الفصل 23
الجزيرة رقم 2.
وتعرف أيضاً باسم “نخاع شجرة العالم”. إذا نظرت إلى ريغول آير من الأعلى مباشرة، ستجدها تقريباً في المركز تماماً. لذا، من الطبيعي أن يبدو اسمها كأنها مركز تجاري هام، ومع ذلك، لا يوجد حتى مسار واحد من مسارات السفن الطائرة الحالية يؤدي إليها.
كانت هناك ثلاثة أسباب لذلك:
الأول: هو عدم وجود مستوطنات لأي عرق على هذه الجزيرة، لذا لم تكن هناك قيمة تجارية لزيارتها.
الثاني: أنها لا تطفو على ارتفاع شاهق جداً مقارنة بالجزر الأخرى فحسب، بل إنها محاطة باستمرار بسحب رعدية، مما يجعل السفن العادية عاجزة عن الاقتراب منها.
الثالث والأهم: أنها كانت تُعد ملاذاً مقدساً.
في الأصل، كل الأشياء تسقط للأسفل؛ ورغم هذه القاعدة الثابتة، هناك أكثر من مئة جزيرة تطفو في السماء. هذا السر الغامض الذي يمثل أساس وجود عالم ريغول آير يكمن داخل هذه الجزيرة رقم 2. لذا، كان يُعد من المحرمات اقتحام حرمتها بوقاحة، خشية أن يؤدي ذلك إلى سقوط ريغول آير بأكملها نحو الأرض.
ومع ذلك، أعلن بعض المستكشفين الفاشلين أحياناً: “سأكشف الحقيقة التي يغطيها هذا الادعاء المزعوم!” وصعدوا بتهور. لكن معظمهم جرفهم الاضطراب الجوي المفاجئ والسحب الكثيفة، وعادوا محطمين إلى جزرهم دون أن يلمحوا هدفهم حتى.
ظهرت أحياناً روايات لمستكشفين ادعوا أنهم رأوا ما وراء السحب. وبحسب قصصهم التي رووها وهم مثقلون بالجراح، لم تكن الجزيرة صخرة تطفو بشكل طبيعي كالبقية، بل كانت كتلة من الكريستال الأسود المصقول، تنمو عليها نباتات لا تتبع الفصول؛ حيث تزهر أزهار الربيع والخريف معاً في كل مكان، كحلم فوضوي يقظ.
بالطبع، قلة قليلة من الناس صدقوا تلك الثرثرة الفارغة، وظل غموض الجزيرة رقم 2 يحلق عالياً في السماء الزرقاء، ملفوفاً بحجاب المجهول.
“… تلك كريستالة سوداء ضخمة— لا، انتظر، هل هي أصيص زهور؟”
“نعم.” أومأ سوونغ بهدوء. “لنكون أكثر دقة، هي على ما يبدو وكأنه شيء شبيه بتعويذة عملاقة، لكنني لا أعرف بالضبط كيف تعمل، ولا أشعر بالحاجة لتحليل شيء بهذا الحجم.”
“انظر، داخل الأصيص مليء بكل أنواع الأشجار.”
“أجل. الجزيرة مغطاة على ما يبدو بحاجز صغير للتحكم في الطقس، مما يجعل الفصول تكتمل في الداخل فقط. والسحب الرعدية حولها هي مجرد نتاج ثانوية لذلك. لست متأكداً تماماً لماذا تفعل ذلك، لكنني سمعتُ أنها مجسم تماثلي*مرتبط بحاجزٍ أكبر ويتحكم به.»
*أي مجسم صغير أو نظام مصغّر يرتبط بشيء أكبر، بحيث يؤثر فيه عن بُعد عبر علاقة تماثل بينهما. أو بعبارة بسيطة: “نسخة مصغّرة تتحكم بالنسخة الأصلية الأكبر لأنها “مرتبطة بها سحريًا”.
“أنت لا تعرف الكثير حقاً، أليس كذلك يا ‘أيها الحكيم العظيم’؟”
يبدو أن هذه الملاحظة قد نالت من سوونغ، إذ تعمقت التجاعيد بين حاجبيه.
“الحكيم هو من يعرف ما يفترض به معرفته. أما من لا يعرف شيئاً فهو من يدعي أنه يجب أن يعرف كل شيء.”
“واو، كانت تلك حشرة، حشرة! هذا المكان مليء بأشياء لا تعرف في أي فصل هي!”
“اصغِ إليّ عندما أتحدث إليك!”
كانت الجزيرة رقم 2 صغيرة نوعاً ما بالنسبة لجزيرة. ولم يبدو أن هناك أي مكان يصلح ليكون ميناءً جوياً. تساءل ويليم كيف سيرسون دون وجود مكان لتثبيت أذرع المرساة، لكن السفينة الطائرة الصغيرة التي أعدها الحكيم العظيم هبطت بسهولة على مسطح مفتوح.
“يا للهول، هذا رائع. أريد واحدة منها؛ تبدو مفيدة للتسوق.”
كانت هناك مسافة كبيرة بين مستودع الجنيات والميناء الجوي، مما يجعل التسوق في الجزر الأخرى أمراً غير مريح.
“لا تكن سخيفاً، إنها لا تقدر بثمن.”
“يا للخسارة.”
خطيا بقدميهما على الجزيرة. لم تكن جزيرة كبيرة، ومع ذلك، بدت أكبر بكثير وأنت تقف فوقها شخصياً. ألقى ويليم نظرة حوله، فملأ رؤيته ذلك المشهد المزعج للنباتات من مختلف الفصول وهي تختلط ببعضها البعض.
“ما هذا بحق الجحيم؟ تفاح وخوخ ينموان معاً؟”
“تفضل وخذ واحدة إن كنت جائعاً، ليست مسمومة.”
“كلا، لا أظن ذلك…” خطرت بباله فكرة أنهم ربما يستخدمون نوعاً مشبوهاً من الأسمدة، فتردد في لمسها، ناهيك عن وضعها في فمه.
“وماذا بعد؟ هل هذا هو المكان الذي نقصده؟”
في وسط الجزيرة، كان ينتصب ما يشبه برجاً من الكريستال الأسود، صُنع على الأرجح من نفس مادة قاعدة الجزيرة. وبقدر ما استطاع تمييزه الآن، بدا وكأنه البناء الوحيد هناك.
“إنه أسود، مغطى بالأشواك، ويشعرك وكأنه معبد شرير، لذا لا بد أن يكون هو.”
“صحيح… أعرفه منذ زمن طويل، لكني لا أزال لا أفهم ذوقه.”
“لست متأكداً إن كان يجدر بك قول ذلك،” ضحك ويليم خلسة. “هل شُفيت يوماً من حبك لذلك الرداء الأبيض بعد خمسمئة عام؟”
«لا تقلها وكأنها مرض. هذا نهجي، بل روحي ذاتها؛ ولن أتخلى عنها حتى بعد ألف عام»، قال وهو ينفخ باستياء.
كان يشعر بالدموع تتجمع في مؤخرة عينيه من شدة الحنين الذي حمله ذلك الحديث.
كان مع رفيقٍ ظنّ أنه لن يراه مجددًا، يتبادلان حديثًا من النوع الذي ظنّ أنه لن يخوضه مرة أخرى. وكان هذا وحده كافيًا ليمنحه شعورًا عميقًا بالراحة في تلك اللحظة.
«مهلًا.»
«ماذا؟»
«شكرًا لك.»
«…ولماذا تشكرني الآن؟ لا أفهم.»
«فقط شعرت برغبة في ذلك. لا تشغل بالك.»
كان سووونغ هو الحَكيم العظيم، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الحَكيم العظيم هو سوونغ.
لقد عاش وحده خمسمئة عام. اكتسب أشياء جديدة خلال تلك المدة، ولا بد أنه هو نفسه تغيّر. طريقة حديثه عن نفسه وأسلوبه في الكلام لا يمكن أن تبقى كما كانت حين كان فتى.
ومع ذلك، فإن سوونغ الآن كان يتصرف ويتحدث تمامًا كسوونغ القديم. لماذا؟
على الأرجح لأن ويلِيم كان معه.
فقدان الرفاق، الأحبة، الوطن، وكل شيء آخر—
سوونغ كان قد اختبر هذا الألم من قبل.
وكان يعلم أن ويليم الآن يعيش الوضع ذاته.
لذلك كان يتعمد أن يتصرف كما كان في الماضي، كي يخفف عنه وطأة الذكريات، ولو قليلًا.
على الأرجح هذا هو السبب.
«لماذا تبتسم هكذا؟ هذا يجعلني غير مرتاح.»
…ومع ذلك، لم يكن مستحيلًا تمامًا أنه ببساطة كان يعيش من جديد براءة طفولته.
لم يشأ ويليم أن يفكر في ذلك بعد أن نطق بكلمات الشكر.
كان البرج خاليًا. دفعا الأبواب المزدوجة الثقيلة، وصعدا الدرج الحلزوني الذي يبعث رهبة في النفس، ودخلا ما يشبه قاعة عرش—لكنها كانت فارغة تمامًا.
«ما معنى هذا؟»
«ليس أمرًا غريبًا. الطقس جميل اليوم، فلا بد أنه خرج في نزهة.»
«ماذا…؟»
«انظر، كما ترى، لا يوجد في هذه الجزيرة شيء سوى النباتات. لا يكاد يوجد ما يُفعل في وقت الفراغ، لذا يتجول في الخارج في الأيام الجميلة.»
اقترب سوونغ من النافذة وهو يتحدث.
«انظر، كما توقعت.»
أشار بعينيه إلى الأسفل.
كان يمكنه أن يرى فتاةً وحيدة ترتدي زيّ خادمة، تدفع عربة أمامها.
«…وماذا عنها؟»
وبينما كان يفكر بفتور أن الجزيرة ليست مهجورة، راقب الفتاة. كانت الزاوية حادة فلم يستطع رؤية وجهها، لكن حين لمح الأذنين المثلثتين البارزتين من أعلى رأسها، أدرك أنها من السيميفر… وعلى الأرجح من المستذئبين. وبالنظر إلى محافظتها على هيئتها رغم ثقل العربة التي تدفعها، خمّن أنها بارعة في نقل الأحمال.
«ليست هي. هناك.»
وجّه بصره حيث كان سوونغ يشير بإصبعه، وهناك—فوق العربة التي تدفعها الفتاة—كان شيءٌ أسود يحتل ما يملأ الذراعين.
ظنّ في البداية أنه حجرُ ثِقَل. لكن شيئًا ما لم يكن صحيحًا.
كان من الصعب تحديد ما هو فورًا، لكنه كان يتعلق بالملمس… أو بالكتلة… أو بشيء من هذا القبيل—
«أيها الحثالة! لقد دخلنا من دون استئذان!»
صاح سوونغ بصوتٍ مدوٍّ من الأعلى.
«—أوه، إنه أنت أيها الحَكيم العظيم! توقيت مثالي—كنت أستمتع بقليل من وقت الفراغ!»
تحرّك الشيء الأسود.
كان جمجمة.
على الأقل، هذا هو الشكل الذي كان عليه.
سوداء قاتمة، كبيرة بما يكفي لتُحمل براحة بين ذراعي رجل بالغ. رفعت نظرها نحوهما، وتحركت دون أن يلمسها أحد، بل وتحدثت بصوت رجلٍ مسنّ عميق. وحتى لو تجاهل كل شيء آخر، فقد كانت—بلا أدنى شك—جمجمة.
إذًا نعم. على أقل تقدير، لم تكن جمجمة عادية.
«لم نُنهِ لعبتنا في المرة الماضية. هذه المرة سنرسم حدًا واضحًا بين الأسود والأبيض!»
ما سبب لويليم صداعًا هو أنه تعرّف إلى ذلك الصوت.
قبل عامين فقط—على الأقل بالنسبة إليه، إذ إن الزمن قد مرّ مئات المرات أطول من ذلك—كان قد التقى، دون شك، بصاحب ذلك الصوت.
وكانت تلك اللحظة محفورة في ذاكرة ويليم بقوةٍ جارفة، ذكرى لن يستطيع نسيانها أبدًا.
«أعتذر، لكنني لم آتِ اليوم للمرح أو لتبديد مللك! هناك شخص أود أن تراه، يا إيبون كاندل!»
بين أعلى البرج وأسفله، تبادل الشيخان كلماتٍ صاخبة، مهدِّدة—ومع ذلك مألوفة.
«ماذا… لدينا ضيف؟! أيها الأحمق، كان ينبغي أن تذكر ذلك أولًا!»
«كنتُ على وشك، لكنك أنت من غادرت مقعدك! احتفظ بكريستالة تواصل بالقرب منك إن كنت ستتذمر! عندها يمكنني أن أترك رسالة قبل أن أزورك!»
«أي هراء هذا! أنت تعلم أن الاتصالات لا تعمل داخل الحاجز!»
«إذًا كان عليك أن تعالج مشكلة كهذه! عمودٌ خالد لحاكمٍ ما يجب أن يكون قادرًا على تدبير أمر بسيط كهذا!»
«حسنًا، يبدو أن لسانك قد طال خلال خمسمئة عام فقط من الحياة، أليس كذلك؟! انتظر هناك—سألقنك درسًا على الرقعة!»
«قلت لك إن هذا ليس سبب مجيئي اليوم!»
«آه، صحيح! كايا، أعتذر، لكن أسرعي!»
ناداها إيبون كاندل باسمها، فأومأت فتاة الخادمة برأسها قليلًا، ثم انطلقت تركض وهي تدفع العربة. تعالت أصوات ارتطامٍ صاخبة وهم يدورون حول البرج البلوري الأسود ويصعدون الدرج الحلزوني.
«—بالمناسبة، يا سوونغ.»
تأوّه ويليم، ضاغطًا بأصابعه على صدغيه بقوة.
«أنا في حلمٍ سيئ الآن، أليس كذلك؟»
«أتفهم شعورك، لكن واجه الواقع. إن أردت، يمكنني أن أصفعك.»
رفع سوونغ قبضته المشدودة أمام عيني ويليم.
«لا، شكرًا. إن لكمتني الآن، أظن أن رأسي سينفجر قبل أن أستيقظ.»
«حسنًا، هذا مخيّب للآمال.»
كان صوت الارتطام المضطرب يقترب سريعًا من قاعة العرش.
«ها، ها-ها-ها-ها-ها-ها!»
شعر وكأن عاصفةً اندفعت من جهة العرش. ضغط الـفينيوم كان طاغيًا إلى حد أنه أحسّ به على جلده حتى من دون استخدام الرؤية الخاصة.
لم يعرف ويليم سوى كائنٍ واحد قادر على إطلاق مثل هذا الشيء.
واحد فقط.
«يا لها من مدة طويلة، أيها الشجاع ابن البشر! من كان يظن أن الزمن سيدور بنا لنلتقي مجددًا بعد كل هذه الأعوام؛ إنها حقًا مصادفة عجيبة!»
كان واحدًا من الأعمدة الثلاثة، بوتو.
كانوا يحمون الزائرة إلك هرقستن، عدو عِرق الإمـنيتويت، ويقفون أمام فرقة الأبطال الذين حاولوا قتلها، ليكونوا أقوى وآخر الحواجز.
«لكن يا له من أمرٍ مؤسف، ففي النهاية نحن كائنات كُتب لها أن تتقاتل! لقد منحتنا هذه العودة معجزة، غير أنها لا تستطيع الإفلات من الطريق الممهّد بالدماء!»
كان لهذا الكائن أسماء كثيرة.
مثل:
«الذي يغفو في الموت.»
«ناسج العوالم.»
«أب الأرض العظمى.»
«موقد شعلة الظلام في حديقة النور.»
— إيبون كاندل.
كان عدوًا قديمًا، لم يهزمه سوى البطل غير الشرعي ويليم كميتـش، مقابل حياته في معركةٍ جرت منذ زمن بعيد.
ومع ذلك، وكما ذكر وهو على شفا موته، فقد وُلد من جديد في هذا العالم بعد سباتٍ طويل—
«—لا، أظن أنني سأرفض ذلك.»
التوى وجه ويليم بضيق ولوّح بيده.
«همم، أرى. يا له من أمرٍ مؤسف.»
الجمجمة—إيبون كاندل—ألغى الـفينيوم بسرعةٍ وسهولة.
ذلك الحضور الطاغي الذي ملأ قاعة العرش ذبل وتلاشى في لحظة.
«افترضتُ أنك تحمل ضغينة مكبوتة تجاهي، فمثّلتُ الدور لأساير ذلك.»
«طريقتك في إظهار مراعاتك سخيفة إلى حدٍ قاتل، كما تعلم.»
«همم؟ أتقول إنك لا تشعر بأي كراهية؟»
«حتى لو شعرتُ بها، أتظن أنني سأهتم بإعادة المباراة؟ في المرة الأخيرة التي قاتلتُ فيها، كانت خلفي أشياء أردتُ حمايتها، وكنتَ أنت الشيء الذي سيُدمرها. الآن الأمر مختلف. لذا لا حاجة لي للقتال. أليس كذلك؟»
«أن لا تحمل أي ضغينة وأنت تقاتل حتى ترمي بحياتك… أنت أوسع صدرًا مما توقعت.»
«حسنًا، لم أكن أنوي ذلك. لكن حتى لو كان لدي سببٌ للقتال، ما قصتك أنت؟ إيبون كاندل الذي قاتلتُه من قبل كان له لحمٌ وعظم وجسدٌ تحت الرقبة. فلماذا أنت الآن مجرد رأس يتشمّس فوق عربة؟!»
«ماذا تقصد؟ أنت من أحرق جسدي!»
«نعم، أعلم ذلك! لكنك قلت إنك ستستيقظ بعد سبات مئة عام! عادةً يفترض المرء أن هذا يعني أنك ستُستعاد بالكامل! لماذا لم يبقَ منك حتى نصفك؟!»
«كما قلت، كان ذلك خطأك. لقد دمّرتني بإتقان شديد لدرجة أن جسدي لم يتمكن من التجدد بالسرعة الكافية خلال مئة عام. هل تتخيل صدمتي حين استيقظت؟ مع أنني لا أملك قنوات دمعية، كما ترى، فقد رغبت في البكاء!»
«وكأنني أهتم!»
«ومنذ ذلك الحين، وأنا في حالة أضطر فيها لاستخدام قوتي بشكل مستمر، لذا لم تتح لي فرصة للتعافي. وهكذا، كما ترى، بعد أربعمئة عام طويلة، أعيش في وضعٍ مُخزٍ.»
وأثناء حديثه، مالت الجمجمة السوداء—إيبون كاندل—بخفة فوق العرش.
ورغم أن ويليم لم يكن متأكدًا إن كان يمكن وصف ذلك الشكل بأنه «يعيش» أصلًا، إلا أن الأمر لم يكن مهمًا الآن.
«—حسنًا، كفى. سوونغ. لم تُحضرني إلى هنا لمجرد إلقاء التحية، أليس كذلك؟ عجل وادخل في صلب الموضوع.»
«صلب الموضوع؟»
«حسنًا.»
ومع تركيز زوجين من العيون عليه، أومأ سوونغ.
«هذا رجلٌ فظيع، شخصيته وأخلاقه وطباعه ومزاجه فاسدة حتى الجذور، لكن مهاراته من الطراز الأول ويمكن الاعتماد عليها. سيكون موهبة كافية—لا، لا غنى عنها—لتنفيذ خطتنا.»
«همم…»
«مهلًا يا سوونغ، عمّ تتحدث بهذه العفوية؟»
«ألا ترغب في استعادة السطح، ويليم؟»
«أعرف حين تغيّر الموضوع هكذا أنك—
…السطح؟»
كانت هناك كلمة لا يستطيع ويليم تجاهلها.
«السطح مدمَّر، أليس منطقة خطرة تعيث فيها الوحوش فسادًا؟ عمّ تتحدث؟»
«سنهاجم… لكن بالطبع، السطح واسع جدًا لاستعادته دفعةً واحدة. أولًا، سنهاجم ونستولي على أقرب نقطة إلى ريغول إير، قمة الجبال المقدسة لفِستِيرُس، ونجعلها قاعدة لهجومنا المضاد. ما نحتاجه هو وسيلة لقتال الوحوش. ووسيلة للاستمرار في القتال. حتى وقت قريب، كنا نفتقر إلى الثانية. لكن الآن بعد أن أصبحت هنا، اقتربنا كثيرًا من حل تلك المشكلة.
الـكارليون، الذي أصبح الآن في حالةٍ سيئة وغير مستقر، سيُدفع مرة أخرى إلى ساحة المعركة. وهذه خطوة هائلة إلى الأمام.»
«هاه.»
أجاب ويليم بشرود وهو يومئ قليلًا.
«خطة طموحة.»
«أليست كذلك؟ بالطبع، إنها خطة بعيدة المدى للغاية، وستتطلب أن تتكاتف جميع مدن ريغول إير وتقاتل معًا. هناك مخاطر كبيرة، وقد لا نحصل على نتائج فورًا. ومع ذلك، فإن الاحتمال النهائي للنصر كبير بما يكفي.»
ومع استمرار سوونغ في الحديث، صار صوته أكثر حماسةً واندفاعًا.
«يمكننا صنع ما نشاء من الجنيات، لذا كانت مشكلتنا الوحيدة هي عدد الـكارليون.»
«__هاه؟»
مرةً أخرى، أجاب بشرود وهو يومئ قليلًا. لكن لون وجه سوونغ تغيّر حين لاحظ ارتباكه المفاجئ.
«لا، انتظر، ما قصدتُ—»
«لا داعي لترقيع الكلام، سوونغ. كانت لدي فكرة مبهمة أصلًا. إيبون كاندل استخدم سحر إحياء الموتى في معركتنا. والعودة إلى الحياة بعد مئة عام لا بد أنها امتداد لذلك. والتعويذة السحرية التي ألقيتها على نفسك وأنت على حافة الموت لا بد أنها من الفئة نفسها. وأنتما الاثنان تحميان ريجول إير. صحيح؟ حسنًا… فهمت الصورة العامة.»
وفقًا لأبحاث ويليم، كانت الجنيات أرواحًا ضائعة لأطفالٍ صغار لم يفهموا موتهم. كائنات غير مستقرة وملتبسة بطبيعتها، ظواهر أقرب إلى أضواءٍ هائمة وأرواحٍ أرضية تتخذ شكلًا عابرًا.
ويبدو أن هناك تقنية ضمن سحر إحياء الموتى تُمكّن من خلقهن صناعيًا واستخدامهن في العمل.
وفوق ذلك، الليبريكانز (الجنيات الذهبيات) الذين عرفهم ويليم لم يكونوا مجرد أضواءٍ هائمة أو أرواحٍ مبهمة.
قد يكنّ غير مستقرات.
قد يكنّ غامضات.
لكنهن—دون شك—يملكن قلوبًا كقلوب فتيات الإمـنيتويت.
بلا أدنى ريب، يعرفن الأمل، والخوف، والحب، والأحلام، والتعلّق، واليأس في تلك القلوب.
وعلاوة على ذلك، كنّ يقاتلن وهن يضعن حياتهن على المحك لحماية ريجول إير.
«أيّ شخص يمكنه أن يستنتج ذلك بكل هذه المعلومات.»
نعم.
وكان بوسعه أن يُكوّن تخمينًا بيقينٍ راسخ.
مدفوعًا بشعورٍ غريب لم يستطع الإمساك به، شعورٍ عالق بين الدموع والضحك، صاغ ويليم النتيجة التي توصّل إليها بالكلمات:
«أنتما من يُنتج الليبركانز… أليس كذلك؟»

تعليقات الفصل