الفصل 20
سارت الأمور بسرعة كبيرة بعد ذلك. فقد ابتلع أولئك السيميفر فكرة ويليم بسهولة، وأدلوا باسم النبيل السابق الذي كان يترأسهم. وفوق ذلك، صرحوا بأنهم سيوفرون الدلائل التي تثبت إصداره لأوامر بالقيام بعدة أعمال منافية للقانون، مؤكداً أنهم سيحضرون تلك الإثباتات مباشرة إلى المفاوضات مع العمدة.
على الأرجح لم يكن كامل فرسان الإبادة محتشدين في تلك الأزقة، لكنهم لن يجرؤوا على التمادي في أفعالهم كما فعلوا سابقاً، خاصة بعد أن خسروا قائداً واثني عشر عضواً. وعلى أقل تقدير، لم يعد هناك ما يدعو للقلق بشأن وقوع أي عملية اغتيال في تلك المراسم.
وهكذا، نُفذت أوامر لايمسكين بنجاح، ولكن—
احترقت وجنتا ويليم؛ وفكر في نفسه عن مدى القسوة التي نالتها وجنتاه في هذا اليوم الطويل.
“أنا حقاً أكرهك،” تمتمت فير بأسى، وهي تضغط براحة يدها الحمراء والمتورمة على صدرها، بينما غرقت عيناها بالدموع.
“أفهم أنك فعلت هذا من أجلي، لكنني لا أستطيع قبول اختيارك لهذه الطريقة لتحقيقه—”
هذا ما كان يظنه؛ فهذه الشابة كانت مستقيمة، وديعة، كادحة، صادقة، ومتمسكة بمبادئها أكثر من اللازم. ومن النوع الذي يتوقع الشيء نفسه من الشخص الذي يقف أمامها. لم يكن لمصطلح “اللعب القذر” مكان في ذهنها، وغالباً ما كانت ستصاب بالذعر إذا ما وقعت في فخ، ناهيك عن أن تضطر لنصب فخ بنفسها.
“لـ… لقد لمستَ بطني حتى عندما التقينا لأول مرة…”
“هاه؟”
“لا تقل لي إنك لا تعلم! إن كشف المرء عن بطنه يعني تفانيه الكامل للمستذئبين! المرء لا يكشفه حتى لأفراد أسرته المقربين!”
كيف كان لي أن أعرف قاعدة كهذه بحق الجحيم؟ هل أنتم كلاب حقيقية أم ماذا؟! ..لكنها على الأرجح لن تصدقه لو صرخ بذلك في وجهها.
“آه… نعم.” أصدر صوتاً غبياً وأشاح بنظره بعيداً. الآن بات الأمر منطقياً؛ فقد فهم سياق “النصل” الذي ذكرتْه آنذاك. لقد تعلم شيئاً جديداً، وسيكون عليه توخي الحذر أكثر في المرة القادمة.
“حسناً، اسمعي. أنا آسف على أشياء كثيرة. لن أطلب منكِ الغفران، لكن على الأقل دعيني أعتذر.”
أنّت “فير” بمرارة: “لقد كان الأمر تماماً كما قال عمي. بعيداً عن التوقعات والآمال، لا يمكنني الاعتماد عليك أو الثقة بك.”
“اهغ.” تعثر في كلامه، وشعر بالحنق لكونه لا يملك ما يرد به.
“—الآن، أشعر بارتياح قليل. سأقبل كلمات اعتذارك، لكن لا تفهم الأمر بشكل خاطئ، فأنا لا أزال أمقتك.”
“أجل، بالطبع، لا بأس بذلك.”
أومأ ويليم برأسه واستدار بسرعة ليواجه من خلفه: “حسناً يا رفاق، حان وقت العودة… إلى… المنزل…”
خفت صوته تدريجياً حتى كاد لا يُسمع في النهاية. كانت نظرات فاترة تُوجه نحو ويليم بلا رحمة.
“بالتأكيد، لنذهب.” كانت كوتوري تنظر إليه بعينين ضيقتين ونظرة باردة كالموت. “ظننتُ أنني أعرف أنك من هذا النوع من الأشخاص أيها الضابط، لكنني الآن… لا أعرف حقاً.”
ظلت آيسيا تبتسم بإشراق، لكن فمها كان مشدوداً بحدة. “فلنُسرع، سيتوقفون عن بيع تذاكر السفينة الطائرة قريباً.” تحدثت نيفرين بخفة كعادتها، لكن صوتها كان بارداً بشكل ما. “لكنني أردت رؤية المزيد!!” أما تيات، فقد كانت مستاءة من شيء آخر تماماً. ورغم اختلاف أربعتهن، لم يكن هناك أدنى شك في أن جميعهن غاضبات لسبب ما.
“لماذا اخترت طريقة خطيرة كهذه للقيام بالأمر؟”
سلكت المجموعة طريق العودة إلى العيادة لاستلام الأسلحة العتيقة الخاصة بهم. كانت كوتوري هي من سألت ذلك أثناء الطريق.
“همم؟” إذن كانت تتحدث إليه؛ ربما تحسن مزاجها الآن قليلاً.
“كانت هناك خيارات كثيرة أكثر أماناً من استدراجهم عمداً إلى مكان مهجور، أليس كذلك؟ هل لأنك أردت التباهي، أم لسبب أحمق آخر من هذا القبيل؟”
“أوه، لا. لم أكن واثقاً تماماً فحسب. كنت أتحدث وكأنني استنتجت كل شيء آنذاك، لكن كل ذلك كان مجرد افتراضات مبنية على الخبرة. استرجعتُ حالات سابقة تصرف فيها الناس بنمط مشابه لهؤلاء الرفاق، ثم فكرت فيما كان يدور خلف الكواليس في تلك الأوقات. بعد ذلك، قمت بملء التفاصيل بينما كنت أراقب ردود أفعالهم. لهذا السبب كان من المثالي جعل الموقف يبدو وكأننا نتحسس على نوايا بعضنا البعض.”
“بناءً على الخبرة…؟ أي نوع من الحياة قد تعلمك كيفية القيام بذلك؟”
“حسناً، لقد كان زمناً خطيراً. العمل كبطل غير شرعي كان يعني التورط في نوع من صراع القوى مرة واحدة على الأقل كل شهر. وبفضل ذلك، أصبحتُ في النهاية قادراً على تفادي سكين وأنا نائم، وكشف الطعام المسموم بالغريزة وحدها. المحترفون يستخدمون سماً ليس له رائحة أو طعم، لذا لا يمكنك الاعتماد على أنفك أو لسانك.”
قهقه ويليم بمرح، لكن كوتوري قطبت حاجبيها: “… هل من المفترض أن يكون هذا مضحكاً؟”
“هذا لأنني لا أزال حياً بطريقة ما. لم أكن لأتمكن من الضحك لو كنت ميتاً.”
عبست كوتوري أكثر. لقد كان ويليم واثقاً نوعاً ما من تلك الدعابة، لكن يبدو أنها ارتدت عليه بفشل ذريع.
“حسناً، أعترف أنها لم تكن أفضل وسيلة للقيام بالأمر. لكنني ظننتُ أنكِ ستفعلين الـفينيوم الخاص بك في اللحظة التي تلاحظين فيها وجود خطأ ما، وهذا بالضبط ما حدث. لكنكن انتهيتن للتو من معركة طويلة، ولم يكن يجدر بي المضي قدماً في خطة تجبركن على استخدام طاقتكن. كما أن تيات وفير كانتا معنا أيضاً—”
قُطعت كلماته قبل أن يتمكن من المواصلة. توقفت كوتوري عن المشي، فتوقف ويليم هو الآخر، متجاوزاً إياها بخطوتين، ثم أدار الجزء العلوي من جسده لينظر إليها.
“أنت تعلم أن الأمر ليس كذلك،” انتقدته بصوتها البارد. “عندما قلتُ ‘طريقة خطيرة’، لم أكن أتحدث عنا؛ فنحن لم نكن في خطر على الإطلاق. لقد كنتَ مستعداً للقتال في الثانية التي جلست فيها على الصندوق.”
“أوبس.” تمتم ويليم، ثم حاول التملص: “لا، لم أكن كذلك. كنتُ مسترخياً تماماً.”
“ثلاث ثوانٍ.”
“…”
“ماذا؟”
“أولاً، كنت ستطيح بذاك الخروف الذي خلفك إلى اليمين. وبعد خدعة الحصى، ستغرس نعل حذائك في صدره، ثم في قفزة ارتدادية، تتحرك نصف خطوة أمام الأيائل الاثنين على اليمين، ثم تطيح برأسيهما لإخراجهما من القتال. هذان الاثنان كانا يحملان سكاكين، لذا كنت ستلتقط واحداً وتلقيه لتسقط اثنين آخرين. كل ذلك سيستغرق أقل من ثانية واحدة بقليل. أما شل حركتهم جميعاً بهذا الشكل، فسيستغرق ثلاث ثوانٍ. أليس كذلك؟”
(يا إلهي، لا يمكنني تصديق هذا…)
لقد كشفت معظم ما كان يدور في ذهنه. كانت تراقب نظراته بدقة أكبر مما توقع، ولا شك أنها كانت ترصد كل شيء، حتى أدق التغيرات في وضعية جسده. خطر بباله أنها كانت هادئة بشكل غريب، لكنه لم يتخيل أنها كانت تفكر في هذا كله.
“أنتِ تبالغين في التفكير. مستحيل أن أتمكن من القتال بتهور كهذا، وأسقط خمسة رجال في ثانية واحدة أو عشرة في ثلاث ثوانٍ مثلكِ.”
“لا تقل إنك لا تستطيع. أنا على الأرجح الشخص الوحيد في العالم الآن الذي يعرف حق المعرفة مدى قوتك. هل نسيت بالفعل؟ أنت من علمتني كيف أقاتل بأسلوبي الحالي.”
“… صحيح. أنتِ تلميذة بارعة أكثر من اللازم، لقد نسيت.”
رغم أنها قالت “علّمتني”، إلا أن الأمر لم يستغرق سوى بضعة أيام، قضاها في الغالب وهو يغرس في رأسها كيفية استخدام الـكارليون بشكل صحيح. وحتى التقنيات الجسدية لم تكن أكثر من مجرد مجموعات حركات ثنائية؛ علّمها الحركات الخاصة ذات الأسماء الرنانة، لكنه لم يعلمها الأسماء الفعلية قط. هل كان لأحد أن يتوقع أن قدرتها على الملاحظة ستنمو بهذه السرعة بعد ذلك الفاصل القصير؟
“أنا متأكدة من أن السبب الذي ذكرتَه لاستدراج هؤلاء الرجال كان صحيحاً جزئياً، لكنني أظن أنه كان كذبة جزئياً أيضاً. كان بإمكانك إيجاد طريقة أكثر أماناً. لا أعرف لماذا، ولكن—” اخترقت نظرته الحادة كيانه: “لقد أردتَ القتال، أليس كذلك؟”
آه، أجل. أدرك أخيراً هذا الاحتمال عندما ذكرتْه. ربما، وبشكل لا واعٍ، كان يتوق للقتال. ربما أراد أن يفرغ طاقته في العنف، أو ربما أراد المخاطرة بجسده المليء بالجراح. لعلّه أراد قذف مشاعر الضيق التي تنهشه —بسبب إرساله للفتيات الجنيات إلى المعركة بينما يبقى هو في أمان— نحو مكان لا يهم، ونحو أشخاص لا علاقة لهم به.
“لا أعرف ما الذي تخطط له، لكن توقف. لم يعد عليك القتال بعد الآن. أنا… نحن من نحمل عبء معاركك الآن.”
“—ليس لدي ما أقوله رداً على ذلك. أنتِ حقاً تراقبينني عن كثب.”
“لأنني واقعة في الحب،” قالتها بكل هدوء.
“هيا، أنتما بطيئان جداً!”
بعيداً عنهما، كانت تيات تلوح بيديها بغضب. رد عليها ويليم بلوحة خفيفة، ثم زاد الاثنان من سرعة خطاهما.
3. الطريق للمنزل، لازال بعيدا جدا
“فيوه! أخيراً نحن في طريق العودة!”
صاحت آيسيا بابتهاج مع اقترابهم من الميناء الجوي: “سأنام إلى الأبد فور وصولنا. سأغطّ كغطيط الرجال!” ولم يكلف أحد نفسه عناء تذكيرها بلطف بأنها أنثى؛ فقد كانوا جميعاً يسيرون جنباً إلى جنب بصمت، منهكين لدرجة تعجز الكلمات عن وصفها.
كان التعب جلياً على كوتوري والباقيات اللواتي لم يحظين براحة حقيقية بعد أسبوعين متواصلين من القتال، وحتى تيات —التي غادرت الجزيرة لأول مرة وظلت تركض هنا وهناك بعد خضوعها للتعديل كجندية— كانت مستنزفة تماماً.
(لدي الكثير لأقوم به فور عودتنا..) فكر ويليم. فتفعيل الـفينيوم يضع عبئاً كبيراً على تدفق الدم في الجسد، وقد يختل دوران الدم أو يركد بعد استخدامه في معركة طويلة، مما يؤدي لتدهور الحالة الصحية.
العضلات المتعبة تتعافى ببعض الراحة، لكن تسمم الـفينيوم أمر مختلف؛ قد يتحسن مع الروتين اليومي المعتاد، لكنه على النقيض قد يتحول بسهولة إلى حالة مزمنة إذا تكرر استخدامه بشكل مكثف في فترة قصيرة.
(لا يبدو أن هناك تخثراً كافياً في مواضع غريبة قد يسبب الحمى، لكن هل يجب أن أخضعهن لجلسات تدليك كإجراء احترازي؟) نظر إلى كف يده وفرقع أصابعه بخفة. ورغم أنه فقد الكثير من الأشياء الغالية في الماضي، إلا أن بعض التقنيات التي أتقنها ظلت، لحسن الحظ، مفيدة في هذا العالم؛ والتعامل مع تسمم الـفينيوم كان أحدها. لقد كان تخصصاً يقدره رفاقه السابقون (خاصة الأكبر سناً منهم).. أما بالنسبة للفتيات الصغيرات، فلم يكن الأمر يحظى بشعبية كبيرة لديهن.
لكن لو أخبرهن أن الأمر يتعلق بمتوسط أعمارهن —أو بصيغة أكثر قسوة “عمرهن الافتراضي كأسلحة”— فربما لن يهربن. على الأرجح.
“كنت أريد التجول أكثر قليلاً…” التفتت تيات إلى الوراء بتردد.
“ستحظين بفرصة للزيارة مجدداً قريباً.” وعندما وضع يده على رأسها، أبعدتها بحدة.
“أخبرتك ألا تعاملني كطفلة!”
بينما كان يسحب يده بابتسامة مريرة—
“ضابط التعاويذ الثاني ويليم كميتش؟”
نادى صوته اسمه بنبرة تخلو من أي ود. وعندما استدار، وجد رجلاً غريباً أمامه. كان جسده نحيلاً ومشدوداً، ويرتدي نظارات شمسية سوداء. كانت ملامحه تشبه الإمنيتويت بشكل يثير الدهشة بالنسبة لـسيميفر، باستثناء شعره الأبيض الطويل وأذنيه الطويلتين الرقيقتين من اللون نفسه.
من سلالة شعب الأرانب. إنها سلالة من الـسيميفر، لكن على عكس المستذئبين، فإن أعدادهم قليلة جداً؛ إذ تشير الإحصاءات إلى أنهم يمثلون أقل من 0.5% من إجمالي سكان الجزر العائمة. كان ويليم يعلم بوجودهم، لكنها كانت المرة الأولى التي يرى فيها أحداً منهم على أرض الواقع.
“… من أنت؟”
ضيق ويليم عينيه وهو يدرس ملابس الأرنب الماثل أمامه. كان يرتدي زياً رسمياً أنيقاً لضباط الحرس، ورتبته على كتفه تشير إلى أنه ضابط أول. أما شعار فرعه الذي يوضح انتماءه، فكان عبارة عن درع ومنجل؛ الشرطة العسكرية.
“الأمر كما تراه. أنا ضابط أول في الشرطة العسكرية.”
كانت السفينة الطائرة قد بدأت بالفعل استعدادات الإقلاع، حيث جعل أحد أفراد الطاقم يديه الست على شكل بوق وصاح بصوت حاد: “يرجى الإسراع بالصعود!” لو لم يسرعوا فلن يدركوها، ولا توجد سفن أخرى حتى الغد.
“لقد علمتُ بأمرك من خلال ضابط القوات المدرعة الأول لايمسكين.”
“حسناً. لا أدري ما الذي كتبه، لكنني لا أظن أنني فعلتُ شيئاً يستدعي انتباه الشرطة العسكرية.” وأضاف في نفسه: على الأقل، لا شيء يعرفه ذلك السحلية الضخم.
“بالتأكيد. لقد كتب الضابط الأول في تقريره: ربما يكون مهتماً بالفتيات الصغيرات، لكن هذا بحد ذاته لا يستوجب التوبيخ؛ فالأذواق والاهتمامات الشخصية ليست سبباً كافياً لذلك.”
حسناً، في المرة القادمة التي أرى فيها تلك السحلية، سأبدأ معه بـ اندفاع العندليب وأتبعه بركلة خاطفة ومحكمة.
“وحتى لو كان لديك نوع من الميول التي تتعلق بالعناصر التي تقع تحت إدارتك، فهذا لا يعنينا طالما أنه لا يسبب أي خلل في ساحة المعركة.”
حسناً، سأقوم بضرب هذا الأرنب لأسكته الآن.
“كلها أكاذيب. ولأنه لا يملك أيّاً من تلك الاهتمامات تحديداً، عليّ أن أبذل كل هذا الجهد،” قالت كوتوري.
انتظري يا كوتوري، لا تهينيني هكذا علانية! هذا يجرح مشاعري.
“إذاً، ماذا تريد؟ سيتعين عليك تحديد موعد آخر إذا كان الأمر سيطول، لأننا كما ترى في عجلة من أمرنا.”
“هناك شخص يحتاج لقاءك. تعال معي.”
“لا.” رفض ويليم بقطعية. “كم مرة يجب أن أقولها؟ أنا في عجلة من أمري. أنت تعلم ذلك بالتأكيد بما أنك قرأت التقرير، أليس كذلك؟ أنا مديرهن، وإعادة هؤلاء إلى الثكنات… أقصد إلى المستودع، هي إحدى واجباتي. لا أعرف مدى أهمية ضابط أول، لكنني لن أسمح لك بالوقوف في طريقي بمجرد قولي ‘أوه، فهمت يا سيدي’.”
“لا يمكنني قبول رفضك. أنا لسْتُ هنا للقيام بمهمات تافهة.”
“حسناً، يبدو أننا نسير في خطين متوازيين هنا. لذا، ما رأيك أن نكون كالمتوازيات الحقيقية التي لا تتقاطع أبداً، ونفترق عند هذه النقطة؟”
بينما كان يرد بخفة، حاول التسلل متجاوزاً الضابط. ولكن—
“الحكيم العظيم، سوونغ كاندل.” تمتم الرجل بالاسم.
تصلب ويليم في مكانه.
“وفقاً لتقرير الضابط الأول، يمكنك ضبط الأسلحة العتيقة. ومن بين كل المناصب، تشغل أنت منصب ضابط التعاويذ الثاني. لقد عاد ما كان مفقوداً للظهور مجدداً؛ وفي هذا العالم، حيث فقدنا الأرض المهيبة ولم يتبقَّ للبشر سوى التشبث بالحصى الصغيرة للنجاة، فإن معنى ذلك هائل… هائل لدرجة لا تُصدق. لهذا السبب لا يمكننا تركك وشأنك. يجب أن تستعير حكمة الحكيم العظيم بخصوصك وبخصوص تلك التقنية. وإذا ما أبديتَ مقاومة، فأنا آسف لأنني لن أملك خياراً سوى استنفار الشرطة العسكرية—”
لوح الرجل بيده خفة. وبمرافقة وقع خطوات خافت، ظهر عدد من الحراس من بعيد. ورغم أن أيديهم لم تكن قريبة من مقابض سيوفهم، إلا أنه من غير المرجح أن تكون تلك النصال الطويلة المنحنية المعلقة على خصورهم مخصصة للزينة فحسب.
“حسناً، هذا ليس أسلوباً دبلوماسياً جداً…”
“توقفي يا آيسيا. لا تستخدمي سحركِ. الموقف هنا يختلف عما حدث سابقاً؛ فإذا أحدثنا جلبة الآن، سنكون نحن المتضررين الوحيدين. هؤلاء من نوعية الأشخاص الذين وضعوا كل الاحتمالات في الحسبان بالفعل.”
“… فـهمت.” أطلقت آيسيا تنهيدة إحباط خفيفة وهدّأت سحرها. “ولكن ماذا سنفعل إذاً؟ لن نتمكن من العودة للمنزل بهذه الطريقة.”
“أعلم.”
بينما كان يجيب، ظل اسم واحد يتردد في عقل ويليم. الحكيم العظيم، سوونغ كاندل. كان يعرف هذا الاسم جيداً؛ اسمٌ يستحيل عليه نسيانه أبداً.
تمتم ويليم: “أظن أن عليّ الذهاب لرؤيته حقاً.”
“ويليم؟” نظرت نيفرين إلى عينيه متسائلة عما أصابه. كان من الغريب أن ينسل من قناعها الفولاذي تعبير يسهل قراءته هكذا، لكنها كانت مضطربة إلى هذا الحد.
“أيها الضابط الأول.”
“أجل.”
“إذا ذهبتُ معك، فهل سيتولى رجالك إعادة هؤلاء الفتيات إلى الجزيرة رقم 68؟”
تحركت جميع الجنيات بتململ وقلق.
“أقسم بشارتي العسكرية، سأقبل طلبك هذا،” أومأ الرجل الأرنب برأسه.
شعر ويليم بـجذبة على كمه. “انتظر لحظة.”
“ماذا تعني بذهابك معه؟ متى ستعود؟”
“حسناً… بخصوص ذلك، لا يمكنني قول شيء حتى ينتهي العمل حقاً.” هز كتفيه، ليرى مسحة من الغضب تمور في عيني كوتوري.
“لا تذهب.”
“حسناً، لا يمكنني فعل ذلك أيضاً.”
“سأغضب إن فعلت.”
“هذه أنانية مفرطة.”
“اصمت. لقد كنت تعاملني كطفلة طوال الوقت، لذا عليك على الأقل أن تساير هذه الأنانية. أم أنك لن تعاملني كبالغة إلا عندما يكون ذلك ملائماً لك؟”
لقد أصابته في مقتل. كان ويليم معتاداً على التعامل مع الأطفال، لكنه لطالما واجه صعوبة في التعامل مع الفتيات اللواتي تجاوزن مرحلة الطفولة. لم يكن يعرف بمَ تفكر، ولا ما الذي يجب أن يصدقه، ولا حتى الكلمات التي قد تجعلها سعيدة.
والأهم من ذلك كله—لم يكن يعرف ما الذي عليه فعله ليتوقف انهمار دموعها.
“لا تبكي.” مد إصبعه ليمسح عينيها، لكن يده قوبلت بصفعة عنيفة أبعدتها.
“أكره كيف أنك لا تصبح لطيفاً إلا في وقت كهذا!”
كانت محقة، وهو نفسه كان يظن ذلك. لكنه لم يكن يعرف ما الذي يمكنه فعله سواه. لطالما كان هكذا، خاصة الآن، وعلى الأرجح سيظل هكذا دائماً.
“أنا آسف،” قالها بأنانيته المعهودة وهو يسحب ذراعه.
أفلتت أصابع كوتوري كُمَّ ويليم، وقبضت على الهواء، ولما لم تجد شيئاً تتشبث به، انضمت أصابعها ببساطة لتشكل قبضة محكمة.
“… غبي،” تمتمت كوتوري وهي تضم يدها إلى صدرها. لم يعد بإمكان ويليم الوقوف بمواجهة هذه الفتاة وحيداً أكثر من ذلك، فرفع رأسه قائلاً: “يشتد البرد على متن السفينة ليلاً، لذا تلفّعن بالأغطية من الرأس إلى أخمص القدمين ونمن باكراً. إذا أصابكن البرد، فسيكون من الصعب تهدئة الـفينيوم الهائج”
“آه… أجل، حسناً،” ردت آيسيا بنبرة فاترة.
“…” أما نيفرين فلم تصدر جواباً.
“أم، آه، همم،” كانت تيات تنظر بذهول وتوزع نظراتها بين كوتوري وويليم، وبدا أنها لم تسمع حرفاً مما قاله.
“وداعاً.”
دفع كوتوري برفق؛ لم تكن دفعته قوية، لكنها تراجعت عدة خطوات غير مستقرة. وبعد أن نجحت بصعوبة في استعادة توازن جسدها، ارتجف كتفاها.
“أحمق!”
كانت تلك كلمتها الوحيدة قبل أن تركض دون أن تلتفت خلفها. ألقت تذكرتها بوجه أحد أفراد الطاقم واندفعت نحو السفينة الطائرة. صُدم الموظف من اندفاعها، فالتفت وصاح محذراً بعد فوات الأوان: “لا ركض على المنصة من فضلكِ!”
“ليس لدي ما أقوله رداً على ذلك…” تغلغلت كلماتها القاسية في أعماقه.
“هيا، عليكن الذهاب أنتن أيضاً.”
“حسناً، سنذهب بما أنك تقول ذلك أيها الضابط.”
بينما كانت آيسيا تميل برأسها وعلى وجهها نظرة عدم رضا، مرت بجانبها عربة محملة بأكياس مكدسة بشكل خطر. صاح السائق محذراً: “عذراً! انتبهي هناك أيتها الآنسة الصغيرة،” وكان تحذيره متأخراً بعض الشيء، لكنه الميناء الجوي على أية حال؛ مكان يضج بحركة الناس والبضائع ولا يسمح بالوقوف والدردشة، حتى لو كنت على حافة الطريق.
“هل أنت راضٍ عن هذا؟”
—آه، نيفرين. جاء دوركِ الآن.
“راضٍ عن ماذا؟”
“لم تَقُل ما يجب عليك قوله بعد. سأغضب أنا أيضاً إذا تماديتَ في التظاهر بالجهل.”
كان هذا جديداً عليها؛ نيفرين غاضبة منه؟ لا، لم يكن يريد ذلك أبداً. لم تكن هناك نبرة غريبة في صوتها، بل كان هادئاً كالعادة، أو ربما أكثر سلاسة من المعتاد، ولهذا السبب أدرك بطريقة ما أنها كانت جادة تماماً.
“لا أريد أن أقطع وعوداً لا يمكنني الوفاء بها بعد الآن.”
“ألا تشعر بالرغبة في الوفاء بها؟”
“بل أريد ذلك بشدة. ولكن في هذا العالم، هناك أشياء أستطيع فعلها وأخرى لا أستطيع.”
“لقد كنتَ أنت من أجبر كوتوري على قطع وعدٍ كهذا.”
لم يملك رداً على ذلك أيضاً. عليكِ أن تعودي؛ هذا ما قاله لها حينها. لقد أجبرها على العودة بسلام، وهو أمرٌ لم يكن مسموحاً به قط لمحاربة قابلة للاستهلاك، متجاهلاً حتى رغباتها الخاصة، فقط لسبب وحيد وغير منطقي: أنه لم يكن مقتنعاً بغير ذلك.
“ليس لك الحق في تحديد ما يمكنك وما لا يمكنك فعله.”
“حسناً، حسناً. فهمت. لا يمكنني الفوز أمامكِ.”
تظاهر بالعبث بشعره بعنف وأشاح بنظره عن الجنيات. بصراحة، لم يكن يعرف أي تعبير يرتسم على وجهه؛ لم يستطع حتى تمييز الأساسيات، هل كان يبتسم أم يبكي أم يتجهم غضباً؟ لهذا السبب لم يرد أن يرى أحد تعابير وجهه الغامضة.
أعلن من فوق كتفه: “سأنهي عملي هنا ثم أعود مباشرة. لذا، اذهبن إلى المنزل.”
“مم، مفهوم.”
كان واثقاً أن نيفرين أومأت برأسها في مكان لا يراه.
“… لستُ راضية حقاً عن هذا، ولكن لا بأس. تقديراً للوعد، سننسحب اليوم. هيا يا صغيرة، لنذهب.”
“أوه، أه، حسناً… ولكن…”
“بدون ولكن. لنذهب.”
“حسنااااً! فـ-فقط اتركي يدي!”
بينما كانت آيسيا وتيات تتشاجران، تلاشت أصوات خطوات الجنيات الثلاث الصغيرات في المدى. دَوّى صوت صفارة بخار قوية جعلت شيئاً ما في أعماق صدره ينقبض بشدة. تلا ذلك تحذير آخر من طاقم السفينة للركاب الفوضويين: “يُرجى الكف عن الركض على المنصة!”
“كان بإمكاننا تجهيز سفينة خاصة لهن،” تمتم الرجل الأرنب وهو يراقبهن وهن يغادرن.
“على الأرجح لا يردن منك الاعتناء بهن.”
“أظن أنهن لا يحبوننا كثيراً… هيا الآن، فليذهب بعضكم لمرافقوهن إلى الجزيرة رقم 68.”
أطاع ثلاثة من رجال الشرطة السرية أوامره وركضوا خلف الجنيات إلى السفينة. صرخ الموظف مجدداً، رُفعت المنصة، وأصدرت المراوح صوتاً ثاقباً. تحررت أذرع التثبيت، وأخيراً غادرت السفينة الجزيرة رقم 11، حاملةً معها الجنيات الأربع.
—تاركةً خلفها ويليم، الذي ظل معطياً ظهره لهن.
“على أية حال، لديك طريقة فريدة جداً في البكاء.”
حاول الرجل الأرنب بوقاحة التلصص على وجهه، فوجه إليه ويليم لكمة جادة بعض الشيء.
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل