الفصل 27 : الإختبار النهائي (4).
‘يا له من حلم مريح.’
هذه كانت أول فكرة راودت زين عندما بدأ وعيه يعود تدريجياً.
رائحة الدم، والرطوبة الباردة للكهف، ضربت حواسه.
فتح عينيه ببطء. لم يكن هناك سقف حجري مألوف لغرفته في المنشأة، بل جدران صخرية خشنة يضيئها ضوء خافت يتسلل من مدخل الكهف.
الذاكرة عادت إليه دفعة واحدة. المعركة الطاحنة ضد زاحف الهاوية الألفا، الانتصار الصعب، واستخراجه للنواة التي تحتوي على المهارة المخفية، قبل أن ينهار مستسلماً لتأثير لقبه [الكسول].
‘كم نمت؟’
حاول زين التحرك، لكن جسده كان يصرخ من الألم. عضلاته متصلبة، وكدمات زرقاء داكنة تزين جانب خصره حيث ضربه الوحش.
ومع ذلك، لم يكن هذا الألم جديداً عليه. لقد اعتاد على تجاوز حدوده مؤخراً.
نهض ببطء، وتفقد جثة ‘الألفا’ التي كانت لا تزال ملقاة بجواره كجبل صغير من اللحم والحراشف.
‘لا أصدق أنني نمت بجوار هذه الجثة البشعة لعدة ساعات دون أن أتعرض لهجوم. يبدو أن رائحة الزعيم الميتة كانت كافية لإخافة الوحوش الأخرى.’
استدعى زين نافذة النظام الخاصة به، للتحقق من المهارة الجديدة التي اكتسبها قبل نومه الإجباري.
____
[رنين الأسلحة (C): ★☆☆☆☆]
• مهارة تسمح للمستخدم بنقش توقيعه السحري على الأسلحة. يمكن استدعاء الأسلحة المنقوشة وتوجيهها ذهنياً للعودة إلى يد المستخدم.
• عدد الأسلحة القابلة للنقش حالياً: 1
____
‘رتبة C فقط؟ هل أنا غبي لوضع هذه المهارة بهذه الرتبة فقط.’
تذمر زين في سره.
رغم أن التقييم كان منخفضاً، إلا أن زين كان يعلم أن فائدة هذه المهارة لا تُقدر بثمن، خاصة بالنسبة لشخص يستخدم القوس والخنجر. في المعارك الفوضوية، فقدان السلاح أو إسقاطه يعني الموت. القدرة على استرجاع الخنجر إذا رماه، أو استدعاء سهم خاص، كانت تكتيكاً استراتيجياً من الدرجة الأولى.
كلما زاد مستوى النجوم لهذه المهارة، زاد عدد الأسلحة التي يمكن نقشها، وزادت سرعة ومسافة الاستدعاء.
‘هذا يجعلني أشعر وكأنني فارس نبيل يمتلك أسلحة سحرية تعود إليه.’
اختار زين خنجره الداكن، الذي رافقه في كل المعارك حتى الآن.
أمسك بالخنجر بكلتا يديه، وركز المانا الخاصة به، دافعاً إياها نحو النصل والمقبض وفقاً للإرشادات التي طفت في عقله مع المهارة.
أومض الخنجر بضوء أزرق خافت لثانية واحدة، وشعر زين بارتباط غريب، وكأن الخنجر أصبح امتداداً ليده.
للتجربة، رمى زين الخنجر بكل قوته نحو جدار الكهف المقابل.
تشاك!
انغرس الخنجر في الصخر بقوة.
مد زين يده المفتوحة، وركز تفكيره على السلاح.
‘عد.’
في اللحظة التالية، اهتز الخنجر في الصخر، وبحركة خاطفة، انتزع نفسه وطار عائداً عبر الهواء، ليستقر في كف زين بصفعة خفيفة.
“مذهل.”
ابتسم زين برضا تام. لقد عانى كثيراً في اليوم الأول، لكن الحصول على هذه المهارة كان يستحق كل هذا العناء.
بعد التأكد من مهارته الجديدة، ومسح آثار الدماء عن ملابسه قدر الإمكان، خرج زين من الكهف.
كانت الشمس تميل نحو الغروب، وتلقي بظلال طويلة ومخيفة على الغابة.
‘لقد نمت لفترة أطول مما توقعت.’
‘الآن، يجب أن أتجه إلى الوادي، حيث يتمركز التحالف.’
مستخدماً مهارة [خطوة الظل] لتجنب أي دوريات وحوش، تحرك زين بسرعة كشبح بين أشجار الغابة.
*
عندما اقترب زين من ‘وادي الصدى’، توقف لبرهة مذهولاً من المشهد الذي أمامه.
لم يكن الوادي مجرد ممر صخري بين تلتين، لقد تحول إلى حصن حربي حقيقي.
الصخور الضخمة، وجذوع الأشجار السميكة التي قطعها فريق البناء، تم تكديسها بمهارة لتشكيل جدارين دفاعيين صلبين يغلقان مدخلي الوادي الأمامي والخلفي. خلف الجدران، تم نصب العشرات من الخيام المؤقتة.
“ران! لقد أتيت أخيراً!”
صوت كورين المألوف والمتحمس كسر سكون الوادي بمجرد أن رصده الحراس.
ركض وريث التجار نحوه، ووجهه يتصبب عرقاً لكنه يفيض بالغرور.
“لقد قمنا بعمل ممتاز، أليس كذلك؟ فريق البناء أنهى الحواجز، وفريق المعسكر أفرغ محيط الغابة من أي متدربين ضعفاء. لقد قمنا بضم المزيد من المتدربين الذين فقدوا قادتهم، العدد الإجمالي الآن يقترب من المائتين!”
“مائتان؟”
رفع زين حاجبه بدهشة. هذا العدد يمثل خُمس المتدربين في المنشأة بأكملها. يبدو أن مهارات كورين في التلاعب الاجتماعي والإقناع تجاوزت كل الحدود المنطقية. لقد حولهم من تحالف بسيط إلى جيش صغير.
“اجمع قادة الفرق. إيثان، ليفيا، لوتيان، والبقية. سنعقد اجتماعاً طارئاً الآن.”
أمر زين بصرامة، متجاوزاً كورين نحو وسط المعسكر.
مَركَز الرِّوايات: لا تجعل السهر على الروايات يضيع عليك صلاة الفجر.
لم يمضِ وقت طويل حتى اجتمع قادة التحالف حول نار صغيرة في وسط الوادي.
كان إيثان يجلس بجوار ليلي، يمسح سيفه بجدية. ليفيا كانت تتكئ على صخرة بابتسامة غامضة، بينما لوتيان كان يجلس بعيداً قليلاً، يحدق في النيران بملل. وكانت هناك أيضاً ‘جودي’، الفتاة الثرثارة والموسوعة البشرية، التي انضمت كقائدة لفريق الدعم السحري.
“لقد تم بناء الحواجز، وتأمين المؤن.”
بدأ زين الحديث، وعيناه تمسحان الوجوه المحيطة به.
“لكن هذا ليس سوى الجزء السهل. الهجوم الحقيقي سيأتي قريباً جداً. وبما أننا تجمعنا بهذا العدد الهائل، سنكون الهدف الأكبر.”
“متى تتوقع الهجوم بالضبط يا ران؟”
سأل إيثان، وعيناه تعكسان القلق. لقد رأى الكارثة في رؤياه، وكان يعلم أن زين هو الوحيد الذي يأخذ هذا التهديد على محمل الجد.
“بمجرد أن يتأكد الخونة في الخارج أن كبار المدربين قد غادروا المنشأة نحو العاصمة، سيبدأون. سأشرح لكم التكتيك الذي سنتبعه. يجب أن نكون مستعدين. العدو الذي سنواجهه يتكون من ثلاثة أنواع رئيسية.”
أشار زين إلى الرمال بطرف خنجره.
“صقور الهاوية، سحالي الدروع، وتنين الظلام.”
“……تنين؟”
تساءل أحد قادة الفرق الفرعية بملامح تعكس الصدمة وكأنه أخطأ السمع. التنانين ليست وحوشاً عادية، بل هي وحوش توجد فقط في الغارات الكبرى.
“أنت لم تخطئ السمع. تنين الظلام سيظهر هنا. القائد راد وبقية المشرفين سيضطرون للتدخل لإيقافه إذا لم يكونوا خونة بالكامل. لذا، لن نضطر للتعامل مع التنين مباشرة، المدربون سيتكفلون به.”
تنهد الجميع بارتياح واضح بعد سماع ذلك.
“ما يجب علينا التركيز عليه هو النوعان الآخران.”
تابع زين بصرامة.
“الموجة الأولى: صقور الهاوية. ستنقض علينا من الجو. هدفنا في ‘المرحلة الأولى’ ليس الدفاع عن الحواجز، بل تشكيل مجموعات من خمسة أفراد، تتضمن رماة وسحرة، لإسقاطها بأسرع وقت ممكن. هذه الصقور سريعة وتمتلك مخالب مميتة، لذا اضربوها بقوة واسقطوها أرضاً.”
أومأ قادة الفرق برؤوسهم، مسجلين التعليمات.
“الموجة الثانية: سحالي الدروع. عندما يمر الوقت وتزداد الفوضى، ستظهر هذه الوحوش. هنا تبدأ ‘المرحلة الثانية’. المقاتلون وحاملو الدروع، بقيادة أرغوس، سيتمركزون خلف الحواجز التي بنيناها في الوادي لسد المداخل تماماً. البقية سيدعمونهم من الخلف. إذا انكسر خط الدفاع هذا، ستكون نهايتنا.”
“لدي سؤال، يا ران.”
تحدث أحد المتدربين النبلاء بصوت يحمل نبرة توتر واضح.
“لماذا نضع أنفسنا في واجهة هذه الحرب؟ إذا كان هجوم بهذا الحجم قادماً… أليس من الأفضل أن نتفرق؟ نختبئ في الكهوف المتفرقة، أو نهرب نحو غابات القمة الشرقية وننتظر مرور الوقت؟ الاختباء يبدو أضمن بكثير من خوض حرب شاملة وصريحة ضد جيش من وحوش الهاوية.”
كان سؤالاً منطقياً من وجهة نظر شخص يحاول النجاة بحياته بأقل قدر من المخاطرة. العديد من المتدربين أومأوا برؤوسهم موافقين، بانتظار إجابة زين.
ابتسم زين ابتسامة خافتة، ولم يجب بنفسه. بل أدار رأسه نحو الفتاة ذات النظارات.
“جودي.”
“نعم؟”
جفلت جودي قليلاً.
“أنتِ الموسوعة في هذا الفريق. اشرحي لصديقنا هنا عن خصائص ‘صقور الهاوية’ و’سحالي الدروع’، ولماذا يعتبر التفرق والاختباء بمثابة انتحار جماعي.”
عدلت جودي جلستها، وتنحنحت، قبل أن تبدأ في الشرح بصوت سريع، كأستاذة تلقي محاضرة.
“حـ..حسناً. أولاً، صقور الهاوية. إنها ليست طيوراً عادية. إنها وحوش مجنحة تمتلك حاسة بصر وسمع مرعبة. إنها قادرة على رصد دقات قلب المتخفين بين الأشجار. التخفي منها مستحيل. إذا تفرقنا، سيتم اصطيادنا فرادى من الجو بسهولة تامة.”
ابتلع الشاب النبيل ريقه، وبدا الرعب يتسلل إلى عينيه.
“ثانياً، سحالي الدروع…” تابعت جودي بحماس. “إنها زواحف ضخمة وعدوانية. تمتلك جسماً قريباً من التماسيح، ولديها حاسة شم قوية وحراشفها صلبة جداً لدرجة أن السيوف العادية ترتد عنها. إنها بطيئة، لكنها مدمرة وتقتل بالدهس والتمزيق.”
“إذن كيف نقاتل شيئاً كهذا؟” سأل أحدهم برعب.
ابتسم زين، والتقط الحديث من جودي.
“دائماً هناك نقطة ضعف. كما قالت جودي، هي زواحف ثقيلة تفتقر للأطراف الطويلة. هذا يعني أن قدرتها على التسلق شبه معدومة. لهذا السبب اخترت ‘وادي الصدى’. المنحدرات الصخرية القاسية على جانبي الوادي ستمنعهم من تطويقنا. سيضطرون للدخول من الممرات الضيقة التي أغلقناها بالحواجز.”
أنهى زين شرحه وألقى نظرة حادة على الجميع.
“ببساطة، إذا تفرقنا، فنحن مجرد وجبات خفيفة منفصلة يسهل التهامها لصقور الهاوية في الجو وسحالي الدروع على الأرض. قوتنا الوحيدة تكمن في تجمعنا، وفي إجبار الوحوش على قتالنا في ممر ضيق حيث لا يمكنهم استخدام كثرتهم العددية. ليس لدينا رفاهية الجبن أو الهرب.”
ساد الصمت مجدداً، لكن هذه المرة، لم يكن صمت شك أو تردد. بل كان صمتاً يعكس تصميماً يائساً، وإدراكاً تاماً للعبقرية التكتيكية وراء اختيار الوادي كقاعدة.
لقد فهموا أن مصيرهم معلق بهذا الوادي، وببعضهم البعض.
“إذا كان هذا هو الحال…”
وقف إيثان، واستل سيفه، وغرسه في الأرض الرملية بقوة.
“فلنصمد. لن أسمح لأي وحش بتجاوز خطي. أعدكم بذلك!”
كلمات إيثان، المليئة بالثقة الأسطورية التي يتميز بها أبطال القصص، أضاءت شرارة من الأمل والعزيمة في قلوب المتدربين المرتعدين.
‘ممتاز. لقد قام بدوره كبطل مثالي لرفع المعنويات.’
فكر زين برضا، وهو يراقب المتدربين الذين بدأوا يتهامسون بحماس وتصميم. بالنسبة لزين، إيثان كان الأداة المثالية لتوحيد قلوب هذا الجيش المؤقت، بينما هو يتولى دور العقل المدبر الذي يضع الاستراتيجيات القاسية.
“تأكدوا من راحة فرقكم الليلة. ناموا والأسلحة في أيديكم.”
أمر زين بصرامة، لينهي الاجتماع.
تفرق قادة الفرق، وعاد كل منهم إلى موقعه لتبليغ التكتيكات لمجموعاتهم.
بقي زين واقفاً بالقرب من نار التدفئة المتبقية، يحدق في اللهب المتراقص، متحسساً خنجره الذي نقشه للتو بمهارة [رنين الأسلحة].

تعليقات الفصل