تجاوز إلى المحتوى
WorldEnd/ نهاية العالم| ماذا تفعل عند نهاية العالم؟ هل أنت مشغول؟ هل ستنقذنا؟

الفصل 6 : الغابة السماوية -حلم لَيلَةِ أواخر الخريف-

في الغابة السماوية

-حلم ليلة أواخر الخريف-

1. مُديرٌ هش.

ما أكون؟

منذ زمن بعيد جداً، عاش ويليم في دار للأيتام، وهناك التقى بمعلمه. كان معلمه هو من رباه، وعلمه كل ما يحتاجه ليعيش، لكنه كان أيضاً رجلا بالغاً سيئاً للغاية. عادةً ما يتصرف من يدير داراً للأيتام كوالد للأطفال المجتمعين هناك، لكن معلمه ألقى بتلك المسؤولية عرض الحائط. وهكذا، أخذ ويليم الدور على عاتقه، بكل ما يحمله لقب “أبي” من معانٍ، وهو يُنادى به من قِبل أطفال كانوا في مثل عمره تماماً.

كان لمعلمه عادة سيئة في الشرب، وتمنى ويليم لو يتوقف عن سرد قصص سخيفة من قبيل: أتعلمون، لقد كنت بطلا شرعيا ذات يوم! ووجهه يزداد احمراراً في كل فرصة تسنح له. كان العجوز بالتأكيد أقوى من سائر البالغين، ويجيد التعامل مع السيف بشكل أفضل، وكان مطلعاً بشكل غريب على الكثير من الأمور، لكن الأيتام في ذلك الوقت اتفقوا جميعاً على أنه ليس من النوع الذي يصلح لأن يكون بطلاً و إنه يشبه أتباع الأشرار.

لقد كان مذنباً بارتكاب جرائم كثيرة جداً، لدرجة لا يمكن حصرها؛ كمحاولة استدراج للفتيات في البلدة، وقراءة كتب غير لائقة للأطفال الصغار، وعدم حلاقة شعيرات ذقنه المهملة رغم التوبيخ المستمر، و…

— والغياب عن المنزل في أكثر اللحظات حرجاً.

ونتيجة لذلك، عزم ويليم في قلبه الصغير على ألا يكبر أبداً ليصبح شخصاً بالغاً مثل ذلك الرجل.

على أية حال، من بين الإعلانات الكثيرة التي أطلقها معلمه، قال العجوز أيضاً:

قدّر نساءك حق قدرهن، فالرجال لا يمكنهم الهروب منهن أبداً.

واعتز بأطفالك أيضاً، فليس بوسع البالغين الانتصار عليهم قط.

و قوِّ نفسك أمام الفتيات الصغيرات؛ فمهما حدث، لن نكون أنا وأنت نداً لهن أبداً.

شعر ويليم حينها أنه لُقن شيئاً يثير القلق، وأراد تجنب ذلك إن استطاع. لكن الأسوأ من ذلك، ومثل كل شيء آخر قاله له معلمه، أصبحت تلك الكلمات التي قيلت منذ زمن بعيد جزءاً من لحمه ودمه الآن. وبسبب ذلك، ولا شكر على هذه النتيجة، لُحق بظلالٍ من الشبهة حول ميله للأطفال ذات مرة، ولكن… حسناً، كان يود نسيان تلك الحادثة إن استطاع.

__

كان عدم القيام بأي شيء أكثر راحة مما توقّع، وأيضاً أكثر إيلاماً.

عندما فكّر في الأمر، وجد نفسه قد عاش العام ونصف العام الماضيين وهو يشعر باستمرار بأن الوقت يطارده؛ ذلك لأن الوظائف التي تقبل العمال عديمي السمات كانت أجورها زهيدة للغاية، لذا كان يقبل بكل ما يُعرض عليه. كان يعمل من الصباح الباكر حتى وقت متأخر من الليل، وأحياناً حتى اليوم التالي. وسواء كان الوقت ليلاً أو نهاراً، كان ينام في فترات قصيرة ومتقطعة كلما سمح له الوقت.

لذا، كان مجرد النوم بعمق في سرير ناعم، ثم الاستيقاظ والتعرض لضوء الصباح، أمراً ممتعاً لا يوصف. ولكن في الوقت نفسه —وعلى عكس كل أوقاته السابقة حتى اليوم الذي مضى، حيث كانت قائمة المهام تلوح فوق رأسه دائماً— كان وضعه الحالي المتمثل في “مجرد البقاء هنا” أمراً شاقاً. ففي لحظة واحدة من الخمول، قد يعثر عقله على أشياء لا يريد قلبه تذكرها؛ كان من الصعب تذكر أشياء لا يريد التفكير فيها.

كان البقاء في هذا المستودع بحد ذاته يشعره بغرابة بعض الشيء؛ إذ كان هناك ما يقرب من ثلاثين طفلاً، جميعهن فتيات. تراوحت أعمارهن، لكن معظمهن كنّ بين السابعة والخامسة عشرة، وبدون استثناء واحد، كانت جميعاً يمتلكن شعراً زاهي الألوان. كانت الألوان غير واقعية، وكأنها قفزت من لوحة تجريدية، لكن الغريب هو مدى طبيعية مظهرها، وربما كان ذلك لأن شعورهن لم تكن مصبوغة.

بدا أيضاً أن الأطفال لم يعتادوا على التواجد حول البالغين أو الرجال، لذا فقد كانوا حذرين جداً تجاه ويليم ولم يظهروا وجوههم كثيراً. فكّر ويليم في نفسه قائلاً: “حسناً، ليس هناك الكثير مما يمكنني فعله حيال ذلك”. كان هذا سلوكاً طبيعياً للأطفال الصغار، وأولئك اللاتي حاصرنه في غرفته في اليوم الأول كنّ استثناءً. لقد اقتحم كيان غريب وضخم عالمهم الصغير المغلق فجأة، وبالطبع لن يتقبله الجميع بهدوء.

كان ويليم يشعر بوجودٍ ما أثناء سيره في الممر فيلتفت، ليرى ظهر طفلة صغيرة خائفة تركض هاربة بأقصى سرعتها. ومع تكرار ذلك مراراً، بدأ يشعر بالذنب حتى بسبب تجوله خارج غرفته. ومع ذلك، لم يكن هناك ما يفعله وهو محبوس في غرفته؛ فلم يحضر معه أي شيء يملأ به وقت فراغه، ولم يعد هناك سبب لتدريب جسده بعد الآن.

جلس على حافة النافذة وقضى الوقت يحدق في الخارج. بدا ذلك أمراً رائعاً، لكن لم تكن هناك طريقة تمكنه من قضاء الأشهر القادمة في فعل ذلك فحسب. ارتدى ملابس عادية وذهب في نزهة إلى وسط المدينة.

كانت هناك المئات من المباني الحجرية المصطفة على طول منحدر طفيف. كان للمكان سحر مختلف عن الانحلال الذي اتسمت به الجزيرة رقم 28؛ فقد كان ريفياً إلى حد ما. ما أدهشه أكثر هو أنه سار في الشوارع دون ارتداء رداء أو غطاء للرأس، مظهراً بوضوح أنه عديم السمات، لكن الناس الذين مروا بجانبه لم يبدُ عليهم الاهتمام على الإطلاق. دخل حانة وجبات خفيفة قريبة لتناول الغداء وطرح الموضوع مع صاحب المتجر.

“حسناً، هذا النوع من الكلام لن يوصلك لشيء هنا.”

أجاب المستذئب الشاب، الذي يغطي الفراء الكستنائي وجهه الكلبي، وهو يهز مقلاة فوق النار دون أن يلتفت خلفه. “لن تتوقف أبداً إذا بدأت في توجيه أصابع الاتهام لكل شخص يشبه بعض الأشرار القدماء. إذا كنت تريد توجيه أصابع الاتهام، فمن الأفضل أن تنظر بتمعن إلى الأشخاص الذين يفعلون أشياء سيئة الآن. حسناً، ليس هناك الكثير مما يمكن للمرء فعله إذا كان يعيش في مكان به الكثير من الأشرار والأشياء الفظيعة؛ أنا متأكد من أن الأمر يفوق طاقتهم أن يحصوا كل ما يريدون الإشارة إليه، لذا ربما اختاروا فقط الأشرار التاريخيين الذين برزوا أكثر من غيرهم. ثم تفعل المدينة بأكملها الشيء نفسه؛ ويصبح الأمر تقليداً. أود أن أقول إنك شخص مر بالكثير—نحن نأخذ الأمور ببساطة هنا.”

أرى ذلك، إذن هكذا تسير الأمور.

“وبما أنك غريب، فقد لا تعرف، لكنهم يعيشون بالقرب من هنا. عديمو سمات مرعبون، أكثر حتى من أولئك الـ إمنيتويث القدماء. يكفي أن تراهم يبتسمون مرة واحدة، وستنسى كل ما حدث منذ زمن بعيد. ستكون مشغولاً جداً بشكر حظك لأنك تعيش في هذا العصر.”

…أرى ذلك، إذن هكذا تسير الأمور.

بينما كان ينتظر طعامه، جلس ويليم بكسل على الطاولة، غير منتبه لما حوله، حتى اقترب وجه مألوف.

“أوه؟ إنه أنت…”

كانت تلك الفتاة ذات الشعر السماوي الصافي.

“أهلاً، كوتوري… أم…”

خلفها، كانت هناك فتاتان في مثل عمرها تقريباً. كنّ الثلاث الأكبر سناً بين جميع الفتيات اللاتي يعشن في المستودع؛ أو بالأحرى، كنّ في منتصف سن المراهقة ويحاولن كبر السن بأسرع ما يمكنهن.

“مهلاً، أليس هذا هو الرجل الوسيم الذي يتحدث عنه الجميع؟”

اندفعت فتاة ذات شعر ذهبي باهت وانحنت قريباً منه. “وماذا لدينا هنا؟ ترحب بـ كوتوري فقط باسمها—متى أصبحت علاقتكما بهذا العمق؟ هل يمكنني أن أسأل المزيد عنكما؟”

“توقفي.”

“حسناً، توقفت.” تراجعت الفتاة على الفور استجابة لنبرة كوتوري الباردة. “لا يوجد شيء يستدعي السخرية هنا. الأمر فقط… كيف أقول هذا…؟ صادف أننا التقينا قبل الجميع، وبالمصادفة، سنحت لنا الفرصة لتبادل الأسماء. هذا كل شيء.”

“هممم. إذا كنتِ تقولين ذلك، فحسناً، سأكتفي بهذا القدر.”

“أرجوكِ فعلي.”

“حسناً، سأفعل. حسناً، ضابط سحر المستوى الثاني ويليم، سأقدر لك لو تعلمت أسماءنا بالمرة. أنا الصاخبة، آيسيا، وهناك”—استدارت مشيرة إلى الثالثة في مجموعتهن التي كانت تجلس عند طاولة الزاوية، متظاهرة بأن لا علاقة لها بكل هذا—”التي تتصرف وكأنها تمضي في طريقها الخاص هي نيفرين. سُعدت بلقائك.”

“…هذه طريقة مبتكرة لتقديم أنفسكن، هاه؟ لست مضطراً لقول اسمي، أليس كذلك؟”

“حسناً، لقد فهمنا الأمر بشكل عام. أنت تحب أطباق اللحم الحارة، ولا تكره شيئاً بعينه لكنك لا تطيق صناديق غداء شعب السحالي، وتحب النساء الصبورات والأكبر سناً… صحيح؟”

أرى أن أولئك الأطفال قد نشروا المعلومات.

“…انتظري لحظة يا آيسيا. لم أسمع بأي من هذا من قبل.”

“هه-هه-هه. من يسيطر على المعلومات يسيطر على الجزيرة. التجسس المستمر اليوم هو طعام لذيذ غداً!”

“مهلاً، تعالي، أخبريني!”

بينما كنّ يدردشن بسعادة فيما بينهن، عادت الاثنتان إلى الفتاة الثالثة—نيفرين. لقد كنّ مجموعة صاخبة.

“ماذا، أنت تعرف الفتيات في المستودع؟”

اقترب المستذئب الكلبي ووضع وجبة الغداء على الطاولة. بطاطس مقلية، بقايا خضروات، لحم مقدد مقلي وسميك، رغيف خبز صغير، وحساء في كوب.

“أجل. بدأت العيش هناك بالأمس من أجل العمل.”

“هاه، تعيش في المستو… دع… هـ…”

عرف ويليم لماذا رأى الدم يهرب من وجه الشاب المغطى بالفراء الكستنائي.

“إيييييييييييه؟!”

تراجع المضيف بسرعة مذهلة. التصق بالجدار، وبدأت يداه وقدميه تتخبطان بحثاً عن شيء يتمسك به. “أ-أ-أنا آسف أرجوك لا تقتلني أرجوك لا تأكلني لدي خمس أمهات جائعات وحفيد طاعن في السن—”

…كان رد فعل غير متوقع. لكن ويليم استطاع بسهولة تخيل جذور هذا السوء في الفهم.

“أنا لست غولاً.”

“لا يزال هناك مال في صندوق المحاسبة، وأقسم أن لحمي صلب وليس— هاه؟ ماذا قلت؟”

توقف الشاب، وهو يرمش بعينيه الحائرتين. “قلت لك، أنا لست غولاً. أعلم أنه من الصعب التمييز بين عديمي السمات، لكنني لن آكلك.”

“و-ولكن… مستحيل أن تعيش تحت سقف واحد مع ذلك الوحش النهم إلا إذا كنت من نفس عرقها.”

“—لا تقل لي إنها أكلت أشخاصاً هنا في المدينة؟” قفز احتمال لم يرغب في التفكير فيه إلى ذهنه وهو يشاهد مدى رعب الشاب. إذا كان ذلك صحيحاً، فلن يكون الأمر جيداً بالنسبة له. كانت ريغول آير تحتضن كافة أنواع الثقافات المختلفة، لكنهم جميعاً يتشاركون القوانين ذاتها—اتحاد رائع. كانت تلك القوانين تنص على أن قتل أي كائن عاقل يعد جناية، بغض النظر عن عرقه. لم يكن يهم إن كان المرء غولاً—بل بالأحرى، خاصة إذا كان غولاً… كان من الممنوع عليهم أن يأكلوا كما يحلو لهم.

“لا، لم تفعل، ولكن…” تدلت أذنا الشاب. “منذ مدة قصيرة، كان هناك فرع لشركة من الأوركس (Orcs) الهمجيين هنا، كانوا يدعون (ذوي الفراء الأسود).”

“لا، لا تقل المزيد. أعرف كيف ستنتهي هذه القصة.” لا بد أن أولئك الأوركس قد ضايقوا الأطفال، فذهبت نايغلاتو إلى مكان تواجد القوم لتدمرهم. وعلى الأرجح، انتهى الأمر برؤيتها وهي مغطاة بالدماء وتضحك بجنون. لم يتفاجأ ويليم؛ بل استطاع تخيل ذلك بسهولة، فهي بالتأكيد الشخص الذي قد يفعل ذلك تماماً.

حسناً، في كلتا الحالتين، كانت نايغلاتو واحدة من منقذيه، ومن القلائل الذين يعرفون حقيقته، وهي حالياً زميلة عمل في نفس المنشأة. كان عليه أن يدافع عنها.

“حسناً، نايغلاتو ليست من النوع الذي يؤذي كل شيء وأي شيء. من السهل أن يساء فهمها… أو بالأحرى، أن يُشعر بالخوف منها بسبب الطريقة التي تتصرف بها. لكن في جوهر الأمر، هي فتاة طبيعية ومراعية للآخرين. إذا تجاهلت سرعة غضبها، ومدى سرعة ضربها لمن يزعجها، وسرعة انفعالها، ومدى رغبتها في أكل البشر، فلا يوجد ما يدعو للقلق بشأنها.”

في تسعين بالمائة من الحالات، عندما تبتسم وتقول: “هل يمكنني أكلك؟”، تكون مجرد دعابة. دعابة سيئة. على الأرجح لا تقول ذلك لأنها ستأكله فعلاً. لا يوجد سبب يدعو للقلق على الإطلاق. أما العشرة بالمائة المتبقية، فلم يكن ينوي التفكير فيها.

“أنت مذهل.”

لسبب ما، فقد نظر إليه بإعجاب.

“اسمح لي بمناداتك بالبطل*”.

عندما قال ذلك، أخفض ويليم رأسه بأقصى قدر يستطيع.

“من فضلك، لا.”

*كما قلت سابقا في الفصل الأول (أو ربما لم أفعل لأنني عدلت عليه ولا أتذكر)، فمن الآن فصاعدا سيتم استبدال كلمة brave _التي تظهر بالترجمة الإنجليزية_، بالبطل، لأنني أراها مناسبة أكثر.

نهاية الفصل

التالي
6/76 7.9%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.