تجاوز إلى المحتوى
صانع دمار العالم

الفصل 10 : اختبار الجري (2).

لم يستغرق الأمر سوى بضع ساعات ليدرك زين مدى سذاجته المفرطة في التقليل من حجم الخبث البشري، وتحديداً خبث فرسان المدرسة القديمة.

“هاه… هاه… سحقاً…”

كان الأمر في ظاهره مجرد ركض. مجرد اختبار تحمل لمسافة 150 كيلومتراً.

بفضل الجسد الذي استحوذ عليه، والذي يمتلك قدرات بدنية وتوافقاً مع المانا يضعه في قمة الهرم لمن هم في مثل سنه.

اعتقد زين أن إنهاء هذه المسافة في غضون 24 ساعة سيكون أمراً ممكناً، حتى مع حزام الجاذبية السحري الذي يسحق خصره.

لكنه كان مخطئاً تماماً.

كان يلهث بشدة، ويشعر بطعم الدم المعدني يملأ حلقه الجاف. وكل نفس يسحبه يبدو وكأنه استنشاق لرماد ساخن.

مسار الاختبار لم يكن مجرد طريق ترابي مسطح داخل منشأة التدريب. لقد شمل تضاريس قاسية تم توليدها بواسطة ‘مصفوفات الوهم السحري’ العملاقة التي تغطي ساحات المنشأة.

منحدرات صخرية حادة، مسارات طينية لزجة تسحب الأقدام، وتلال رملية حارقة. خاصة في المرتفعات القاسية التي تطلبت منه الزحف تقريباً، كان يشعر بطاقته البدنية والمانا القليلة المتبقية لديه تُستنزف بمعدل مرعب.

المسافة المتبقية: 98 كيلومتراً.

الوقت المتبقي: 16 ساعة.

من الناحية الحسابية البحتة، الوقت المتبقي كان أكثر من كافٍ لقطع المسافة بخطوات ثابتة.

لكن المشكلة الحقيقية لم تكن في الوقت، بل في قدرته على التحمل… وتحديداً، في الجفاف القاتل.

خلال الثلاثين دقيقة الماضية، انخفضت سرعته بشكل ملحوظ، لدرجة أنه كان يجر قدميه جراً، وكأنه يسير في كابوس لا ينتهي.

لم يكن هذا بسبب فشله في تنظيم وتيرته. منذ البداية، قام بتوزيع جهده بحكمة، تحسباً للتضاريس الصعبة في المراحل المتقدمة.

السبب الحقيقي لانهياره كان أبسط وأكثر قذارة من ذلك بكثير.

نوايا المدرب راد الخبيثة.

‘كنت أعتقد أنهم على الأقل سيوفرون قوارير المياه المعززة بالمانا كحد أدنى للبقاء على قيد الحياة.’

فكر زين بمرارة. هذه كانت العقبة الكبرى.

على طول المسار المخصص له، لم تكن هناك أي محطة للتزود بالسوائل.

لو كان هناك حتى جدول ماء ملوث بالطحالب، لكان قد سقط على ركبتيه وشرب منه. لكن مصفوفات الوهم السحري في هذا المسار كانت مضبوطة على وضع الصحراء القاحلة. لا توجد قطرة ماء واحدة يمكن العثور عليها.

وبالطبع، عند فحصه للمعدات والحزام التكتيكي الذي أُجبر على ارتدائه، اكتشف أن بلورات الترطيب التي تُمنح عادة للمتدربين، قد تم إزالتها عمداً من حزامه.

لقد كان فخاً صريحاً وممميتاً.

في العادة، أي متدرب يخضع لاختبار تحمل بهذا الحجم يُزود بتعويذة تبريد صغيرة أو قارورة مياه.

لكنهم جردوه من كل شيء. لقد أظهروا هوساً مريضاً لضمان عدم وجود أي استثناءات أو محاباة له، لدرجة أنهم صمموا الاختبار ليكون مستحيلاً من الناحية المنطقية.

بدلاً من مواصلة تسلق التل الرملي الوهمي الذي أمامه، ترك زين جسده يسقط للخلف، مستلقياً على ظهره وسط الغبار الساخن.

لديه متسع من الوقت.

إذا استعاد أنفاسه ونظم معدل ضربات قلبه لتقليل استهلاك الأكسجين، يمكنه إكمال النصف المتبقي في غضون ثماني ساعات.

“هاه… هاه…”

زفر الهواء الساخن من رئتيه ببطء، محاولاً السيطرة على تنفسه المتقطع.

رغم اختلاف السرعة والمسافة، إلا أن هذا الإرهاق المفرط ذكره بأيام التجنيد العسكري الإلزامي، التي خاضها في حياته السابقة على الأرض قبل احتراف الألعاب.

‘هذا يجعلها المرة الثانية التي أخضع فيها لتدريب عسكري قذر… ياللسخرية.’

أن يُعامل كمنبوذ، وأن يُدفع إلى حافة الموت عطشاً في اختبار مُعدل عمداً لإسقاطه… كل هذا من أجل ماذا؟

في النهاية، هو يفعل هذا لإنقاذ هذا العالم البائس من ابتلاع صدع الهاوية. هو يحاول منع النهاية المأساوية التي ستمحو كل هؤلاء الأوغاد الذين يعذبونه الآن.

‘هل هذا حقاً ما أستحقه؟ تباً لكم جميعاً، أيها النبلاء والفرسان المتعجرفين…’

شعر زين برغبة عارمة في التمرد. رغبة في تحطيم حزام الجاذبية السحري، العودة إلى مكتب راد، وتحطيم وجهه المغرور.

‘آه… لا أعرف. سأرتاح قليلاً ثم أفكر في خطة.’

أغمض عينيه، مستسلماً للإنهاك التام.

ولكن، بعد لحظات قصيرة… شعر بنظرة خافتة تخترق الهواء من حوله، وتدفق مانا نقي جداً لا يتناسب مع هذا الوهم القاحل.

فتح جفونه الثقيلة بصعوبة، ونظر إلى الأعلى.

وما رآه لم يكن سقف المصفوفة السحرية الوهمي، بل كان تموجاً غريباً في الهواء، يشبه السراب الذي يتشكل فوق الرمال الساخنة.

وبعد ثانية، تعطلت التعويدة التي كانت أمامه، وكشفت عن شخص يقف بجانبه مباشرة وينظر إليه من الأعلى بفضول.

فتاة ذات شعر أشقر مموج ينسدل كشلال من الذهب الخالص، وبشرة بيضاء شفافة تبدو وكأنها لم تتعرض لأشعة شمس حقيقية من قبل. كانت ترتدي زياً أنيقاً لا تشوبه شائبة.

رمش زين عدة مرات.

هل يهذي بسبب الجفاف ونقص المانا؟ فرك عينيه بيده المغطاة بالغبار ونظر مجدداً.

لا، الفتاة لا تزال هناك.

انتفض من مكانه بصعوبة، ودفع النصف العلوي من جسده للجلوس، متراجعاً خطوة إلى الوراء بحذر وكأنه رأى شبحاً.

“أنتِ…”

“مرحباً؟”

لوحت الفتاة بأصابعها بابتسامة خفيفة ومرحة، وكأنها في نزهة مسائية.

تعرف زين على هويتها في جزء من الثانية.

ليفيا.

ليفيا روز فاني.

الفتاة التي سيُطلق عليها لاحقاً اسم ليفيا المتقلبة، بين أفراد فريق بطل القصة.

إنها ابنة الدوق فاني، إحدى المرشحات لتكون ضمن بطلات القصة الرئيسيات، وواحدة من أكثر الشخصيات إثارة للاهتمام والفوضى في الرواية التي كتبها.

“ما الذي تفعلينه هنا؟ ألم يتم إبلاغ الجميع بأن التدخل في اختبار متدرب آخر يُعتبر خرقاً خطيراً للقواعد؟”

سألها بصوت أجش ومبحوح.

“همم. لم أسمع بذلك.”

أجابت ببراءة مصطنعة، وهي تضع إصبعها على ذقنها.

“آه… حقاً.”

تخلى زين عن محاولة الجدال معها، وترك ظهره يسقط على الرمال الوهمية مجدداً.

لقد كانت تمتلك شخصية غريبة الأطوار، تناسب لقبها المتقلبة تماماً.

رغم كونها وريثة لواحدة من أعظم العائلات الدوقية التي تتحكم في سحر العناصر، إلا أن هدفها المعلن في الحياة كان بسيطاً ومستفزاً لأي فارس مجتهد:

“الزواج من رجل وسيم، غني، والعيش براحة ورفاهية دون بذل أي جهد أو قتال.”

إنها شخصية لا يمكن السيطرة عليها. حقيقة أنها تتجول بتعويذة تمويه بصري عالية التقنية في منتصف منشأة تدريب صارمة، هي كارثة أمنية تكفي لجعل المدربين يفقدون عقولهم.

“لماذا أنت مستلقٍ هكذا وكأنك تحتضر؟”

سألت ليفيا، وهو ما يثبت أن ظهورها المفاجئ لم يكن سوى نتيجة لفضولها المطلق وشعورها بالملل.

“لماذا برأيك؟ أنا أتلقى تعليماً خاصاً من المدربين من خلال حرماني من الماء في منتصف هذا الجحيم السحري.”

“أنت… طريقة كلامك مضحكة جداً بالنسبة لعامي.”

ضحكت ليفيا بصوت خافت يشبه رنين الأجراس، وبدت وكأنها تجد الموقف برمته مسلياً لدرجة كبيرة.

“اذهبي. لا تزعجيني.”

رغم أنه كان يجب أن يكون ممتناً لفضولها الذي كسر عزلته، إلا أنه حقاً لم يكن يملك الطاقة لمجاراتها أو التملق لها كباقي النبلاء.

في الأساس، ليس لديه أي نية للتقرب من الشخصيات المحيطة بالبطل في هذا الوقت المبكر. التورط معها الآن قد يغير مسار الأحداث بطرق لا يستطيع التنبؤ بها مستقبلا، وقد تجلب له عداوة نبلاء آخرين.

عندما لوح بيده لطردها كأنها ذبابة مزعجة، أضاءت عيناها ببريق من التسلية والعناد.

إنها حقاً تمتلك شخصية ملتوية، كلما رفضها أو تجاهلها، زاد اهتمامها به.

“هل أساعدك؟”

سألت وهي تميل برأسها.

“لا تفعلي. لا أريد أن أتورط في مشاكل إضافية مع محاكم التفتيش إذا اكتشفوا أن شخصاً آخر تدخل في اختباري. هذا الإرهاق يكفيني، على الرغم من أنني أموت عطشاً.”

“بصراحة، أنت تبدو وكأنك ستموت بالفعل.”

نظرت ليفيا إلى الأرقام الوامضة على حزام الجاذبية السحري المثبت في خصره، وتابعت حديثها بإعجاب مبطن.

“لقد تخطيت تدريب التحمل البدني اليوم وجئت للتسكع لأنني شعرت بالملل الشديد، لكنني لم أكن أعلم أنك قطعت كل هذه المسافة تحت هذا الوزن. من حيث الأرقام فقط، أنت تتفوق على جميع المتدربين في هذه المنشأة، أليس كذلك؟”

“هل هذه الأخبار جيدة ومسلية بالنسبة لكِ؟”

“ولكن، أنت ستموت حقاً إذا استمريت هكذا، ولن يرى أحد إنجازك.”

نقرَت ليفيا على جبهته المتعرقة بخفة، وبنبرة خالية من أي توتر أو التزام.

رغم أن كلماتها بدت قاسية وتفتقر للتعاطف، إلا أن نبرتها كانت تحمل نوعاً غريباً من الاهتمام الفضولي.

“هذا أفضل من أن يتم طردي بسببك. من يظن نفسه سيمر مرور الكرام بوجودك هنا؟ سحرة المراقبة يراقبون المكان.”

“لا تقلق. لقد قمت بتفعيل حقل تشويش بصري وحراري من الدرجة العالية. لا أحد يستطيع رؤيتنا عبر بلورات المراقبة.”

“آه… هكذا إذن.”

تمويه بصري سحري متقدم. قدرة تسمح للمستخدم بإخفاء جسده وتوقيعه السحري بالكامل. إنها ليست مجرد تعويذة بسيطة، بل هي نتيجة لتلاعب دقيق وعالي المستوى بعناصر النور والهواء.

بدافع الفضول لمعرفة مستواها الحالي مقارنة بإيفيلين، ركز زين نظره عليها ووجه بعض المانا إلى عينيه لتفعيل مهارته.

____

[ليفيا روز فاني]

[الجنس: أنثى]

[العمر: 17]

[الفئة: ساحرة عناصر عليا]

[القدرة القتالية الشاملة: 201]

[سعة نواة المانا: 49/100]

[الألقاب]

– وريثة سحر التحكم البيئي.

– صانعة المشاكل الفضولية.

[المهارات]

• التلاعب الجوي والمائي المتقدم (S) : ★★☆☆☆

• التمويه (A) : ★☆☆☆☆

____

‘التلاعب الجوي والمائي المتقدم من الرتبة S.’

فكر زين بصدمة. إنها قدرة جوهرية من نفس رتبة القدرات التي يمتلكها.

مهارة غش تسمح لها بتكثيف، تفكيك، والتحكم في جزيئات الهواء والسوائل المحيطة بها دون الحاجة إلى القاء تعاويذ طويلة أو استخدام عصا سحرية.

التمويه البصري الذي تستخدمه الآن ليس سوى تطبيق بسيط وعابر لهذه القدرات المرعبة.

‘سعة نواة المانا تقارب الخمسين… هذا مذهل حقاً لفتاة في السابعة عشرة.’

نافذة الحالة أظهرت إحصائية إضافية لم يرها عند أي شخص أخر من قبل، وهي سعة نواة المانا. هذا المؤشر يحدد كمية السحر التي يمكن للساحر تخزينها واستخدامها قبل الانهيار.

قدرتها القتالية الحالية تضعها في مستوى متقارب جداً مع إيفيلين، التي تصنف كالأولى على الدفعة في القتال الجسدي بالسيوف.

هذا الجيل مكدس بالوحوش حقاً. مواهب فذة لدرجة أنه حتى لو تركهم وشأنهم، فمن المحتمل أن يكونوا قادرين على تقديم أداء مبهر في المعارك النهائية ضد الهاوية.

“آه، افعليها إذن.”

“افتح فمك قليلا.”

وبينما كان زين يفتح فمه بصعوبة وبدافع رد الفعل التلقائي للعطش، حركت ليفيا إصبعها بحركة خفيفة وأنيقة، وكأنها تعزف على آلة موسيقية غير مرئية.

فوق رأسه مباشرة، تجمعت جزيئات الرطوبة القليلة جداً في هذا الوهم القاحل، وتشكلت فقاعة ماء نقية وباردة بحجم كرة القدم.

سبلاش!

أسقطت كرة الماء الثقيلة على وجهه مباشرة.

صدمة باردة ومنعشة ضربت حواسه كلها. التهم زين المياه التي تسربت إلى فمه بجشع، وابتلعها وكأنها إكسير الحياة الأسطوري. الجفاف الذي كان يمزق حلقه اختفى في لحظة، وبردت حرارة جسده المحترق.

مسح الماء البارد الذي غمر شعره ووجهه، ونظر إلى ليفيا التي كانت تضحك باستمتاع طفولي وهي تنظر إلى مظهره المبلل كفأر غارق.

لم يكن يعرف ما إذا كان يجب عليه شكرها لإنقاذ حياته، أم توبيخها على هذا التصرف المفاجئ والمهين قليلاً.

“هذه هدية مني. يبدو أنك شخص غريب جداً، وأشعر أن البقاء بالقرب منك سيكون مسلياً في هذه المنشأة المملة. تأكد من اجتياز هذا الاختبار ولا تمت.”

“شكراً لكِ، أيتها الفوضوية.”

لا يعرف إن كان هذا مديحاً أم شتيمة، لكنه الوصف الأنسب لهذه النبيلة.

على أي حال، لقد أنقذت حياته، أو على الأقل، أنقذته من فشل محقق كان سيقضي على خططه.

“هل تريد المزيد؟”

سألت بابتسامة ماكرة.

“نعم.”

هذه المرة، أسقطت كرة ماء أكبر وأبرد.

قام زين بتلقفها بيديه، وشرب حتى ارتوى تماماً، ثم وقف ببطء ونفض الماء والغبار عن زي التدريب الخاص به، شاعراً بالطاقة تعود لتتدفق في عروقه ببطء.

“إذا تم الإمساك بي بتهمة الغش واستقبال مساعدة خارجية بسببك، فسوف أستخدمك كعذر. سأقول إن ابنة دوق فاني أجبرتني على ذلك بتهديد سحري. نفوذ عائلتك يكفي لحمايتي من الطرد، أليس كذلك؟”

تحدث زين وهو يتخذ وضعية استعراضية ساخرة، متحدياً كبرياءها.

“ماذا؟”

اتسعت عيناها بصدمة من وقاحته.

“لذا، لماذا ظهرتِ فجأة وقمتِ برش الماء عليّ؟ شكراً لكِ على أي حال، لكنني سأورطك معي إذا سقطت.”

“… أنت حقاً لقيط مضحك ووقح، أليس كذلك؟”

“بما أنكِ هنا وتمتلكين هذه الموهبة العظيمة، ماذا لو صنعتِ لي بركة ماء صغيرة في مكان قريب من مسار عودتي؟ سأشرب منها عندما أصل إلى هناك.”

“على الأرض؟ هل أنت مجنون؟ هذا قذر جداً!”

اشمأزت ليفيا.

“لا بأس. في وضعي هذا، سأشرب حتى لو كان الماء ملوثاً بالطين والوحل.”

“أوه… مقزز. حسناً، سأفعل ذلك فقط لأرى إن كنت ستشرب كالحيوانات حقاً.”

“شكراً لكِ. سأرد لك هذا الدين بالطريقة المناسبة لاحقاً. من الأفضل أن تتذكري ذلك.”

“سأتذكر. حظاً موفقاً أيها العامي المتبجح.”

لوح لها زين بيده كتحية وداع، ثم استأنف الركض الثقيل دون إضاعة المزيد من الوقت.

بمجرد أن زال العطش الخانق وأخذ قسطاً قصيراً من الراحة، شعر وكأن جسده قد أصبح أخف وزناً قليلاً، رغم بقاء حزام الجاذبية.

واصل الركض.

رغم أن الهواء داخل المصفوفة الوهمية كان حاراً، إلا أن العرق كان يتصبب من كل مسام جسده، مختلطاً ببقايا الماء البارد الذي أسقطته ليفيا.

كلما تناقصت المسافة المتبقية على جهاز القياس السحري، كان الشعور بأنه يستنزف سنوات من عمره يزداد قوة.

لكن، على النقيض من جسده المنهك الذي يصرخ من الألم، أصبح عقله أكثر صفاءً وحدة وتركيزاً.

وجود ليفيا لم يكن مجرد صدفة أنقذته من العطش.

لقد كانت تذكيراً حياً له.

هذا العالم الذي صنعه بكلماته.

الشخصيات التي ابتكرها بيده.

والهدف الأعظم الذي أُلقي بنفسه هنا من أجله، إكمال هذه الحياة الثانية ومنع النهاية الكارثية.

حتى في المواقف المخطط لها، يتدخل المتغير المسمى ليفيا المتقلبة، ليثبت وجوده كشخصية حية تتنفس، تمتلك إرادة حرة، تماماً كما كان يكتبها لتتدخل من أجل المتعة والفوضى.

*

الآن، لم يتبق سوى 27 من الكيلوميترات

كما وعدت، كانت ليفيا قد صنعت بركة صغيرة من الماء النقي في طريق عودته، مخفية بين الصخور.

قامت بحفر حفرة صغيرة بالسحر، ورصت بعض الحجارة النظيفة حولها لمنع تلوث الماء بالتراب، وملأتها بالماء المكثف البارد.

عندما وصل زين إليها، شرب ما يكفي لترطيب حلقه مجدداً، ومسح بقايا الطين عن وجهه الشاحب.

بغض النظر عن العطش الذي تلاشى، كان جسده قد وصل بالفعل إلى حدوده القصوى في تحمل الجاذبية والإرهاق العضلي، لكن فكرة الاستسلام لم تعد تراوده إطلاقاً.

كما قالت المدربة جينيسكا، هذا الاختبار لم يكن مجرد تحدٍ للجسد، بل كان تحدياً للإرادة والعقل.

اختبار يمكنه اجتيازه، فقط إذا رفض الانكسار أمام نواياهم.

“هاه… هاه…”

الأنفاس الخشنة التي كانت تخرج من صدر زين تبدو وكأنها حشرجة موت.

جسده كان ثقيلا كالجبل، ولم يعد يشعر بساقيه اللتين تتحركان بآلية محضة. الملابس المبللة بالعرق كانت تلتصق به كالأوزان الإضافية.

الشتائم لا تتوقف عن التسرب من بين شفتيه مع كل خطوة.

أولئك المدربون الذين حاولوا منعه وإذلاله. الأوغاد الذين لا يعرفون حتى أنه هو صانع هذا العالم.

الشيء الوحيد المؤكد في عقل زين الآن، هو شيء واحد فقط.

إنقاذ هذا العالم ليس واجبه المطلق.

إنه مجرد خياره الشخصي.

إذا بقي مكتوف الأيدي، فإن فصائل الهاوية ستنتصر لا محالة وستبتلع الجميع.

فلماذا يزعجونه هو، الشخص الوحيد الذي اختار السير في هذا الطريق الصعب لإنقاذهم؟

بصراحة، إذا ساءت الأمور تماماً وأدار الجميع ظهورهم له، يمكنه الانضمام إلى جانب الهاوية، وتعلم سحر الظلام، وبيع الجميع لإنقاذ حياته الخاصة.

‘على الرغم من أنني حقاً لا أريد أن أصل إلى هذا الحد من الانحطاط.’

فكر بمرارة.

تلك الكيانات المجنونة في الهاوية التي تسعى لإبادة البشرية، وإذا لم يمنعها هو، فلن يتبقى من هذا العالم سوى الرماد والخراب في المشهد الأخير، ولن يكون للنجاة أي معنى.

بذل كل هذا الجهد الميت لإنقاذ حياته الثانية التي حصل عليها بصعوبة، والتي تمت أهانتها هكذا، كان أمراً يرفضه بشدة، كلاعب محترف يكره الخسارة.

ولكن على الأقل.

على الأقل.

من الآن فصاعداً، كل من يعامله ككلب في هذا العالم، سيرد له الجميل، وسيعضه ككلب مسعور لا يرحم.

سواء أكانت القصة الأصلية تتطلب ذلك أم لا، طالما أنه سيستخدم أي وسيلة للفوز والبقاء، فما المشكلة؟

سيُريهم حقاً ما يعنيه الجنون المطلق، لكاتب قرر أن يلعب دور الشرير لإنقاذ العالم.

✦ انتهى الفصل ✦

هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.

تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .

مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

التالي
10/27 37.0%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.