الفصل 41
الفصل الحادي والأربعون: أكاديمية قصر تان
كان “عصر تشينغ يوان” هو لقب الحكم الجديد الذي أُسس في العام الذي ولد فيه لي هاو، وهو ما عكس الحظوة العميقة التي نالتها عائلة لي لدى الإمبراطور “يو”.
هذه السلالة، التي صمدت لأكثر من ثلاثة آلاف عام، كانت لا تزال تشبه الأسد المهيب. ورغم أنها بدأت تشيخ وتضعف تدريجياً، إلا أن حضورها الطاغي وفر الحماية لمعظم أراضي البلاد، ومنع الشياطين المتجاسرة من تدنيس أراضيها، وضمان استمرار الدول التابعة في تقديم جزيتها السنوية!
في ذلك العام، وعلى حدود مقاطعة “يونتشو” ضمن سلسلة جبال الوادي المنعزل، انطلق الجنرال المخضرم “جيانغ تيان شو” البالغ من العمر ستة وثمانين عاماً في حملة عسكرية وسط تهليل رعاة الحدود. وبقيادة أكثر من ثلاثين ألفاً من الخيالة الملكيين، تمكن في ثلاثة أيام فقط من إبادة أكثر من مائة ألف من عشائر “شياطين النمر والفهود” التي عاثت فساداً في الحدود، موسعاً أراضي الإمبراطورية بمقدار ألف ميل، ليطير صيته في تسع عشرة مقاطعة!
وفي نفس العام، تمكن عبقري في الثانية عشرة من عمره، عُرف بلقب “سيف القمر الساطع”، من اجتياز بوابات السماء التسع، ودخل “قصر غان تاو” كمريد مباشر ليستمع إلى تعاليم الحكيم، ليصبح اسمه رنيناً في آفاق العالم!
وأيضاً في ذلك العام، نزل أحد “الأسياد العظام” المنعزلين، الذي قضى ثلاثين عاماً فوق قمة جبل “وان فنغ”، ليخوض نزالاً أسطورياً على ضفاف بحيرة “الماء الأحمر”، وهو النزال الذي جذب الأنظار من كل حدب وصوب، وإن بقيت نتيجته النهائية لغزاً طواه الكتمان.
الآن، وفي أعماق خريف شهر أكتوبر..
غطت الأوراق الصفراء الذابلة أرض مقاطعة “تشينغتشو”.
فتحت “أكاديمية قصر تان” -أرض التدريب المقدسة في مدينة تشينغتشو والمعروفة بـ “بوابة قفزة الخالد”- أبوابها التي ظلت موصدة لست سنوات. وبمجرد انتشار الخبر، اجتاح المقاطعات كالإعصار، وتوافدت المواهب الشابة والورثة والأميرات من كل فج عميق، يتسابقون نحو هذه الفرصة لنيل المجد والشهرة.
في هذه الأثناء، وفي فناء صغير داخل قصر الجنرال السامي، غير بعيد عن الأكاديمية، كان شاب يجلس في استرخاء تام. كان يستمع لصوت حفيف الأوراق المتساقطة، يحتسي كوباً من الشاي الأخضر، ويلعب الشطرنج بهدوء؛ وكأن كل الضجيج والصراعات المحتدمة في الخارج لا تمت له بصلة.
“سيدي الشاب، لقد خسرتَ مرة أخرى.”
وضعت القطعة السوداء الأخيرة لتسد طريق الهروب أمام القطعة البيضاء؛ “مات الملك”.
التقط الشاب كوب الشاي، ارتشف منه رشفة هادئة، وقال بابتسامة:
“لقد انتهى الأمر.”
كان الشاب هو “لي هاو”. شفاهه حمراء وأسنانه بيضاء، وعيناه تلمعان كالنجوم الساطعة بفيض من العمق والوضوح. وجهه، الذي لا يزال يحمل مسحة من نعومة الشباب، تميز بخطوط واضحة ورقيقة في آن واحد. بشرته كانت باهتة وكأنها حُجبت عن الشمس طويلاً، وأصابعه التي تمسك بقطعة الشطرنج كانت نحيلة وقوية، بأظافر شفافة تخلو من أي شائبة.
ارتجفت زاوية فم الرجل العجوز الجالس قبالته، وهو “لي تشينغ تشنغ”، المعروف بـ “السيد الخامس”. حدق في اللوحة بعبوس، وعندما لم يجد مخرجاً، ألقى بالقطع البيضاء في الصندوق بإحباط قائلاً: “أيها الفتى، مهاراتك في طريق الشطرنج تصبح أكثر دقة يوماً بعد يوم”.
حصرياً… هذا العمل مقدم لكم من مـركـز الـروايـات، أي وجود له خارج موقعنا هو اعتداء على حقوقنا.
رغم المديح، كانت عيناه تعكسان استياءً دفيناً؛ فكيف يهزمه هذا الغلام في الفن الذي قضى فيه جل عمره؟
ضحك لي هاو بتواضع: “الفضل كله يعود لتدريبك الجيد، يا جدي الخامس”.
“أيها الولد المشاكس!”، حدق فيه لي تشينغ تشنغ بغيظ، وبينما كان ينوي بدء جولة أخرى، شعر بالإحباط لأنه لم يفهم بعد كيف خسر الجولة الأخيرة.
في تلك اللحظة، سُمع صوت تكسر الأوراق الجافة، وانطلق قوام أبيض ثلجي ليقفز فجأة في أحضان لي هاو؛ لقد كان الثعلب الأبيض الصغير. فرك لي هاو رأس الثعلب الذي تميز بأذنين برتقاليتين مائلتين للحمرة، وعقد حاجبيه قائلاً: “لماذا تفوح منك رائحة الأعشاب الطبية مرة أخرى؟ أين تسللت لتأكل هذه المرة؟”.
دفن الثعلب رأسه في صدر لي هاو محاولاً التهرب. وفي تلك اللحظة، اقتربت خادمة في السادسة عشرة من عمرها، تدعى “تشينغ تشي”. قالت وهي تلهث: “سيدي الشاب، لقد تسللت ‘شياو رو’ (الثعلب) إلى مطبخ السيدة الكبرى مرة أخرى، وقلبت حساء الأعشاب الطبي المحافظ على الجمال، والآن يبحثون عن الفاعل في كل مكان…”.
عجز لي هاو عن الكلام، وأخرج رأس الثعلب من حضنه قائلاً بقلة صبر: “ألم أحذرك من المشاغبة؟ أتريدين أن أضربك مجدداً؟”. تظاهر الثعلب بالبؤس، فقال لي هاو مهدداً: “إذا استمررتِ هكذا، سأسلمكِ للسيدة الكبرى لتقوم بحلق فرائكِ بالكامل!”. ارتجف الثعلب رعباً.
التفت لي هاو للخادمة: “تشينغ تشي، اذهبي لاحقاً واعتذري للسيدة الكبرى نيابة عني، وأرسلي لها طبقاً من ‘كعك بيريلا’ الذي صنعته بنفسي. وهل اشتريتِ ‘معجنات قطن اليشم’ لهذا اليوم؟”.
تذمرت الخادمة: “دائماً أنا من يذهب ويتلقى التوبيخ”، ثم انطلقت بسرعة كالسحاب.
هز لي هاو رأسه: “هذه الخادمة تصبح أكثر تمرداً يوماً بعد يوم”.
رد “لي تشينغ تشنغ” ببرود: “وهل يوجد أحد في فنائك يتصرف بجدية؟ انظر إلى بقية الأفنية، كل شيء منضبط. أما هنا، الخادمة تمشي بهياج، والثعلب يثير المشاكل.. كل هذا لأن ‘العارضة العلوية’ للمنزل مائلة، فكيف تستقيم العوارض السفلية؟ أنت السبب؛ كان أمامك مستقبلاً مشرقاً، لكنك اخترت أن تعيث فساداً. هل أسلاف عائلتنا حقاً أدنى شأناً من تنين شيطاني؟”.
بدا الشيخ غاضباً بشدة؛ فالموضوع لا يزال يؤلمه رغم مرور السنين. في سن الثامنة، كان بإمكان لي هاو دخول “عالم وراثة الروح”، لكنه أخر نفسه عاماً. وعندما استدعاه الأسلاف في المعبد، اكتشفوا أنه ورث بالفعل روحاً.. ولكنها لم تكن روح سلف من العائلة، بل كانت روح “تنين شيطاني” حصل عليها بصقل جسده وقتل تنين طوفان.
بالنسبة لعائلة لي، كيف يمكن لتنين أن يقارن بسلالة أسلافهم العظماء؟ علاوة على ذلك، يُخشى أن تورث أرواح الشياطين طبيعتها الوحشية لصاحبها. لكن لحسن الحظ، لم يظهر لي هاو أي وحشية، بل ظل هادئاً، وهو ما عزاه الجد الخامس لتأثيره عليه عبر لعب الشطرنج. ومع ذلك، فإن روح التنين جعلت مؤهلات لي هاو تُعتبر “فوق المتوسطة” فقط في نظرهم، وهو ما يجعله يبدو ضعيفاً أمام عباقرة الطوائف الأخرى الذين يرثون أرواحاً من “عالم الأركان الأربعة”.
بينما كان الجد الخامس يستشيط غضباً من خسارته في الشطرنج ومن خيار لي هاو، اقتربت خادمة أخرى تدعى “شوي جيان” من فناء “الربيع الأبدي”. كانت قد كبرت وأصبحت تفيض بالجاذبية والوقار. انحنت باحترام وقالت: “سيدي الشاب، لقد أرسلتني السيدة لأعلمك أن ‘أكاديمية قصر تان’ قد فتحت أبوابها. هذه نسخة من دعوة الأكاديمية أرسلتها السيدة لك”.
قدمت دعوة مزينة برمز السمكة المزدوجة (يين ويانغ) باللونين الأبيض والأسود. تناول لي هاو الدعوة بابتسامة، ثم ألقاها بإهمال بجانبه على البساط قائلاً: “شكراً لكِ، آنسة شوي جيان”.
نظرت شوي جيان إلى الدعوة الثمينة التي يتقاتل عليها المحاربون وهي ملقاة بإهمال، وفكرت في نفسها أن شخصية هذا السيد الشاب هي تماماً كما توقعت السيدة.
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل