تجاوز إلى المحتوى
صانع دمار العالم

الفصل 25 : الإختبار النهائي (2).

وقف زين داخل الدائرة السحرية المعقدة التي رسمها كبار سحرة البرج في ساحة المنشأة. عندما تفعلت تعويذة النقل المكاني العظمى، شعر وكأن معدته تنقلب رأساً على عقب، ورؤيته تشتتت في دوامة من الألوان المتداخلة.

الشعور بتمزق الفضاء لم يكن مريحاً على الإطلاق.

كان هذا يختلف تماماً عن الركض أو القتال الجسدي، التلاعب بقوانين المكان يترك أثراً ثقيلاً ومقززاً على النواة السحرية لأي شخص غير معتاد عليه.

وبعد ثوانٍ بدت كالدهر، استقرت الرؤية أخيراً، وتلاشت الأضواء الساطعة.

الهواء الذي ضرب وجهه لم يكن هواء المنشأة النقي، بل كان يحمل برودة لاذعة ورائحة طحالب رطبة، ممزوجة بعبق أوراق الشجر المتحللة والطاقة الراكدة.

غابة الضباب الأسود… أو بالأحرى، المنطقة المعزولة والمسيجة سحرياً في قلبها.

على عكس ما كان يتوقعه المتدربون من غابة مرعبة ومظلمة بالكامل، كان المكان يحمل جمالاً موحشاً وساحراً في نفس الوقت.

الأشجار العملاقة التي تضرب جذورها في الأرض منذ آلاف السنين، تتقاطع أغصانها الكثيفة في الأعلى لتشكل سقفاً يحجب معظم أشعة الشمس، بينما تتسلل خيوط قليلة من الضوء الذهبي لتنعكس على بحيرات صغيرة متناثرة، تبدو وكأنها قطع من الزمرد السائل.

لو كان هذا في عالمه الأصلي على الأرض، لكانت هذه المنطقة الطبيعية تجذب محبي التخييم. لكن هنا، في هذا العالم المليء بالسحر والوحوش، هذا الجمال كان مجرد قناع يخفي الموت الزؤام.

“استمعوا إليّ جيداً أيها المتدربين!”

تردد صدى صوت أحد السحرة المشرفين في أرجاء المنطقة، معززاً بتعويذة تضخيم الصوت، ليجذب انتباه الجميع قبل أن يتفرقوا في الأرجاء.

“الاختبار النهائي سيمتد لخمسة أيام كاملة. الدرجة الأساسية هي 10 نقاط. كل يوم تصمدون فيه يضمن لكم الحفاظ على هذه النقاط. ولكن، يمكنكم كسب نقاط إضافية، أو فقدانها بالكامل!”

كانت القواعد مألوفة لزين، فقد صاغها بنفسه ذات يوم في مسودته.

“الطريقة الأولى لزيادة النقاط هي ‘صيد الأقران’. يمكنكم انتزاع الشارات الفضية المعلقة على صدور المتدربين الآخرين بأي وسيلة ممكنة. كل شارة إضافية تمنحكم نقاطاً إضافية، وفقدان شارتكم يعني خصم 5 نقاط من رصيدكم!”

همهمات التوتر والشك بدأت تتصاعد بين المتدربين، وتبادل الكثيرون نظرات التوجس. هذا يعني أن العدو في هذه الغابة ليس فقط البيئة القاسية، بل زملاء الأمس الذين أكلوا وتدربوا معهم.

“الطريقة الثانية هي ‘صيد الهاوية’. لقد قمنا بنشر عدد من وحوش الهاوية منخفضة ومتوسطة الرتبة في هذه المنطقة. اصطيادها واستخراج ‘نوى الهاوية’ منها سيمنحكم نقاطاً مضاعفة. ولكن تذكروا… إذا تحطم الدرع الجلدي السحري الذي يغلف أجسادكم، سيتم اعتباركم في حكم الموتى، وسيتم إقصاؤكم فوراً مع خصم شديد للدرجات!”

ابتسم الساحر المشرف ببرود، وأضاف جملته التحذيرية الأخيرة.

“بمجرد بدء الاختبار، القيادة غير مسؤولة عن أي إصابات خطيرة. من لا يمتلك الشجاعة، فليتقدم الآن وينسحب نحو دوائر الإخلاء.”

لم يتحرك أحد من مكانه.

الجميع هنا قاوموا الجحيم لسبعة أسابيع متتالية. حلم دخول الأكاديمية الملكية، وتغيير مسار حياتهم كفرسان وسحرة نبلاء، كان أقوى بكثير من الخوف.

“بما أنه لا يوجد جبناء بينكم… فليبدأ الاختبار!”

*

بمجرد إعلان البداية، اختفى المشرفون باستخدام سحر الانتقال، وبدأت الفوضى المنظمة.

العديد من المتدربين اندفعوا نحو عمق الغابة في مجموعات صغيرة ومستعجلة، محاولين تأمين أماكن اختباء أو البحث عن الوحوش مبكراً لجمع النقاط.

لكن زين لم يتحرك من نقطة البداية. اكتفى بالوقوف بثبات، وإسناد قوسه الخشبي على كتفه، وعيناه تراقبان المحيط.

وسرعان ما بدأت النتائج الحقيقية لجهود كورين وإيثان تظهر جلية.

من بين الأشجار والشجيرات القريبة، بدأ متدربون يخرجون واحداً تلو الآخر، متجمعين حول زين. لم تكن مجرد مجموعة صغيرة، بل كان حشداً يتجاوز المئة متدرب، يقفون في انتظار الأوامر وكأنه قائدهم.

“لقد تجمعوا جميعاً كما خططت يا ران.”

همس كورين وهو يقف بجانبه، يمسك بنشابه السحري بزهو واضح، وكأنه تاجر نجح في إتمام أكبر صفقة في حياته.

“عمل ممتاز يا كورين. وأنت يا أرغوس، تأكد من تأمين محيطنا، لا أريد أن يسترق أحد السمع.”

أومأ المزارع الضخم بصمت، وضرب حافة درعه الكبير بالأرض لتنبيه الآخرين.

نظر زين إلى الحشد. أكثر من عشر القوة الإجمالية للمتدربين في المنشأة تقف الآن تحت إمرته المباشرة.

“حسناً، استمعوا إليّ جيداً.”

رفع زين صوته ليسمعه الجميع بوضوح، ووجه نظره نحو خريطة وهمية كان قد رسمها في ذهنه بناءً على معرفته المطلقة بتضاريس هذه الغابة ككاتب.

“هذه الغابة واسعة، وإذا تفرقنا، سنصبح فريسة سهلة للوحوش المتربصة أو للفرق الأخرى الجائعة للنقاط. سنتجه فوراً نحو ‘وادي الصدى’، وهو ممر ضيق يقع بين تلتين صخريتين في وسط هذه المنطقة.”

رسم زين خطوطاً سريعة على التراب باستخدام طرف خنجره الداكن ليوضح التضاريس للجميع.

“لماذا هناك بالتحديد؟”

سأل أحد قادة الفرق الفرعية المنضمة حديثاً بشك.

“لأننا سنبني حصناً منيعاً. الوادي يمتلك مدخلين فقط، أمامي وخلفي. إذا أغلقنا المدخلين بحواجز خشبية وصخرية، فسنخلق منطقة آمنة لا يمكن اختراقها بسهولة. يجب أن نصمد هناك ونجعلها قاعدة عملياتنا.”

“نصمد؟ ضد ماذا؟ الوحوش المنشورة قليلة ومشتتة، نحن مئة شخص!”

تساءل متدرب آخر، غير مقتنع بفكرة الدفاع السلبي.

لم يكن زين يستطيع إخبارهم عن ‘الكارثة الأولى’ المخطط لها.

لم يكن بإمكانه القول إن صدعاً من الهاوية سيُفتح في هذه الغابة، وأن طوائف الهاوية ستشن هجوماً واسعاً. كان زين يعلم جيداً أن الهجوم لن يحدث اليوم، ولا غداً.

وفقاً لإعداداته، غداً سيغادر كبار المدربين لحضور حفل الأكاديمية الملكية في العاصمة، مما سيخلق فراغاً أمنياً هائلاً. لكن أتباع الهاوية ليسوا أغبياء ليهاجموا فور مغادرتهم.

إنهم تكتيكيون قتلة. سينتظرون حتى يبتعد المدربون مسافة يوم كامل لضمان عدم عودتهم السريعة باستخدام بوابات النقل. وسينتظرون أيضاً حتى ينهك المتدربون أنفسهم في القتال الداخلي، الجوع، وقلة النوم لمدة 48 ساعة.

لذا، فالهجوم الكارثي والمجزرة الحقيقية سيقعان في ‘اليوم الثالث’ من هذا الاختبار.

لذا، كان عليه استخدام حجة أخرى مقنعة لتبرير بناء الحصن منذ اليوم الأول.

“إنها حرب استنزاف.”

قال زين بصرامة، وعيناه تمسحان الوجوه المترددة.

“بمجرد أن يدرك الآخرون في الأيام القادمة أننا نمتلك قوة عظمى مجمعة ونقاطاً كثيرة، سيشكلون تحالفات مضادة ويحاولون استهدافنا ليلاً لسرقة شاراتنا. نحن بحاجة إلى قاعدة عمليات محصنة ننام فيها بأمان. هل هناك اعتراض على فكرة حماية

ظهوركم أثناء النوم؟”

أمام منطق ‘الدفاع المطلق’، لم يعترض أحد. فكرة النوم بأمان في غابة مليئة بالأعداء كانت مغرية.

“إذن، سنتقسم إلى ثلاث فرق رئيسية.”

أعلن زين وهو ينظر إلى النخبة الواقفين في الصفوف الأمامية.

“الفرقة الأولى: ‘فريق الصيد’. هذه الفرقة ستكون مسؤولة عن الانطلاق فوراً وتطهير محيط الوادي من أي وحوش هاوية موجودة مسبقاً، لمنعها من التجمع لاحقاً ومهاجمتنا.”

هذه كانت ذريعة زين. في الواقع، كان يريد التخلص من الوحوش العادية الآن، لكي لا تندمج مع جيش الهاوية الذي سيظهر من الصدع في اليوم الثالث وتزيد من تعقيد الموقف.

“الفرقة الثانية: ‘فريق المعسكر’. ستتولى هذه المجموعة مهام نصب الخيام، جمع الموارد الغذائية، وتأمين المياه النقية من الجداول القريبة.”

“أما الفرقة الثالثة: ‘فريق البناء’. ستتولون أصعب مهمة، وهي قطع الأشجار وتكديس الصخور لبناء الحواجز الدفاعية عند مدخلي الوادي.”

بمجرد أن نطق زين بتوزيع المهام، ظهرت علامات التردد والاستياء واضحة على وجوه أولئك الذين تم تصنيفهم في ‘فريق البناء’.

كان من الواضح أن مهمة بناء الحواجز شاقة، مجهدة، ولا تمنح أي نقاط إضافية مقارنة بفريق الصيد الذي سيحصل على ‘نوى الهاوية’ الثمينة.

“انتظر لحظة، ران.”

تحدث أحد المتدربين ذوي البنية القوية بصوت يحمل نبرة تذمر وتحدٍ.

“من سيقوم بتوزيع ‘نوى الهاوية’ التي سيجمعها فريق الصيد؟ إذا كنا سنكسر ظهورنا في البناء ونقل الصخور، فكيف سنحصل على النقاط الإضافية لاجتياز الاختبار؟”

كان هذا هو التحدي المتوقع الذي جهز له زين إجابة.

“التوزيع سيكون عادلاً وبالتساوي التام.”

تدخلت ليفيا فجأة، وصوتها الأنثوي الصافي الواثق جذب انتباه الجميع.

“بناءً على معلومات عائلتي الاستخباراتية، القيادة نشرت أكثر من 300 وحش في هذه المنطقة. سيقوم فريق الصيد بتسليم جميع النوى التي يجمعها لي شخصياً، وسأوزعها على الجميع دون استثناء. من يعمل في البناء سيحصل على نفس عدد النوى الذي يحصل عليه من يقاتل. أنا أضمن ذلك باسم عائلتي.”

كلمات ليفيا، وريثة دوقية فاني العظيمة، كانت بمثابة ضمانة لا يمكن الشك فيها.

أومأ المتدربون برضا تام، وتلاشت ملامح التذمر. الحصول على درجات مضمونة مقابل عمل بدني شاق، ودون المخاطرة بالموت أمام الوحوش، كان صفقة عادلة جداً بالنسبة لهم.

“جيد.”

أومأ زين برأسه لليفيا تعبيراً عن شكره لتدخلها في الوقت المناسب.

“إيثان، لوتيان، ليفيا… وأنتم يا أصحاب أعلى التصنيفات القتالية.”

أشار زين بيده نحو ثلاثين متدرباً من النخبة الذين يمتلكون أقوى المهارات السحرية والقتالية.

“أنتم ‘فريق الصيد’. سترافقونني. سنتحرك بشكل فردي أو في أزواج لزيادة كفاءة التطهير ومسح أكبر مساحة ممكنة. لا تتدخلوا في مسارات بعضكم البعض لتجنب النيران الصديقة، والتقوا بي في الوادي قبل حلول الظلام.”

“فردياً أو في أزواج؟ أليس هذا خطيراً جداً في غابة لا نعرفها؟”

سأل إيثان بقلقه المعتاد.

“ليس لدينا وقت لنضيعه في تشكيلات بطيئة. الصيد الجماعي سيستغرق أياماً. أنتم النخبة، أثبتوا ذلك بقوتكم.”

قطع زين النقاش بحزم.

السبب الحقيقي وراء رغبته في جعل النخبة يتفرقون لم يكن الكفاءة فحسب.

كان هناك شيء آخر يختبئ في هذه الغابة الملعونة.

‘قطعة مخفية’.

إرث سحري قديم تركه أحد سحرة البرج الكبار قبل عقود في هذه المنطقة، كنوع من التجارب.

زين لم يكن ينوي مشاركة هذا الإرث القوي مع أي شخص آخر، حتى حلفائه. كان يجب عليه العثور عليه وحده قبل أن تندلع فوضى الهجوم في اليوم الثالث.

“تحركوا!”

*

انتشر المتدربون في الغابة بسرعة، كلٌ نحو مهمته المحددة.

فريق البناء بدأ فوراً في التوجه نحو الوادي وقطع الأشجار باستخدام سيوفهم وفؤوسهم بقيادة أرغوس، بينما تفرق فريق الصيد في اتجاهات مختلفة بحثاً عن الطرائد.

كان زين يركض بخفة ومرونة بين الأشجار الكثيفة، مستخدماً مهارة[خطوة الظل] للاندماج مع البيئة المحيطة والظلال. لم يكن يطارد الوحوش بنشاط، بل كان يتجه كالسهم نحو نقطة جغرافية محددة رسمها في ذاكرته كصانع لهذا العالم.

في مكان آخر من الغابة، بعيداً عن فريق زين، كانت الأجواء مختلفة تماماً.

العديد من المتدربين الذين لم ينضموا لتحالف زين كانوا يتعاملون مع الاختبار وكأنه نزهة تخييم. نصبوا خياماً في مناطق مفتوحة ومكشوفة، بدأوا في إشعال النيران للتدفئة بطرق تلفت الانتباه، وكانوا يضحكون ويتبادلون الأحاديث عن خططهم المستقبلية.

بالنسبة لهم، الأسابيع السبعة الماضية كانت جحيماً مرهقاً، وهذا التقييم في الغابة بدا وكأنه استراحة طويلة الأمد قدمتها لهم القيادة.

‘مجموعة من الأغبياء المحكوم عليهم بالإعدام.’

فكر زين بمرارة وهو يراقب مجموعة منهم من فوق غصن شجرة عالية، مخفياً توقيعه السحري.

هؤلاء لا يدركون أن هذه الغابة الهادئة ستتحول إلى مسلخ حقيقي قريباً جداً.

إرادة العالم لا ترحم، والنجاة ليست مضمونة لأكثر من %20 منهم، إذا سارت الأمور كما كَتب في الرواية.

‘ثلاثة أيام.’

تمتم زين في نفسه، وهو يقبض على خنجره.

وفقاً للتسلسل المنطقي الذي خطط له، غداً سيغادر المدربون، وبعد غد سينهك المتدربون أنفسهم تماماً في صراعات الشارات والجوع.

‘لدي اليوم وغداً فقط لتجهيز الحصن، و الحصول على تلك القطعة المخفية لتعزيز طاقتي.’

قفز زين من الغصن بمرونة قط بري، واختفى في الظلام الكثيف للغابة، وعقله يضع خطة تكتيكية تلو الأخرى لمواجهة المجزرة القادمة.

التالي
25/27 92.6%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.