الفصل 1
الفصل 1: حيث بدأ كل شيء
الحياة تدور حول اللحظات التي أفسدنا فيها كل شيء، وهذه لحظتي
استيقظت فورًا على صوت شخص بدا وكأنه يستخدم ميكروفونًا، وحين فتحت عيني واكتشفت أن الشاشة خلف المتحدث كانت تعرض وجهي، لم يفعل ذلك سوى أنه فضح ارتباكي
بعد بضع ثوانٍ من التشوش واستعادة ذهني لتركيزه، تذكرت أن بروفيسوري كان يقدم اليوم عرضًا لأطروحته، وأن المتحدث على المنصة كان هو، ويبدو أنه كان غاضبًا جدًا لأن أحدهم نام أثناء عرضه، بينما كان أساتذة مرموقون وأشخاص نافذون في المجال يصغون إليه
نظر إلي البروفيسور، وعرفت تلك النظرة جيدًا، كانت نظرة شخص يريد إذلال من أزعجه أو أثار غضبه، وبالفعل كنت ذلك الشخص، لأنه بعد ثوانٍ قليلة ناداني وقال “سيدي، بما أنك قادر على النوم، فهذا يعني أنك ملم بهذا الموضوع ولا تحتاج إلى الاستماع إلي، فلماذا لا تشرح هذا الجزء”
‘أنا في ورطة’ هذا ما فكرت به، لكن بما أنني لا أستطيع الهرب، فمن الأفضل أن أبذل كل ما أستطيع وأن أنجو، فأنا في ورطة على أي حال، فما الذي أخشاه؟
…
كان البروفيسور روتيم يغلي من الغضب حين اكتشف أن أحد الحاضرين قد نام في يوم كان يستعد فيه لترك بصمة في تاريخ قطاع التكنولوجيا
وعندما دقق النظر، تذكر أنه واحد من أولئك الطلاب الفقراء الذين يحضرون إحدى محاضراته، وكان يتذكرهم لأنه اختار قبولهم من أجل رفع سمعته بصورة إيجابية
لذلك قرر أن يلقنه درسًا اليوم ويضعه في مكانه، بما أن ذلك الفتى اختار النوم في يوم عرضه، وكان واثقًا أن الأمر لن يضره بشيء، لأنه بعد الأطروحة التي كان يعرضها سيحصل على أفضل سمعة ممكنة داخل المجتمع التقني
“هل يمكنك أن تقف…. أنت…. نعم، أنت الذي كان نائمًا… قف” قرر أن يشدد على كونه كان نائمًا، حتى إذا عاد الناس في المستقبل إلى هذه اللحظة التي ستدخل التاريخ، سيعرفون سبب قراره بإذلاله، فبما أنه نام في لحظة ستدخل التاريخ، فالجميع سيقفون إلى جانبه على أي حال، لأن الناس عادة يتبعون الناجح، وهذا يعني أن سمعته لن تتضرر بأي شكل، بل قد ترتفع أيضًا، إذ قد يبدو كأنه يكره الكسالى أو شيء من هذا القبيل، أيًا يكن!!!
وبينما كان البروفيسور ينظر إلى طالبه الذي ما زال مشوشًا حتى الآن، قرر أن يزيد بؤسه بجعله يجيب عن سؤال كان يمثل الركيزة الأساسية لعرض الأطروحة اليوم
“بما أنك قادر على النوم، فهذا يعني أنك تعرف أكثر منا جميعًا هنا، هل تمانع في شرح هذا الجزء” قالها وهو يشير إلى أصعب جزء في العرض بابتسامة متعالية، منتظرًا من طالبه، الذي لم يهتم أصلًا بمعرفة اسمه، أن يحرج نفسه
وبينما كان ينتظر من الطالب أن يحرج نفسه، سمع شيئًا لم يتوقع أبدًا أن يسمعه اليوم “هناك خطأ هناك”
“ماذا!!!” تفاجأ بسماع ذلك، لكنه هدأ بعد أن تذكر أن من قال هذا لا يزال مجرد طالب، بل ومن كان نائمًا حتى قبل دقائق قليلة
“يبدو أنك ما زلت ناعسًا، لذا اجلس” قرر أن يجعله يجلس حتى لا يحرج نفسه ويلطخ لحظته التاريخية، لكن الطالب لم يجلس، بل واصل الحديث “لا يا سيدي، هناك خطأ فعلًا…” ثم تابع شرح مواضع الأخطاء
أصاب شرح الطالب البروفيسور بالرعب، إذ كان يرى سمعته تنهار ثانية بعد ثانية، لأن الخطأ كان واضحًا جدًا، لكن سبب فواته على معظم الناس هو أنهم لم يتوقعوا خطأ بهذا الوضوح من بروفيسور يملك سمعته
…
“أخرجوه” صرخ البروفيسور في رجال الأمن كي يطردوني من المؤتمر، لكن ذلك لم يفعل شيئًا سوى إثارة الفوضى داخل قاعة المؤتمر، إذ لم يتوقع الناس أن يكون ذلك الخطأ قد مر فعلًا على هذا العدد من المراجعين حتى جرى اعتماده للعرض
والسبب في أن الخطأ فات معظم الناس هو أن عائلة البروفيسور كانت نافذة، وعندما أقول نافذة فأنا أعني ذلك، لأن الاسم الكامل للبروفيسور هو إيلي يهودا روتيم روتشيلد، لكنني لم أكن أعرف ذلك في ذلك الوقت
ولأنني لم أكن قد استعدت وعيي تمامًا، واصلت التمتمة، إذ لم أكن أعلم أن حياتي العادية انتهت في اللحظة التي بدأت فيها الكلام
توقفت تمتمتي لأن مجموعة من رجال الأمن أمسكت بي وحملتني إلى الخارج، وفي تلك اللحظة فهمت أنني ورطت نفسي حقًا
…
مرت أسبوعان منذ ذلك اليوم، وقد أخذ البروفيسور إجازة لمدة شهر ليتعافى نفسيًا من التوتر، لكن لم يكن مسموحًا لي بأي شيء من هذا لأنني لست بروفيسورًا، لذلك واصلت الذهاب إلى الجامعة كأي طالب عادي في سنته الأخيرة، ولم يبق له على التخرج سوى نحو 3 أسابيع
كنت في الحرم الجامعي اليوم لأقدم أطروحة التخرج حتى أتمكن من التخرج، فكل الامتحانات انتهت وصدرت نتائجها، والشيء الوحيد الذي يفصلني عن تخرجي هو الأطروحة التي أنا في طريقي لتسليمها
…
بعد تسليم الأطروحة وعودتي إلى المنزل في ذلك اليوم، لم يكن لدي ما أفعله معظم الوقت، إذ كان علي الانتظار حتى يكتمل التقييم ويُحدد لي موعد لأدافع عن أطروحتي
…
بعد أسبوع من تسليم التقرير، تلقيت رسالة إلكترونية من الجامعة، في البداية ظننت أنها مجرد رسالة عن موعد مناقشة أطروحتي، لكن عندما فتحتها وجدت مفاجأة لم أتوقعها إطلاقًا، لقد كانت رسالة من…
[
الموضوع: دعوة إلى اجتماع اللجنة التأديبية – اتهام بسرقة الأطروحة والانتحال
عزيزي آرون،
أكتب إليك لإبلاغك بأنه تم تحديد موعد لاجتماع اللجنة التأديبية لمناقشة الادعاءات الخطيرة المتعلقة بسرقة الأطروحة التي وُجهت إليك، وسيُعقد الاجتماع في 12 مايو 2013، الساعة 10:45، في مبنى كلية الهندسة
إن ادعاءات السرقة مسألة خطيرة للغاية، ونحن نتعامل معها بمنتهى الجدية، وبصفتك عضوًا في مجتمعنا الأكاديمي، فمن المتوقع منك أن تحافظ على أعلى معايير النزاهة الأكاديمية، ونحن نتفهم أن هذه قد تكون فترة صعبة بالنسبة لك، لكن من المهم أن تتعاون مع التحقيق لمساعدتنا على الوصول إلى نتيجة عادلة ومنصفة
في اجتماع اللجنة التأديبية، ستتاح لك الفرصة لعرض روايتك والرد على الادعاءات الموجهة إليك، ونطلب منك الحضور في الوقت المحدد وأن تكون مستعدًا لتقديم أي معلومات أو أدلة تعتقد أنها قد تكون ذات صلة بالقضية
يرجى ملاحظة أنه إذا لم تحضر اجتماع اللجنة التأديبية، فقد يُتخذ قرار استنادًا إلى الأدلة المقدمة إلى اللجنة، ونحن ننصحك بشدة بحضور الاجتماع لتجنب أي عواقب سلبية
إذا كانت لديك أي أسئلة أو مخاوف بشأن اجتماع اللجنة التأديبية أو الادعاءات الموجهة إليك، فلا تتردد في التواصل معنا، نحن هنا لدعمك ومساعدتك على تجاوز هذه العملية
مع أطيب التحيات،
[جوليان ليني]
[اللجنة التأديبية]
[جامعة كولومبيا]
]
شعرت بالرعب لا بالدهشة، لأنني أعرف أن هذا غير صحيح، فقد استخدمت 5 برامج مختلفة لفحص الأطروحات ولم أجد شيئًا يشبه أطروحتي، لذلك كنت أعلم أن الأمر لا بد أن يكون خطأ أو مؤامرة، وإلا فأنا في ورطة كبيرة
…
كتبت ردًا لأبلغهم أن هناك خطأ محتملًا، لكن يبدو أن الأمر ليس كذلك، لذا جهزت نفسي لاجتماع اللجنة التأديبية بعد 4 أيام
وعندما جاء اليوم، ذهبت إلى مكان الاجتماع فوجدت 4 بروفيسورات ينتظرونني ليبدأوا، وما إن وصلت حتى شرعوا فورًا
كان الاجتماع منحازًا بوضوح إلى اتجاه واحد، وحتى عندما دافعت عن نفسي، بدا أن كلامي يدخل من أذن ويخرج من الأخرى بلا فهم ولا محاولة للفهم
بحلول الدقيقة 45، أصبح واضحًا لي أن النتيجة كانت محددة مسبقًا قبل أن نبدأ أصلًا
واستمر الاجتماع، لكنهم واصلوا اتهامي من دون الاعتراف بأدلتي لأن لديهم أدلتهم الخاصة
لكن الغريب أنهم كانوا يملكون فعلًا أدلة تحمل تواريخ تعود إلى 7 سنوات ضمن الأطروحات التي اتهموني بانتحالها، وبعضها كان أحدث، لكنني كنت واثقًا أن هذه الأطروحات لم تكن موجودة حتى قبل بضعة أيام، فكيف وجدوا أدلة تقول إنني انتحلتها وهي لم تكن موجودة أصلًا؟
يبدو أن أحدهم استهدفني، ورغم أنني لا أعرف من هو، فإن لدي بعض الشكوك، لكنني لا أستطيع الجزم لأنني لا أملك أي دليل
بعد انتهاء اجتماع اللجنة، أبلغوني أن قرارهم سيُعلن بعد 3 أيام، وأن علي الانتظار
غادرت إلى السكن لأرتاح، لكنني شعرت بالحزن بسبب ما يحدث لي، ومع ذلك كان علي أن أنتظر قرار اللجنة قبل أن أفعل أي شيء
…
كان يومًا ربيعيًا دافئًا، وكان حرم جامعة كولومبيا ينبض بالحماس، فقد اجتمعت العائلات والأصدقاء للاحتفال بتخرج دفعة 2010 التي تتخرج في 2013، وبين بحر من العباءات والقبعات كان آرون، شابًا يمتلئ بالغضب والحزن وخيبة الأمل
وعندما وقف بين الحشود ونظر إلى أصدقائه بعباءاتهم وقبعاتهم، لم يستطع آرون إلا أن يفكر في الرحلة التي أوصلته إلى هذه اللحظة، فقد مرت 4 سنوات منذ أن وطأت قدماه الحرم الجامعي لأول مرة، ممتلئًا بالأمل والعزم على الاستفادة من تجربته الجامعية إلى أقصى حد، والآن ها هو يقف على أعتاب فصل جديد من حياته، وبيده إشعار طرد، بينما العالم القاسي ينتظره
لم يستطع آرون منع جسده من الارتجاف غضبًا حين تذكر كيف حُرم من التخرج في يوم التخرج نفسه، لأنهم ظلوا يؤجلون إعلان قرارهم، حتى اليوم الذي سبق يوم التخرج، وعندها فقط أخبره البروفيسور بقرارهم
وكان القرار عبثيًا إلى حد لا يصدق، كانت تلك أول مرة يرى فيها أحدًا يُطرد عبر رسالة إلكترونية، ما هذا؟ بريد إلكتروني!!!!
أما السبب الذي أعطوه له فكان استخدامًا واضحًا لمواد منتحلة دون الإشارة إليها كمصادر، ما هذا؟ كيف يفترض بي أن أعرف أنني انتحلت شيئًا وأنا لا أعرف حتى أنه موجود، بعدما استخدمت 5 برامج لفحص الأطروحات ولم أجد شيئًا يشبه أطروحتي؟
لكن الغريب هو كيف تمكنوا أصلًا من العثور على كل تلك المعلومات في هذه المدة القصيرة، يبدو أن هناك من يحاول تخريب حياتي الصعبة أصلًا، لكن من قد يرغب في فعل ذلك بي؟

تعليقات الفصل