الفصل 49
الفصل 49: الذات
في مكان كهذا، حتى سقوط إبرة كان سيبدو عاليًا كتحطم الزجاج، فكيف بخطوات الأقدام
في غرفة الحبس الموحشة الصامتة، استيقظ جي مينغهوان من نومه، مستلقيًا بلا حركة على السرير، محافظًا على شخير خافت
رمق من طرف عينه ذلك القوام النحيل في الظلام
اقتربت خطوات المعلم أكثر، وكانت حاشية معطفه تحتك بالأرض مع حفيف خفيف
لم تكن هذه أول مرة يزور فيها المعلم على نحو مفاجئ، فقد حدث ذلك مرات كثيرة من قبل
مثل كونغ يولينغ، كان المعلم مستخدمًا للقوة الفضائية ذات القدرات الذهنية
ولعل السبب أن العالم الذهني للإنسان يكون أكثر هشاشة أثناء النوم، لذا كان يريد دائمًا أن يتسلل بهدوء إلى العالم الذهني لجي مينغهوان وهو نائم، باحثًا عن نوع من الإجابة
وكانت هذه المرة أيضًا بلا اختلاف
وقف المعلم إلى جانب السرير، واضعًا يديه خلف ظهره، صامتًا في الظلام
خلف نظارته العاكسة كان زوجًا من العينين الطويلتين الضيقتين، وكانتا تراقبان وجه جي مينغهوان النائم
مد يده ووضعها برفق على جانب رأس جي مينغهوان، ثم أغمض عينيه
ولما فتح عينيه من جديد، رأى المعلم علية قديمة
كانت رفوف المكتبة إلى جانبه على وشك الانهيار، والكتب المصفرّة مكدسة في كل مكان، والأرضية تصدر صريرًا كأنها قد تهوي في أي لحظة
كانت ليلة مضاءة بضوء قمر ساطع؛ إذ كان القمر المكتمل معلقًا عاليًا في السماء خارج النافذة
كان يعلم أن العالم الذهني لكل شخص ينقسم إلى ثلاث طبقات، وأن “الهو” اللاواعي يختبئ في الطبقة الثالثة
ما دام وجد “الهو”، استطاع المعلم أن يكشف كل أسرار ذلك الشخص
وهذه العلية الفارغة كانت الطبقة الخارجية من عالم جي مينغهوان الذهني
كان المعلم قد جاء إلى هنا مرات عدة، وكان يعرف أن مخرج العلية مغلق، لذا تنقل في أرجائها، يطأ رفوف الكتب القديمة وأكوام الكتب القديمة المغبرة، ثم قفز إلى نافذة السقف، واستند بيديه إلى حافة السقف وهو يتسلق إلى الأعلى
لكن ما رآه عندما رفع رأسه في هذه اللحظة لم يكن السماء، ولا الأجزاء العليا من دار الرعاية، بل مبنى سكني هادئًا
كانت أبواب المهاجع كلها مغلقة، وتتدلى عليها أقنعة
كانت بعض الأقنعة تحمل وسم “لامبالٍ”، وبعضها “متحمس”، وأخرى “مرح”
سار في الممر الخالي، ونظر عبر فتحة الباب المعلقة عليها “القناع اللامبالي” فرأى الداخل
كان طفل بعينين بلا حياة يلعب وحده لعبة أحاجي في المهجع، وكانت نظراته خواءً كهاوية عميقة
تفقد المعلم مقابض الأبواب واحدًا واحدًا، وكانت أصوات النقر تتردد في الممر الصامت الموحش
كانت كل الأبواب مغلقة بإحكام، وكان خلف كل باب طفل مشابه، والاختلاف في تعابير وجوههم فقط: وحيدين وباردين، بلا قيود، مشاكسين، سريعي الغضب…
وبعد وقت قصير، وجد المعلم أخيرًا بابًا غير مقفل في الممر
أدار المقبض، ودفع الباب، فتغير العالم أمامه من جديد
هذه المرة، ظهر أمام المعلم بيت صغير دافئ
كانت الغرفة فارغة، وإلى جانب التلفاز وُضع إطار صورة لزوجين شابين، وكان الحطب الدافئ يحترق في الموقد
كانت كل الأشياء مغمورة بضوء النار الساطع
كان الحطب يتشقق وهو يلتهمه اللهب، محدثًا صوت “طقطقة”
وباتباع الطريق في ذاكرته، جاء المعلم إلى الطابق الثاني من البيت، ووجد غرفة تكاد تمتلئ بالكامل بالألعاب والوجبات الخفيفة
كانت الصفحات الممزقة متناثرة في كل مكان على الأرض، وعلى كل صفحة كلمة “كاذب” مكتوبة بالطباشير الأحمر
خارج النافذة كانت الرياح والأمطار تعصفان، ثم دوى الرعد فجأة
وواضعًا يديه خلف ظهره، تجاوز أكياس الوجبات الخفيفة نصف الممزقة، واستعمل قدمه ليزيح قضبان القطار المبنية بالمكعبات، ثم سار إلى زاوية الغرفة، وتوقف أمام خزانة ملابس، ورفع يده، وطرق برفق على سطح الخزانة
ساد الصمت في الداخل لحظة، ثم قال صوت: “من فضلك ادخل”
ابتسم المعلم، وفتح الخزانة برفق
خفض بصره، فرأى صبيًا يرتدي بيجامة بيضاء مختبئًا في الداخل، متكورًا ككرة، وذراعاه تلتفان بإحكام حول ركبتيه وكتفيه
“مرحبًا، أيها الصغير… ماذا تفعل مختبئًا هنا؟” انحنى المعلم وسأل، مقتربًا من وجه الصبي
همس الصبي: “قالت ماما وبيبي… إن عليّ أن أختبئ في الخزانة وألا أخرج حتى يعودا”
رفع رأسه، وانعكس في عيني المعلم وجه لين، يبدو في الرابعة أو الخامسة من عمره
استخدم الصبي المناديل من الخزانة ليلف بها جسده مرة بعد مرة، كأنه شرنقة بيضاء
لو لم تحدث مفاجآت، فهذه كانت ستكون “الهو” داخل عالم جي مينغهوان الذهني
لن يخفي “الهو” عنك شيئًا
في تجارب لا حصر لها في الماضي، كان المعلم يحصل على المعلومات التي يريدها من “الهو” لدى عدد كبير من الأسرى
لكن لسبب ما، كلما تعلق الأمر بجي مينغهوان، كان يعود دائمًا خالي الوفاض
“أريد أن أريك صورة”، قال المعلم فجأة
“حسنًا”
“هل تعرف الشخص في الصورة؟” أخرج المعلم صورة من كُمّه
كانت الصورة تظهر هيئة ملفوفة بأحزمة التقييد السوداء، مشكلة شرنقة عملاقة
كانت معلقة رأسًا على عقب أسفل لوحة إعلانات، وكانت أضواء سيارة الشرطة اللامعة تنير غلاف الشرنقة
هز الصبي في الخزانة رأسه وقال: “لا أعرفه”
صمت المعلم قليلًا، ثم قال بلطف: “أستطيع أن أخرجك
هل تريد الخروج من الخزانة؟”
“لا أريد”
حاول المعلم أن يسحب يده، لكن “السلاسل” المصنوعة من آلاف المناديل البيضاء جذبت الصبي بقوة إلى الخلف، وحبسته بإحكام داخل الخزانة
“حسنًا إذن…” فكر المعلم لحظة، ثم قال: “هل فكرت يومًا أن ماما وبيبي لن يعودا؟”
“سيعودان!” دفن الصبي رأسه بين ركبتيه وصاح بصوت عال
“وماذا لو لم يعودا؟”
“هما… هما وعداني”
“إنهما يكذبان عليك”
رفع الصبي رأسه بصمت، وكانت عيناه تحدقان فيه بغضب، كذئب صغير شرس
ثم أغلق الخزانة من جديد
“هل أنت مهتم بالقوة الفضائية؟” فكر المعلم لحظة، ثم سأل من خارج الخزانة
“لا أعرف شيئًا عن أي قوة فضائية… أريد فقط أن تعود ماما وبيبي” جاء صوت من داخل الخزانة، يحمل نبرة باكية
“هل مررت بأي شيء غريب؟
مثل أن تكتشف فجأة أنك حصلت على قدرات خارقة”
توقف المعلم قليلًا، ثم قال: “ما دمت حصلت على قدرات خارقة، فبإمكانك أن تعيد ماما وبيبي؛ ولن تضطر إلى انتظار عودتهما بعد الآن”
“حقًا؟” سأل الصبي بخفوت، بينما كان يفتح الخزانة بلطف، “ما دمت أحصل على قدرات خارقة، هل أستطيع أن أعيدهما؟”
ارتبك المعلم قليلًا: “نعم، عندئذٍ أنت…”
وبعينين دامعتين، حدق الصبي فيه وسأله بصوت خافت: “لكن… أنا مجرد شخص عادي
إذا كانت لديك قدرات خارقة، هل تستطيع مساعدتي على إعادتهما؟”
كانت ملامحه مثل جرو مبلل بالمطر
صمت المعلم طويلًا، ثم رفع يده ونفش شعره، ونهض، وسار ببطء نحو الباب
وهو واقف خارج الباب، أمال رأسه ورمق الصبي المختبئ في الخزانة
أُغلقت باب الخزانة بهدوء
اشتد المطر خارج النافذة أكثر فأكثر، كأنه يريد أن يغرق العالم كله
كان وقت الدخول إلى العالم الذهني لشخص آخر محدودًا
فإن بقي فيه طويلًا، قد يتلوث عقله بسهولة، ويتماهى، ويخسر في النهاية إحساسه بذاته
إن لم يغادر الآن، فسيكون الأوان قد فات…
وفي خضم صوت المطر، تلاشت هيئة المعلم تدريجيًا
وهذه المرة أيضًا، عاد من دون نتيجة
بعد أن غابت هيئة المعلم، دفع الصبي في الخزانة الباب فجأة وخرج
ومن تحت قدميه امتدت مناديل ورقية بيضاء كمدٍّ، كأنها مجموعة من الأفاعي السامة ذات الحياة الملموسة، فابتلعت العالم كله في لحظة
وكأنه يكشط الطبقة المغطية لبطاقة يانصيب بطرف ظفره، انكشف أمام عينيه عالم حقيقي
وقف جي مينغهوان بصمت، وكان جسده لا يزال على هيئة طفل في الرابعة
كانت هذه مكتبة، وكذلك أعمق جزء في عالمه الذهني
كل كتاب محفوظ هنا كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بحياته
وبعد استيقاظ قوته الفضائية، كان كلما حمّل ذاكرة إحدى شخصيات اللعبة، وجد أن المكتبة تبدو وكأنها “خزنت” أشياء من الخارج
ظهر فجأة على الرفوف الفارغة رزم من الكتب وألبومات الصور
ما دام فتح كتابًا، استطاع أن يقرأ كل فكرة وخاطر خطر لتلك الشخصية حتى تلك اللحظة؛ وما دام تصفح ألبوم صور، استطاع أن يرى كل حدث كبير وصغير عاشته تلك الشخصية حتى تلك اللحظة
وفي هذه اللحظة، عندما رفع رأسه، استطاع أن يرى هيئتين معلقتين من سقف المكتبة
كانت الهيئة الأولى ترتدي معطفًا طويلًا أسود بذيل سنونو، وعلى رأسها قناع أحمر وأسود
أما الهيئة الثانية فكانت ترتدي سترة بيضاء بغطاء للرأس، وكان وجهها وسيمًا
كان حبل قد لف حول عنقيهما، وكانت رأسيهما متدليتين إلى الأسفل، وجسديهما ساكنين في الهواء
يبدو أنهما كانا ميتين منذ مدة
وبعد أن نظر إلى “الشرنقة السوداء” المعلقة من السقف، ثم إلى “لاعب الشطرنج” المعلق من السقف، شعر جي مينغهوان براحة أكبر بكثير
كان يتساءل بفضول شديد عما سيظنه المعلم لو دخل إلى عالمه الذهني الحقيقي ورأى هذا المشهد
“أنا قلق فعلًا بشأن الوقت الذي قد يعود فيه هذان إلى الحياة…”
تمتم جي مينغهوان لنفسه بخفوت، وانتقل ليجلس في الصف الأخير من المكتبة
وبجانبه جلست هيئة فتاة ذات شعر أبيض، ترافقه وهو يراقب غروب الشمس خارج النافذة
والسبب الذي جعله قادرًا على إخفاء عالمه الذهني ومنع المعلم من العثور على “الهو” الحقيقي، يعود إلى اليوم الذي استيقظت فيه كونغ يولينغ على قوتها الفضائية

تعليقات الفصل