الفصل 105
الفصل المئة والخامس – العجوز في الظلال
عندما يبدأ الصاقلون في استيعاب طاقة السماء والأرض، تتكيف مساراتهم الحيوية والدانتيان مع المنهج الذي يتبعونه؛ فإذا سلك الصاقل النهج القويم، تتشكل طاقته وفقاً لذلك، وإذا اتبع نهج الشياطين، تُقالب طاقته لتصبح طاقة شيطانية، وهكذا دواليك.
هذا من أبجديات العلم وقاعدة مطلقة في عالم الصقل. أما إذا أراد المرء التحول من النهج القويم إلى نهج الشياطين، فعليه إعادة بناء الدانتيان والمسارات بالكامل لتستوعب الطاقة الجديدة. وهذا المسعى يتطلب موارد هائلة وإرادة حديدية؛ لأن تدمير الصقل يعني محو حصاد العمر من العمل الشاق. علاوة على ذلك، فإن فقدان الصقل قد يؤدي للموت، حيث يتهالك الجسد بسرعة دون طاقة تدعم وظائفه.
وماذا عن استخدام نوعين من الطاقة في آن واحد؟ الجواب بسيط: إنه أمر مستحيل. الطاقتان المتناقضتان ستحولان الجسد إلى ساحة معركة، مما يؤدي لإصابات مقعدة أو الموت قبل حتى إدراك الخطأ.
وإذا استطاع شخص ما فعل ذلك، فإنه سيقلب كل المبادئ المتوارثة منذ العصور القديمة. وهذا بالضبط ما شهدوه في ألدريان وهو يظهر طاقتين مختلفتين في كلتا يديه.
أمسكت يده اليسرى طاقة شيطان السماء، بينما نضحت يده اليمنى بطاقته الذهبية المعتادة. حطم هذا المشهد فهمهم للصقل، وتركهم على حافة الذهول. كيف تمكن ألدريان من تحقيق هذا الإنجاز؟
كادت عينا الزعيم ريو هيوك جاي تخرجان من محجريهما وهو يشهد هذه الغرابة. لم يستطع تفسير كيفية تحكم ألدريان في طاقتين مختلفتين. فبعد رؤيته يستوعب الكتاب المقدس ويطلق طاقة شيطانية، افترض ريو أن ألدريان قد اعتنق نهج الشياطين بالكامل.
بل وكان ريو يظن أن ألدريان سيضحي بصقله القديم وفاءً لما اتفقا عليه، وفكر حينها بإعجاب: هذا الرجل مستعد للتخلي عن صقله لتحقيق قدر الكتاب المقدس، يا له من رجل نبيل!
لكن عندما تجلت الطاقة الذهبية بجانب الطاقة الشيطانية، توقف عقل ريو عن العمل. تساءل للحظة إن كان للأمر صلة بالكتاب المقدس، لكنه استبعد الفكرة؛ فطاقة شيطان السماء تظل شيطانية في جوهرها، ولم تذكر السجلات التاريخية قط أن شيطان السماء امتلك نوعين من الطاقة.
شعر ريو بشيء من السخرية من نفسه لأنه تأثر بـ “تضحية” ألدريان المزعومة، واكتفى بالتنهد مفكراً: على أي حال، لقد وجد كتاب شيطان السماء خليفة له. وقرر الاستمرار في مراقبة تطور الأمور.
تأمل ألدريان في نفسه: طاقة شيطان السماء.. تبدو مطابقة لطاقتي تقريباً. أستشعر تشابهاً مع طاقتي الذهبية، لكن شيطان السماء أضاف طاقة سلبية لخاصته، مما منشئ هذه القوة. أما طاقتي الذهبية.. فتبدو أكثر أصالة؟
بدد ألدريان الطاقتين والتفت نحو الزعيم ريو هيوك جاي قائلاً: أيها الزعيم، هل تسمح لي بالانصراف؟ أود الارتاح بعد البقاء في حالة الاستيعاب لفترة طويلة. لم يصدق أن عاماً كاملاً قد مر في الخارج وهو يصقل، فقد أصبح الآن في الرابعة عشرة من عمره.
أجاب ريو هيوك جاي بارتباك: آه، نعم، بالطبع. لا بد أنك متعب، تفضل للراحة.
بينما كان ألدريان يمر بجانبهم، أرسل رسالة صوتية لبايك جي-مين: لنتحدث لاحقاً، إذا رغبتِ في ذلك. اتسعت عينا بايك جي-مين، ورسمت ابتسامة على شفتيها وهي تراقبه يرحل، يتبعه شين هاوتيان وإيلين وسيلفيا.
وبينما أدرك من في المعبد أن وحشاً قد ولد، كان العالم في الخارج لا يزال يحاول استيعاب ضخامة ما حدث.
—
في مدينة القرمز، كان رجل عجوز منحني الظهر يشق طريقه وسط الزحام متكئاً على عصاه. تجاهل أحاديث الناس حول الأحداث الغريبة الأخيرة، رغم أنه استشعر تلك الظاهرة المرعبة؛ قوة جعلت قلبه يرتجف. كان الضغط يشبه الابتلاء السماوي، واستشعر غضب الغيوم السوداء وكأن السماء حانقة على شخص ما.
لم يفهم تماماً ما حدث، لكنه اعتبره خبراً جيداً وفرصة طال انتظارها للتحرك. خرج هذا العجوز، وهو قاتل من رواق الظلال الرعدية، من الظلال بعد العثور على هدف مثير للاهتمام. وصل لمدينة القرمز منذ أشهر، متتبعاً أثر ألدريان.
تحرك بحذر ودقة شديدين. وبصفته قاتلاً في رتبة الإإمبراطور، ضمنت قدراته ألا يكتشفه من هو دونه في الرتبة، وحتى من هم فوقه سيجدون صعوبة في تحديد مكانه. وبإخفاء هالته وسط الزحام، كان واثقاً من عدم شعور أحد بوجوده، وهو ما أثبته بتسلله للمدينة دون أن تلحظه حديقة الزهور أو طائفة اختراق السماء.
ومع ذلك، كان يعلم خطورة الاستهانة بالطوائف الثلاث الكبرى. وبعد تعقب تحركات ألدريان لأشهر، استنتج أن موقعه الأخير داخل طائفة اختراق السماء. كان مكاناً خطيراً حتى لخبير في مستواه، وأي خطوة خاطئة قد تكلفه حياته.
بعد تريث، قرر استغلال الفوضى التي سببتها الغيوم السوداء للتسلل إلى الطائفة دون أن يلحظه أحد. وبالفعل، اختفى من وسط الحشود دون ترك أي أثر.
—
ظلت الأحداث التي هزت القارة موضوعاً للحديث حتى ساعة متأخرة من الليل. كانت السماء مظلمة ومزينة بالنجوم والقمر. داخل غرفته الخاصة في الطائفة، كان ألدريان يرتاح مغمض العينين. لم يكن يصقل في تلك اللحظة، بل ترك جسده وعقله يتعافيان بعد عام من الاستيعاب؛ فلا يزال مندهشاً من فرق التوقيت بين “الخلاء الأبيض” والعالم الخارجي.
بعد عودته للغرفة بفترة وجيزة، غلبه النوم بعمق، مما يبرز مدى الإجهاد الذي نال منه. كانت آخر مرة نام فيها بهذا الشكل في مدينة بالين. ورغم استيقاظه الآن، أبقى عينيه مغمضتين مستمتعاً بلحظة الاسترخاء قبل تقييم مكاسبه. وبينما هو مستلقٍ، استشعر اضطراباً خفيفاً في محيط الطائفة.
—
تحرك العجوز عبر الظلال وكأنه جزء منها. اختفت هيئة العجوز المنحني وحلت محلها بنية عضلية قوية لرجل يرتدي رداءً أسود وقناعاً يخفي وجهه. كانت تحركاته سريعة وصامتة، لا يشي بأي صوت عن وجوده.
عندما وصل للسور الخارجي للطائفة، توقف فوق شجرة عالية تضيء أغصانها أشعة القمر. وبدأ يخطط لخطوته التالية للدخول والخروج بدقة. وبينما هو يهم بالتحرك، استشعر فجأة وجود شخص ما.. شخص ظهر فوقه، عائماً في الهواء.
قال صوت من الأعلى: حسناً، يبدو أن هناك جرذاً يحاول التسلل.

تعليقات الفصل