الفصل 812 : الأمير موردوك [1
الفصل 812: الأمير موردوك [1]
تقطر! تقطر!
واصل المطر الهطول بثبات، وكل قطرة كانت تصنع تموجًا حين تصطدم بسطح الماء
كان الجو المحيط بالهيئتين الواقفَتين عند حافة الماء كئيبًا ومشؤومًا. ولم يزد سكونهما الأمر إلا إحساسًا بالخطر القادم
حدق الأمير موردوك بحذر في الهيئة أمام عينيه
لم يسبق له أن واجه أحدًا كهذا من قبل. كان مظهر الغريب محاطًا بالظلام، مما جعل تمييز أي ملامح واضحة له أمرًا صعبًا على موردوك
ومع ذلك، كانت القوة الهائلة المنبعثة من تلك الهيئة واضحة جدًا، حتى إنها أرسلت قشعريرة على امتداد ظهر موردوك
رغم حذره، ثبت موردوك في مكانه، وكان تعبيره جامدًا وهو يواجه الهيئة المظلمة. تكلم بنبرة موزونة، محاولًا الحفاظ على تماسكه
“ما أنت؟”
كان صوته ثابتًا، لكن في كلماته لمحة خفية من الخوف
“…”
بقيت الهيئة صامتة، وكان شكلها المظلم يبدو ساكنًا بلا حركة
“لست من محبي الكلام كثيرًا، أليس كذلك؟”
واصل موردوك تفحص الهيئة، محاولًا استخلاص أي معلومة يستطيعها من مظهرها. بدا الغريب ببنية بشرية، لكن ذلك كان كل ما استطاع تمييزه
“لم أسمع قط عن بشري بقوتك، ولا―”
تقطر!
قاطعه الصوت الخافت لقطرة مطر تضرب الماء، وقد تردد في الهواء بشكل مختلف عن كل القطرات الأخرى من حوله. “سووش!” وفي ذلك الجزء من الثانية، اختفت الهيئة المظلمة من مكان وقوفها
“آه؟!”
سووش―
اتسعت عينا موردوك دهشة عندما شعر بقوة مفاجئة تضرب خده. تعثر إلى الخلف، متفاديًا بصعوبة لكمة سريعة كانت موجهة إلى وجهه
“مستعجل جدًا، أليس كذلك؟”
قال موردوك ساخرًا، محاولًا استعادة تماسكه. وبينما كان يبتعد عن الهيئة المظلمة، لاحظ لمعة باردة تنعكس عن نصل يُسحب من غمده
ضربه الإدراك كأن جبلًا انهار فوقه، لكن الأوان كان قد فات. التقت نظرة موردوك بنظرة الهيئة، وبدا الزمن كأنه توقف تمامًا
كان الصوت الوحيد هو قطرات المطر وهي تسقط من حولهما
تقطر!
شينيييغ―! في تلك اللحظة، شاهد موردوك برعب ذراعه تُقطع بالكامل بفعل النصل. كان الألم شديدًا، واستطاع أن يشعر بالدم الدافئ يتدفق من الجرح
اندفاع―!
اندفع دم أسود إلى الخارج، فلوّث الماء وزاد الجو رهبة وغرابة. كان موردوك بالكاد يستوعب ما حدث للتو. رفع عينيه نحو الهيئة المظلمة، التي ظلت ملامحها محجوبة بالظلام
“آآرغ!”
استسلم في النهاية للألم، وأطلق صرخة معذبة نتيجة ذلك. حدق بغضب في الهيئة داخل الظلال وهو يمسك يده اليمنى، ثم خفق بجناحه مرة واحدة
صار مخطط هيئته ضبابيًا، ثم تجسد أمامه
عادت ذراعه التي اختفت من قبل إلى الظهور، ومد يده بنية ضرب الهيئة المظلمة في الرأس
سووش―!
لسوء حظه، مر مباشرة عبر جسده، وعندما استدار، رآه واقفًا على بعد بضع مئات من الأمتار وسيفه موجه إليه مرة أخرى
‘سريع’
كان هذا كل ما استطاع الأمير موردوك التفكير فيه في تلك اللحظة
وبينما كان يحدق في طرف السيف الموجه نحوه، كان على وشك أن يخطو إلى الأمام عندما لوى جسده فجأة
شينييييغ―! في تلك اللحظة، مر خط فضي بسرعة عبر المنطقة التي كان فيها سابقًا، وعندما أدار رأسه، لمح الفضاء خلفه
كان متشققًا
‘إذن هكذا تسير الأمور’
تمتم في نفسه وهو يحلل الحركة
كانت لمحة واحدة كافية له ليفهم ما حدث، فهدأ على الفور. لقد واجه العديد من الخصوم المهرة من قبل، وكان يعرف أن مفتاح النصر هو البقاء هادئًا ومركزًا
“إتقانك لـ―”
بدأ يقول، لكن تعبيره تغير في منتصف الجملة، فحرّك جسده إلى اليمين، متجنبًا بالكاد طرف النصل الذي مر بمحاذاة خده
تسللت ابتسامة إلى وجهه وهو ينظر إلى النصل العابر. بعد أن فهم الآن كيف يعمل الأمر، لم يعد قلقًا كما كان من قبل. ومع ذلك، كان يعرف أنه لا يستطيع أن يخفض حذره
شينييييغ―!
ومع ذلك، كانت الهجمات بلا توقف، تأتي نحوه من كل جانب. وما إن مر نصل آخر قرب جسده، حتى خفق بجناحيه وظهر أمام الهيئة المظلمة. وبيده الممدودة، وجّه مخالبه نحو وجهه
سووش―!
لسوء حظه، انحنت الهيئة إلى الأسفل وردت بهجمة مضادة على شكل لكمة، موجهة مباشرة نحو منطقة بطنه
عرف الأمير موردوك أن عليه التصرف بسرعة إذا أراد تجنب الضربة
“هوب!”
في اللحظة التي كادت فيها القبضة تتجه نحو معدته، لوى الأمير موردوك جسده، فاحتكت القبضة بظهره ومضت
بووم―! بووم―!
حطمت آثار قتالهما الماء تحتهما، وبدأ الرعد يتشقق في السماء فوقهما
كراكا! كراكا!
بووم―!
بعد أن أصاب الهيئة المظلمة أخيرًا بقبضة، خفق بجناحيه وظهر خلفه مباشرة. لم يضيع ثانية واحدة، وركله إلى الأسفل بساقه
طرطشة―!
اصطدمت الهيئة بالماء، غائصة عميقًا تحته. تبعه الأمير موردوك إلى الأسفل، واندفعت هيئته في الماء تحته، وبمسح سريع واحد للمحيط، تمكن من رصده
بمساعدة جناحيه، ظهر مباشرة أمام الهيئة المظلمة وقبض على حلقه بيده، دافعًا إياه إلى عمق أكبر تحت الماء
تشوه الماء من حولهما بينما كان الاثنان يندفعان من الأعلى بسرعات عالية، وتبعت الفقاعات مساريهما
بووم―!
اصطدم الاثنان في عمق المحيط، وتناثر الرمل حول المنطقة التي كانا فيها. وعندما استقر الرمل، ظهرت هيئة الأمير موردوك واقفة فوق الهيئة المظلمة ويده على حلقه
كانت اليد العليا له الآن، وكان يعرف ذلك
“أخبرني…”
تكلم وهو يمسك بعنقه بإحكام. كان يستطيع كسره في أي لحظة
رغم الموقف الذي كان فيه، نظرت إليه الهيئة المظلمة بنظرة هادئة، وكأن المأزق الذي وقع فيه لا يزعجه
جعل هذا الأمير يشعر بالقلق، لكنه دفع ذلك إلى مؤخرة ذهنه، إذ كانت لديه أسئلة كثيرة يريد إجاباتها
“من أنت؟ من أي عرق أنت؟ لمـ―”
قرش―!
كان الأمير في منتصف الجملة عندما سمع صوت تهشم وشعر بألم شديد. وعندما نظر إلى الأسفل، رأى أن جزءًا من يده قد قُضم، فتغير تعبيره بسرعة
“آآرغ!”
صرخ، وتصاعدت الفقاعات من فمه، وأفلت حلقه أخيرًا. ظهرت الهيئة المظلمة بسرعة خلف الأمير، واتصلت قبضته بظهر الأمير
بووم―!
تردد أثر الضربة عبر الماء بينما قُذف الأمير إلى الخلف، فاصطدم ببضعة صخور في البعيد. تحطمت الصخور عند الاصطدام، مما جعل عدة أسماك تتفرق هاربة من المنطقة
ظهرت الهيئة المظلمة أمام الأمير مرة أخرى، ملوحًا بسيف في يده وموجهًا إياه نحوه من جديد
‘تبًا’
تمتم الأمير بصوت خافت، واتسعت حدقتاه حين أدرك خطورة الموقف
شينيييغ―! ضربت الهيئة المظلمة مرة أخرى بقوة وسرعة باغتتا الأمير
حاول الأمير التفادي، لكن الأوان كان قد فات. شعر بألم حارق في يده عندما قُطع أحد أصابعه، وانتشر الدم الأسود في الماء
كان الأمير مصدومًا. ‘كيف يكون هذا ممكنًا؟’ تساءل
شينيييغ―!
ضربت الهيئة مرة أخرى، وبالكاد تمكن الأمير من تفادي الهجوم
خفق بجناحيه واختفى من مكانه، تاركًا خطًا طويلًا عبر الفضاء حيث كان قبل لحظة
‘لم أرَ الأمر خطأ…’
تمتم بصوت خافت
‘هذا خطير’
ضربه الإدراك بقوة ― كانت هجمات خصمه تزداد قوة وسرعة
ابتلع الأمير ريقه بصعوبة، وعيناه مثبتتان على الهيئة المظلمة. شعر بنواته تخفق وهو يدرك مدى قوة خصمه
عرف أنه يجب أن يأخذ هذا بجدية
فوووم!
ارتج الماء عندما ارتفعت الطاقة الشيطانية فجأة من جسد الأمير، مغلفة المنطقة من حوله. تمايل شعره الأسود تحت الماء، وصارت نظرته هادئة تمامًا
درس الهيئة الواقف مقابله، وأغلق عينيه للحظة، ثم فتحهما مرة أخرى. وحين فعل، لمح ظهرًا مألوفًا، ففتح كفه ومد يده نحو الظهر
‘أمسكت بك…’
فكر، لكن لسوء حظه، تحركت الهيئة في الوقت المناسب. ومع ذلك، كانت حركات الأمير أسرع
كاد إصبعه يلمس ظهره قبل أن تنطلق الهيئة إلى الأعلى كالصاروخ، تاركة الماء خلفها
أغلق الأمير عينيه مرة أخرى، وعندما فتحهما، كان فوق الماء مباشرة، أعلى الهيئة المظلمة التي كانت تندفع نحوه
لم يفكر كثيرًا بعد ذلك ورفع يده. بحركة بسيطة واحدة، هوى بمخالبه إلى الأسفل، فانقسمت الهيئة المظلمة إلى ثلاث قطع
سوووش―!
تردد صوت الضربة في الهواء بينما سقطت القطع في الماء بطرطشة خافتة
“يا للخسارة”
تمتم الأمير، محدقًا في القطع المشطورة من الهيئة المظلمة
كان تنفسه ثابتًا، ولم يستمر القتال إلا لبضع دقائق، لكن في تلك الفترة القصيرة، اختبر الأمير إحساسًا لم يشعر به منذ وقت طويل جدًا، باستثناء الأوقات التي التقى فيها بجلالته
‘الخوف’
اقترب بشكل خطير من خسارة هذه المعركة، ولولا حركته الأخيرة تلك، لوجد نفسه في وضع حرج
تقطر! تقطر!
كان الصوت الوحيد المتبقي هو صوت المطر بجانبه، وكان يخفت أحيانًا بفعل الرعد في البعيد
أبعد الأمير نظره عن الماء، وعبس وهو يتمتم في نفسه، “يجب أن أبلغ جلالـ”
قُطع كلامه في منتصف الجملة عندما أحس بوجود خلفه. التفت رأسه إلى الخلف فجأة، واتسعت عيناه بينما انكمشت حدقتاه
“ك، كيف؟!”
هتف الأمير
لأول مرة منذ وقت طويل جدًا، فقد الأمير تماسكه وهو ينظر إلى الهيئة المظلمة التي وقفت في الهواء خلفه
برد الهواء من حوله، وفتحت الهيئة المظلمة فمها أخيرًا، وكان صوته يتردد في الهواء بنذير مخيف
“استسلم… لا أستطيع أن أموت”
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

تعليقات الفصل