تجاوز إلى المحتوى
صانع دمار العالم

الفصل 22 : التقييم العملي الأخير.

في ظلام الأقفاص الحديدية الباردة التي تفوح منها رائحة الصدأ العفن، كانت ‘زواحف الهاوية’ التي تتضور جوعاً.

هذه الكائنات البشعة، التي تشبه ذئاباً مشوهة تكسوها حراشف سوداء بدلاً من الفراء، كانت تخدش الأرضية الحجرية بمخالبها السامة، وتصدر هسيسًا متعطشاً للدماء. لقد حُرمت من الطعام لأيام، وتم وخزها بالرماح لزيادة هيجانها.

بالنسبة لهذه الوحوش، البوابات الحديدية التي ترتفع الآن ببطء لم تكن تعني سوى شيء واحد، وهو وجبة طازجة من اللحم البشري.

اندفعت الزواحف العشرة خارج الأقفاص بمجرد أن انفتحت البوابات، وتوجهت أعينها الحمراء المشتعلة نحو الفريسة التي تقف في منتصف الساحة الرملية.

لكن، ما وجدوه أمامهم لم يكن فريسة ترتعد خوفاً.

كان هناك جدار بشري يحمل درعاً عملاقاً، وخلفه فتى يمسك بنشاب سحري بيدين ترتجفان قليلاً، وفتى آخر يطفو في الهواء بملل شديد، وشاب ذو عيون باردة كعيني مفترس، يوجه قوسه الخشبي نحوهم مباشرة.

‘رائحة العفن والدماء الفاسدة… إنها تذكرني بشكل مثير للسخرية برائحة اللحم المحترق في مطاعم الشواء الرخيصة في حياتي السابقة.’

فكر زين وهو يضيق عينيه، محاولاً تشتيت عقله عن الرائحة المقززة التي تهاجم حواسه.

كان هذا هو التقييم العملي الأخير للأسبوع السابع.

عشرة من وحوش الهاوية ضد فريق مكون من أربعة متدربين. تقييم قاسٍ ومميت، وإذا انتهى التدريب، سيتم إعدام هذه الوحوش على أي حال، لذا فإن قتالها بيأس من أجل وجبتها الأخيرة جعلها أكثر خطورة.

“لوتيان، تولى أمر المقدمة!”

صرخ زين ببرود.

“لا تأمرني.”

تذمر لوتيان بصوت خافت، لكنه مع ذلك، حرك يده بكسل نحو السماء.

[ضربة ضوء القمر]

تجمعت المانا في الهواء، وتشكل عمود من الظلام البنفسجي الكثيف الذي هبط كصاعقة صامتة على مقدمة قطيع الوحوش المندفعة.

بوم!

ثلاثة من زواحف الهاوية سُحقت في جزء من الثانية، وتحولت إلى أشلاء تذوب في الرمال قبل أن تدرك حتى ما ضربها.

لكن الوحوش السبعة المتبقية لم تتوقف. الجوع غلب على غريزة الخوف، وتفرقت لتهاجم الفريق من زوايا مختلفة.

“أرغوس، كورين، حافظا على التشكيل! كورين، ركز على الأهداف التي يصدها أرغوس فقط!”

“مـ… مفهوم!”

صرخ كورين، وأحكم قبضته على نشابه السحري.

انقض أحد الوحوش بشراسة نحو أرغوس، محاولاً تمزيق وجهه بمخالبه الطويلة.

لكن المزارع الضخم لم يتزحزح قيد أنملة. بدلاً من ذلك، ضرب بقدمه الأرض بقوة، وانبعثت من جسده هالة ذهبية باهتة غلفت درعه البرجي بالكامل.

في هذا العالم، يجب التفرقة جيداً بين ‘المانا’ و’الأورا’.

المانا هي الطاقة السحرية الخام الموجودة في الطبيعة، والتي يسحبها السحرة مثل لوتيان أو يستخدمها كورين لتشغيل نشابه، ويشكلونها في تعاويذ خارجية مدمرة.

أما الأورا، فهي تلك المانا بعد أن يتم امتصاصها وصقلها داخل الجسد، لتتحول إلى طاقة حياة داخلية تعزز العضلات، العظام، والأسلحة الملامسة للجسد، وهو المسار الذي يسلكه الفرسان والمقاتلون أمثال أرغوس وإيفيلين.

كلاااانغ!

اصطدم الوحش بالدرع المغلف بالأورا، وارتد للخلف بقوة وكأنه ضرب جداراً من الفولاذ الصلب. لم يُحدث أي خدش.

“الآن يا كورين!”

“خـ… خذ هذا!”

ضغط كورين على الزناد. انطلق سهم سحري مضغوط بالمانا من النشاب، وبما أن الوحش كان في حالة ارتداد واختلال توازن، اخترق السهم جمجمته بدقة، ليُسقطه ميتاً على الفور.

‘عمل جيد. لقد بدأوا يعتادون على أدوارهم.’

ابتسم زين برضا، لكنه لم يبق متفرجاً.

وحشان حاولا الالتفاف حول الدرع لاستهداف كورين الضعيف.

[عين الافتراس].

أضاءت النقاط البيضاء على أجساد الوحوش في رؤية زين. سحب وتر قوسه الخشبي، ومرر تياراً دقيقاً من المانا عبر السهم.

سويييش! سويييش!

سهمان انطلقا بتتابع سريع جداً.

الأول اخترق مفصل ركبة الوحش الأيمن، مما جعله يتعثر ويسقط على وجهه. والثاني استقر في عين الوحش الأيسر، مخترقاً دماغه مباشرة.

لم يكتفِ زين بذلك. الوحش الأول الذي سقط كان لا يزال يحاول الزحف نحوه.

استخدم زين مهارة [خطوة الظل]، وانزلق كالشبح نحو الوحش الساقط. وقبل أن يتمكن الكائن البشع من التفاعل، كان خنجر زين الداكن قد غاص في عنقه، ليقطع حبله الشوكي في حركة واحدة نظيفة ومميتة.

الرماية من مسافة متوسطة لتعطيل الهدف، ثم الإجهاز عليه من مسافة الصفر بالخنجر. لقد أصبح هذا الأسلوب المتناقض بمثابة رقصة موت مثالية بالنسبة له.

الوحوش المتبقية، بعد أن أدركت أن التغلب على هذا الفريق مستحيل، حاولت التراجع.

لكن لوتيان لم يمنحهم هذه الفرصة. أطلق موجة أخرى من سحره البنفسجي، ليمسح ما تبقى منهم من الوجود.

“تمت إبادة جميع الأهداف.”

“زمن النجاة دقيقة و47 ثانية.”

“انتهى الاختبار! لا توجد إصابات. التقييم 10 درجات كاملة!”

أعلن المدرب الذي كان يقف خلف الحاجز السحري، وأوقف مؤقت الوقت في يده، وعلى وجهه صدمة من قوة وسرعة تجاوزهم لهذا الإختبار.

“نعم!”

شد كورين قبضته بفرحة عارمة، بينما مسح أرغوس العرق عن جبينه بابتسامة خفيفة.

أما لوتيان، فقد هبط على الأرض ببطء، ونفض الغبار عن ملابسه ببرود.

“أحسنتم عملاً. يمكنكم إعادة معداتكم والعودة إلى المهجع.”

قال المدرب.

تبادل زين النظرات مع فريقه. لقد انتهى الأسبوع السابع أخيراً.

بشكل عام، يمكن القول إن تدريبات هذه المنشأة الإقليمية قد انتهت. الأسبوع المتبقي هو مجرد اختبار ختامي لتتويج ما تعلموه.

بينما كانوا يسيرون نحو غرفة تسليم المعدات، توجهو ليرو ما هو مجموع تقييماتهم لهذه الأسابيع.

[المجموع: 62/70.]

‘درجاتي تقترب من الكمال، باستثناء الأسابيع الأولى التي خفضت نقاطي عن الكمال بسبب دخولي المتأخر لهذه المنشأة.

فكر زين برضا.

حتى لو لم يكن في المركز الأول المطلق، فإن هذه الدرجات تضعه بسهولة ضمن أفضل عشرة متدربين في الدفعة الحادية عشرة بأكملها.

لكن، لم يكن هناك وقت للاحتفال.

التقييم النهائي في الأسبوع الثامن لم يكن يُمنح بالدرجات العادية.

إنه اختبار البقاء في ‘غابة الضباب الأسود’. وفي ذلك المكان بالذات، ستحدث ‘الكارثة الأولى’.

‘لقد جهزت جسدي… الآن حان الوقت للتركيز الحقيقي.’

الأسابيع السبعة الماضية كانت مجرد لعب أطفال مقارنة بما سيحدث في الأيام القليلة القادمة. يجب ألا يتخلى عن حذره لثانية واحدة.

“ران، هل ستعود إلى الغرفة؟”

سأل كورين وهو يلوح بيده بحماس بعد أن سلم معداته.

“أجل، اذهبا أنتما أولاً. سألحق بكما.”

أجاب زين.

أومأ كورين وأرغوس وغادرا، تاركين زين وحده مع الفتى ذو الشعر البنفسجي، الذي كان يقف متكئاً على الجدار الحجري، وعيناه مثبتتان على زين.

“الآن، لقد انتهى التدريب.”

تحدث لوتيان بصوت بارد ومنخفض، لا يحمل أي احترام، وهو يقترب من زين.

“أخبرني بما وعدتني به. كيف تعرف هويتي الحقيقية؟ وكيف تعرف عن ‘عشيرة الليل الأزلي’؟”

ابتسم زين بخفة. لقد كان ينتظر هذه اللحظة.

السر الذي يملكه حول هوية لوتيان كان الأداة الوحيدة التي جعلت هذا الوحش المتعجرف يطيع أوامره في التشكيلات طوال الأسابيع الماضية.

“هل أنت متأكد أنك تريد أن تعرف هنا، في هذا الممر المفتوح؟”

“لا تلعب معي، أيها اللعين. لقد سئمت من مماطلتك.”

تنهد زين، وتقدم خطوة نحو لوتيان، مخفضاً صوته لدرجة الهمس.

“لوتيان… في هذا العالم، هناك من يحملون سيوفاً، وهناك من يحملون سحراً… وهناك من يحملون بصيرة.”

“بصيرة؟”

عقد لوتيان حاجبيه بشك.

“أنا أمتلك مهارة نادرة. إنها تسمح لي برؤية جوهر الأشياء، خطوط المانا، وحتى الألقاب أو الدماء المخفية التي يحملها الشخص أمامي. عندما نظرت إليك في اليوم الأول، رأيت لقب ‘الناجي من الليل الأزلي’ يطفو فوق رأسك بوضوح.”

كانت هذه كذبة ممزوجة بالحقيقة. لم يكن زين يريد الكشف عن كونه ‘الكاتب’ لهذا العالم، فهذا سيجعله يبدو كمجنون، لكن فكرة وجود مهارة فريدة تكشف الحقائق كانت منطقية جداً ومقبولة في عالم السحر هذا.

“عين البصيرة… قدرة عليا من سحر الإدراك؟”

تمتم لوتيان، وبدا أن شكه قد تراجع قليلاً. كساحر من عشيرة قديمة، كان يعلم أن قدرات الإدراك نادرة جداً، لكنها موجودة.

“بالضبط. لذا، غضبك تجاهي لا معنى له. لم أبحث في ماضيك، ولم أرسل جواسيس خلفك. لقد رأيت الحقيقة التي لم تستطع إخفاءها عن عيني فقط.”

صمت لوتيان لعدة ثوانٍ، وهو يحدق في عيني زين، محاولاً البحث عن أي كذبة، لكن زين حافظ على تعبير وجهه هادئاً كالجليد.

“حسناً…”

تنهد لوتيان أخيراً، وبدا التوتر يغادر كتفيه قليلاً.

“إذا كان الأمر مجرد قدرة سحرية، فلا حيلة لي. ولكن… يجب أن تحتفظ بهذا السر حتى الموت. إذا عُلم أنني الناجي الأخير من عشيرة الليل، فإن السحرة الكبار ونبلاء العاصمة سيطاردونني لاستغلال سحري القديم.”

“لا تقلق، سرك في بئر عميق. في النهاية، نحن رفاق في نفس الفريق، أليس كذلك؟”

“لا تدفع حظك أيها البشري. نحن مجرد شركاء مؤقتين.”

“كما تشاء.”

ابتسم زين، ثم أضاف بنبرة ماكرة.

“بالمناسبة، بما أننا أصبحنا متفاهمين الآن، سأبدا في مناداتك بلقبك الجديد.”

“لقب؟ أي لقب؟”

“ملك المقعد.”

“ماذا…؟”

“ملك المقعد. لأنك في كل تدريب، أو في كل مرة نكون فيها في الساحة، تبحث عن أقرب صخرة أو كرسي لتجلس عليه كملك كسول يتوقع من رعاياه أن يخدموه. إنه لقب يليق بك تماماً.”

اتسعت عينا لوتيان، وتلون وجهه الشاحب بحمرة الغضب.

“أنت… هل تسخر مني الآن؟ أنا لست كسولاً، أنا فقط أوفر المانا الخاصة بي لأشياء تستحق!”

“بالتأكيد، بالتأكيد، يا صاحب الجلالة. لنعد إلى الغرفة الآن قبل أن يُغلق المقصف، ولا نجد أي الشيء للأكل.”

استدار زين وبدأ يمشي في الممر، تاركاً لوتيان يغلي من الغضب خلفه.

“إياك أن تناديني بهذا الاسم السخيف مرة أخرى! هل تسمعني؟ أنا لوتيان من عشيرة الليل الأزلي، ولست ملك المقعد!”

“حاضر، يا ملك المقعد.”

لوح زين بيده دون أن يلتفت، وابتسامة واسعة ترتسم على وجهه.

رغم غضب لوتيان، إلا أنه لم يهاجمه، بل تبعه بخطوات سريعة وهو يواصل التذمر.

بهذه الطريقة البسيطة، المليئة بالاستفزاز والشفافية المزيفة، تمكن زين من كسر جدار الجليد الذي يحيط بهذا الوحش الصغير.

لم يصبحا أصدقاء مقربين بالطبع، لكنهما على الأقل أسسا علاقة غريبة تسمح لهما بالقتال جنباً إلى جنب دون أن يطعن أحدهما الآخر في ظهره.

‘الآن، فريقي أصبح متماسكاً نسبياً.’

فكر زين وهو يخرج إلى الساحة المفتوحة.

✦ انتهى الفصل ✦

هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.

تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .

مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

التالي
22/27 81.5%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.