تجاوز إلى المحتوى
النجم الساطع فوق السماء

الفصل 117

الفصل المئة والسابع عشر – الدوق فاليارد

اقتاد أحد الخدم ألدريان عبر ممرات عديدة، ولاحظ الأخير أثناء سيره الكثير من القطع الأثرية المعروضة، ومعظمها من الأسلحة والدروع التي تصطف على جانبي الردهات. وعندما وصل إلى غرفة الضيوف الفاخرة وجلس على الأريكة، تفحص المكان ليجده غص بالقطع النادرة من كل نوع.

استطاع ألدريان بفضل حواسه رصد آلية مخفية، استنتج أنها جزء من نظام دفاعي أو هجومي. وخلافاً للتشكيلات التي تعتمد على طاقة السماء والأرض، بدت الآليات هنا تعمل كقطعة أثرية عملاقة يتم تفعيلها ميكانيكياً دون الحاجة للطاقة. ذهل ألدريان من تعقيد هذه الآلية؛ فهي المرة الأولى التي يرى فيها شيئاً يختلف عن التشكيلات التي يصيغها بنفسه.

وبينما هو يتأمل في تلك المقتنيات، انفتح باب الغرفة ودخل قزم يرتدي ملابس غير رسمية. بدا الرجل في منتصف العمر، بشعر مائل للحمرة ولحية تصل لعنقه، مع بشرة سمراء وعضلات مفتولة تميز أبناء جنسه. لمح ألدريان آثار العرق على جلده ورائحة الأفران التي لا تزال عالقة به.

فكر ألدريان: دارفين فاليارد، لا بد أنه كان في ورشته قبل قليل.

ابتسم ألدريان مع اقتراب القزم الذي بادر بالحديث: مرحباً بك. أخبرني حراسي أنك تملك سيفاً من صنعي يحتاج للإصلاح. من فضلك، أخرج السيف لأتفحص الجزء المتضرر.

رد ألدريان وهو ينحني قليلاً بوقار: الدوق فاليارد، إنه لشرف لي أن ألتقي بك. تفضل، ألقِ نظرة على هذا السيف. أخرج السيف من خاتم التخزين وقدمه للدوق، الذي اتسعت عيناه ذهولاً بمجرد رؤيته.

تساءل الدوق وهو يضيق عينيه: هل أنت صاحب هذا السيف؟

أجاب ألدريان مختلقاً قصة لتغطية الأمر: نعم، لكني لست المالك الأصلي. أنا مقرب جداً من صاحبه الأول، السيد ألدري. لقد استلمته منه بعد أن نقله إليّ، وبما أنه تضرر، فقد أرشدني إليك لإصلاحه.

رمق الدوق فاليارد ألدريان بنظرة ملؤها الريبة والشك، وفكر في نفسه: هل يعقل أن يسلم ألدري سيفه الأكثر ثقة لهذا الشاب؟ أي نوع من العلاقات يدفع برجل مثله لفعل ذلك حتى لو كان السيف محطماً؟

وبعد برهة من التفكير، أومأ الدوق وأخذ السيف، ثم استله وتفحص الشفرة بعناية قبل أن يضخ طاقته فيه. ومع انتهاء الفحص، أعاد السيف لغمده وناوله لألدريان.

أوضح الدوق فاليارد بجدية: هذا السيف تجاوز مرحلة الإصلاح. رغم أنه يبدو بخير من الخارج، إلا أن داخله في حالة فوضى عارمة؛ فقد تدهورت بنيته الداخلية ومتانته لدرجة لا يمكن إنقاذها. ولحسن الحظ، فإن تقنيتي حافظت عليه متماسكاً ومنعته من الانهيار. الخيار الوحيد الآن هو صهره وتشكيل سيف جديد تماماً، لكن ذلك سيكلفك أكثر.

رفع ألدريان حاجبيه دهشة من فكرة أن السيف لا يمكن إنقاذه ويجب صهره. شعر بوخزة حزن؛ فهذا هو السيف الذي منحه إياه والده، وكان السلاح الوحيد الذي امتلكه حينها لإطلاق “ضربة النهاية”. كان يأمل في إصلاحه، لكنه أدرك الصورة الأكبر؛ فهو بحاجة لسلاح فعال وليس مجرد قطعة للذكرى.

استفسر الدوق فاليارد وهو يعقد حاجبيه: بالمناسبة، كيف وصل السيف لهذه الحالة؟ لقد صممت “سيف تنين النار” ليتحمل كامل قوة هجوم من رتبة الملك المنخفضة. هل واجه ألدري شخصاً ما في غابة الصمت الأبدي خلال سنوات ضياعه هناك؟

أجاب ألدريان: لا أعرف كل التفاصيل، لكن السيف كان محطماً بالفعل عندما عاد من الغابة، وذكر أنه قاتل أحداً من المفسدين وتضرر السيف أثناء المعركة.

ضيق الدوق عينيه وعلق: سمعت أن ألدري كان محاصراً في الغابة بسبب المفسدين. وبالنظر لحالة السيف، فلا بد أن المفسد الذي واجهه كان أحد ورثة الخطايا السبع المميتة. ألم يخبرك من كان؟

رد ألدريان محولاً دفة الحديث لموضوعه الأساسي: لا، لم يشاركني تلك التفاصيل. على أي حال، إذا لم يكن هناك سبيل لإصلاح هذا السيف، فأنا أطلب منك بصدق يا لورد فاليارد أن تعيد صياغته في سيف جديد، وسأتكفل بكافة تكاليف المواد.

درس الدوق فاليارد ألدريان لبرهة قبل أن ينقل نظره للسيف. وأردف: السيف هو امتداد ليدك. ولأصنع لك السيف المناسب، أحتاج لفهم تفضيلاتك وأسلوبك في القتال. وسيكون من الأفضل لو رأيت تقنية سيفك مباشرة، لأتمكن من اختيار المواد الملائمة لصناعته.

سأل ألدريان: إذن، أحتاج فقط لإظهار تقنيتي لك؟

أكد الدوق ذلك بالإيماء.

غرق ألدريان في التفكير للحظة: سيصبح هذا أوضح أثر لي كـ “السياف الغامض”، وأشعر أنه عاجلاً أم آجلاً، سيبدأ البعض في تتبع أثري. لكن ليس أمامي سوى مواجهة المتاعب القادمة؛ فالمهم الآن هو الحصول على سيف يمكنني استخدامه.

استفسر ألدريان: أين يمكنني إظهار تقنيتي؟

أجاب فاليارد: اتبعني.

قاد الدوق ألدريان لقاعة واسعة بجانب الورشة، تختلف عن تلك التي رآها عند مدخل القصر. وبمجرد وقوفهما في المركز، أضاءت الأنماط على الجدران وتحولت الغرفة إلى مادة بيضاء براقة، مما جعل القاعة تبدو كحجرة ضخمة ناصعة. أخرج الدوق سيفاً تنبعث منه هالة سلاح من ذروة رتبة السماء وناوله لألدريان.

طلب فاليارد: أرني تقنيتك. يفضل تلك التي تبرع فيها أو تستخدمها بكثرة في المعارك. لا تقلق بشأن تضرر المكان، فالمواد المستخدمة في هذه القاعة يمكنها تحمل هجوم من رتبة الإمبراطور المتوسطة.

رد ألدريان: سأريك نسخة مخففة منها، هل هذا مناسب؟

بدا الارتباك على وجه الدوق وسأل: هل تقنيتك بكامل قوتها تتجاوز هجوم رتبة الإمبراطور المتوسطة؟

أجاب ألدريان باقتضاب: نعم.

لم يدرِ الدوق إن كان الشاب يمزح أم يتكلم بجدية؛ فبالنظر لصغر سنه، يبدو من المستحيل وصوله لرتبة الإمبراطور. لكن ذلك لم يكن همه، فما يحتاجه هو تقييم أسلوب حركته وهجومه. فحثه على البدء موضحاً أن النسخة المخففة ستكفيه لاختيار السيف المناسب.

أومأ ألدريان ووجه نظره نحو نهاية القاعة. وضع يده على مقبض السيف، وركز وهو يتناغم مع السلاح، وبعد لحظة، أطلق “نية السيف” الخاصة به.

صُعق الدوق فاليارد، الذي تراجع لمسافة آمنة، من شدة نية السيف المنبعثة من ألدريان. وبشكل فطري، أنشأ حاجز طاقة، مستعيناً بصقله في رتبة الملك المتوسطة ليحمي نفسه من تلك الهالة الضاغطة.

فكر فاليارد بقلب متسارع: يا لها من نية سيف مرعبة! حدتها قوية لدرجة أنني أشعر بها وهي تقطع الهواء، وهو لا يزال في رتبة الإيرل المتوسطة فقط!

كان الشعور يشبه الطعن المتكرر بشفرات غير مرئية، مما جعل جلد الدوق يشعر بوخز شديد. ذهذهل الدوق؛ فأن يمتلك شخص في مستوى ألدريان نية سيف بهذا الحجم يجعله عبقرياً فذاً في فنون السيف. لقد رأى فيه إمكانات تضاهي كبار أساتذة السيف في القارة.

راقب فاليارد ألدريان باهتمام، لكن قشعريرة سرت في عموده الفقري عندما كشف ألدريان عن “إرادة السيف”. وفي الوقت نفسه، تفاعل خاتم التخزين الخاص بالدوق بشكل غريب؛ وعندما تحققه، صُدم برؤية جميع السيوف المخزنة بداخله وهي ترتجف بعنف.

نظر للدوق بدهشة بينما استل ألدريان السيف ونفذ ضربة قطرية. بدت حركة بسيطة، لكن في اللحظة التي أطلق فيها تقنيته، ارتجفت القاعة بأكملها، وانهار الفضاء نفسه، مخلفاً فجوة نحو الخلاء وكاد يتسبب في عاصفة مكانية. اندفعت الضربة نحو الجدار مع دوي هائل تردد صداه في الأرجاء، ورغم الفوضى، ظل الهيكل صامداً.

وبعد لحظات، توقف الارتجاف والتأم صدع الفضاء حيث سيطر عليه ألدريان ببراعة. وعلى بعد مئة متر، ظل أثر ضربة نحيف وطويل على الجدار؛ دليل واضح على القوة وراء تلك الضربة.

تأمل ألدريان النتيجة بتعبير راضٍ؛ فقد أراد اختبار “ضربة النهاية” خارج مجاله الخاص، ورغم استخدام سيف من رتبة السماء، إلا أن القوة كانت مرضية ويمكنها حتى إصابة صاقل في رتبة الملك المنخفضة. والتفت نحو الدوق فاليارد ليجده يحدق فيه وكأنه يرى وحشاً كاسراً.

التالي
117/158 74.1%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.