تجاوز إلى المحتوى
WorldEnd/ نهاية العالم| ماذا تفعل عند نهاية العالم؟ هل أنت مشغول؟ هل ستنقذنا؟

الفصل 4

كانت ريغول إير عنقودًا يضم أكثر من مئة جزيرة عائمة. وفي مركزه تقريبًا استقرت الجزيرة رقم 1، ومن هناك بدأت الأرقام تتصاعد إلى الخارج في مسارٍ حلزوني. الجزر الأقرب إلى المركز حملت أرقامًا أصغر، وكلما ابتعدت الجزيرة ازداد رقمها.

وثمّة أمور أخرى جديرة بالذكر. فالجزر الأقرب إلى المركز —وتحديدًا تلك التي لا يتجاوز رقمها الأربعين— لم تكن في الحقيقة متباعدة كثيرًا عن بعضها. وبفضل تقاربها، استقرّت معظم هذه الجزر بتلامسها الوثيق، حتى إن بعضها كان موصولًا بسلاسل ضخمة وجسور هائلة. هذا القرب أتاح حركة تجارة نشطة، انعكست مباشرةً على ازدهار المدن القائمة فوق تلك الجزر.

أما الجزر الواقعة على الأطراف —ذات الأرقام السبعين فما فوق— فلم تكن متباعدة إلى حدٍّ شاسع فحسب، بل كانت صغيرة الحجم أيضًا. نادرًا ما يُرى فيها مدينة، فضلًا عن مستوطنة مزدهرة، ولذلك لم تكن تقع ضمن المسار الدائري لسفن النقل الجوي العامة.

الجزيرة التي تضم المرافق المعنية كانت الجزيرة رقم 68. موقعها كان غريبًا بعض الشيء؛ إذ لم تكن سفينة النقل الجوي العامة تتجه إليها مباشرة. وبالطبع، كانت هناك وسائل عديدة للوصول إليها دون التقيد بطريقة بعينها. فشراء سفينة جوية أو استئجارها يوفّر وصولًا مباشرًا، غير أن ذلك لم يكن خيارًا متاحًا إذا كانت الكلفة مصدر قلق.

كانت الجزيرة رقم 53، أقرب محطة على خط السفن الجوية العامة، موطنًا لجماعة من قوم السحالي. وهناك، كان بوسع ويليم أن يجد ملاحًا جويًا يتكفّل بنقله إلى وجهته. لقد كانت حساباته للكلفة الإجمالية صحيحة؛ فقد وصل ويليم سالمًا إلى الجزيرة رقم 68.

غير أن حساباته أخفقت إخفاقًا ذريعًا حين تعلّق الأمر بمقياسٍ آخر…

حين وصل، كان قرص الشمس قد غاب تمامًا خلف الأفق. عوى الريح عواءً حادًّا، كأنها تمزّق الهواء تمزيقًا.

«هاه… يا رجل، لقد أفسدت الأمر.» تمتم ويليم ضاحكًا لنفسه وهو يقف في حيّ الميناء.

كان ذيل المعطف الذي ارتداه فوق الزيّ العسكري الغريب يصفعه الهواء بعنف، يتخبّط في الريح كرايةٍ ممزّقة. أمّا الملاح الذي استأجره، فقد طرحه أرضًا على عجل، ثم استدار عائدًا فورًا إلى الجزيرة رقم 53. وهكذا انقطع طريق التراجع منذ اللحظة الأولى.

أمامه انتصبت لافتة أكلتها الرياح ومزّقتها، بالكاد ما تزال ثابتة في مكانها. كُتب عليها أن وسط المدينة يقع على بُعد ألفي «مارمر» إلى اليمين، وأن مستودع تحالف أورلاندري رقم 4 يبعد خمسمئة «مارمر» في الاتجاه المعاكس. وعلى الجانبين سهمان أحمران يشيران إلى كل اتجاه.

«أهذا هو؟»

مستودع تحالف أورلاندري رقم 4. ألم يكن من المفترض أن يُسجَّل —ولو شكليًا— باسم الحرس؟ هكذا ظنّ، غير أنه خمّن أن ثمة أشياء كثيرة هنا لا يُعنى بها كثيرًا، ما داموا قد عهدوا إليه بمسؤوليةٍ ما، رغم أنه ليس عضوًا في الحرس… بل ليس منتمياً إلى أي جهة أصلًا.

كان السهم يشير إلى دربٍ ضيّق يفضي إلى غابةٍ سوداء حالكة. وبطبيعة الحال، لم تكن هناك مصابيح طرق ولا أيّ شيء معقول من هذا القبيل. بلا نورٍ يهديه، خطا إلى أحشاء الغابة.

لم يكن في ذلك ما يصلح لحكايةٍ مثيرة، لكنه —على كل حال— لم يكن ليستطيع الجلوس هناك في انتظار الصباح. راودته فكرة أن يتجه إلى البلدة ويمكث في نُزُلٍ ما، غير أنه سيضطر إلى سلوك الطرق المظلمة ذاتها للوصول إليها. ثم إن اللافتة أوحت له بأن المسافة بعيدة.

«حسنًا… لا بأس.»

رفع بصره مرةً إلى السماء المرصّعة بالنجوم، ثم اندسّ في الظلال.

كان الظلام كثيفًا. لكنه كان يعلم ذلك سلفًا. لم يكن يرى قدميه، وكان مدركًا لذلك منذ البداية أيضًا. وبفضل ضوء النجوم الذي كان يتسرّب بين حينٍ وآخر عبر ظلال الأشجار المتشابكة، استطاع —بشقّ الأنفس— أن يلازم الدرب. غير أن ذلك جعله يسير بخطى بطيئة على نحوٍ مثير للسخرية.

تذكّر على نحوٍ غائم حكايةً خرافية كان قد قرأها في طفولته. كانت عن صبيٍّ توغّل في غابةٍ ذات ليلةٍ صيفية ولم يعد قط. تقول القصة إن الجنيات اختطفنه في عمق الغابة، ثم حملنه إلى مملكتِهن في عالمٍ آخر. يومها ظنّ أن أمرًا كهذا قد يحدث له هو أيضًا، فأقسم ألّا يقترب من الغابة ليلًا. ثم سخر منه معلمه، وابنته، والآخرون بسبب مخاوفه.

أما الآن، فقد بات يستطيع أن يسترجع ذلك ويبتسم؛ إذ لم يعد في سنٍّ يُدعى فيه صبيًا.

«آمل ألّا تكون هناك حيواناتٌ خطرة أو ما شابه…»

ذلك هو ما كان يشغله الآن.

كانت الجزيرة رقم 68 واسعةً إلى حدٍّ معقول، وكانت هذه الغابة بدورها شاسعة. بل إنها بدت مهيبة حتى مقارنةً بأمثالها في ريغول إير، حتى ليكاد المرء يقول إنها قطعةٌ من طبيعةٍ كانت يومًا ما على السطح، ثم اقتُلعت وزُرعت في السماء. ولذا لم يكن مستحيلًا أن تتربّص فيها ذئابٌ ودببة —تلك الوحوش التي كانت تُعدّ خطرًا على السطح— بين الظلال.

تساءل ويليم: لو صادف واحدًا منها الآن، أيمكنه أن ينجو سالمًا؟

في ماضيه، لم يكن ذلك ليشكّل مشكلة. لم يكن تدريبه واهيًا إلى الحد الذي يعجز فيه عن النجاة من مواجهةٍ مع وحشٍ أو اثنين. أمّا الآن، وقد سُلِبت قوته —بمعانٍ كثيرة للكلمة— فلم يعد بوسعه أن يتفاءل كما كان من قبل.

غاصت قدماه في شيءٍ رطب.

كان شارد الذهن إلى حدّ أنه حاد قليلًا عن الدرب. استنشق الهواء بخفة، فالتقط أنفه رائحة ماءٍ خفيفة. ومن ملمس الأرض ورائحتها، لم يكن ثمة شك: لقد دخل مستنقعًا.

امتزجت رائحة الماء والتراب والريح في نسقٍ واحد. وشعر بوخزة حنينٍ مبهمة.

يا للعجب… أحقًا نحن في السماء؟

ومع هذه الفكرة، ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ مُرّة، لم يرها سواه.

وفجأة، لاح ضوءٌ في طرف عينه.

«أوه؟»

كان الضوء يقترب، يكبر، ويتمايل في مسارٍ متعرّج سريع. شيءٌ ما كان يتجه نحوه.

«أهذه لجنة استقبالي؟»

الآن وقد تذكّر ذلك، تذكّر أيضًا أنه عندما رست سفينة الملاح في الميناء، كان من المفترض أن تُرسل رسالة تلقائية إلى المرافق هنا. لو كان الأمر كذلك، لما بدا غريبًا أن يخرج مهندس أو باحث أو ما شابههما لاستقباله. إذًا، لم يكن هناك مبرر حقيقي لأن يمشي كل هذه المسافة.

وبينما كانت هذه الأفكار تدور في ذهنه، استدار نحو الضوء، وفجأة — «ياااااااه!» — قفز الضوء. كان صرخة حربية، أقرب ما تكون إلى زغردةٍ طفولية منها إلى صرخة امرأةٍ حقيقية. انطلق من الظلام نحوَه طعنٌ بسيفٍ خشبي، لكن بضربةٍ تُبدي براعةَ سيفٍ مفاجِئة.

لم يستطع معرفة سببٍ واحدٍ يجعل أحدًا يهاجمه هنا والآن. هذا سيء. كان بإمكانه ببساطة تفادي تلك الضربة الشاقّة. لكن لو فعل، فإن المعتدي، محمّلاً بكامل قوته وانجرافه، كان سيكوّن —بمقتضى قوانين الفيزياء— قطعًا مكافئًا من المنحنى في الهواء، ثم يغوص في المستنقع خلفه.

ماذا يفعل؟ تحرّك جسده قبل أن يصل عقله إلى قرار. خطا نصف خطوة إلى الأمام، وانزلق جانبًا عن قوس السيف الخشبي. ثم فرّش ذراعيه، مستعدًا لردّ هجمة المعتدي بجزءه العلوي من الجسم.

الصدمة. كان المهاجم أثقل مما ظنّ. لم يحتمل الجزء الأسفل من جسده الصدمة. بدأت غرائز المحارب تعمل من دون إذن عقله. انقلبت وعيّته إلى وضع القتال وحاول تنشيط الـفينينوم في جسده؛ كان ذلك ليحفّز عضلاته ويُسارع قراراته.

لكن رُماحًا من الألم اندفعت خلال جسده بأكمله. تردد. سقط ويليم مباشرةً إلى الخلف — ليسقط في المستنقع الكامن خلفه. تردّد صوتُ الرشّ في الأرجاء.

…وتلاشى رذاذ الماء شيئًا فشيئًا. سرعان ما بدأ الدفء يختفي من ظهره الغارق في الطين.

كان في يد مُهاجمته اليمنى ضوءٌ صغير، يبدو سحريًا. ذلك الضياء الخافت أضاء جزءًا من الظلام، فقصّ عليهما عالمهما الصغير. وبالفعل، كانت المهاجمة مطأطِمةً فوق بطن ويليم، تنظُر إليه من فوق أنفها. كان شعرها ليلكيًا* فاتحًا، كالفجر، وعيونها بنفسجية حادة.

*الليلك درجة من درجات اللون البنفسجي الفاتح.

«هيه! بانيبال! ماذا تفعلين؟!»

ظهر ضوءٌ سحري آخر واقترب هذه المرّة، يَرْقُص بين أشجار الغابة. دفع الظلام جانبًا، فظهرت فتاةٌ أخرى. كان شعرها أزرق سماوي بدا ويليم وكأنه رآه من قبل في مكان ما. رفعت الفتاة ذات الشعر البنفسجي رأسها وقالت بفخر: «لقد أخضعتُ المتسلّل»، ثم أطلقت زمجرة متعجرفة. «هنا ماءٌ بكثرة على الأرض، فربما تنزلِقين إذا— ها؟»

نَظَرَ الوجه الذي رآه في ذلك اليوم الآخر إلى ويليم بدهشةٍ بالغة. «متسلل؟ ماذا؟ أنتَ…؟ لماذا؟»

«مرحبًا…» رفع يده بحركةٍ خفيفة وابتسم ابتسامةً واهنة.

ــــ

لم يكن بإمكان ويليم أن يظلّ مبللاً إلى الأبد. أخذ حمّامًا. بعد أن فرك الطين عن جسده، بدل ثيابه، مشّط شعره، ووقف أمام المرآة. كما العادة، بدا أمامه رجلٌ ذو شعرٍ أسود وعيونٍ سوداء. كان وجهه ينظُر إليه بلا حياة، بعيون إنسانٍ لطالما كان قليل الخبرة بالقتال. ارتسمت على محياه ابتسامة مبهمة، طبيعية إلى درجة بدا معه الأمر كما لو أن عظامه مُشَكَّلة على ذلك النحو.

ذات مرة، واجه موقفا واحدا حاول فيه ارتداء قرونٍ وأنيابٍ مزيفة ليَخفي أنه من عديمي السمات، فبدت النتيجة —يا للأسف— سابقةً على الإحساس بالغرابة: أيّ مدى سوء التوافق بين تلك الزينة وشكله. فهذه، في النهاية، قطعٌ تُستعمَل لعرض الوحشية أو الطابع البري أو ما شابه ذلك، علانيةً؛ ولهذا فهي لا تليق إلا بمن يمتلكون من تلك الصفات قدرًا يسيرًا على الأقل.

تحسس جسده، فقط ليرى إن كان الألم لا يزال راقدا هناك. هذا ما كان يحدث كلما حاول استخدام ولو قدراً يسيراً من السحر؛ “لا أصدق أنني تآكلت إلى هذا الحد”. منذ زمن بعيد، كان بإمكانه الاستغراق في النوم ولا تزال في جسده طاقة تكفي لخوض معركة، لكنه أدرك أن التوق لما وراءه لن يجديه نفعاً.

إذن، يفترض بأن هذه هي المنشأة. لكن، ومن الداخل، لم يبدُ وكأنه بُني لهذا الغرض؛ فألواح الأرضية في الممرات كانت بالية، والجدران مكسوة بالجص، وتتوزع فيه عدة غرف صغيرة بمسافات متساوية. أما الأوراق الملصقة على الجدار، فكانت تعرض جدول المناوبات للأعمال المنزلية، بجانب لافتات من قبيل: “المرحاض في الطابق الثاني خارج الخدمة” و “يُمنع الركض في الممر”. ثم كانت هناك الفتيات الصغيرات المختبئات خلف الأثاث، يختلسن النظر إليه وهو يمر.

“من هذا الطريق.”

كانت تلك الفتاة ذات الشعر السماوي (السيروليني) ترشده. دقق النظر فيها هذه المرة؛ وبمعايير الـ إيمنيتويث بدا أنها في منتصف مراهقتها أو ربما أصغر قليلاً. كانت عديمة السمات، وكان تكوينها يشبههم، ولكن… شعرها، ذلك اللون الأزرق المنعش الذي ذكّره بسماء الربيع الصافية، لم يكن لوناً يولد به ال إيمنيتويث. ولم يعتقد أن أي نوع من الأصباغ يمكنه إنتاج مثل هذا التدرج الطبيعي.

كانت هادئة بشكل غريب وتتصرف ببرود مقارنة بلقائهما في “أكشاك القصدير” (Tin Stalls)، لكنه رجح أن هذا ليس طبعها المعتاد؛ فكلما شعرت بالتوتر أو التردد، كان يرى بوضوح تلك العينين اللتين بلون المحيط وهما تضطربان. يقولون إن المرء بعيداً عن دياره لا يشعر بالخجل، فربما كان هذا شعورها حين رآها في البلدة؛ وجهها المحرج “غير المتصنع” الذي لا تظهره عادة في حياتها اليومية.

فكر في نفسه: “إنها من ذلك النوع من الفتيات اللاتي لن يكنّ صادقات أبداً”. لقد كان لديه ذات يوم زميلة أصغر منه بهذا الطبع. تسلل إليه شعور بالحنين، وانبسطت ابتسامة على وجهه بشكل طبيعي.

“مـ.. ماذا؟”

“لا شيء، خذيني إلى حيث يفترض أن نذهب.”

كانت ترمقه بنظرات قلقة بين الحين والآخر، وكأنها على وشك قول شيء ما، لكنها بعد تفكير، كانت تبتلع كلماتها وتزيد المسافة بينهما. لم يكن بوسعه أن يتصرف معها بودٍّ زائد وهي تتصرف هكذا، لذا لزم الصمت وبقي خلفها بنصف خطوة. أما الفتاة ذات الشعر الأرجواني المدعوة بانيبال -والتي ربما كانت في العاشرة من عمرها فقط- فكانت تنظر بينهما بفضول وتساؤل.

“معذرة.”

اقتيد ويليم وأُدخل إلى غرفة صغيرة بها طاولة ضئيلة وكرسيان، بالإضافة إلى رف كتب وسرير ومجموعة من الحلي المتنوعة.

“أي جزء من هذا المكان هو المستودع؟”

بدأ صبره ينفد ولم يستطع منع نفسه من التمتمة بذلك بصوت مسموع.

“—كنت أعلم أن هذا سيكون رد فعلك، لذا جعلت المراقبة والتقارير مجرد إجراءات شكلية.”

كانت هناك امرأة في الغرفة، كانت عديمة السمات هي الأخرى. وبناءً على مظهرها، كانت في الثامنة عشرة تقريبًا —مثل ويليم تمامًا— أو ربما أكبر قليلاً. كانت طويلة القامة بالنسبة لامرأة، وكانت عيناها في مستوى عيني ويليم تقريبًا. انسدل شعرها الأحمر الشاحب بنعومة على ظهرها، وكانت عيناها بلون أخضر ربيعي هادئ. ارتدت بلوزة خضراء زاهية وفوقها فستاناً أبيض بمئزر. كان سلوكها هادئاً ورزيناً، مما يوحي بنشأة جيدة.

ابتسمت المرأة ببهجة وقالت: “مرحباً بك في مستودع الأسلحة السري. يسعدني رؤيتك مجدداً يا ويليم. هل ازددت طولاً؟”

تأوه وهو ينطق اسم المرأة: “لماذا أنتِ هنا بحق الجحيم يا نايغلاتو؟”

سمع صوت قعقعة على الجانب الآخر من الباب، فتظاهر بأنه لم يسمع شيئاً.

“لماذا؟ حسناً، هذا هو مكان عملي بالطبع. لقد فوجئت تماماً عندما سمعت القصة من غليك، أتعلم؟ لم أتخيل أنه سيرسلك إلى هنا.”

ثم أضافت: “أوه، وتهانينا على الترقية، ضابط التعاويذ الثاني ويليم كميتش. لقد ارتقيت بسرعة مذهلة، لتقفز في الرتب في نفس اليوم الذي انضممت فيه للجيش!”

“لا تسخري مني. إنه مجرد لقب ليبدو المظهر جيداً ليس إلا. يجب أن أكون برتبة معينة للتقدم لهذه الوظيفة، بما أن هذا مرفق حراسة في النهاية… ولكن مهلاً، عندما قال غليك: أعرف شخصاً لديها وظيفة جيدة وهي تبحث عن أشخاص، كان يقصد…”

“أوه، من المرجح أنه كان يقصدني.”

“اللعنة.”

عزم ويليم على لكم غليك في المرة القادمة التي يلتقيان فيها. لن يتساهل معه أبداً؛ فقد أوقعه في هذا الفخ، لذا يجب أن يكون مستعداً لهذا القدر على الأقل.

“لكن لا بد أنك واجهت صعوبة كبيرة في الغابة في هذا الوقت من الليل. كان بإمكاننا اصطحابك من جزيرة قريبة لو أرسلت رسالة.”

دفعته للجلوس، وبينما كان يفعل، وضعت طقم شاي أحدث قعقعة خفيفة على الطاولة أمامه، ويبدو أنها أعدته بينما كان يستحم.

“لقد كنت في الجزيرة رقم 25 لفترة، لذا لست معتاداً على السفن الهوائية. بصراحة ظننت أنني سأصل إلى هنا بشكل أسرع — سأرسل رسالة مسبقة في المرة القادمة.”

“أرجو ذلك… هذا الزي العسكري يبدو جيداً عليك.”

“حسناً، الشخص الذي يرتديه يظن أنه ضيق جداً ولا يستطيع التنفس.”

“أوه، لا داعي لأن تبدو حزيناً هكذا. تبدو ألذ بمرتين مما كنت عليه عندما استيقظت لأول مرة.”

“إذن حياتي في خطر مضاعف.”

“يا إلهي، لا تكن لئيماً هكذا. فقط ثق بي. ألم أخبرك بالفعل؟ حتى لو كنتُ ترولًا ورغم أنك أشهى وأندر صيد في هذا العالم، فليس لدي أي خطط لأكلك الآن.”

وضعت نايغلاتو كفيها معاً وأمالت رأسها قليلاً.

“لأن ذلك سيكون تبذيراً. أنت الأخير من نوعك، ولست مفتقرة للباقة لدرجة أن أدمر ذلك من أجل رغبة لحظية.”

بدت فاتنة وهي تفعل ذلك، لكن قشعريرة سرت في عمود ويليم الفقري.

“…رغم أنني بالطبع، إذا قال الرجل المعني أن الأمر لا بأس به، فقد أفكر في الموضوع.”

“كلا، لا أظن ذلك.”

“حقاً؟ ألا تعتقد أنك ستغير رأيك؟ ولا حتى ذراعاً… لا، إصبعاً؟”

لم يعد ويليم يحتمل الأمر؛ فقد بدأ يشعر بالتهديد يزداد كلما طال أمد الحديث.

الغيلان (Trolls) وحوش كلاسيكية تقليدية، ولطالما كانت مادة مفضلة لقصص الأشباح التي يتداولها المسافرون منذ أمد بعيد. شباب وشابات فاتنون يعيشون في عزلة غامضة بعيداً عن المناطق المأهولة بالسكان، يدعون المسافرين المتعبين بلطف إلى منازلهم، ويستقبلونهم بوليمة عارمة، ويعتنون بهم بحماس شديد قبل أن يلتهموهم في منتصف الليل.

كان ويليم يظن أن كل ذلك مجرد أسطورة أو حكاية رمزية لتعليم المسافرين المبتدئين ألا يتخلوا عن حذرهم في الأراضي المجهولة، وظل على هذا الاعتقاد حتى وقت قريب نسبياً. عندما علم أنهم نوع من العمالقة (Ogres) الذين وجدوا منذ زمن بعيد، سقط فكه ذهولاً وهو يحدق في الفراغ من شدة المفاجأة.

وبعد ذلك مباشرة، ضحك الوحش المعني في وجهه وقال: “كم سيكون الأمر معقداً لو عاملتني كأنني أسطورة.”

جاءت قعقعة من الجانب الآخر للباب؛ كان هناك عدد من الأشخاص يتسللون في الممر، وتظاهر ويليم بعدم الملاحظة.

“حدثيني عن العمل. قيل لي إنني لست مضطراً لفعل أي شيء، لكنني لا أعرف أي تفاصيل. ماذا يجب أن أفعل غداً؟ بل هل هناك أي شيء يجب أن أبدأ به اليوم؟”

“ممم… حسناً، هل تخطط للبقاء هنا؟”

“بالطبع. لقد جئت إلى هنا كمدير للأسلحة تحت اسم قوات الحرس. حتى لو كان الأمر مجرد مسمى صوري، فلا يمكنني حتى الحفاظ على المظاهر إذا لم أبقَ على الأقل في نفس المبنى.”

“المدير السابق والذي سبقه حضرا في اليوم الأول، ثم لم يعودا أبداً طوال فترة توظيفهما.”

“هل هذا مسموح به؟!”

كانت هذه الوظيفة أقل شأناً وأهمية مما سمع عنه في البداية.

“لذا، حسناً، إذا كنت جاداً حين تقول: لن أبقى في مكان كهذا! فلن تكون هناك مشكلة إذا غادرت وذهبت للعيش في جزيرة أخرى…”

“لن تقولي ذلك ثم ينتهي بي الأمر مطعوناً في ظهري في اللحظة التي ألتفت فيها، أليس كذلك؟”

“أوه، يا له من أمر فظيع. ماذا تظنني؟”

أعتقد أنكِ غولة تأكل البشر. تنفس ويليم الصعداء. “حسناً، حتى لو كانت وظيفة بلا معنى، فإن التخلي عنها ببساطة يخالف مبادئي. لقد جئت إلى هنا بنية البقاء.”

“حقاً؟ هذا رائع!” صفقت نايغلاتو بيديها أمام وجهها وابتهجت. “إذن نحتاج لتجهيز غرفة لك بسرعة. أوه، ربما يجب أن نتناول العشاء أولاً. لا بد أنك جائع، أليس كذلك؟ قد يكون هناك شيء متبقٍ في قاعة الطعام… سنعد لك وليمة غداً، لذا تطلع إلى ذلك.”

تنهد ويليم بعمق مرة أخرى؛ لم يكن يجيد التعامل مع نايغلاتو أبداً. وحتى لو تجاهل كيف كانت توجه شهيتها نحوه دائماً (رغم أنه لم يستطع تجاهل ذلك حقاً)، فباعتباره رجلاً بالغاً، كانت هناك جوانب أخرى في سلوكها تجعله يشعر بعدم الارتياح.

“هيه-هيه، لقد مر عام منذ أن اعتنيت بشؤونك. هذا يجعلني سعيدة.”

كان ويليم رجلاً، شاباً —وبشكل أساسي مخلوقاً بائساً— يحمل في داخله قسوة كان من الصعب على قلبه وجسده تحملها. وبناءً على ذلك، لم يملك إلا أن يبتهج قلبه في موقف تقوم فيه فتاة شابة (ناهيك عن كونها من عرق قريب) بالاعتناء به بمثل هذه الابتسامة المشرقة واللطيفة.

لكن لم يكن عليه أن يفهم الأمر بشكل خاطئ؛ فلم يكن ودها تجاهه بدافع جنسي، بل كان جوهرياً نفس الموقف الذي يظهره المزارع تجاه أبقاره ودجاجه. من المرجح أن فتاة الغول كانت تظهر له هذا اللطف من أجل الحفاظ على دورة “التربية بحب” ثم “الأكل”.

“اهدئي يا غرائزي. تعالي يا لغة المنطق. هذا الشيء الذي أمامي هو كائن مفترس. قلبي ينبض بشكل أسرع بسبب التهديد الوشيك لحياتي. لا تنسَ ذلك.” كرر ذلك لنفسه عدة مرات، ونجح بطريقة ما في إعادة معدل ضربات قلبه إلى وضعه الطبيعي.

“ما الخطب؟ تبدو محبطاً.” كانت الشابة المعنية غافلة تماماً عن صراع هذا الشاب.

“…دعيني أتحقق مرة أخرى فقط. أنتِ لا تخططين لأكلي، صح؟”

“بالطبع لا. أنا حقاً أريد الاعتناء بك. لكن انظر، الغيلان لديهم دافع لتقديم أفضل ضيافة ممكنة للضيوف. لن أطلب منك تلبية جميع رغباتي (حتى الآن)، لكنك لن تمانع في مسايرة غريزتي تلك، أليس كذلك؟”

“حسناً، لماذا لا تعيدين قول ما همستِ به لنفسكِ للتو، بصوت عالٍ حتى أتمكن من سماعه؟”

أجابت بهدوء: “لم أقل شيئاً.” وعندما نهضت نايغلاتو بهدوء، انفتح الباب.

حدث ما يشبه الانهيار؛ ألوان الدراق(لون يقع بين الوردي والبرتقالي، كالخوخ مثلا)، واليشم(درجة من درجات اللون الأخضر)، والأرجواني، والوردي. فتيات صغيرات —جميعهن في حوالي العاشرة من العمر— بألوان شعر مختلفة سقطن جميعاً فوق بعضهن البعض على السجادة.

صرخت الفتاة التي في أسفل شركائها: “مهلاً، توقفن عن الدفع!”

“آ-آ-آ-آسفة!” أحنت أخرى رأسها صعوداً وهبوطاً بهدوء.

“مرحبا، نايغلاتو. لا تهتمي بنا.” قالت إحداهن… كانت بانيبال، من وقت سابق، وتحدثت بتعبير هادئ.

“يو، عذراً على الاقتحام!” وابتسمت أخرى بإشراق كالشمس.

ومثل سد ينفجر بالمياه، تحدثن جميعاً في نفس الوقت. تجاهلت نايغلاتو ذلك، ووضعت يديها على خصريها، ووقفت بمهابة أمام الفتيات.

“عدن إلى غرفكن.”

لم يكن هناك مجال لمناقشة أمرها. توقفت الفتيات عن الحركة، ورفعت إحداهن يدها ببطء.

“أم، أردنا إلقاء التحية على المدير الجديد أولاً…” هزت الفتيات الأخريات رؤوسهن بالموافقة. ولكن…

“ألم تسمعنني؟” حدقت نايغلاتو بالأطفال وهي تميل رأسها ببطء.

“لكن—”

“استمعن لما أقول…”

ابتسمت نايغلاتو ابتسامة مشرقة كزهرة متفتحة، ثم تابعت:

“…أو سآكلُكن.”

كان صوتها رقيقاً، كهديل أمٍّ لطفلها الرضيع. وفي لمح البصر، تلاشت الفتيات من الغرفة. كان سرعة مغادرتهن مثيرة للإعجاب حقاً؛ إذ لم تكن هناك ذرة تردد واحدة.

“حسناً إذن، فلنذهب.”

استدارت نايغلاتو ونادت ويليم، فأجابها:

“…حسناً.”

نهض ويليم عن كرسيه وهو يشعر بالارتباك من هول الموقف. وبينما كانا يأكلان، حافظت نايغلاتو على ابتسامة مشرقة وسعيدة على وجهها، وبسبب ذلك، لم يشعر ويليم بأنه على قيد الحياة حقاً.

التالي
4/76 5.3%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.