الفصل 22
الفصل 22: العشاء
كان قصر العائلة يلمع تحت ضوء القمر بينما وصل الضيوف إلى عشاء لا يشبه أي عشاء آخر. كانت الضيعة الفاخرة منظرًا يخطف الأنظار، بمدخلها العظيم وحدائقها المعتنى بها بعناية. وكان المساء يعد بليلة من الذوق الرفيع والبذخ، من دون توفير أي نفقة في الاستعدادات
كانت غرفة الطعام مزينة بأفخر الأقمشة، وأكواب بلورية، وأدوات مائدة فضية، كلها مرتبة بعناية حتى الكمال. وحين أخذ أفراد العائلة مقاعدهم على الطاولة، استقبلتهم الرائحة الشهية للوليمة الفاخرة التي كانت تنتظرهم
كان واضحًا أن أي تفصيل لم يُهمَل في إعداد تجربة طعام ستترك أثرًا طويلًا في نفوس جميع من حضر. فقد كان من المفترض أن تكون وجبة تليق بالملوك، تُقدَّم في أبهى مكان، ويستمتع بها أصحاب الأذواق الأكثر دقة
لكن رغم جمال المكان وفخامته، لم يبدُ أحد متحمسًا للطعام كثيرًا، لأن معظمهم لم يستطع الاستمتاع به بسبب توتره
ورغم أنهم تلقوا تعليمًا راقيًا منذ الطفولة، فإنهم لم يستطيعوا الحفاظ على تظاهرهم حين جلس رئيس العائلة على الطاولة نفسها معهم. كانوا ينظرون إليه بتوتر، وعلى وجوههم مشاعر مختلطة، وكان الاحترام والخوف هما الأوضح بينها
“أبي، كيف كانت أحوالك هذه الأيام؟” سأل وريث العائلة القادم
كان هو الوريث التالي لإمبراطورية أعمال العائلة الضخمة، واسمه أرييه نوغا يهوناتان ستاف روتشيلد
وكان من بين القلة الجالسين إلى الطاولة الذين استطاعوا الحفاظ على هدوئهم، أما الآخر الوحيد فكانت شقيقته الصغرى التي غلبها من قبل
تجاهله والده وواصل تناول طعامه. ولم يعتبر أحد ذلك موقفًا محرجًا، لأنهم كانوا يعلمون أن رئيس العائلة لا يحب الأحاديث الصغيرة. ولهذا فقد جلب أرييه هذا على نفسه، لأنه أراد أن يظهر أمام والده ورئيس العائلة بصورة الشخص المهتم
استمرت الوجبة، ولم يحاول أحد التحدث إلى رئيس العائلة مرة أخرى، لكنهم تحدثوا فيما بينهم بصوت خافت حتى لا يلفتوا الانتباه
وبعد انتهاء الوجبة، نظف خدم المنزل الطاولة، ثم تجمع الجميع حولها مرة أخرى ليبدأ الاجتماع. وبعد أن جلسوا جميعًا، ذهب أحد الخدم ليبلغ رئيس العائلة في غرفته بأن الجميع ينتظرونه لبدء الاجتماع
وعندما خرج من غرفته وجلس، أخذ نفسًا عميقًا وقال “لنبدأ الاجتماع” وهو ينظر إلى ابنته رينا، موحيًا بأنها هي من طلبت هذا الاجتماع
جاء ذلك مفاجئًا لشقيقها، لأنه كان يتوقع منها أن تظل صامتة حتى تجد طريقة للهروب من زواجها
‘هل وجدت دليلًا على ذلك؟’ سأل أرييه نفسه في داخله
‘لا، لا يمكن أن تكون قد وجدته، فقد بذلت جهدًا هائلًا لإبقاء كل شيء مخفيًا’ طمأن نفسه بعد بضع ثوان من التفكير
لكن كل ذلك تبدد مع أول كلمات قالتها شقيقته “أريد الطلاق من روتيم”
“أنت تعلمين أنك لا تستطيعين فعل ذلك ببساطة، صحيح؟” اندفع مباشرة ليكسر أي زخم قد تكسبه من تلك الجملة
“أستطيع، إذا كان لدي دليل يثبت ذلك” أجابت وهي تركز على والدها وتتجاهله
“كان عليك أن تقدمي لنا الأدلة قبل الاجتماع حتى نستعد لها” قاطعها شقيقها فورًا من دون أن ينتظر رد والده، ورغم أنه يكون ذكيًا عادة، فإنه يفقد صوابه حين يتعلق الأمر بالجدال مع شقيقته، ولهذا يقع في كل هذه الأخطاء الغبية
“ولماذا أعطيك إياها؟ لكي تجعلها تبدو مزيفة؟” ردت بعد أن ضاقت ذرعًا بمحاولاته المستمرة لإفساد خطتها الهادفة إلى جعل والدها يوافق على عرض أدلتها
كان والدهما جالسًا في هدوء يستمع إلى جدالهما، ثم سعل فجأة ليوقفهما وقال وهو ينظر إلى ابنته بصوت ثقيل “أنت تعلمين أنك تحتاجين إلى دليل قوي حتى توافق عائلتنا على تشويه اسمها بسبب الطلاق، صحيح؟”
وعندما سمع شقيقها والدهما يقول ذلك، أدرك أن فرصته في منعها حتى من الاستمرار قد فشلت
والسبب الذي جعله يزوج شقيقته من روتيم هو أنه كان يعلم أن من يريد الطلاق في عائلتهم عليه أن يعرض الأمر على العائلة، وأن يقدم لها أدلة قاطعة حتى توافق على الطلاق، لأن الطلاق في نظرهم عار كبير. ولهذا كان يواصل منع شقيقته من العثور على أي دليل على أفعال زوجها السيئة
وقد يتساءل المرء لماذا لم يهدد روتيم فحسب ليتوقف عن الخيانة. ولو فعل ذلك، لاكتشف روتيم أن شقيقها قلق من أن تعرف شقيقته بالأمر، وأنه يائس أكثر من اللازم، وكان سيستخدم ذلك مادة لابتزازه
ولم يكن يستطيع قتله أيضًا، لأن ذلك كان سيعني حربًا بين العائلتين. ولم يكن يهم كم كان روتيم عديم الأهمية بالنسبة إلى عائلة مورغان، فمجرد قتله يعني أنك لا تعتبرهم تهديدًا لك، ورغم أنهم لم يكونوا بقوة عائلة روتشيلد في بعض الجوانب، فإن لديهم نفوذًا أكبر في أماكن أخرى، وقد يرتد ذلك عليهم لاحقًا. ولهذا السبب كان لا يزال حيًا
كما أن ذلك كان سيعني أن شقيقته ستصبح حرة لأن زوجها سيكون قد مات
“نعم يا أبي، أنا أعرف ذلك، ولهذا وجدت دليلًا قاطعًا يجعل سمعتنا لا تتضرر فقط، بل يمنحنا أيضًا ورقة صغيرة ضد عائلة مورغان، رغم أنه ليس مهمًا بالنسبة إليهم” قالت وهي تنظر إلى زوجها
هز والدها رأسه، ما يعني أنها تستطيع بدء الشرح
وحين نالت تأكيد والدها، التفتت إلى أحد الخدم وأومأت له، فغادر الغرفة وعاد ومعه جهاز عرض
وعندما دخل الخادم إلى الغرفة بجهاز العرض، تقدم بقية الخدم وبدؤوا يساعدونه في تجهيز كل شيء
وبعد أن انتهوا من إعداد جهاز العرض، توجهت إلى الحاسوب الموضوع على الطاولة، وأخرجت من جيبها وحدة تخزين صغيرة وأدخلتها فيه
…
من منظور روتيم
‘كان الطعام جيدًا، لكن لماذا بحق السماء يصرون على جعلي آتي إلى هنا في كل اجتماع، مع أنهم لن يسمحوا لي بالكلام على أي حال’ فكر روتيم وهو جالس في أبعد مقعد عن رئيس العائلة
كان يشتكي لأن ترتيب المقاعد في هذه الاجتماعات يُحدَّد بحسب التسلسل الهرمي داخل العائلة، بدءًا من رئيس العائلة، ثم أرييه، ثم زوجته، وهكذا استمر الترتيب حتى وصل إليه بوصفه الأخير
كان هادئًا لأنه كان واثقًا أن الأمر لا يخصه، لكن هذا الهدوء اختفى في اللحظة التي قالت فيها تلك الحقيرة “أريد الطلاق من روتيم”
‘تلك الحقيرة تتفوه بالهراء مجددًا’ فكر، لأنه كان يعلم أنه رغم معرفة العائلة بأنهما لا يطيقان بعضهما، فإنهما لا يستطيعان الطلاق لمجرد ذلك. فلا بد من سبب مقنع ليُسمح به. وفوق ذلك، فإنهم نادرًا ما يسمحون به حتى في تلك الظروف، لأنك تحتاج إلى دليل قاطع لإثبات الأمر، وكان متأكدًا أنها لا تملك شيئًا، لأنه لم يُكشف طوال السنوات التي كان يفعل فيها ذلك
‘يبدو أن هذه الليلة ستكون جيدة لأرييه’ فكر، لأنه كان يعلم أنها على الأرجح لا تملك دليلًا، وأن شقيقها سيوبخها بقسوة بسبب أخطائها، فهو لا يضيع أي فرصة لتقليل شأن شقيقته
ظل تعبيره محايدًا، لكن ما في داخله لم يكن إلا سعادة مفرطة. فقد كان يعيش نشوة حقيقية، لأنه توقع أن تُرفض طلباتها فورًا حين تطلب الطلاق منه، وكان ينتظر رؤية رد فعلها
لم يكن يريد طلاقها، لأن زواجه منها لم يرفع مكانته في عائلته قليلًا فحسب، بل لأنه كان يحصل على كل ما لا يجده عند زوجته بطرق أخرى، ولذلك شعر أنه لا ينقصه شيء تقريبًا سوى أمر واحد يتعلق بحياته معها
لذلك واصل مشاهدة العرض، وكان ترقبه يكاد يفيض من داخله، لكنه فجأة قطب وجهه بسبب ما كان يراه أمام عينيه
‘تبًا’ كان أول ما خطر في باله بسبب ما رآه
بدأ ثقل الموقف يتسلل إليه، وصار أكثر قتامة من ثقب أسود مع كل ثانية، بسبب الأدلة التي كانت تلك الحقيرة تعرضها، وبسبب نظرات الاشمئزاز القادمة من أفراد العائلة في الغرفة
“من أين وجدت تلك الحقيرة هذه المعلومات؟” خرجت الكلمات من فمه، واتسعت عيناه رعبًا حين أدرك عقله بعد لحظة قصيرة ما الذي قاله للتو
وفي تلك اللحظة، عرف أنه قد ورط نفسه تمامًا
التفت إليه رئيس العائلة بنظرة تقول إن أمره قد انتهى، لكنه لم يثبت نظره عليه طويلًا، بل التفت إلى الحراس الذين هزوا رؤوسهم وتوجهوا نحوه وبدؤوا يجرونه إلى خارج الغرفة
قاوم وهو يصرخ محاولًا الدفاع عن نفسه، لكن صوته سقط على آذان لا تسمع، إذ أعاد الجميع أنظارهم إلى المواد المعروضة على الشاشة
وعندما أُلقي به خارج الغرفة، تبدلت النشوة على وجهه إلى خوف مما هو قادم، وتمنى لو انشقت الأرض وابتلعته كاملًا لينجو مما ينتظره
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل