الفصل 45
كان هناك مبنًى عند أطراف مدينة غوماغ.
اسمه الرسمي: دار أيتام فورينر التذكارية الإمبراطورية بمدينة غوماغ.
وكم نحن ممتنّون لأن البطل الشرعي الثامن عشر العظيم، نيلز د. فورينر، موّل هذا الميتم وأسسّه بماله الخاص…
لكن الشيء الوحيد «العظيم» فيه كان اسمه وتاريخه—أمّا ما عدا ذلك، فليس كثيرًا.
بكلمةٍ واحدة: كان مُتهالكًا.
وبكلمتين: مُتهالكًا للغاية.
كان البناء، وهو كبيرٌ نسبيًا بطابقين، مصنوعًا من خشبٍ عتيق.
الجدران والسقف في أغلبهما رقعٌ متجاورة، كأن أيادي هواةٍ أعادت تركيبه مرارًا وتكرارًا.
إذ كان في الأصل مدرسةً ابتدائية تقرّر هدمها، ثم أُعيد ترميمها بدلًا من ذلك، فتاريخه لا يقلّ قِدمًا عن المباني الحجرية المنتشرة في سائر المدينة.
مبنًى لا يُعوَّل عليه البتّة—قد تقتلعُه عاصفةٌ عاتية بأساساته كلّها.
ذلك هو الميتم الخاص.
وكان يقيم فيه حاليًا واحدٌ وعشرون طفلًا.
جميعهم تخلّى عنهم أهالٍ لا جدوى منهم—ومع ذلك ما زالوا أحياء، يعجّون بالحيوية والطاقة.
كان ويليم كميتش يعيش في هذا الميتم.
في الحقيقة، بالكاد عاد إليه خلال السنوات الخمس الماضية.
فما بين تدريبه ليصبح بطلًا شرعيا، والمهام التي أوكلت إليه بعد أن صار بطلًا شبه شرعي، لم يكن لديه متّسع من الوقت.
ومع ذلك، كان يعتبر نفسه—كما اعتاد دائمًا—أحد سكان الدار.
معظم الأطفال الذين وصلوا حديثًا رمقوا الرجل الأكبر سنًا، الغريب عنهم، بنظرات خوفٍ واضحة.
لكن ما إن كشف ويليم عن ابتسامته العريضة، حتى تلاشى حذرهم.
في مثل هذه اللحظات فقط كانت ملامحه غير الوقورة نعمةً لا نقمة.
أما الأطفال الأكبر سنًا الذين يعرفونه من قبل (وأغلبهم في نحو العاشرة)، فكانت ردود أفعالهم أسهل قراءةً بكثير—
«أبي! لقد عدتَ!»
«هيا، علّمني استخدام السيف! وعدتني في المرة الماضية، أتذكر؟!»
«أين كنت تقاتل هذه المرة؟ هل حطّمت وجوه بعض الإلف؟!»
تجمّعوا حوله، ينهالون عليه بالأسئلة دفعةً واحدة.
«هاه، يا رفاق، كيف حالكم؟!»
عانق هذا، وقرص خدّ ذاك، وعبث بشعر آخر—فتيانًا وفتياتٍ على حدّ سواء.
كانت ضحكاتهم وصيحاتهم تتعالى سرورًا.
«كفى الآن، جميعًا—وأنت أيضًا يا أبي! لا تفعلوا ذلك ونحن على وشك الأكل. هذا سوء أدب!»
وبّختهم ألماريا، فجلسوا جميعًا في مقاعدهم على نحوٍ مستقيم، وشرعوا في تناول الطعام.
تتبيلةٌ حامضةٌ حلوة سُكبت فوق سلطةٍ مُرّة—امتزاج النكهات الذي كاد أن ينساه جعل معدته تؤلمه.
كلّ ما أراد أن يحميه…
المكان الذي أراد أن يعود إليه…
الوجوه التي اشتاق لرؤيتها…
الأصوات التي تمنى سماعها مرةً أخرى…
السبب الذي جعله يلوّح بسيفه على نحوٍ أخرق مرارًا وتكرارًا…
لن يقول إن كلّ شيءٍ هنا.
لكن…
تقريبًا كلّ ما فقده يومًا—
وكلّ الألم الذي تحمّله وهو يرثي ذلك الفقد ويُقنع نفسه بالتخلّي عنه—
كان، بلا ريب، هنا.
اتّخذ هيئةَ زُمرةٍ من الأطفال…
وكان أمامه مباشرةً.
ومع ذلك… لم يكونوا حقيقيين.
ولو تزلزل قلبه لأجلهم، لكان ذلك—في النهاية—خيانةً لألماريا الحقيقية… وللأطفال الحقيقيين الذين ماتوا قبل خمسمئةٍ وسبعةٍ وعشرين عامًا.
كان يشعر أنه على وشك البكاء لمجرّد الحديث معهم.
أراد أن يضمّهم جميعًا إلى صدره.
وفجأة خطرت له فكرة:
ماذا لو لم يكبح هذا الاندفاع؟
كيف سيكون ردّها لو احتضن ابنته فجأة؟
( —مهلًا! الأطفال ينظرون! )
في البداية ستتذمّر، على الأرجح.
لكنها لن تقاوم.
ثم…
( —يا لك من مُحرِج يا أبي. )
( —قد تبدو كبيرًا من الخارج، لكنك ما زلت طفلًا من الداخل. )
هكذا ستتقبّل الأمر.
ستدير عينيها تظاهرًا بالضيق، لكن بصوتٍ حنون… وتبادله العناق.
كان يستطيع تخيّل ذلك بسهولة.
وذلك ما جعله حزينًا.
«أبي؟»
«ماذا؟»
«تعابير وجهك تلك مريبة دائمًا.»
(يا لهذه القسوة. لقد جرحتِ مشاعري حقًا.)
«أنت تعود إلى البيت فجأةً دائمًا، أليس كذلك؟»
كان في صوت ألماريا شيءٌ من الاستياء، ونبرتها أقرب إلى العتاب.
«والعجوز كذلك. أعلم أن هذا هو حال عمل الأبطال، لكن ألا يكفي هذا؟»
كانت تتمتم متذمّرة، لكن وجهها كان مشرقًا، وخطواتها خفيفة.
كان ويليم يعرف جيدًا أن كثيرًا من جوانب شخصية ابنته ليست صادقةً تمامًا.
ولهذا لم يكن يأخذ شكاواها على ظاهرها.
عدّل جلسته في الكرسي، وألقى عليها نظرةً جانبية.
بدت أصغر قليلًا مما يذكر—
لا… كانت أصغر فعلًا بدرجةٍ واضحة. لماذا؟
لم يحتج إلى وقتٍ طويل ليجد الجواب.
كاد يضحك، لكنه تمالك نفسه.
في الواقع، مرّت خمسة قرونٍ مذهلة حتى كاد ينسى…
لكن ويليم كميتش كان في السادسة عشرة من عمره في الليلة الأخيرة التي التقى فيها آلماريا.
وبعد ذلك، قضى قرابة عامين في العيش على ريغول آير.
وخلال تلك المدة… ازداد طولًا.
لقد مرّ بتغييراتٍ تُعادل عامين على مدى 527 عامًا. جسديًا، نضج جسده من جسد شابٍّ في السادسة عشرة إلى جسد شابٍّ في الثامنة عشرة.
لكن لم تتغير ألماريا على الإطلاق. وبدأ هذا الاختلاف يظهر الآن كشعورٍ بالقلق.
كان ذلك أيضًا دليلًا واضحًا على أنها ليست حقيقية.
«…مهلًا. هل هناك شيء غريب فيّ اليوم؟» سأل.
«نعم.»
«مثل ماذا؟»
«طريقة سؤالك عن الأشياء.»
صحيح. لم يكن يستطيع الجدال في ذلك.
«وأيضًا… أظن أنك تبدو مثل فالكو حين يكون على وشك البكاء بعد كابوس—وكيف تبدو غير مرتاح رغم كونك هنا.»
(…صحيح. هل هذا كل شيء؟)
هدأ تفكيره قليلًا.
آلماريا بدت فقط أصغر قليلًا في نظر ويليم.
ومن المنطق العكسي، كان ينبغي أن يبدو هو أكبر كثيرًا في نظر ألماريا.
والحقيقة أن ألماريا الحقيقية كانت ستلاحظ ذلك بالتأكيد وتشير إليه.
عدم حدوث ذلك يعني أن هذه الفتاة بلا شك مزيفة.
«أبي؟» جذبت إحدى الفتيات ذراعه برفق. «من تلك؟»
نيفرين لم تفهم لغة الإمـنيتويت، لكنها مع ذلك أجابت عندما نظر إليها أحدهم. رفعت بصرها وأمالت رأسها قليلاً. «ماذا؟»
«لقد كنت تقاتل في الشمال، أليس كذلك يا أبي؟ هل هي من هناك؟»
«أوه، آه…» فكر قليلًا ولم يستطع إيجاد سبب منطقي، فاجاب ببساطة: «نعم، يمكن قول ذلك.»
«ما الأمر؟»
«يسألون عنك. لا أستطيع أن أجيبهم بصدق، لذا آمل أن يبتلعوا الكذبة.»
«…حسنًا.»
أومأت نيفرين وعادت لتتفرغ لأكلها.
«شعرها جميل جدًا. يبدو كالفضة لكن بطريقة مختلفة.»
«نعم… أظن أنك محقة.»
بين الجنيات، ومعظمهن بألوان شعر غريبة، كان لشعر نيفرن لونًا طبيعيًا نسبيًا. لذا، رغم أنه بدا غريبًا قليلًا لهم، إلا أنها لم تكن لتُكشف كـ«غير طبيعية».
«إذًا ما شأنها؟» سألت ألماريا وهي تجلب وعاءً آخر من السلطة. «في البداية ظننت أنها ربما ستبقى معنا، بما أنك أحضرتها فجأة، لكنها… كانت تطير قبل وقت قصير، أليس كذلك؟»
«آه…»
كان الميتم يعمل بدعم من مدينة غوماغ، لكن الأطفال الذين استضافهم لم يقتصروا على سكان المدينة فقط. فقد كان هناك عدد لا بأس به من الأطفال المُتَخَلَّى عنهم الذين كان المدير، وهو أيضًا معلم ويليم والذي كان الأطفال يلقبونه بـ«العجوز»، يلتقطهم من ساحات المعارك هنا وهناك.
«لا، بالطبع لا. أظن أنه يمكننا وصفها بـزميلتي الصغرى .»
«زميلتك الصغرى؟» كررت ألماريا في ريبة. «في ماذا؟»
«ما قد يكون غيره؟ في صف الأبطال شبه الشرعيين.»
«إنها بطلة؟!»
«لكنها أصغر مني!»
«حقًا؟!»
توجهت نظرات جميع الصبية الحادة نحو نيفرين دفعة واحدة.
تفاجأت نيفرن، وارتعشت قليلًا.
فهي نشأت في مستودع الجنيات، حيث لا وجود إلا للنساء. أما الرجال الأقرب إليها فكانوا في الغالب من حراس السحالي.
كانت هذه أول مرة في حياتها ينظر إليها عدد من الصبية من سلالة مشابهة كلها دفعة واحدة.
«هيّا، لنلعب لعبة! لعبة!»
«ماذا، هذا غير عادل! أنا أولًا، أنا أولًا!»
أمسكوا بها بخشونة من كلا ذراعيها وجروها عبر الرواق.
«لا أفهم تمامًا، لكن الأمر يبدو وكأنني محاطة بالعديد من كولون.»
تمتمتها بلغة ريغول آير الشائعة ابتعدت أكثر عن مسامعه.
شعر بالإعجاب قليلًا—كان تشبيهًا موفقًا.
«هيّا، يجب أن تشكروا على الطعام بعد الانتهاء منه!»
ترددت صرخة ألماريا عبر الرواق. فأجاب بعض الصبية بحيوية: «شكرًا على الطعام!»
«يا إلهي، آدابهم سيئة جدًا.» تنفست ألماريا بغضب، وهي تنفخ خديها.
«إنها صغيرة جدًا، مع ذلك… هل يعني ذلك أنها تستطيع حمل تلك السيوف الضخمة التي أريتني إياها في المرة الماضية، أبي؟»
«فوق كل ذلك، هي مؤهلة لتكون بطلة أكثر مني بكثير.»
بعد أن قال ذلك، تذكر فجأة شيئًا وأكمل: «…آه نعم. وربما تبدو صغيرة، لكن أعتقد أنها قريبة في العمر منك، آلماريا.»
«واو، هذا مفاجئ. كنت أظن أنها في سن نانيت.»
جلست نانيت في زاوية الطاولة، وقد أتمت للتو عامها العاشر، وأومأت موافقة.
كان ذلك منطقيًا، فنيفرين صغيرة الحجم بالفعل. لكن ويليم قرر بصمت أن يحتفظ بهذه المحادثة سرية عنها.
ـــــــــــــــ …أب… ـــــــــــــــ
«…همم؟»
فجأة، شعر وكأن صوتًا جاء من مكان آخر.
«هل قال أحد شيئًا للتو؟»
«هاه؟ لقد قلت للتو إن الفتاة تبدو في سن نانيت.»
«نعم، ليس تلك، بعد ذلك. بدا وكأنه صوت من بعيد…»
«كنت أظن أنها في نفس عمري أيضًا!» قالت نانيت، وهي تلوح بيدها بحماس لتجعلهم ينظرون إليها. ربما كان هذا الصوت مختلفًا أيضًا عن الصوت الذي سمعه للتو.
…حسنًا، مهما يكن.
(…ربما كان من مجرد مخيلتي.)
(اللعنة، هذا سيء. بدأت أفقد حذري.)
لم يستطع البقاء يقظًا كما كان يعتقد أنه يستطيع. كان هذا الحلم أكثر خطورة مما تخيل. مُذكرًا نفسه بأنهم في أحشاء عدو غامض، استجمع ويليم قواه.
3. عاد البطل شبه الشرعي للمنزل
مرّت ثلاثة أيّام كلمح البصر.
لم يحدث خلال تلك المدّة ما يستدعي الذكر. على الأقل لم يلمح ويليم أي مؤشرٍ واضح لمشكلات مباشرة — لا مأساةٍ دامية تُصيب الدار على حين غرة، ولا أن الأطفال بدأوا يصرخون عليه بشتائمٍ كريهة.
آلماريا تجرى في أرجاء البيت بنشاطٍ كعادتها.
«لقد عـدتتتت.»
«مرحبا بعودتك! يا إلهي، أنت مغطاة بالوحل — سأحضِر منشفة.»
«أختي الكبرى، أريد التبوّل!»
«حسناً، اصبري قليلاً، سأكون عندك.»
«أنا.جائع! أريد وجبة خفيفة!»
«لقد تناولت الغداء للتو! اصبر قليلاً.»
صعودًا ونزولًا، هنا وهناك، كانت تركضُ وتجرى بلا توقّف.
ويليم، جالس في الفناء الأمامي وسنّ مسمار حديدي بين أسنانه، راقبها بِوِدٍّ من بعيد.
«حسنًا… على الأقل هي بخير»، تمتم وهو يلوّح بمطرقةٍ كانت في يده. دوّى صوتٌ خفيف.
«ماذا تفعل؟»
رفع رأسه عند الصوت، فرأى نيفرين واقفةً إلى جانبه مباشرةً.
«تمامًا ما تظنين: أصلح السياج المكسور.»
«لا. كنت تنظر إلى آلماريا. كنت تبتسم.»
«كنت أراقبها بعطف.»
«همم.»
بوجهٍ بدا من الصعب التأكد إن كانت تصدق كلامه أم لا، جلست نيفرين خلف ظهر ويليم. استندت إليه وفتحت كتابًا لابد أنها استعرته من مكانٍ ما في الملجأ.
«هيه. لا أستطيع أن أعمل هكذا.»
«لا تتحرّك»، أمَرَتْه بهدوء.
ما هذا بحقّ السماء؟ فكر وهو يخفض يده التي تمسكت بالمطرقة.
«…لقد أتقنتِ اللغة جيدًا.»
«درست حروف السطح مع ران مرةً. كنت أعرف بعض القواعد وبعض الكلمات. لذا أستمع كثيرًا. وأتكلّم كثيرًا.»
«هذا متعب جدا رغم ذلك.»
تذكّر ويليم المشاق التي عاناها ليتعلّم اللغة السائدة في أرخبيل الجزر وابتسم ابتسامةً باهتة.
وبعيدًا عن الاستماع، كان ويليم يتساءل فعليًا عمّا إذا كانت نيفرين تطبّق ما قالت عن «الكثير من الكلام».
«يمكنك استخدام لغة الأرخبيل معي فقط عند الحديث، كما تعلمين.»
«لا.»
لتأكيد موقفه، قدّم عرضَه بلغة الأرخبيل، لكنها رفضت فورًا.
«تكمن الحيلة في تعلّم لغة جديدة هي استخدامها قدر الإمكان. فمن الممكن أن تنسى كل شيء على الفور إذا عدت إلى لغة مألوفة.»
«يا رجل، أنتِ مجتهدة جدًا.» تنهد. «ربما كنت ستتمكّنين من فهم الأمر أسرع بكثير لو استعملتِ هذه التميمة لفهم اللغة. لكنها، لسببٍ ما، لا تنفصل عني.»
«حتى لو خلعتها فأنا لا أريدها. الراحة عدوّ التقدّم.»
«يا رجل، أنتِ مجتهدة حقا.»
أمامه كان السياج الذي يعمل عليه. في يده اليمنى المطرقة، وفي يده اليسرى المسمار. وعلى ظهره كان دفء نيفرين. ارتدّت عيناه نحو السماء، وأجاب وهو شارد الذهن:
«لا داعي لأن تكوني متحمسة هكذا لتعلّمها، كما تعلمين. بمجرد أن نغادر هذا العالم، لن تستخدمي اللغة مرة أخرى على أي حال.»
«لكن يمكنني استخدامها إلى ذلك الحين، أليس كذلك؟» قالت نيفرين وهي تقلب الصفحة التالية.
«لقد قلتَ إننا سننتظر حتى يبدأ العدو باللعب بالعالم واتخاذ إجراءات ما، أي أنه يجب أن يكون لديّ وقتٌ كافٍ لاستخدامها.»
لقد قال ذلك بالفعل. لكنّه في ذلك الوقت لم يكن يظنّ أنّ الانتظار سيطول إلى هذا الحد. كان يظنّ أن الأمر سيستغرق نصف يومٍ تقريبًا فقط.
«وهناك عدة أمور يزعجني.» *(الخطأ من نيفرين لانها ما اتقنت اللغة بعد)
«…يزعجك؟»
كان نَحْوُها اللغوي غير دقيق بعض الشيء، لكنه فهم ما تعنيه.
استدار ليسألها، لكن بدا أنها قد تسقط لو فعل، فبقي في مكانه. لم يستطع رؤية تعبير وجه نيفرين.
«إذا كان هذا حلمك، فلا يجب أن تتواجد أشياء لا تعرفها هنا.»
«نعم، أظنّ ذلك.»
سمع تقلب صفحة أخرى.
«هل كنت تعرف أنه اعتبارًا من السنة الإمبراطورية… 1030، من بين القبائل الاثني عشر التابعة لاتحاد غرب غار…غارماندو ساندز، بعضهم يشمل الناجين من العائلة الملكية؟»
«آه… هاه؟ ماذا؟»
جاء ذلك فجأةً لدرجة أنه شعر بارتباكٍ طفيف.
بالطبع، كان يعرف اتحاد رمال غارماندو الغربية. إنه يمثل السهل الرملي الذي يملأ تقريبًا النصف الغربي من منطقة غارماندو الجافة والمجالس المنوَّبة لسكانها. لهم نظام سحري فريد عميق ودقيق للغاية — لا سيما تعويذات من نوع التحكم في «الحضور» — بحيث لا تُقارن بمدارس السحر في الإمبراطورية مجتمعةً.
لكن بالمقابل، هذا كل ما كان يعلمه ويليم عنهم. لم يتذكّر أنه تعلّم تاريخهم أو أشكال حكوماتهم.
«إذا كانت قراءتي صحيحة، فها هو مذكور في هذا الكتاب.»
«…حقًا؟»
كما أوضح ويليم من قبل، الأحلام المصمّمة بقدرةٍ ما تتشكّل عبر انعكاس ذكريات الهدف. بمعنى آخر، إذا لم يكن الهدف يعلم بأمرٍ ما، فلن يظهر ذلك في ذلك العالم الأحلام.
«بالطبع، ليس لدي أدنى فكرة عماهيّة ذلك الغرب الغارماندي. وهذا يعني أن هذا الكتاب يضمُّ معلوماتٍ لا نعرفها لا أنت ولا أنا.»
«حقًا… هيه، أوه!» تمتم باللغة العامية للأرخبيل دون وعي، فقرصته على أثر ذلك نيفرين على مؤخرته. (آخ)
«بدون عامية.»
«حسنًا، حسنًا. على أية حال، مممم… ماذا يعني ذلك؟»
«إجراءات؟ من العدو الذي صنع هذا العالم؟»
(هذا ما يعنيه ذلك، هاه؟)
لكنه لم يكن يعلم ما الغرض من ذلك بالضبط.
كيف يمكن أن نتعرّض لهجومٍ روحيّ لمجرّد قراءة كتاب وامتلاك معرفة لم نكن نعلمها سابقًا؟
لحظة — هل ثمّة جدوى من تغيير أشياء في أماكنٍ لن يلحظوها لو لم تبدأ نيفرين بالقراءة أصلًا؟
«…لا تقلقي بشأنه الآن، على ما أظن.»
لن يجلب التفكيرُ كثيرا إجابات جديدة. هذا كان الاستنتاج الذي توصل إليه.
«هل هذا مقبول؟»
«لا ينبغي أن نبدأ بالتخبط لمحاولة حلّ ألغازٍ بمعلوماتٍ ضئيلة كهذه. كلما ازدادت نظرياتنا وافتراضاتنا، صار من الصعب علينا رؤية الحقيقة. لا يجب نبالغ الآن في قراءة الدلائل — ليس حتى نجد إشارات وتلميحات أسهل.»
«حسنًا.»
توقّفت نيفرين عند ذلك وعاودت التركيز في قراءتها بصمت.
«…لا أستطيع الاستمرار في العمل وأنت جالسة هنا كما تعلمين.»
تجاهلت كلامه المتذمّر بصوتٍ خافت بسهولة.
(لمن لم يفهم، ويليم يظن بأنهم دخلوا لعالم الأحلام هذا بسبب تعرضهم لهجوم من شيطان ما على السطح. وهذا الشيطان يقدر يصنع عالم بناءً على ذكريات من يستهدفهم. ويليم يظن بأن الشيطان رح يتدخل بعدين في هذا العالم عن طريق اتخاذ إجراءات ما أو اي شي، ويظن أنه المفروض ما يقدر يحط أي شي ما يتذكره الشخص المستهدف، لهذا هم استغربوا لما شافوا معلومات في كتاب هم بالأصل ما يعرفونها، ولهذا قد خمنوا بأن الشيطان قد بدأ باتخاذ إجراءات وتدخلات.)

تعليقات الفصل