الفصل 47
—وفجأةً، تذكّر أمرًا من الماضي.
كان ذلك قبل ما يزيد قليلًا على خمسمئة وسبعة وعشرين عامًا.
قبلها بأيام، تقرّر أن يتوجّه سبعة محاربين، بقيادة ليليا، لقتال الزائرة إلك هِرَقستن.
«أنا لا أحب السيوف الكبيرة كثيرًا، كما تعلم»، قالت ليليا.
في أقصى حدّ، ينبغي أن يكون طول النصل بطول ذراعها تقريبًا. وأن يكون خفيفًا بما يكفي لتلوّح به بيدٍ واحدة. بعبارةٍ أخرى، كانت تفضّل السيوف الطويلة المخصّصة لقتال البشر. ففي مثل ذلك السلاح تستطيع أن تصبّ كل ما تعلّمته من والديها، ومن معلّمها القديم، ومن أستاذها (وكان الاثنان الأخيرين — على ما يبدو — شخصين مختلفين).
أما الـكارليون فكانت سيوفًا عظيمة صُمّمت لقتل كائناتٍ تتجاوز الإمـنيتويت بأشواط.
كانت كالأحذية ذات النعال المرتفعة التي تُجبر العِرق الضعيف من الإمـنيتويت على بلوغ ارتفاعاتٍ لا يستطيعونها بقوتهم الطبيعية وحدها. لذلك لم تكن تحبها كثيرًا.
كان يفهم ما تريد قوله.
كان يفهمه، لكنه لم يرَ أن هذا كلامٌ ينبغي أن يصدر من بطلةٍ شرعية — هي نفسها المختارة لتحمل أقدم نصلٍ مقدّس: سينيوريوس.
كان في العالم أناسٌ لا يُحصون يتمنّون أن يختارهم كارليون قوي، لكنهم لم يُختاروا. كانوا يتوقون إلى قوةٍ عظيمةٍ ولا ينالونها.
أن تستخفّ من مُنحت كل ذلك بقوتها هو بمثابة معاداة جميع أولئك الناس.
لو أعلنت ذلك على الملأ، لطُعنت يومًا ما.
بل إنه نفسه أراد أن يطعنها. فلتنتبه لخطواتها.
«…ولهذا تحدّيتَها إلى نزالٍ تدريبي، وأشبعتك ضربا.»
أطلق ويليم أنينًا خافتًا ردًا على تعليق نافرتري المتعب.
من «العصا المتلألئة» إلى «كفّ الدب»، ومن «ذيل الثعلب» إلى «وخزة الإبرة»، ومن «اندفاع العندليب» إلى «طبل النزوة» — كل التقنيات التي تعلّمها بتواضعٍ من هيلغرام كُشفت بسهولة وصُدّت بقدرة البطلة المختارة المتفوّقة: «البصيرة» (التي كان لها — على ما يبدو — اسمٌ متكلّف مثل «عيون الهاوية»).
حتى أنه جرّب إدخال «خطوة السديم» و«أثر نجم الشمال» اللتين تعلّمهما من نافرتري، لكن دون جدوى.
كان الجدار الفاصل بينه وبين بطلةٍ شرعية — جدار الموهبة والمهارة — شاهقًا كثيفًا على نحوٍ مستحيل.
«أنت تفهم الأمر على نحوٍ خاطئ تمامًا، يا ويل»، قال نافرتري وهو يتنهّد تمثيلًا.
«نحن الرجال لا يمكننا أن نغلب النساء من الأساس. مهما حاولنا، لن نكون ندًّا لهنّ. كل ما نستطيعه هو أن نتوسّلَ حُبّهن.»
«كنتُ أحمق حين طلبت منك نصيحة جادّة»، تمتم ويليم متأففًا.
«لا، هذا حديثٌ جادّ وحقيقي. يمكن أن نسميه حديثًا عن اختلاف جودة السيوف.» لوّح بإصبعه بخفّة، كأنه يتتبّع بريق النصل.
«سيفك هو ما نسمّيه نصلَ معركة. تستخدمه لإحباط قوة عدوك شيئًا فشيئًا، وتُلحق به ضررًا كبيرًا ثم تدمّره. وبصياغةٍ متطرّفة، هو يقسم كل ما أمامه إلى فئتين: ما يمكن قتله وما لا يمكن قتله — ويتصرّف بطريقةٍ ترفض أي معلومةٍ أخرى.»
«إذًا هو سيّئ؟»
«بل أقول إنه نمطيّ لمقاتل. لن يعيب أحدٌ عليك ذلك.» هزّ كتفيه.
«لكن الأمر ليس أنك تريد إنكار ليليا أو إرغامها على الاستسلام. سيفك لم يُخلق أصلًا ليُشهر في وجه خصمٍ كهذا.»
«…حسنًا، كنتُ أودّ على الأقل أن أجعلها تستسلم لي مرةً واحدة في حياتي إن استطعت.»
«ذلك حلمٌ لن يتحقّق للرجال أبدًا. لكنني أشجّعك — من مسافةٍ آمنة خلف الكواليس»، قالها بنبرةٍ عميقة.
«إذًا إن كان سيفي للقتال، فلِمَ خُلِق سيف ليليا؟»
«همم. سيفها يشبه سيف السيد نيلز. إمّا أن طبيعتها الصادقة تجعلهما متشابهين، أو أن شخصيتيهما متقاربتان جدًا.»
نيلز دي فورينر.
كان أستاذ ليليا، والرجل الذي كان أيضًا «معلّمه اللعين».
«إنه أسلوبُ سيفٍ جشع، يميّز شخصًا متردّدًا… شخصًا لا يريد— بشدّةٍ ويأس—أن يؤذي أحدًا — لكنه لا يملك خيارًا سوى أن يفعل.
إنه نصلٌ لجبانٍ بامتياز.»
*
توقّف ويليم عند ملتقى طريقين.
وقبل أن يشعر، كان نصلٌ فضيّ يضغط على مؤخرة عنقه. تسلّل خيطٌ رفيع من الدم الأحمر، سرعان ما غسله المطر واختفى.
«يو»، نادَى ويليم بلامبالاةٍ إلى من يقف خلفه. «استدعائي إلى هنا بنيّة قتلي أسلوبٌ قديم بعض الشيء، ألا تظن؟ لستَ غريبًا عني. ألم يكن بإمكانك الاكتفاء بالكلام إن أردت شيئًا؟»
«…لأن الأمور قد تصبح معقّدة قليلًا إن سمعها الآخرون.»
وقبل أن ينتبه، كان رجلٌ يرتدي رداءً واقيًا من المطر يقف خلفه.
أجابه بصوتٍ جاف:
«هناك أمور أودّ أن أسألك عنها قبل أن نُجدّد صداقتنا. سأكون ممتنًا لو أجبتني بصدق، يا ويل.»
«إن كان هذا كل ما تريد، فتعالَ من الأمام. أنت تعرف أنني فاشلٌ في إخفاء الأشياء، أليس كذلك؟»
«السؤال الأول.» تجاهل مزاحه تمامًا. «لماذا أنت هنا؟»
«…سؤالٌ غريب. أنت تعرف أن غوماغ مسقط رأسي، صحيح؟ والآن بعدما قلت ذلك، الأغرب هو رؤيتي لك هنا.»
«يبدو أن مغزى سؤالي لم يصلك.»
ضغط النصل قليلًا على عنقه.
«لماذا أنت — الذي كان ينبغي أن تموت مع إيبون كاندل يوم المعركة — ظهرت فجأةً في هذه البلدة الآن؟»
«…ماذا؟»
للحظة، لم يفهم ويليم ما سُئل.
ثم، في الثانية التالية التي استوعب فيها الكلمات، أدرك خطأه.
حتى تلك اللحظة، كان قد نسي أن يفكر في أمرٍ بالغ الأهمية.
هذا عالمُ أحلام.
ومع وضع تلك الفرضية في الحسبان، لم يتحقّق من الزمن الذي يشير إليه «الآن» في هذا العالم.
(افترضتُ ببساطة أن الإحساس بالزمن في عالم الحلم يُحدَّد اعتباطًا…)
ومن هذا الحوار القصير، أدرك ويليم عدة أمور دفعةً واحدة.
أولًا: أن هذا العالم مُعدٌّ زمنيًا بعد أن انطلق فريقهم لقتال الزوّار… وقبل أن يُدمَّر على يد الوحوش السبعة عشر، بطريقةٍ ما.
ثانيًا: أن ويليم كميتش في هذا العالم لم يعد إلى منزله قط — ولعله تحجّر في ساحة المعركة.
وأخيرًا: صار من شبه المؤكد أن هذا العالم لا يستند ببساطة إلى ذكريات ويليم. فهناك معلوماتٌ في الكتب لا يعرفها شخصيًا، وأناسٌ يعيشون في هذا الحلم زمنًا لم يعشه هو قط.
(ما الذي يحدث بحق السماء…؟)
ربما لم يستغرق تفكيره أكثر من بضع ثوانٍ.
يبدو أن الرجل خلفه اعتبر صمته نوعًا من الإجابة، فسحب النصل من عنقه.
«…أمتأكد أنك تستطيع تركي هكذا؟ لم أجبك بعد.»
«لم أعتبر هذا تهديدًا من الأساس. الشخص الذي يقرر استخدام هذا النصل اللعبة ضد أقوى بطلٍ شبه شرعي سيكون عديم الكفاءة حقًا.»
الأقوى، هاه؟” ارتسمت على شفتي ويليم ابتسامة ساخرة مشوبة بالأسى. “إنك تثير ضيقي بمناداتي هكذا يا نافرتري.”
ثم استدار ببطئ
أزاح الرجل غطاء رأسه الواقي من المطر، فبرز شعر أحمر كألسنة اللهب المتأججة، ووجه رجل في الثلاثين غطته لحية مهملة.
إنه نافرتري تيغوزاك.
أحد الأبطال شبه الشرعيين الذين نالوا اعتراف كنيسة الضوء المقدس، سليل إحدى قبائل غرب غارماندو.
كان سلاحه المفضل نصلًا مقوسًا من تراث قبيلته، لكنه حين يواجه أعتى الخصوم، كان يسلّ الكارليون النقي والأثير لديه: لابيديمسيبيلوس.
“لا تبالغ في تقريظي. فكلانا لا يزال بطل شبه شرعي، بيد أنك أقدم مني وأكثر حذقًا؛ بل إنك تروض من سيوف الكارليون ما تعجز عنه يداي.”
افتر ثغر نافرتري عن ابتسامة خفيفة إثر هذا الثناء.
“المخيف في أمرك هو أنك لا تنطق بهذا تواضعًا أو نكرانًا للذات، بل لأنك تؤمن به حقًا.”
رد ويليم بابتسامة مماثلة.
“وأنت مصدر إزعاج لأنك لا تقول ذلك مداهنةً أو تهكمًا، بل لأنك تعنيه حقًا.”
خيم صمت وجيز، لم يقطعه إلا وقع المطر العنيف وهو يضرب الأحجار المرصوفة تحت أقدامهما.
“… أعلم يقيناً أنه كان عليّ أن ألقى حتفي بجانب تلك الجمجمة السوداء. لا أذكر شيئًا مما تلا ذلك. وحين استعدت وعيي، وجدت نفسي في غوماغ. كان ذلك في الصباح، قبل ثلاثة أيام.”
هكذا أجاب ويليم على السؤال الأصلي.
لو أنه باح بالحقيقة كاملة، لاضطر لخوض غمار محاولة مضنية لإقناع نافرتري بأن العالم بأسره ليس إلا زيفًا. رأى أن المهمة شاقة فوق الاحتمال، فآثر الكذب ومواراة ما لا يصح الخوض فيه.
“أريد أن أعرف ما جرى. وليس هذا فحسب،” تخللت أصابع ويليم شعره المبتل في عجلة. “كيف انتهت المعركة في نهاية المطاف؟ أرى أن البشرية لم تُسحق بعد، مما يعني أننا دحرنا الزوار بلا شك، وها أنا أراك حيًا أمامي. ولكن، ماذا عن البقية؟”
لم ينبس نافرتري ببنت شفة.
“والأهم من ذلك كله، لِمَ تشهر في وجه صديقك نصل الحقد والسكاكين وما شابه؟ فسر لي بحق السماء ما الذي يحدث هنا.”
«العالم الحقيقي.»
سمع الرجل يهمس بالعبارة في هدوء.
كان اسم منظمة، اسمٌ بدا مبالغًا فيه بعض الشيء، وكأنه وُضع لإحراج السامع.
«تذكرهم، أليس كذلك؟ لقد كانوا يخططون لشيء ما، محاولين الإطاحة بالعاصمة الإمبراطورية. وها هي بقاياهم تحاول المضي قدمًا في خططهم السابقة.»
— آه، صحيح.
لهذا السبب ترددت هذه العبارة.
الآن وقد فكر في الأمر، بدا جليًا؛ ما هذا الحلم إلا نسخة من سطح الأرض في الماضي، وبما أن هزيمة الزوار قد وقعت بالفعل، فإن الحدث التالي ليس سوى ظهور الوحوش السبعة عشر. وبعد ذلك بأيام قلائل، ستُبتلع المدن، وتُدمر البلدان، ويختفي عرق الإمـنيتويت نفسه من على وجه البسيطة.
إذًا، كان من المنطقي أن “العالم الحقيقي”، أولئك الذين خلقوا الوحوش، منخرطون الآن في أنشطة سرية.
كان هذا عالمًا سينتهي قريبًا على أيديهم.
(أشعر وكأنني فتى نبوءة نوعًا ما.)
كان شعورًا غريبًا أن يعرف المرء المستقبل المحتوم. اختلجت في صدره مشاعر القدرة الكلية والعجز معًا، ممتزجة في آن واحد. وبين المتعة والضيق، مالت حالته النفسية نحو الأخير وبقوة.
أخفى ويليم قلقه خلف نظرة جادة وسأل: «إذًا، ما علاقة هذا بذاك؟»
«ثمة أبطال وأبطال سابقون على تواصل سري مع العالم الحقيقي.»
«— ماذا؟»
كان ذلك شيئًا لم يعرفه بالتأكيد، بل ولم يتخيل قط حدوثه.
«أتمزح؟— مهلًا، ما كنت لتتحرك لو كانت هذه المعلومات غير مؤكدة. الأمر خطير. وبما أنك لا تخفيه، فهذا يعني أنك قررت أنه لا بأس بأن يبدأ الأبطال شبه الشرعيين في التشكيك ببعضهم البعض. إذًا، أنت تعطي الأولوية لوضع الجميع في حالة تأهب وإعاقة تحركاتهم بدلًا من محاولة كشف الهوية الحقيقية للمتمردين.»
«ثاقب النظر كعادتك،» قال نافرتري بسخرية مريرة. «لكنتَ أكثر شعبية لدى السيدات لو أنك استخدمت بصيرتك تلك في فهم قلوبهن.»
(أوه اصمت فحسب.)
لم يشعر ويليم قط برغبة حقيقية في أن يكون ذا شعبية حين كان نافرتري __الذي يتفاخر بأن له من العشيقات بقدر ما في العالم من موانئ__ يقول أشياء كهذه، لكنه كان يكره أيضًا مدى الإقناع الذي تبدو عليه كلماته حين تصدر عنه.
«بناءً على رد فعلك، سأقول إن علاقتك بـ العالم الحقيقي تبدو بريئة إلى حد كبير.» بسط نافرتري كلتا يديه، وكان السكين الذي كان يقبض عليه بيمناه قد اختفى بالفعل، كأنه خدعة سحرية. «ولكن مع ذلك، لا يعني هذا أننا تحدثنا بصراحة عن كل شيء. لقد قلت إنك لا تتذكر أي شيء حتى هذا الصباح—ولا أظن أنني أستطيع قبول ذلك على ظاهره فحسب.»
(… هذا الرجل حاد الملاحظة كعادته.)
وليس هذا فحسب، بل كان بالتأكيد يستخدم تلك البصيرة الحادة مع قلوب النساء. شعر ويليم بالغيرة.
«حسنًا يا ويل. سأكتم شكوكي تجاهك في الوقت الحالي. سأتعامل معك على الأقل بافتراض أنك لست مذنبًا. حاول ألا تفعل أي شيء يلفت الأنظار حتى تهدأ الأمور قليلًا،» قال نافرتري ذلك بلهجة استبدادية وهو يوليه ظهره.
«ألا تحتاج إلى مساعدتي؟»
«مهمتي الآن هي التشكيك في رفاقي. لا يمكنني أن أؤمن ظهري لأولئك الذين لا أستطيع الجزم ببراءتهم التامة،» قال ذلك وظهره لا يزال مولىً نحو ويليم في إهمال.
كانت الطريقة التي قال بها ذلك فجة وصعبة الفهم، إما لأنه لم يحسن صياغتها أو لأنه يتبع أسلوبًا مواربًا في الحديث. «… وسأجيبك على شيء واحد آخر فحسب. من بيننا جميعًا نحن الذين قاتلنا ضد الزوار في ذلك اليوم، لم ينجُ سوى ليليا وأنا. وفقط الآن تم إضافة اسمك إلى تلك القائمة.»
«..فَهِ…مت»
كانت النتيجة تمامًا كما سمعها من الحكيم العظيم سوونغ. وهكذا، ومع أنه لم يتفاجأ، إلا أن سماع الأمر مجددًا أثقل روحه بالغم.
«الجثتان الوحيدتان اللتان استعدناهما كانتا لـ سوونغ و إيميسا. جثة سوونغ كان قد أُلقي عليها نوع من السحر المعقد أو ما شابه، لذا لم نتمكن من إقامة جنازة له. إنه يرقد الآن في مصلى القبو بالكنيسة.»
(مهلًا ماذا تفعل أيها الحكيم العظيم؟ ليس هذا وقت القيلولة.)
ربما السحر الذي ابتكره لبعثه أو إحيائه أو أيًا كان لم يبدأ بالعمل كما ينبغي.
«هذا كل ما يمكنني إخبارك به. سنكمل حديثنا على كأس بعد أن ينتهي كل شيء،» قال نافرتري ذلك بخفة وبدأ في الابتعاد.
«مهلًا، نافرتري؟» انطلقت الكلمات من فم ويليم. «هل كنتَ… أعني… هل أنت بخير؟»
توقف جسده المبتعد لبرهة وجيزة.
«لحسن الحظ، نعم، شكرًا.»
أجاب نافرتري دون أن يلتفت، ثم اختفى وسط المطر الضبابي.
استمر المطر في الهطول.
رفع ويليم بصره نحو السماء.
ومع أن هذا العالم لم يكن من المفترض أن يكون أكثر من مجرد حلم، إلا أن القطرات على جلده كانت باردة بشكل فظيع.
تردد صدى عطسته المدوية في أرجاء الشارع.
4. الفتاة ذات الشعر القرمزي
*(ملاحظةم.م: القفار أو القفر هي الأرض الخالية، الموحشة، التي لا ماء فيها ولا نبات ولا ناس، وتجمع على قِفَار وقُفور. تعني أيضاً الصحراء القاحلة أو البادية الموحشة، وتُستخدم لوصف الأماكن المنقطعة وغير المسكونة.)
عُلقت لوحة كبيرة على جدار كنيسة صغيرة.
صَوّرَتْ قفارًا جرداء تبرز فيها الأرض. وقف عليها نحو عشرة رجال ونساء، وجوههم محجوبة، متجمعين بالقرب من بعضهم البعض.
«—وصل الحكام من بحرِ نجومٍ بعيد ووقفوا على القفار.»
كانت الفتاة تنظر إلى اللوحة.
كان شعرها قرمزيًا ساطعًا، كشعلة ترقص بنشاط. كان لها طول وبنية فتاة في منتصف سن المراهقة، لكن وجهها وهي تتطلع إلى اللوحة كان ملائكيًا كوجه رضيع.
«شعروا بالشفقة على الأرض ومدى قفرها، لذا قسّموا أرواحهم إلى شظايا ضئيلة ومنحوها للوحوش التي كانت تدب على الأرض.
الوحوش، التي باتت تحمل شظيةَ روحٍ في داخلها، اكتسبت الذكاء والعقل وبدأت تمشي على الأرض على قدمين. كانت تلك بداية ما سيصبح بشرًا—»
أنهى أحد الكهنة المسنين المسؤولين عن هذه الكنيسة قصته ووقف بجانب الفتاة.
«—أنتِ مفتونة بها تمامًا، أليس كذلك أيتها الشابة؟ أتخيل أنكِ مهتمة بأسطورة الزوار؟»
«أجل.» أومأت الفتاة برأسها قليلًا. «لأنني لم أقابل والديّ من قبل قط.»
همس الكاهن بإعجاب هادئ. لم تكن تعاليم الكنيسة التي تقول إن الزوار هم من خلقوا عرق الإمـنيتويت مقبولة على نطاق واسع؛ لذا فكر في أن وجود شخص مؤمن لدرجة تسمية الزوار بوالديه هو أمر غير معتاد على الإطلاق.
«لا داعي لليأس. أرواح الإمـنيتويت الخاصة بنا مُنحت لنا في الأصل من قبل الحكام. وطالما نحن هنا، فإن أرواح أسلافنا البعيدين—والذين هم الزوار— ستكون معنا دائمًا.»
«لا أظن أن ذلك ممكن.» تموج شعر الفتاة قليلًا، وابتسمت بحزن. «الأرواح التي منحها الزوار كانت محدودة. ومع ذلك، تكاثر البشر بشكل مفرط. تمددت الشظايا حتى أصبحت رقيقة للغاية وبدأت تفقد معناها. هل أنا مخطئة؟»
عقد الكاهن حاجبيه. ما قالته الفتاة يشير إلى خطوط فكرية ترفض تعاليم الكنيسة. شعر أنه يجب عليه توبيخها على ذلك، ولكن كان هناك شيء آخر يزعجه…
«لماذا تستخدمين صيغة الماضي؟»
«رغم أن هذا قد يكون الحاضر بالنسبة لك، إلا أنه بالنسبة لي ماضٍ بعيد.»
لم تكن تمزح، ولم تكن تتظاهر بالغباء. كان تعبيرها سِمةٌ لشخص تخلى عن كل شيء—تعبيرًا شفافًا وفارغًا تمامًا، لا يناسب وجه الفتاة الصغيرة على الإطلاق.
«من أنتِ…؟»
وبينما كان على وشك أن يسألها من تكون، أصدرت الفتاة فجأة صوت مفاجأة ونظرت للأعلى.
«أنا آسفة—يجب أن أذهب الآن. كـارمي تناديني.»
استدارت على عقبها، فتمايلت حواشي ملابس سفرها بخفة.
«وداعًا يا سيدي. أنا حقًا أحب تلك اللوحة.»
«مـ-من فضلكِ انتظري… ا…»
ظن الكاهن أنه سمع وقع خطى خافتة، وتلاشت الفتاة أمام عينيه.
سحب ببطء اليد التي امتدت نحو كتف الفتاة، وحدق في كفه.
«… همم…؟»
تغيمت ذاكرته بسرعة.
كان هناك شخص ما هنا بالتأكيد قبل قليل، وقد تحدث معه؛ كان متأكدًا من حدوث ذلك، لكنه بالكاد استطاع تذكر كيف كان شكله، أو صوته، أو عما تحدثوا. شعر وكأنه قد خُدع من قبل جنية في ليلة ضبابية للغاية.
«ماذا كان—؟»
تمتم بسؤاله، لكن لم يكن هناك أحد ليجيبه.
حول نظره إلى اللوحة المعلقة على الجدار. صُوَرُ الزوار المحبوسة في اللوحة، بالطبع، لن تقول له شيئًا… ولكن للحظة وجيزة، ظن الكاهن أنه رأى ابتسامات حزن على وجوههم المحجوبة.

تعليقات الفصل