تجاوز إلى المحتوى
النجم الساطع فوق السماء

الفصل 101

الفصل المئة وواحد – اللوح الحجري

أضاءت خيوط الشروق أراضي الشياطين، ملقية بظلالها المهيبة حول طائفة اختراق السماء. كان المشهد يأسر الألباب؛ حيث تناثر الألماس المتوهج في الأرجاء، مانحاً الطبيعة سحراً يدفع المرء للتأمل في أسرار الوجود، وهذا تماماً ما كان يفعله ألدريان في تلك اللحظة.

جلس ألدريان متربعاً فوق منحدر يطل على الطائفة، غارقاً في جلسة استيعاب وتأمل. قضى ساعة كاملة في هذه الوضعية، يستشعر تدفق الطاقة وكثافتها بوضوح، ويدرك كل عنصر يسبح في الهواء. ما كان يلمسه ألدريان لم يكن متاحاً لغيره، مما أتاح له بناء صلة عميقة مع الطبيعة والكون.

مع كل يوم يمضي، تزداد قوة صقله، ويزداد معها تحكمه في الطاقة المحيطة به. فداخل مجاله، صار بمقدوره التلاعب بالطاقة بغير عناء، موجهاً إياها بإرادته المحضة، بل وإيقاف تدفقها تماماً إن أراد. هذه القدرة كانت تتسم بقوة مذهلة؛ فلو وجد أعداؤه أنفسهم داخل مجاله، فسيحتاجون لصقل في رتبة الدوق الأكبر على الأقل لمحاولة امتصاص الطاقة بالقوة، وحتى حينها سيكون الأمر شاقاً للغاية.

لم يدرك ألدريان بعد المدى الكامل لقوة مجاله، وكان يكشف أسراره تدريجياً. وفي هذا الوقت، كان قد رسخ مجاله في هذا المكان، مستمتعاً بعملية فهم كل تفصيل جديد داخله. ثمة مكان جذب اهتمامه بشكل خاص فوق إحدى القمم؛ كان يقع الآن داخل مجاله، وما ميزه هو خيط قدري قوي مرتبط بذلك الموقع. هناك، انتصب مبنى أحمر بطراز عتيق وهالة مهيبة: “معبد شيطان السماء”.

لم يكن بحاجة لمن يخبره عن ماهية هذا المكان، فقد انجذب إليه فطرياً، مستشعراً خيطاً من الأقدار يربطه بشيء يتجاوز المادة. قطع جلسة تأمله حين استشعر اقتراب رفاقه يتبعهم ريو دونغ غون. وقف والتفت إليهم وقال بصوت واثق: لننطلق.

ساروا معاً نحو معبد شيطان السماء، الذي يتربع فوق جبل يشبه عموداً عملاقاً بقمة مسطحة. صعدوا عبر سلم دائري طويل، إذ كان الطيران نحو المعبد بأي وسيلة أمراً محظوراً. وبعد مسيرة طويلة، وصلوا أخيراً إلى المعبد العظيم. وأمامه امتدت ساحة واسعة تكفي لآلاف الأشخاص. ولسبب ما، تسارعت دقات قلب ألدريان؛ فقد ساوره إحساس بأن شيئاً ما هنا سيغير مساره في المستقبل.

خارج المعبد، كان زعيم الطائفة ريو هيوك جاي ينتظر بالفعل مع بعض الشيوخ العظام. ربت ريو هيوك جاي على كتف ألدريان قائلاً: ألدريان، كيف حالك اليوم؟ آمل أنك مستعد لحدث اليوم، فأنا أثق بك.

فكر ألدريان في نفسه: أنت تثق في إشارات الكتاب، وليس في شخصي.

حثهم ريو هيوك جاي على التحرك وهو يخطو بثقة نحو الأبواب الحمراء المزدوجة الضخمة: دعونا لا ننتظر أكثر، اتبعوني وسأريكم حقيقة كتاب شيطان السماء. لاحظ ألدريان التشكيلات المعقدة المنقوشة على الأبواب؛ واستطاع القول بيقين أنها التشكيلة الأكثر تعقيداً التي واجهها على الإطلاق.

ضخ ريو هيوك جاي طاقته، لتضيء التشكيلة ويتردد صدى ميكانيكي لفتح البوابة. انفتح الباب العملاق كاشفاً عن قاعة فسيحة بها تسعة أعمدة عملاقة. في منتصف السقف، وجدت ثلاث نقوش: رمز ضوئي يمثل شيطان السماء في المركز، يحفه تنين وزهرة من الجانبين. تبادر لذهن ألدريان فور رؤيتها “الكتب الثلاثة لشيطان السماء”.

في نهاية القاعة انتصب المذبح. وقف ريو هيوك جاي أمامه بتعبير مهيب، ثم انحنى بتبجيل وتبعه بقية الصاقلين. تمتم بصوت خفيض: نحن هنا لنؤدي دورنا تجاه الشخص المختار. نهض وجرح طرف إصبعه، مسقطاً قطرة دم على الرمز في مركز المذبح. أضاء الرمز، وارتجفت الأرض كاشفة عن آلية مخفية، ليرتفع لوح حجري كبير أمام أنظار الجميع.

أعلن ريو هيوك جاي بمهابة: ألدريان، أقدم لك كتاب شيطان السماء. نقش صاحب هذا الإرث تقنيات صقله وحكمته في مسيرته على هذا اللوح، ليأتي من بعده من يستوعبها.

استأذن ألدريان في القراءة، فتنحى الزعيم جانباً. وقف ألدريان أمام اللوح المليء بجمل غنية بالبصيرة الفلسفية. قرأ بتركيز تام حين انجذب لأسطر معينة تعلو البقية:

إن وجدت هذا الفصل خارج مِــركْـز الروايات فهو مسروق بالكامل.

_ نهج الكون هو نهج الأقدار العليا

_ نهج الطبيعة هو نهج الأقدار العليا

_ وثاق الجزاء هو رابط المصير

_ للأقدار سننها، ولي سنتي الخاصة

_ إن تخلت عني الأقدار، سأتركها

_ إن حاربتني الأقدار، سأحاربها

_ المصير هو ما أصيغه بيدي

فجأة شعر بشيء يستقر في عقله، وردد في نفسه:

أنا مرتبط بالكون الفسيح..

أنا مرتبط بعظمة الطبيعة..

كل هذا هو جزائي وقدري الخاص..

بينما كان ألدريان يردد هذه الأسطر، انتقل عقله فجأة إلى عصر سحيق. وجد نفسه في مكان مجهول يكسوه البياض التام، وكأنه داخل عالم من النقاء المطلق. بدأ يسير دون وجهة محددة، ومع كل خطوة، شعر وكأنه اختبر هذا المكان من قبل.

بعد مسيرة ليست بقصيرة، صادف جناحاً صغيراً وسط هذا البياض الشاسع. وداخله جلس شاب وسيم بشعر أسود وعينين حمراوين. تعرف عليه ألدريان فوراً، فقد التقى بهذا الرجل من قبل بشكل غير مباشر.

همس ألدريان في نفسه: إنه الرجل الذي رأيته في رؤياي.

التالي
101/158 63.9%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.