الفصل 3
2. الرجل غير الموسوم
ما أنا؟ فكر ويليم. الجواب كان بسيطا: لقد كان من الإمنيتويث، عرق ما كان يجب أن يتواجد هنا، حياة لا يجب أن تكون موجودة.
كان لديه مكان ليعود إليه، لكن بدون طريقٍ لبلوغه__مما يجعله تائها للأبد.
ــــ
لقد سدد 32 ألف برادال*. والآن تبقى له 150 ألفا في دينه.
كانت الشوارع الرئيسية مفعمة بالحياة في هذا الوقت من اليوم عندما كانت الشمس تغرب. الكريستالات المضيئة مثبتة هنا وهناك عبر البلدة مما جعلها تضيء المنطقة ليلا و نهارا.
كانت الحشود تجيء وتغدو، تتماوج وسط بخور الخزامى الخفيف الذي خيّم على الأجواء. تعالت صيحات الباعة من البوغارد وهم ينادون على بضائعهم، بينما انهمك صاحب متجرٍ من المستنمرين* في حرق أوراق التبغ. وفي تلك الأثناء، كان فتيان الأورك يجرون في أرجاء البلدة، وتتردد أصداء ضحكاتهم الصاخبة في كل مكان.
*البرادال هي العملة السائدة في هذه الرواية على ما يبدو.
*المستنمرين هم ال ailuranthrope (ناس على هيئة قطط)
كانت الأزقة الخلفية أكثر هدوءا مقارنة بكل ذلك الصخب؛ سادها صمتٌ مطبق، وخلت من الروائح ومن أثر البشر، وكأنها عالمٌ منفصل، وهو أمرٌ يكاد لا يُصدق إذا علمنا أن بناءً واحداً فقط كان يفصل هذا المكان عن تلك الجلبة والضجيج.
«لم نلتقِ منذ نصف عام، أليس كذلك يا غليك؟».
قالها ويليم وهو يجلس إلى طاولةٍ في زاوية بعيدة داخل مقصفٍ رخيص. وبوجهٍ يقابل صديقه القديم، ارتسمت على ثغره ابتسامة باهتة لا حياة فيها. أبقى على معطفه الرثّ يستر جسده، لكنه أزاح غطاء الرأس عن رأسه، كاشفاً ملامحه عديمة السمات للعلن.
لم يُصدر الرجل المدعو “غليك” —الذي جسّد بصورته كل السمات النمطية “للبوغارد”— سوى أنين قصير ينم عن عدم الرضا وهو ينهمك في عدّ المال. كان الظرف محشواً بأوراق نقدية صغيرة من فئة “برادال”، وسوف يستغرق إحصاؤها بالكامل وقتاً ليس بالقصير. خيّم جوٌّ غريب ومشحون بينهما، حتى قطعه الشاب متسائلاً:
«آه، صحيح.. كيف حال “أنالا” والبقية؟»
أجابه جليك بحدة ودون أن يرفع عينيه عن الأوراق النقدية: «لقد أخفقوا في الشهر الماضي، والتهمهم “الثالث”». ثم أردف: «”غورغولا” مات أيضاً. أتذكر كيف غرقت الجزيرة رقم 47 خلال الصيف؟ لقد علق في خضم ذلك الانهيار، وأراهن أنه لم يتبقَ منه الآن سوى بقعة باهتة على الأرض».
«… أنا آسف، لم يكن من اللائق أن أسأل». أطرق الشاب برأسه وتهدلت كتفاه شعوراً بالذنب.
ضحك غليك بمرارة: «لا تشغل بالك، فنحن جميعاً من المنقبين. حين تبعتُ أحلامي ونزلتُ إلى السطح للمرة الأولى، كنتُ قد عوَّدتُ نفسي بالفعل على فكرة الموت والاستسلام للقدر. وعلى أي حال، يمكن القول إنهم عاشوا حياة طويلة؛ فمعظم المنقبين يلقون حتفهم في يومهم الأول فوق السطح».
أنهى عدّ المال ثم قال: «اثنان وثلاثون ألفاً. تم الأمر».
طرق بأطراف رزمة الأوراق النقدية فوق الطاولة ليرصّها بانتظام. «… اسمع يا ويليم، هل أنت راضٍ حقاً عما تفعله؟».
«ماذا تقصد؟».
«ثلاثون ألفاً في ستة أشهر، وما زال بذمتك مائة وخمسون ألفاً. إن سار كل شيء على ما يرام، فستنتهي من هذا العبء بعد عامين ونصف».
«آه، ذاك الأمر. اعتذر منك، فلن أتمكن من ادخار أي شيء إن دفعتُ أكثر من هذا المبلغ».
«أنا لا أطلب منك دفع المزيد، وأنت تعلم ذلك جيداً»، قالها غليك وهو يدسّ المظرف في حقيبة جلدية عتيقة. «هذه جزيرة يسكنها “أنصاف الوحوش”، وهم يمقتون كل من يفتقر للقرون أو الحراشف أو آذان الحيوانات.. أولئك “عديمو الملامح” أمثالك. وبما أنك لا تملك أي ميزة تميزك في نظرهم، فمن المستحيل أن تجد عملاً لائقاً هنا، وأنت بالكاد تدبر أمورك بأعمال المياومة* الزهيدة».
«حسناً، هذا صحيح..»، تاهت نظرات ويليم في الفراغ، بينما ضيّق جليك عينيه مردفاً: «هذا يعني أن هذا المبلغ هو عملياً كل مدخراتك من الأشهر الستة الماضية، أليس كذلك؟».
«لقد استقطعتُ منها ثمن طعامي، فالأعمال التي زاولتها مؤخراً لا توفر وجبات».
«ليست هذه هي المشكلة، تباً!»، نقر البوغارد بإصبعه على الطاولة بنفاد صبر. «أليس لديك ما تفعله سوى سداد هذا الدين؟ لقد مر عام ونصف منذ أن استيقظت، ألم تجد شيئاً ترغب في فعله أو وسيلة للاستمتاع بوقتك؟».
«أفترض أنه يمكنك القول إنني أستمتع بحياتي فحسب».
مـركَــز الرِّوَايــات والمترجم يتمنّون لكم قراءة ممتعة ولا تنسوا الصلاة على النبي ﷺ.
قاطعه جليك بحدة: «لست مهتماً بأعذارك الواهية عن هذه الحياة المملة. أنا أعيش من أجل المتعة؛ فهناك في الأسفل بحرٌ من الكنوز؛ أدوات مفقودة، ومواد أولية، وتقنيات منسية في كل مكان. أعشق البحث عنها، والعثور عليها، وجلبها للمنزل لتحويلها إلى مال. وحتى تلك المرات التي لا أجد فيها شيئاً وأخرج بخسارة.. حسناً، يمكن القول إنها نكهة الحياة أيضاً. في تلك المرة التي أحدثنا فيها فوضى وتعثرنا داخل عش “السادس”، لم أشعر أبداً أنني حيّ كما شعرت حينها؛ لقد حدثت أهوال كثيرة يومها».
ساد صمتٌ بينما بدت في عيني جليك نظرة شاردة للحظة، ثم استطرد: «لقد كنا منقبين يا ويليم. فماذا عنك؟ أعلم أن التمهل والأمانة يناسبان شخصيتك، ولا أمانع ذلك، ولكن ألم تفكر قط فيما تنوي فعله بمجرد انتهائك من سداد هذا الدين؟».
*المياومة باختصار هي الأعمال التي تتطلب شخص يعمل يوم واحد فقط ويتقاضى أجره.
«القهوة هنا مالحة نوعاً ما». كانت محاولته لتغيير مجرى الحديث مفضوحة للغاية، فالتوى وجه غليك بتعبيرٍ غريب، بينما لم يجد ويليم كلماتٍ تسعفه، فاكتفى برسم ابتسامةٍ غامضة على شفتيه. ساد بينهما جوٌ من الارتباك والتوتر.
كان عرق مخلوقات البوغارد في جوهرها بسيطة، عاطفية، ومنقادة بالفطرة لغرائزها. وبالطبع، كانت هناك فروق فردية؛ فقد كان “جليك” عقلانياً ومنطقياً على نحوٍ مفاجئ، فضلاً عن كونه عطوفاً، وهو ما جعل الناس يشككون في أصله ونسبه أحياناً. وجد ويليم نفسه يجد صعوبةً في التعامل مع ذلك الجانب المتعاطف من شخصية البوغارد هذا في بعض الأحيان.
«… اسمع، ثمة وظيفة أعتقد أن عليك قبولها»، تمتم جليك وهو يفتح الموضوع أخيراً، ثم تابع: «أعرف امرأةً لديها عرض عملٍ جيد، وهي تبحث عن موظفين. المهمة تتطلب التزاماً طويل الأمد، وسيكون عليك التعامل فيها مع عديمي السمات، وقد سمعتُ أنها تواجه صعوبةً بالغة في العثور على مرشحين. لا أظنك تمانع العمل مع بني جنسك من عديمي السمات، أليس كذلك؟ فأنت واحدٌ منهم على أية حال».
ضحك غليك بفتور وأردف: «أنا منقّب آثـار، لقد تركتُ روحي هناك بالأسفل على السطح؛ ولا نية لديّ على الإطلاق للارتباط بوظيفة في هذا العلاء». ثم استطرد وعلامات الجدية تعود لوجهه: «المهمة باختصار هي.. الحراسة والإشراف على الأسلحة السرية لـ الحرس المجنح».
«شؤون عسكرية؟ أسلحة سرية؟»
لم تكن تلك الكلمات تبعث على الطمأنينة أبداً. كانت القوات العسكرية في ريغولي آير منظمة علنية، مجهزة بقوة نيران كافية للتصدي لمحاولات الغزو من أعدائهم الخارجيين، “الوحوش السبعة عشر”. ومع أنهم يتمتعون بميزة هائلة بوجودهم في السماء، إلا أن ذلك لم يمحُ العجز الفادح الذي يواجهونه أمام تلك الوحوش التي أبادت يوماً كل أشكال الحياة على الأرض. وبناءً عليه، كانوا يسلكون كل السبل الممكنة لتأمين القوة العسكرية بغض النظر عن الوسيلة — أو هكذا سمع ويليم.
«أنت تعلم أنني لم أعد قادراً على القتال».
«أدرك ذلك. نحن نتحدث عن الحرس، لكن الأمر لا يعني أنك ستكون في الخطوط الأمامية تمزق الأعداء إرباً. ثمة أعمال أخرى خلف الكواليس، مهام مكتبية وما شابه، كما تعلم».
«مثل ماذا؟». لم تمنحه تلك التوضيحات أي فكرة عما ينتظره. «هل هو نوع العمل الذي يتطلب فقط اتباع أوامر صاحب العمل؟».
«ربما لا. ولكن، حسناً، سأتدبر أمر وثائقك الرسمية». ضحك جليك بمرارة، ولم يساهم أي مما قاله في إراحة بال ويليم.
«حسناً، استمع إلي. لقد سمعت أن “تحالف أورلاندري” هو من يدير هذه الأسلحة ويصونها ويستخدمها فعلياً. فوفقاً لقانون “ريغولي آير”، لا يُسمح للمواطنين بامتلاك أسلحة تتجاوز عياراً معيناً — وأنت تعلم ذلك مسبقاً. لكن “أورلاندري” ممول مهم للحرس، لذا لا يريدون إغضابهم. كما يدركون أنه حتى لو استولى الحرس المجنح على تلك الأسلحة بأنفسهم، فلن يتمكنوا من إدارتها أو صيانتها بشكل لائق بتقنياتهم وأموالهم الخاصة وحدها. لذا—».
«هي ملك للحرس اسماً، لكنها في الواقع ملك للتحالف؟».
«بالضبط. يرسل الحرس مديراً من طرفهم للصورة فقط، لكنه لا يفعل شيئاً. هذا المنصب هو مجرد واجهة لأعضاء الحرس الحقيقيين؛ فليس للمدير أي سلطة في الموقع، كما لا يمكنه الحصول على أي أوسمة عسكرية علنية لأن الأسلحة سرية. هذا العمل يعزل صاحبه تماماً عن أي فرصة للترقية في مسيرته المهنية. ولهذا السبب انتهى بهم المطاف بالبحث عن شخص من خارج الصفوف».
كانت عينا القزم الموشحتان باللون الأحمر القرمزي تحدقان مباشرة في ويليم.
«كما قلتُ لك سابقاً، سأتكفل بوضعك القانوني في الحرس. منصب المدير مجرد واجهة، لذا لا تحتاج لمهارات خاصة أو مؤهلات. فقط التزام الصمت والتحمل. وباحتساب “بدل المخاطر” و”ثمن التكتم”، فإن الأجر ليس سيئاً على الإطلاق. حتى بعد سداد دينك بالكامل، سيفيض معك الكثير. استغل ذلك لتبني لنفسك حياة ما. أعلم أن لديك شؤونك الخاصة، لكن لا تضيع هذه الحياة التي استعدتها. عِش حياةً حقيقية في هذا العالم، أتوسل إليك.. هذا كل ما نتمناه أنا وأولئك الرفاق—».
توقف غليك عند هذا الحد، ثم هز رأسه. «آسف.. الوجوه المألوفة تتناقص باستمرار، وأظن أنني بدأت أشعر بعدم الأمان بشكل متزايد».
التوى وجه البوغارد الشاب بابتسامة كان زيفها واضحاً لدرجة أن أي عرق آخر كان ليميزها. لم يستطع ويليم أن يرفض طلبه بعد كل ذلك.
«فهمت. أخبرني المزيد».
«إذن ستقبل الوظيفة؟».
«سأقرر بعد سماع المزيد، لذا لا تخبرني بشيء يرغمني على القبول بعد».
«حسناً.. أولاً وقبل كل شيء..».
بعد أن ارتسمت ابتسامة صافية على وجهه، خفض غليك بصره إلى القهوة في يديه وقال: «.. القهوة هنا مالحة نوعاً ما»، ثم ابتسم باتساع.
كان غليك قزماً عقلانياً ومنطقياً، وعطوفاً في الوقت ذاته.. رجلاً طيباً. وكان ويليم يجد صعوبة في التعامل مع هذا الجانب منه أحياناً.
نهاية الفصل.
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل