسأل: “هنا؟”
هبطت نيفرين بجانبه: “أجل. الإحداثيات يجب أن تكون حول هذا المكان.”
“لا أرى أي شيء يبرز بوضوح.”
كان بإمكانهما رؤية بضعة وحوش مشوهة تشبه النمل في الساحة بالأسفل.
“لن يكون بداخل تلك الوحوش من الرقم اثنين هناك، أليس كذلك؟”
“بالطبع لا،” أجاب بتلقائية وهو يشد قبضة يده… وبينما فعل ذلك، لاحظ شيئاً غريباً.
كان جسده يئن بصرير خفيف. كان يعرف هذا الألم جيداً.
(… أظن أن الحلم شارف على الانتهاء.)
في العالم الواقعي، لم يكن جسده أكثر من جثة لم تمت بالكامل بعد؛ عظام تملؤها الشقوق، وأوتار ضعيفة، وأعضاء غالباً لا تعمل بشكل صحيح، ولحم ممزق. بمجرد إيقاد كل الـفينيوم الذي يمكنه استخدامه، ستُستنزف قوة حياته بالكامل.
بدأ جسده الآن “يلحق” بالواقع.
(لكن في الوقت الحالي، أظن أنني لا أزال قادراً على التحرك لفترة.)
نظّم أنفاسه وشد قبضته مرة أخرى.
“تعالي معي.”
كان هذا كل ما قاله لـ نيفرين قبل أن يقفز.
في طريق نزوله، ركل برج جرس الكنيسة ليزيد من سرعته. اندفع للأسفل—بسرعة أكبر بكثير مما لو كان يسقط سقوطاً حراً—نحو منتصف الساحة مباشرة. وبالقرب منها كانت هناك نافورة صغيرة معطلة منذ فترة بسبب نقص الصيانة.
ضرب بقبضته في الأرض.
لقد جمعت الضربة بشكل تعسفي كل تدفقات القوة؛ من الدوران واللف والتدفق والتوقف، وصولاً إلى قوى رد الفعل الحتمية التي ارتدت إلى القبضة عند الارتطام.
لم تُصنف كتقنية تُستخدم ضد البشر، ولم تُعامل حتى كتقنية قبضة مناسبة—لقد كانت “رقصة الحصار” الأكثر خُبثاً.
تقيّح التنين (Dragon Festering). لقد كانت تقنية عبثية، لا تُستخدم إلا لشق الأرض أو تحطيم الشلالات، تعبير عن قوى تدميرية هائلة. وكان هذا هو بالضبط نوع القوة الذي يحتاجه في هذه اللحظة.
-رنين-رنين-رنين- من أثر الركلة، رنّ الجرس بجنون.
وبعد لحظات فقط، تصدع البلاط في الساحة الواسعة وتحطم، منهاراً نحو الأسفل.
بالطبع حدث ذلك.
فبعد خمسمئة عام في المستقبل، وجدوا منشأة ضخمة وغامضة تمتد تحت أرض ما كان يُعرف يوماً بمدينة غوماغ. المكان نفسه الذي قاد إليه غليك كلاً من ويليم و كوتوري. لم يعلم أحد بوجوده حتى اكتشفه فريق تحقيق من ريغول آير، مما يعني أنه لطالما أفلت دائماً من أعين نقابة المغامرين—آخر منطقة غير مستكشفة في غوماغ.
(… رغـ—)
لم تتمكن تقنية تقيّح التنين في جسد غير مكتمل النمو من السيطرة تماماً على تدفق الطاقة الهائج، وبقي رد الفعل العنيف في قبضته. تمزق الجلد بعنف عن يده اليمنى، وكانت عظامه في حالة مزرية أيضاً.
لكنه كان لا يزال قادراً على الحركة.
“من هنا!”
تاركاً لـ نيفرين مهمة التصدي لوحوش أورورا التي أخذت تطوقهما، قفز ويليم في الظلام الدامس بالأسفل.
*
واجهت الهياكل تحت الأرض عدة مشاكل حتمية.
كانت الإضاءة إحداها، والأخرى هي التهوية. كانت النار أمراً ضرورياً للناس للقيام بأي نشاط تحت الأرض، حيث لا يمكنهم استخدام ضوء الشمس. ومع ذلك، يصبح التنفس أصعب كلما زاد استخدامهم للنار، لذا كانت نوافذ التهوية الكبيرة ضرورية لإدخال الهواء النقي. ولهذا السبب، لم تكن المنشآت المخفية تحت الأرض عملية للغاية في العادة.
(لو كان هذا في ريغول آير، لكانت الأمور أفضل قليلاً بسبب كريستالات الإضاءة…)
حتى مثل هذه الأفكار غير المهمة خطرت بباله.
ببساطة، كان المكان مظلماً. لم يكن ويليم يتقن أي مهارات مفيدة مثل “الرؤية الليلية” أو سحر الإضاءة، ولم تكن لديه حتى الخبرة في استكشاف هذه المتاهات الأرضية. لقد وصل إلى هنا بالاقتحام عن طريق القوة المحضة، لكنه، وبشكل مخزٍ، لم يستطع المضي قدماً أكثر من ذلك.
أوقدت نيفرين الـفينيوم الخاص بها بخفة واستخدمت القوة لإيقاظ ديندرين. ظهرت شقوق على النصل، وانبعث منه ضوء خافت.
“هل أجعله أقوى؟”
“لا، هذا كافٍ.”
كانا يستخدمان الـكارليون، منارة الأمل لخلاص البشرية، كمجرد شعلة إضاءة. كان ينبغي لهما إحضار شعلة حقيقية، لكنه لم يعر اهتماماً لتفاصيل كهذه. لو كان غليك هنا، لكان بالتأكيد يضحك عليه.
في الظلام، فتحا باباً قريباً واسترقا النظر بينما أضاء الضوء الخافت المكان.
كانت غرفة قذرة؛ حيث امتلأ المكتب والرفوف والأرضية بأكوام عشوائية من الأوراق. كان لها حضور طاغٍ، وكأن هذه الدراسات والتقارير والملاحظات المخربشة تعلن بفخر أنها هي حاكمة هذا المكان.
تساءل ويليم عما إذا كانت هذه غرفة موارد، بينما كان يبحث عن باب آخر لمواصلة التقدم، لكنه لم يجد شيئاً. في أوقات كهذه، فكر في شق طريقهما بالقوة عبر تحطيم الجدران أو الأرضية؛ فمن المحتمل أن يهاجمهما أورورا من الظلام في أي وقت ومن أي مكان. ورغم خطورة اختصار الطريق، خاصة وأن يده اليمنى تؤلمه بشدة، إلا أن الأمر كان يستحق المحاولة.
“… هل هذه،” تمتمت نيفرين وهي تلتقط ورقة ملاحظات، “مواد بحثية؟”
“ربما حول كيفية تركيب اللعنة لتحويل البشر إلى وحوش.”
“همم، لا يبدو هذا صحيحاً.”
بدا رد نيفرين مشككاً، لذا ألقى نظرة خاطفة على الملاحظات في يدها. يا للهول، كان الخط مريعاً.
“… ما هم الزوار؟”
ماذا؟
الزوار هم الزوار، بالطبع؛ أولئك الذين خلقوا هذا العالم في المقام الأول.
هم من خلقوا العالم من العدم منذ زمن بعيد، ملأوا الكوكب بالطبيعة، وصبوا الماء في المحيطات، وخلقوا الإمـنيتويت والكائنات الأخرى، وأعطوا العالم شكله. وفي خضم ذلك، شاركوا أرواحهم مع الإمـنيتويت، ثم اختفوا.
وقبل أيام فقط، استيقظ أحد آخر الزوار الأحياء، ومع أتباعه الـبوتو، انقلبوا لسبب ما ضد عرق الإمـنيتويت. ورغم التكلفة الباهظة من الأرواح المضحى بها، فقد تمكنوا بطريقة ما من صدهم، وها هم الآن هنا.
“هم لم يخلقوا العالم، بل أعادوا تشكيله فقط.”
(هاه. هكذا الأمر؟)
بالطبع منظمة دينية قد تكتب شيئاً كهذا، لكنه لم يظن أنهم يطورون حججاً لاهوتية كهذه حتى في الملاحظات التي تتخلص منها المنظمات البحثية.
“العالم كان موجوداً بالفعل قبل أن يزوروه، وكانت هناك حيوات لا يمكن تسميتها حياة. ومع ذلك، لم تكن تلك الحيوات هي ما تمناه الزوار، ولهذا السبب لعنوا العالم وكل ما عليه—”
(مهلاً، انتظر لحظة. لم أسمع بهذا من قبل.)
“… ويليم؟”
“لا تهتمي.” ألقى ويليم الملاحظات بعيداً. “ربما يتمكن عالم لاهوت من استخراج بعض الأمور المثيرة للاهتمام لو عرضنا هذا عليه، لكن ليس له علاقة بنا الآن.”
حول نظره مرة أخرى إلى الغرفة المليئة بالأوراق—
—وسمع أصوات اصطدام السيوف.
“ويليم.”
“أجل، سمعتُ ذلك.”
لم يكن الصوت بعيداً عنهما، وكان بإمكانه تحديد مصدره بدقة. هناك شخص ما هناك على الأقل، أو شيء ما.
في الظلام، غادرا الغرفة وانطلقا ركضاً.
بسطت نيفرين أجنحتها على اتساعها، لتمدهما بضوء كافٍ للركض عبر الردهة.
كانت هناك لافتات كُتب عليها “ممنوع الكتابة على الجدران!” ملصقة هنا وهناك على طول الحوائط.
وبين الفراغات التي تركتها تلك اللافتات، كانت تتدفق خربشات لمعادلات رياضية وصيغ سحرية وجمل ملأت الجدران البيضاء.
لقـد تكـاثر الإمـنيتويت أكثـر مـن الـلـازم! التـعـويـذة الأولـى تـقـتـرب من حـدودهـا القـصوى!
لـم يكـن يـنبـغـي لهـم أبـداً أن يُـوجِـدوا عـرق الإمـنيتويت.
إن إنـتـاج الإمـنيتويت كان خـطيئـة الـزوار الأولـى والأعـظـم.
كانا يركضان في الممر، والكلمات تمر أمام أعينهما كشريط سريع.
أيـهـا الـزوار، لـمـاذا خلـقتمـونا نـحـن الإمـنيتويت؟
“مـاذا فـعـل بـنـا حـنـيـنـكـم إلـى وطـنـكـم؛ ومـاذا سـلـب مـنـا؟!”
كتابة ممتدة وفوضوية كانت تصرخ على طول الجدران.
*
كان هناك جبل من جثث وحوش أورورا، مقطعة كلها إلى أشلاء صغيرة.
وبجانب ذلك الجبل، متكئاً على الجدار، كان يجلس نافرتري.
“… أهلا.”
لا بد أنه لاحظ الضوء المقترب، فرفع رأسه بضعف. كانت ابتسامته المرحة المعتادة قد فقدت روحها.
“تساءلتُ من قد يأتي إلى هنا، فإذا به أنت يا ويل. كيف وجدتَ هذا المكان؟”
كان جسده من الصدر فأسفل ملطخاً باللون الأحمر القاني. وتقريباً نصف لحم بطنه قد اختلط بعدد لا يحصى من الإبر، وتحول إلى كتلة حمراء فوضوية.
مهما نظر ويليم للأمر، لم يكن قد تبقى للرجل الكثير من الوقت.
من المحتمل أن يكون الفضل في بقائه واعياً يعود إلى الكارليون الخاص به، لابيديمسيبيلوس. فمن بين الأسلحة العتيقة رفيعة المستوى، يظهر كل سلاح مواهبه الفريدة؛ وهذا السيف يخلق ظاهرة تنظم قسراً الحالة العقلية والجسدية لمستخدمه طالما كان نصله نشطاً.
لكن هذا لا يعني أنه سيغلق الجروح المفتوحة أو يوقف نزيف الدماء. إن قوة لابيديمسيبيلوس لا يمكنها منع الوصول الحتمي للموت.
“لقد كانت اللعنة القديمة تتلاشى. كان علينا أن نلعن الناس مرة أخرى، لكننا لم نستطع. حتى عندما حصلنا على جثة الحكام، وحتى عندما حطمنا روحها إلى آلاف القطع الصغيرة، لم نتمكن من إعادة إنتاج لعنة الزوار.”
“مهلاً… نافرتري…؟”
خمد الضوء المنبعث من لابيديمسيبيلوس.
بدأ الـفينيوم المشتعل الخاص بنافرتري في الاختفاء.
“لا يمكننا فعل ذلك… نحن بحاجة إلى حكمة ‘شخص أجنبي’ (Foreigner)…”
لم تعد عيناه تنظران إلى ويليم. كانت ثابتتين في مكانهما، تحدقان بعيداً في الأفق.
“لكن… ليس… لدينا وقـ…”
سقطت يده الممدودة فجأة.
تجمّد وجهه الملتحي، الذي كان يحمل دائماً ابتسامة ساخرة، مشوهاً بالألم والمعاناة.
“يا للهول. عما تتحدث فجأة؟ أنا لا أفهم.”
بدأت الإهانات تندفع من فم ويليم، عاجزاً عن كبح مشاعره.
“لماذا متّ؟ لماذا فشلت؟ إذا كنت ستنقذنا، فأكمل طريقك حتى النهاية، تباً! أنت بطل! هذا هو عملك؛ هذا هو واجبك!”
“ويليم.”
شدّ قبضة يده.
كان يفكر بجدية في توجيه لكمة قوية له. لكنه لم يفعل. ما فعله تالياً لا يمكن وصفه بدقة كبديل عما أراد فعله، لكنه التقط لابيديمسيبيلوس الذي كان ملقى على الأرض بجانبهما.
“لم يعد يهم كيف انتهت معركتك. لقد انتهى ذلك منذ زمن طويل، وليس الأمر وكأننا نستطيع تغيير تلك النتيجة. ولكن—”
قام بتنشيط الـفينيوم الخاص به.
كارليون رفيع المستوى مثل لابيديمسيبيلوس لن يقبل بـ ويليم أبداً. ظهرت شقوق طفيفة على النصل، وانبعث الضوء من الداخل، ولكن هذا كان كل شيء. في الوقت الحالي، لم يكن أكثر من سكين كبير متوهج. لم يستطع إظهار قيمته الحقيقية كـ كارليون صُنع لمواجهة أعداء يتجاوزون قدرات الإمـنيتويت.
“هل آخذه أنا؟” سألت نيفرين، لكن ويليم هز رأسه نفياً.
“هذا يفي بالغرض،” أجاب وهو يلتفت لينظر نحو نهاية الردهة.
هناك، كان بإمكانه رؤية ضوء ينبعث بضعف من أعماق المنشأة المظلمة.

تعليقات الفصل