الفصل 12
3. الفتاة التائهة ورجل السحلية الطائر
…ما أنا بفاعلة؟
راحت كوتوري نوتا سينيوريوس تركض؛ اندفعت من مقر سكنها المعروف بالمستودع، واخترقت الغابة ركضاً، ثم عبرت المرفأ، وعندما لم تعد هناك أرض تركض عليها، أنبتت أجنحة من ظهرها وحلقت في السماء. لم تكن تدري لماذا، لكن كان لزاماً عليها فعل ذلك.
لقد فهمت تقريباً ما أراد ويليم إيصاله من خلال ذلك النزال (الذي اعتبرته كوتوري نزالاً صورياً). كان ذلك خطأً، ولم تستطع احتماله. فبمقارنة القوة النارية المتاحة للحرس الحالي وقوة المجموعة بـ تيميري، الذي بات هجومه وشيكاً، كان من المستحيل ضمان النصر؛ ولهذا السبب كان عليها أن تكون مستعدة لتقديم نفسها كقربان من أجل رفع سقف قوتهم مؤقتاً. كان هذا هو الوضع الراهن.
لكن كان هناك حل آخر: رفع معيار القوة النارية ذاتها.
لقد علموا طوال الوقت أنهم لا يستخدمون الأسلحة العتيقة بكامل طاقتها الكامنة. فهي ابتكارات معقدة صُنعت منذ أمد بعيد، وحتى لو لم تكن كذلك، فإن قدراتها قد تدهورت طبيعياً بمرور الزمن. ليس هذا فحسب، بل لم يأتِ أي منها مع دليل إرشادات، لذا كان على المستخدمين تَلَمُّسُ طريقهم لتفعيلها عبر التجربة والخطأ، وتجاوز مصادقة المستخدم باستخدام “دمى” — وبعبارة أخرى، باستخدام الجنيات للتحايل على النظام. ورغم كل جهودهم، لم يفلحوا إلا بالكاد في إرغام تلك الأسلحة على العمل.
كان الأمر جلياً؛ فبمجرد ظهور شخص يعرف كيف يُفترض استخدامها، تغير الموقف برمته. لقد حان الوقت لإعادة تقييم قواتهم، وبات بمقدورهم مرة أخرى وضع خيارين في كفتي الميزان: “النصر على حساب أرواح لا حصر لها” و”النصر المؤكد بأقل قدر من التضحيات”.
لكن ذلك كان يعني الإقرار بأن معاركهم حتى تلك اللحظة كانت ضلالاً، ويعني مواجهتهم بالحقيقة المرة بأن كل من فقدوهم حتى الآن لم يكونوا سوى ضحايا سقطوا بلا طائل. كان يعني أن عزمها —بصفتها شخصاً استعد لموته ويدرك تماماً أنه سيضيع في الطريق ككل الذين سبقوه— لم يكن في حد ذاته سوى شيء عديم القيمة.
“هذا ليس… مضحكاً…”
قبل ستة أشهر؛ في ذلك اليوم الذي تنبأوا فيه بهجوم من وحشِ تيميري ضخمٍ للغاية، في اللحظة التي أعلنوا فيها أنه لا ملاذ لديهم سوى دفع الجنية كوتوري نوتا سينيوريوس نحو (الأوفر درايف) الاستنزاف الأقصى.
“لكني كنت خائفة جداً…”
بالطبع لم تكن ترغب في الموت. فبمجرد أن أدركت أن وقتها بات معدوداً، بدأت تفكر في أشياء تمنت فعلها. ومع ذلك، بكت وبكت، وهي تتصنع القوة يوماً بعد يوم.
“لقد استعددتُ أخيراً…”
منذ أقل من شهر، قررت أنها لن تبكي ثانية، لكنها الآن لم تستطع منع الدموع من غمر عينيها. “لا، لن أبكي الآن”. وكلما أجبرت نفسها أكثر، عجزت عن كبح الدموع التي تجمعت على وشك الانهيار.
“غـ… غغغ…!”
أغمضت عينيها بشدة، وتوقفت عن خفق أجنحتها؛ فتحول طيرانها إلى سقوط حر. عوت الرياح في أذنيها، وتحتها كان هناك بحر كثيف من السحب البيضاء.
“مثالي”، فكرت في نفسها. ستبتل تماماً إذا طارت عبر السحب، وحينها لن يتمكن أحد من معرفة أنها كانت تبكي.
تركت جسدها يسقط ببساطة؛ فدخلت كوتوري وسط الغمام. السحب في جوهرها ليست سوى ضباب كثيف في أماكن شاهقة؛ ورغم أنها بدت كالقطن، إلا أنها لم تكن تشعر بشيء، ورغم اندفاعها فيها، لم تخلّف أي رذاذ. كل ما كان هناك هو بياضٌ ملأ رؤيتها ورطوبة— فراغٌ من العدم في قلب السماء.
“أوه—”
“كلا”، فكرت؛ لقد نسيت تفصيلاً حاسماً. إنه فصل الخريف، والشتاء على الأبواب. وبمجرد أن ابتل جسدها بالكامل، صار الجو بارداً بشكل رهيب.
“تباً…”
سواء كنت طائراً أو جنية، فإن القوة البدنية أمر حيوي للغاية أثناء الطيران. كان البرد يسرق قوتها بسرعة خاطفة، والأمر الأكثر إثارة للقلق هو عدم وجود أي صخور طافية في مكان مناسب لتستريح عليها.
هل تطير نحو أقرب جزيرة؟ أم تعود من حيث أتت؟ لم يكن أي من الخيارين مستحيلاً تماماً، لكن عندما فكرت في العودة إلى ديارها، لم يكن الخيار الأول واقعياً للغاية. وبطبيعة الحال، لم يتبقَّ أمامها سوى العودة من حيث أتت، لكنها ترددت بصدق في اتخاذ القرار.
ماذا عليها أن تفعل؟ ارتجف جسدها وهي تسقط للخلف عبر السحب، وراحت تزن خياراتها. ومع أنه لم يكن هناك سوى استنتاج واحد، إلا أنها تعمدت إطالة ذلك الصراع الداخلي المحتدم، وكأنها لا ترغب في القيام بما يجب فعله. وبينما كان ذلك يحدث—
“همم…؟”
— برز فجأة ظل أسود في ركن من رؤيتها التي غطاها البياض.
بعد خمس دقائق.
على متن منطاد الدورية التابع للحرس المجنح “باروكوبوت”، وتحديداً داخل غرفة الحرب الصغيرة في الطابق الثاني. كان المكان ضيقاً، ضيقاً بشكل لا يصدق.
بالطبع كانت غرفة حرب صغيرة، وبالتالي لم تكن كبيرة جداً، ومع ذلك، كان ينبغي أن تكون واسعة بما يكفي لتستوعب عدداً معيناً من الأشخاص. لم يكن هناك سوى شخصين الآن، فلماذا تشعر بهذا الضيق الشديد؟
الإجابة كانت بسيطة؛ أحد الاثنين كان من شعب السحالي العملاق، وطوله يبلغ ضعف طول كوتوري بسهولة. وطولٌ مضاعف يعني وزناً مضاعفاً، أما هيبته وسطوته فكانت أكبر بثمانية أضعاف. شعرت أن الغرفة باتت أصغر بكثير.
بعد أن نشفت رأسها بمنشفة مستعارة، رفعت كوتوري بصرها نحو وجه الرجل السحلية.
“… أنا آسفة لاقتحامي المكان بهذا الشكل المفاجئ، أيها الضابط الأول لايمسكين. لقد رأيتك تحلق في الجوار، وفقط…”
“لا بأسسس، صومعة الرياح مفتوحة دائماً للمحارب،” قال الرجل السحلية وهو يضع كوباً دافئاً من الشاي الطبي على الطاولة. كان هناك نوع من الفكاهة السريالية في طريقة انحنائه، وهو يمسك الكوب الصغير برفق كأنه لعبة.
“شكراً لك.”
أخذت الكوب وقربته من شفتيها. كان ساخناً… ومراً. تشنج جسدها لا إرادياً بينما دغدغ إحساس لاذع طرف لسانها.
“ومع ذلك، أتسسساءل لماذا كنتِ تحلقين عبر السسسحب في هذا الفصل. ناهيكِ عن أن أمامكِ معركة غاية في الأهمية. ماذا حدث؟” (ملاحظة: هذه هي طريقة تحدثه فهو سحلية)
“أرغ…”
تلعثمت، وترددت، وتذبذبت أفكارها. فكرت ملياً، ثم فتحت فمها لتقول:
“بخصوص تلك المعركة… سيكون من السيئ أن أقول إنني خائفة من الموت قبيل خوضها مباشرة، أليس كذلك؟”
“همم؟”
رفع الرجل السحلية حاجبيه، أو هكذا بدا لها. بالطبع لم يكن يملك حاجبين، لذا كان ذلك مجرد خيالها.
“الأمر يتعلق بـ… ويليم، ضابط التعاويذ الثاني ويليم.”
“همم.”
كانت كوتوري تعلم أن ضابط التعاويذ الثاني ويليم كميتش، المتمركز حالياً في مستودع الجنيات، ليس سوى جندي موجود على الورق فقط، مجرد رتبة لا غير. لكنه مع ذلك، جندي مسجل يقيناً في الوثائق العسكرية، ورئيسه المباشر على الورق هو ذلك السحلية العملاق الجالس أمامها — الضابط الأول لايم سكين.
“لقد قال إن لديه طريقة قتال تختلف عن تلك التي اتبعناها دائماً. لقد أراني جزءاً منها بالفعل. لم أستطع تبين ما فعله تماماً، لكنه جعلني أفهم شيئاً بوضوح تام؛ طريقتُه تمتلك بالتأكيد فرصة أكبر للنصر، وهي أكثر فاعلية، و… أكثر صواباً بكثير من طريقتنا.”
“أوه…؟”
أطرقت ببصرها نحو الكوب وتابعت:
“أنا لا أريد قبول هذا. لا أريد أن أصدق أن كل أخواتي اللاتي سبقنني كنّ على خطأ، وأنه لم يكن من الضروري أن يمتن. لهذا السبب لم أكن أنوي الاستماع إليه؛ ففي النهاية لم يعد لديّ وقت طويل. كنت سأثبت ذلك في ساحة المعركة. اعتقدتُ أن عليّ حماية الطريقة التي قاتلت بها أخواتي، لأثبت أنهن كنّ على حق. ولكن…”
“هل كنتِ خائفة؟”
لم تستطع الإيماء برأسها على الفور.
كان لايمسكين شديد التمسك بكلمة “محارب”؛ ربما كانت تلك سمة مميزة لعرق شعب السحالي. لم تكن كوتوري تفهم تفاصيل تعريفه الصارم للكلمة، لكن يبدو أنها كانت تُصنف كمحاربة وفقاً لمعاييره الخاصة. لو أومأت برأسها الآن، فربما سيصيبه الإحباط منها، وقد يرى في ذلك فقداناً لشجاعتها وتخلياً عن مؤهلاتها كمحاربة.
ولكن، رغم ذلك…
“… نعم.”
لم تستطع الكذب.
“خ_خ_خ، أرى ذلك.”
فجأة—
فتح الرجل السحلية فمه على وسعه. وانبعث من أعماق حنجرته رنين أجش يشبه صوت جرس سيراميك يُهز بعنف.
“… هاه؟ هاه؟”
تردد صدى صوت غريب وصاخب فوق رأسها بمراحل.
“أرى ذلك. هذا يعني أن علينا الاعتذار للرجل. فبالرغم من أن سسساحة معركته تختلف عن سساحتنا، إلا أنه بلا شك محاربٌ هو الآخر.”
استغرق الأمر منها برهة لتدرك أنه كان يضحك.
“لـ… لماذا؟ لماذا تعتقد ذلك؟ نحن من نقاتل!”
“مقاتلة الوحوش هي حربنا نحن. لكن تلك ليسسست حرب ويليم؛ فما يحاول هو مقارعته ليس سسسوى الرياح التي تسسسكن أعماقكِ.”
“… الرياح؟”
“ماهية ما تسمينه «عزماً». وربما يكون من الأسسسهل فهم الأمر إذا أسسميته «استسلاماً»؟”
اندفعت الدماء إلى رأسها، فتجرعت ما تبقى من كوب الشاي الطبي دفعة واحدة. شعرت بحرارة تسري في أحشائها وكأنها تُشوى. ما الذي يغلونه بحق الجحيم ليصنعوا شيئاً كهذا؟ ولماذا يصنع رجل سحلية من ذوات الدم البارد شيئاً بهذا القدر من الحرارة أصلاً؟
خطرت ببالها عدة أسئلة عبثية، لكن كوتوري نحّتها جميعاً جانباً؛ فلم يكن هذا الوقت المناسب للانشغال بمثل هذه الأمور.
“لماذا—؟”
شعرت بخفة في قلبها؛ لكنها شعرت أيضاً وكأن فجوة قد انفتحت في أعماقه، وإن لم يكن هناك فرق كبير بين الشعورين على الأرجح.
“أيها الضابط الأول، لقد كنت تعلم طوال الوقت أنني لا أملك مؤهلات المحاربة، أليس كذلك؟ يبدو أنك بارع جداً في المداهنة… أنا كنت أتحدث بجدية تامة.”
“عما تتحدثين؟ كاستحالة غروب الشمسسس من الشمال، من غير المتصور أن ينطق ذوو الحراشف الفخورون بالأكاذيب.”
“لكن، ألم تقل لتوك إنني مستسلمة؟”
“الاسستسلام والعزم هما، في جوهرهما، شيء واحد؛ فكلاهما يشير إلى التخلي عن شيء مهم في سسبيل تحقيق أهداف المرء.”
— هذا… هذا المنطق يخلط بين المقدس والمذموم في كفة واحدة.
“أليس من المفترض أن يكون العزم، مثلاً، شيئاً أكثر أهمية بكثير؟”
“قيمة كل شيء تُحدد فقط بوزن الثمن المدفوع. هناك قيمة في عزم المرء على إلقاء ما هو مهم خلف ظهره، وبالتبعية، فإن استسلام المرء بفعل الشيء ذاته له القيمة ذاتها تماماً.”
“أنا لا أفهم حقاً.”
“بالتأكيد، لا يمكنني القول إن ارتباك المحارب أمام جمال الكلمات أمرٌ لا يليق به.”
قالها وضحكته غير البشرية ترتعش في حنجرته.
“إذاً… ماذا عليّ أن أفعل؟”
“هذا يعود إليكِ.”
“… أنا أسأل لأنني لا أعرف. ما هو الجواب الصحيح؟”
“لا يوجد شيء خيالي يسمى «الجواب الصحيح» في سساحة المعركة؛ لهذا السسسبب يجب على المحارب أن يعانق الرياح التي تهب في أعماقه، كي تقوده في طريق بلا معالم.”
“… أيها الضابط الأول…”
يا للهول. لم تكن لديها أدنى فكرة عما يحاول قوله بجدية. لقد فهمت كل شيء حتى قبل لحظات؛ وبغض النظر عما إذا كانت سعيدة برؤيته الثاقبة أم لا، فقد تمكنت من استيعاب ما كان يحاول إيصاله. ولكن يبدو أنه كلما زاد اهتمامه بالموضوع، زاد أسلوبه في الحديث التواءً، وأصبحت تفاصيل الحوار أكثر تعقيداً. شعرت وكأنه يقول شيئاً مهماً لها، ولم يكن الأمر بعيداً تماماً عن إدراكها العاطفي، لكنها لم تكن تفهم ما يقصده حقاً.
“لقد قلتِ إنكِ ترغبين في حماية صواب معركة أخواتكِ، أليس كذلك؟”
“… نعم.”
“إذاً، قبل خوض القتال، أريدكِ أن تكتشفي ماهية ذلك الصواب. نحن لا نفهم معركتكم إلا من الناحية الفكرية فحسب؛ أما العمل ذاته، وتاريخكم، والتاريخ العاطفي الذي يتوارى خلفه— فكل ذلك غائبٌ عنا. لذا، أنتِ وحدكِ من تملك الحق في تقييم ما هو صواب.”
“… هذا تنصلٌ من المسؤولية، أيها الضابط الأول.”
“الرياح تهب دون أحمال.”
نبذ اعتراضها بما بدا (على حد رؤيتها) تعبيراً بارداً ورزيناً. تنهدت كوتوري قليلاً؛ ولسبب ما، شعرت الآن برغبة في الاستسلام حيال الكثير من الأمور. صحيح، ألم يقل لها للتو إن الاستسلام والعزم هما الشيء ذاته؟ الآن صار للأمر معنى. وعندما فكرت في الأمر، شعرت يقيناً بأنها تملك من الجرأة ما يكفي.
“… قد تغضب مني، لكن عليّ أن أخبرك بشيء ما.”
“ما هو؟”
“في الحقيقة، لم أرغب يوماً في أن أكون محاربة.”
قرقعت حنجرته بقهقهة:
“أعلم ذلك. وهذا هو السسسبب في أنكِ أصبحتِ محاربةً فذة.”
… لم يكونا على موجة واحدة أبداً. سحقاً لكل شيء… ابتلعت إحباطها وهي تتجرع كوبها الثاني من الشاي الطبي دفعة واحدة.
4. السماء المرصعة بالنجوم تحت السماء المرصعة بالنجوم
“إنها حالياً على متن سفينة هوائية دورية تابعة للحرس المجنح قرب الجزيرة رقم 66.”
“… كيف حدث ذلك؟”
“لا أدري، لكنهم أخبروني أنها في طريق العودة الآن. قالوا إنهم سيوصلونها جزءاً من الطريق، وستكمل الباقي سيرًا على الأقدام.”
أغلقت نايغلاتو الاتصال عبر الكريستالة التواصلية.
“طريقة غريبة للهروب من المنزل، أليس كذلك؟ أقلقتني كثيراً.”
“أعرف… أنا حقاً أحسد الأطفال ذوي الأجنحة. لديهم الكثير من الطرق للتعبير عن أنفسهم. كل ما أستطيع فعله لتخفيف توترتي عندما أغضب هو الأكل بشراهة.”
تنهدت، وبدا الحزن خفيفاً على وجهها.
“إنهم حقاً يحبونك. ليس هي فقط، بل الآخرين أيضاً. أنا غيورة قليلاً، باعتباري مربيتهم.”
“حقاً؟ وكيف ذلك؟”
“أوه، ألم تلاحظ؟” وضعت نايغلاتو يدها على فمها بنظرة مفاجأة.
“هل أنت من النوع البليد؟ أم أنك بارع في إخفاء الأمر؟”
“ماذا تقصدين بحق الجحيم؟”
“دعني أرى… هناك مجموعة واسعة من الرجال السيئين الذين يصرون على أنهم لا يهتمون بالحب، لكنهم في الحقيقة يريدون من الفتيات أن يقتربن منهم ويشعرنهم بالرضا.”
… ماذا يعني ذلك؟
“البُلداء حقاً لا يلاحظون عندما يعجب بهم أحدهم ولا يفعلون شيئاً مهما حدث. من الممتع رؤية نفاد صبر الفتاة بعد أن تفشل كل محاولاتها، والطرق المثيرة التي تتصاعد بها محاولاتها. وفي نوع آخر، هناك الرجال الذين يخطئون في فهم المودة التي تُظهرها الفتاة لهم ويعتقدونها شعوراً مختلفاً.
أما الذين يخفون الأمر، فيدركون حقاً عندما يعجب بهم أحدهم، لكنهم يتصرفون عمداً وكأنهم لا يلاحظون. إنهم يشبهون البُلداء لكنهم يضيفون الكثير من التوابل، مثل الشعور بالذنب لخداع الطرف الآخر أو المواقف التي تدرك فيها الفتاة المغرم بها أنه يتظاهر بعدم الملاحظة.
فأي نوع أنت؟”
“… هذا هراء. لا أعرف حتى من أين أبدأ بالاعتراض.”
تنهد ويليم بعمق.
“أبعدي رواياتك الخيالية عني. لن أنكر أنهم يتصرفون وكأنهم مهتمون بي أو ما شابه.”
“أوه.” اتسعت عينا نايغلاتو. “لم أتوقع ذلك. كأنك تخطط لتمثيل دور اللامبالي.”
“لا تسميه تمثيلاً. أنا لا أقدم عرضاً هنا.”
حك رأسه.
“أنا جاد الآن. المشاعر الرومانسية تنبثق من الداخل تلقائياً عندما تكبر بما يكفي، سواء كان لديك شخص أم لا. معظم الناس يجدون شخصاً قريباً ليصبوا مشاعرهم عليه، سواء كان شخصاً من الجنس الآخر قريباً منهم، أو شخصاً يحترمونه لكنه بعيد المنال، أو حتى مثالاً قد يجدونه يوماً في العالم. وفي بعض الحالات، يوجهون مشاعرهم وكل شيء نحو حلم لا وجود له…
لكن هؤلاء الفتيات لم يستطعن فعل أي من ذلك قط.
ثم أتيت أنا. حولت ما كان صفراً إلى واحد.”
“والآن، فجأة أصبح لديهن مكان يوجهن إليه مشاعرهن. إذا استطعن إيجاد عذر جيد لتلك المشاعر المكبوتة، فهذا يعني أنهن خلقن لأنفسهن قصة حب ممتازة— ما بال هذه النظرة؟”
اخترقت ويليم نظرة حادة من الاشمئزاز.
“إنها نظرة دهشة لأنني وجدتُ رجلاً أسوأ بكثير مما تخيلت.”
“لماذا؟ هذا أمر طبيعي. بصراحة، معظم الفتيات ينتهي بهن المطاف بعقدة أب قوية في مرحلة ما. حقيقة أنهن يحببنني تجعلني سعيداً، وهو شرف لي، لكن ليس هناك ما هو أكثر من ذلك.”
“… كان ذلك جواباً مخيباً للآمال بشكل لا يصدق.”
كانت نبرة نايغلاتو غير راضية بوضوح، لذا اكتفى بهز كتفيه.
“مخيب للآمال يعني فقط أن الأمور هادئة. أليس هذا شيئاً جيداً؟”
“حسناً… نعم، لن أنكر ذلك. ولكن”—أشارت نايغلاتو مباشرة إلى صدره— “دعني أقل لك هذا بصفتي فتاة: من غير المحتمل تماماً أن يتم تجاهل مشاعركِ بمثل هذه الفلسفة. قد يكون هؤلاء الأطفال صغاراً حقاً، لكنهن فتيات. لا أطيق الرجال الذين يرفضون الاعتراف بذلك. أنا متأكدة من أنهم يسببون لي عسراً في الهضم.”
بصفتها فتاة، هاه؟ لستُ متأكداً ما إذا كانت شابة بما يكفي لتسمي نفسها كذلك. لا، لم يجرؤ على المساس بهذا الموضوع؛ فقد كان رجلاً يملك من اللباقة ما يكفي لتجنب ذلك، فهو لا يريد أن يُهضم.
“… وبغض النظر عن مدى حداثة تلك المشاعر أيضاً؛ فبالنسبة لبعض هؤلاء الأطفال، تلك هي أفكارهن الأخيرة، لذا أريدك أن تواجه تلك العواطف بشكل لائق. لا مزيد من المزاح. أطلب منك هذا بجدية، ومن أعماق قلبي.”
“كلا.” كان رد ويليم مقتضباً.
وتابع بحزم: “… إذا كان من المفترض أن يكون الحب والرومانسية شيئاً رائعاً، فكيف يمكن لعلاقة عابرة مؤقتة في مكان ضيق كهذا أن تساعد؟ ريغول آير واسعة، وهناك حفنة من الرجال المذهلين الآخرين. إن التصرف والعمل كأب يعني أن يأتي يوم يختطف فيه أحد هؤلاء الرجال بناتك منك.”
لم ينظر ويليم يوماً إلى محيطه واضعاً ذلك في اعتباره، لذا فإن كل الرجال الذين عرفهم في ريغول آير كانت بشرتهم خضراء أو وجوههم تشبه الخنازير أو مغطاة بالحراشف. لا، انتظر، ربما كان الانشغال بالمظاهر والاختلافات العرقية مجرد حساسية عفا عليها الزمن منذ خمسمائة عام. في الواقع، كان هناك الكثير من الرجال الطيبين إذا حكم عليهم من خلال الشخصية وحدها.
ليختبر نفسه، تخيل سيناريو معينًا. ذات يوم، تأتي كوتوري مثلًا، وتعلن فجأة: “أنا في علاقة جادة”، ثم تُحضر معها إلى المنزل شابًا لطيفًا من عرق الـبوغارد. هل سيكون بمقدوره أن يباركهما بابتسامة في النهاية لو حدث ذلك؟
“جياه؟!”
“… أوه، أنا آسف. شعرتُ بتعطش طفيف للدماء هناك.”
“هـ-هذا لم يكن مجرد شعور طفيف !! لقد رأيتُ جدتي للتو وهي تلوح لي من ضفة نهر الموت!! ما الذي حدث بحق الجحيم؟!”
“حسناً، كنت أفكر فقط في أن غليك ورفاقه، رغم أن مظهرهم لا يوحي بذلك، هم في الحقيقة رجال طيبون، وفقط، كما تعلمين.”
“هناك حدود لمدى عدم الترابط في حديثك، أتعلم ذلك!!”
التفت فجأة لينظر من النافذة. كانت ليلة صافية وجميلة.
“أنا خارج. إذا كان لديكِ أي شيء آخر لتقوليه، فاحتفظي به لوقت لاحق.”
“هيي، إلى أين تذهب؟”
“ربما لأراقب النجوم. أوه، وسآخذ هذا المفتاح معي.”
لوّح بيده بكسل وغادر الغرفة.
“هاه؟ ماذا؟ انتظر، كيف حصلتَ على—؟!”
تظاهر بأنه لا يسمع الصرخات التي دوت خلفه.
*
أخرج سينيوريوس من المخزن.
كان هناك تلة صغيرة عند أطراف الجزيرة رقم 68. الرياح هادئة، الهواء نقي، وضوء النجوم ينسكب بنعومة؛ لقد كانت ليلة ملائمة تماماً. نزع ويليم القماش الذي يغطي سينيوريوس وعرّض النصل للرياح، ثم سمح لجرعة ضئيلة من الفينيوم بالتدفق داخلها. شعر بوخز في صدغيه، لكنه لم يكن كافياً لإثارة قلقه.
فـووم.
انبعث ضوء خافت من سينيوريوس.
تمتم قائلاً: “— تهيئة التعديلات.” ثم لمس إحدى الشظايا المعدنية القريبة من المركز.
تناهى إلى المسمع صوت ارتطام خفيف؛ فقد انفصلت الشظية عن النصل من تلقاء نفسها، وانزلقت عبر الهواء لتتوقف في مكانها على بُعد خمس خطوات تقريباً من ويليم. انبعث صوت معدني رنّان، يشبه صوت ضرب آلة الميتالوفون.
لمس قطعة أخرى، فانزلقت هي الأخرى في الهواء وتوقفت على مسافة بعيدة، ليتردد صدى صوت صافٍ بنغمة تختلف قليلاً عن سابقتها. ثم أخرى، فثانية، فثالثة.
كان السيف المقدس الأكثر عراقة، سينيوريوس، يتألف من واحد وأربعين قطعة إجمالاً، تتماسك معاً بفضل “عروق التعاويذ”. وعن طريق التحكم المباشر في تلك العروق، تمكن ويليم من تفكيك النصل بهذا الشكل وكشف كل مكون من مكوناته على حدة. في النهاية، لم يتبقَّ بجانب ويليم سوى شظية صغيرة من الكريستال كانت مخبأة داخل الشفرة، تحيط بها واحد وأربعون شظية تبعث ضوءاً خافتاً يشبه ضوء النجوم.
“حسناً…”
مرر يده على الكريستال وبدأ في تقييم الحالة التي كان عليها سينيوريوس. كانت تأثيرات مقاومة السموم واللعنات أعلى من المعتاد، وفي المقابل، تلاشت تأثيرات مقاومة الارتباك ورؤية التنانين تماماً تقريباً. كما أقلقه الارتفاع الملحوظ في مستويات “قاتل أنصاف العروق”. كان كل هذا نتيجة لطول فترة القتال دون تعديل، وتأثراً بمحفزات ساحة المعركة وعادات المستخدمين.
بعد ذلك، فحص كل المعايير؛ كانت الحالة في الواقع مزرية. ونظراً لطول المدة التي تعاملوا فيها مع السلاح عبر إرغام الفينيوم على التدفق عبر المقبض، تعطلت شتى أنواع الوظائف. كان هناك انسداد كبير في الفينيوم عند الجذر الفقري — خمس عُقد من مختلف الأحجام على كلا الجانبين. ثلاثة من العروق في تلك المنطقة انقطعت تماماً، أما بقية العروق فقد تضررت، وانخفضت كفاءتها بنسبة 30% في المتوسط.
“لقد أبليتَ حسناً أنت أيضاً، بقتالك هكذا طوال هذا الوقت.”
أفلتت ضحكة مريرة من شفتيه. نقر الكريستال بخفة بطرف إصبعه، وأرسل فيه قدراً ضئيلاً من الفينيوم. أضاءت الطاقة عرقاً كان غير مرئي من قبل، فجذب إليه إحدى الشظايا المعدنية، ليعود ذلك الرنين المعدني من جديد.
أرسل نوعاً مختلفاً من الفينيوم؛ فأضاء عِرقٌ آخر، وعزفت شظية أخرى نغمة مغايرة. ثم أخرى، فثانية. راحت الأضواء تتراقص واحداً تلو الآخر، وقفزت الأصوات مجتمعة. عروق التعاويذ التي كانت غارقة في سباتها تم تعزيزها، والشظايا المعدنية المنهكة امتلأت بالطاقة من جديد.
— شعر ويليم بوجودٍ خلفه.
“أهلا. مرحبا بعودتكِ، أيتها الهاربة،” نادى دون أن يكلف نفسه عناء الالتفات.
“… ماذا… تفعل؟”
دون أي نوع من التحية، وبّخه الدخيل الذي يقف خلف ظهره.
“ألا ترين؟ أجري صيانة لشريككِ.”
“هيي. لا يمكنك فعل هذا دون إذن من المستخدم المتوافق مع السلاح.”
“إدارة هذا المكان تقع ضمن مسؤوليتي. ومنحي الإذن لنفسي يجب أن يكون كافياً،” ثم ضحك بقهقهة.
“هذه الضحكة لا تليق بك.”
“همم، أتظنين ذلك؟”
“أحب تلك الضحكة الأكثر نعومة التي تصدرها دائماً بشكل أفضل.”
“همم… أ-أرى ذلك.”
كان ويليم قد ذكر سابقاً أنه يدرك مدى إعجاب الفتيات به، وكان قد استخف بمشاعرهن ببساطة عبر تبريرات عقلانية، متظاهراً بأنه لا يكترث حقاً. ومع ذلك، في تلك اللحظة بالذات، خفق قلبه بشدة.
“هيا. استمر في العزف.”
“العزف؟”
“لقد كنت تصدر موسيقى جميلة، أليس كذلك؟ رغم أن اللحن كان مشتتاً قليلاً.”
“لم أكن أؤدي عرضاً أو شيئاً من هذا القبيل.”
“إذاً اعتبره عزفاً في الشارع. لكنني لا أملك أي نقود.”
“… يا رجل، لقد حظيتُ بجمهور غريب الآن.”
أعاد تركيزه إلى الكريستال القريب منه.
جلست كوتوري خلف ويليم، وقد أسندت ظهرها إلى ظهره.
غووونغ، غووونغ— تردد الصدى الصافي مجدداً عبر التلال في سكون الليل.
“ما هذا الضوء؟”
“كل الكارليون هو بمثابة عالم مصغر، يتكون من مجموعة من أنواع كثيرة من التمائم، يربط بينها عروق من التعاويذ، ومختومة على شكل سيف. أنتِ تعرفين ما هي التمائم، أليس كذلك؟”
“لقد سمعتُ عنها.”
في العصر الحالي، كانت التمائم تُعتبر تحفاً وكنوزاً أثرية، بعد أن ضاعت طرق تصنيعها الدقيقة. كانت عبارة عن تأثيرات قوية لتعاويذ ومواهب محفورة على قطع صغيرة من الورق، أو السيراميك، أو حتى المعدن. ومن يحمل تلك القطع يستفيد من التعويذة المحفورة على ذلك الشيء الصغير. وحتى الآن، يتم استخراجها من السطح بين الحين والآخر، لذا فهي تتداول بشكل شائع بين الطبقات الثرية في ريغول آير.
“التي تطفو أمامكِ هي تميمة لمنع لسانكِ من الاحتراق عندما تشربين شيئاً ساخناً.”
“… هاه؟”
“بجانبها واحدة لمعرفة اتجاه الشمال في مكان تزورينه لأول مرة. والتي فوقها تمنع الكوابيس أثناء مرضكِ. ومن هناك، توجد واحدة لتجعلكِ بارعة في تقليد مواء القطط، وأخرى للتأكد من أنكِ لا تقصين أظافركِ بشكل جائر باستخدام شفرة لا تحوي فينيوم، وواحدة تجعل وجه العملة يظهر بنسبة ستين بالمئة من الوقت عندما تقلبينها.”
“تمهل، توقف قليلاً. هذا هو سينيوريوس، أليس كذلك؟ السلاح الأسطوري؟ وليس قائمة بأفضل مئة تميمة للحظ السعيد، صح؟”
“يحدث هذا مع الطعام أحياناً؛ هناك بعض الأصناف التي تكون جيدة إذا أُكلت منفردة، لكنكِ إذا أكلتِها الواحدة تلو الأخرى، فستصيبكِ بالمرض. لقد صُنع هذا السيف وفق المنطق ذاته؛ ضَع مجموعة من التمائم معاً واربطها بعروق من التعاويذ، وبعد تفاعلات معقدة وغامضة فيما بينها، تبدأ في إنتاج تأثيرات مختلفة تماماً. لا أعرف التفاصيل لأنني لست متخصصاً، لكن هذا ما قاله الرفاق في ورشة العمل المركزية.”
وتابع ويليم: “سينيوريوس، على وجه الخصوص، هو واحد من أقدم الـكارليون. وعلى عكس تلك التي أُنتجت لاحقاً في الورشة، سمعتُ أنه وُلد في ساحة المعركة نتيجة صدفة إعجازية. لهذا السبب يستخدم الكثير من التمائم التي تبدو وكأنها قطع غيار مرتجلة.”
“… آهـا…”
أدارت كوتوري رأسها، تتأمل التمائم الواحدة والأربعين، تلك الأمنيات الصغيرة الواحدة والأربعين.
“لم أكن أعرف ذلك. إنه سيف مقدس أسطوري، لذا اعتقدتُ أنه وُجد كهدية من الحكام أو شيء من هذا القبيل.”
“أجل، يؤسفني ذلك.”
كان البشر في ذلك الوقت بحاجة إليها للنجاة، فاستخدموا أي شيء أتيح لهم لتحقيق ذلك. الحرب كانت واقعاً قبيحاً، ومع ذلك، فقد اشتاقوا للجمال… لهذا السبب أطلقوا على رمز القوة الذي حققوه أخيراً اسم “كارليون”— أي السيوف المقدسة.
“أفهم ذلك. لقد استوعبت الأمر.”
صمتت الفتاة، بينما استمر هو في عمله. غلفت الأضواء والأصوات المعدنية الثنائي الصامت برقة.
“لقد تحدثتُ مع الضابط الأول قبل قليل،” قالت كوتوري بهدوء، بادئةً مناجاتها الخاصة. “لقد قال إنه إذا لم أشعر بالرغبة في فعل ذلك قبل أن يأتي اليوم الموعود، فلا يلزمني فتح البوابة إلى موطن الجنيات. قال إنني أستطيع المخاطرة بمصير الجزيرة رقم 15 بناءً على ما أملكه من عزم وقوة كامنة.”
“… أرى ذلك.”
“هل يمكنني حقاً أن أصبح أقوى؟”
“سأجعلكِ أقوى، حتى لو لم ترغبي في ذلك. هذه مسؤوليتي كمدير.”
“كنت أظن أنك ستقول ذلك،” اهتز ظهرها وهي تضحك ضحكة مكتومة. “إذاً سأقبل عرضك اللطيف وأخبرك بشيء ما: أنااا لا أريد أن أصبح أقوى!”
“انتظري. أليس هذا هو الجزء الذي يفترض بكِ فيه أن تدركي أنكِ كنتِ محاطة بالحب طوال هذا الوقت، وتبدئي بصدق في التعبير عن مشاعركِ بينما تنفجرين بالبكاء؟”
“… أنا صادقة بالفعل. أدرك ذلك أيها الأحمق.”
تظاهر ويليم بأنه لم يسمع تمتمتها. الآن أدرك كيف أصبح ذلك النوع من الرجال الذين سمع عنهم سابقاً؛ ذلك الذي “يخفي الأمر”. كان شعور الذنب أسوأ بكثير مما تخيله في البداية.
“— حسناً. إذاً، ما رأيكِ لو عدتِ حية من هذه المعركة، أعدكِ بأن أحقق لكِ طلباً واحداً. لنبدأ بهذا.”
“هاه؟” ردت بصدمة لثانية واحدة. “أنا… أنا لا أريد منك فعل شيء لي حقاً. وأعني، أنت تقول “أي شيء”، لكني أعلم أنك لن تفعل شيئاً كبيراً. مثلاً، لو قلتُ لك أن تتزوجني—”
“لا، شكراً،” قاطعها ويليم، مختصراً عليها الكلام.
“… أنا لستُ محبطة أو شيء من هذا القبيل، لكني أريد فقط أن أسمع أسبابك. لماذا؟”
“لأن هذا الأمر ليس ضمن نطاق الممكن بالنسبة لي. تماماً كما لو طلبتِ مني إعادة الموتى أو إبادة جميع الوحوش.”
“ماذا؟ أتقول إن هذا في نفس مستوى تلك الأشياء؟”
“بالتأكيد.”
من الطبيعي للأطفال في سن معينة أن يفتنوا بشخص أكبر سناً وموثوق به من الجنس الآخر في محيطهم. قد يصنف ذلك نوعاً من الرومانسية، لكنه أيضاً يشبه حمى مؤقتة ناتجة عن نقص الخيارات. ولذلك، من الواجب الطبيعي للبالغ أن يضع مسافة بينهما ويراقب الطفل حتى تنتهي تلك الحمى.
“على الأقل، كما تعلمين، حاولي مجدداً عندما تكبرين قليلاً.”
“لم يكن الأمر ليكون صعباً هكذا لو كان لدي—!”
الوقت— لقد قطع ويليم ما كانت ستكون كلمتها الأخيرة. “لديكِ وقت.”
ابتلعت كوتوري ريقها، فأكمل: “هذا هو الشيء الذي ستقاتلين من أجل كسبه. أليس كذلك؟”
“… لا أعرف ما إذا كانت الأمور ستسير بهذا الشكل.”
“لهذا السبب تذهبين للمعركة ولديكِ سبب يمنعكِ من الموت، حتى تعرفي. أتفهمين ما أعنيه؟ قد تتذمرين، لكني سمعتُ أن الجنود الذين لديهم خطيبات ينتظرنهم في المنزل لديهم معدلات نجاة أعلى. لقد رأيتُ بصدق رجالاً لديهم عزيمة كافية للبقاء على قيد الحياة بشرب الطين.”
“لقد تحطمت فرصتي في الحصول على خطيب قبل ثوانٍ قليلة، على أي حال.”
أحس بنظرتها الباردة تخترق ظهره. “أوه، حسناً، كما تعلمين. لا يمكنكِ السعي وراء مستقبل غير واقعي. أنا أقول إنكِ بحاجة لإيجاد حلم أكثر واقعية لنفسكِ.”
“أعتقد أن ما تقوله شنيع. إذا كنت تحاول دفعي للقتال من أجل مثال أعلى، فلا يمكنك إجباري على التفكير في الواقع.”
“… كان ذلك ذكياً.”
لم يجد ويليم ما يفعله سوى إطلاق ضحكة جافة. “اذهبي للمعركة ولديكِ سبب يمنعكِ من الموت”— بالطبع لم تكن هذه كلمات ويليم؛ لقد كان مجرد مستعير لكلمات شخص آخر، والمفارقة أنه بعدما قيلت له تلك الكلمات آنذاك، انتهى به المطاف باللجوء إلى هجوم انتحاري، ولم يعد أبداً إلى المكان الذي كان من المفترض أن يعود إليه. ورغم أنها ربما لم تدرك كل تلك التفاصيل، إلا أنها لاحظت مدى ضحالة كلماته أو شيئاً من هذا القبيل.
“أنا ذكية، لذا توقف عن معاملتي كطفلة.”
“كلا، لا يمكنني ذلك.”
“لماذا هذا هو الشيء الوحيد الذي تصر عليه بهذا العناد؟ يا للهول.”
تنهدت كوتوري بطريقة ناضجة بشكل غريب، ثم قالت:
“… الحلويات.”
“همم؟”
“لقد صنعتَ شيئاً في قاعة الطعام قبل عدة أيام. هل تعرف أي وصفات أخرى؟”
“أوه، حسناً، أعرف الكثير.”
“إذاً، هل يمكنك صنع كعكة الزبدة؟”
هـاه.
“من بين كل الأشياء، تطلبين هذه؟”
“هاه؟”
“لا، لا شيء.”
لم يكن الأمر أنه لم يتوقع ذلك؛ بل شعر بطريقة ما أن هذا هو المسار الذي سيتخذه الحوار.
“أعرف كيف أصنعها. لقد أجبرني معلمي على تعلمها. ومع أن شخصاً قريباً مني كان يصنعها بشكل أفضل مني بكثير، إلا أنني لم أخبزها بنفسي قط.”
“طالما أنك تستطيع صنعها، فهذا يكفي. في السابق، عندما كانت إحدى الفتيات الأكبر سناً تعود من قتال، كانت تلتهم كعكة الزبدة وتستمتع بمذاقها دائماً. ولكن بحلول الوقت الذي أصبحتُ فيه كبيرة بما يكفي لحمل السيف، كانت الكعكة قد أُزيلت بالفعل من قائمة التحلية، ولم يتسنَّ لي فعل الشيء نفسه. لذا، أرجوك.”
استنشق ويليم نفساً عميقاً.
حبس أنفاسه لبرهة، ثم زفرها بعمق. “أعتقد أنه ليس أمامي خيار آخر.”
استأنف ويليم العمل الذي بين يديه، وأنهى ضبط سينيوريوس. أعاد ضبط جميع مستويات المقاومة، تاركاً فقط مقاومة اللعنات أعلى قليلاً. كان من الآمن بما يكفي افتراض أن كوتوري لن تقاتل أنصاف عروق أخرى، لذا أعاد جميع مستويات “القتل” إلى وضعها الافتراضي. وبفعل ذلك، انتشر استقرار الوظائف الأساسية في جميع العروق القادرة على استيعابها.
نقر شظية الكريستال بطرف إصبعه. راحت القطع المعدنية التي كانت تطفو حولهما تنزلق عبر الهواء واحدة تلو الأخرى، متجمعة حول الكريستال. وكلما عادت قطعة إلى مكانها الأصلي، رنّ صوت وتر خافت. وما إن انتهى ذلك العرض القصير، حتى استعاد النصل الضخم شكله النهائي مرة أخرى. كان وزنه الثقيل راسخاً في يدي ويليم.
“حسناً، حسناً.. اتفقنا. سأجعلكِ تأكلين الكثير من الكعك حتى تصابي بحرقة في المعدة. أتفهمين؟ لذا، عليكِ أن تعودي.”
سلّم سينيوريوس إلى صاحبتها “الزائفة” الحقيقية.
“اترك الأمر لي،” قالت الفتاة وهي تبتسم.

تعليقات الفصل