تجاوز إلى المحتوى
صانع دمار العالم

الفصل 12 : إختيار الأسلحة.

قطرات المياه الباردة كانت تنهمر بغزارة على جسد زين المنهك، لتغسل مزيج الطين، العرق، والرمال الوهمية التي التصقت به خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية.

مستنداً بيده على الجدار الحجري البارد لغرفة الاغتسال المشتركة، أغمض عينيه وترك المياه تخفف من حدة الألم الذي يمزق عضلاته.

لقد نجا بأعجوبة من أول فخ قاتل وُضع في طريقه، لكن عقله لم يكن مشغولاً بانتصاره الجسدي، بل بالصدمة التي تلقاها في غرفته قبل قليل.

لوتيان.

الناجي الأخير من عشيرة الليل الأزلي.

وجود ذلك الفتى في منشأة تدريب للمبتدئين كان يكسر كل قواعد الرواية التي كتبها.

لكن، بعد أن هدأ واستوعب رسالة النظام السحرية، أصبحت الصورة واضحة تماماً في ذهنه.

هذا العالم الذي خلقه لم يكن مثالياً.

لقد كتب قصة مليئة بالثغرات الحبكية والعيوب المنطقية. وما تفعله ‘إرادة العالم’ الآن هو ترقيع تلك الثغرات بطريقة تضمن استمرار الوجود.

غياب قوة هائلة كقوة لوتيان عن الساحة كان سيعني دمار القارة قبل الأوان، لذا تدخل العالم بنفسه لسحب هذا الوحش المنعزل ووضعه في قلب الأحداث بجوار بطل القصة.

‘سواء كان يكره البشر أو يحتقر النبلاء… هذا لا يهم الآن.’

فكر زين ببرود وهو يمسح المياه عن وجهه.

طالما أن لوتيان يتواجد في نفس الدفعة، بل وفي نفس الغرفة، فهذا يعني أن زين يمتلك بطاقة فوز أسطورية بين يديه.

ورغم أن الفتى يمتلك طبعاً سيئاً ونظرات تقطر بالقتل، إلا أنه في النهاية سيكون أحد أهم الأعمدة في الحرب ضد الهاوية.

إذا تمكن زين من ترويض هذا الوحش أو توجيهه بطريقة ما، فإن فرص النجاة سترتفع بشكل كبير.

أغلق صنبور المياه السحرية، ولف منشفة خشنة حول خصره، ثم التقط زي التدريب النظيف الذي وُفر له وتوجه نحو الممر.

أوه! لقد نجحت في التسلل إذن!”

وبمجرد خروجه، وفي الممر الحجري المظلم قليلاً، اصطدم وجهاً لوجه بشخص مألوف.

الفتاة ذات التمويه البصري، ليفيا روز فاني.

كانت ترتدي ملابس تدريب خفيفة، وشعرها الأشقر كان لا يزال رطباً، مما يدل على أنها أنهت حمامها للتو في الجناح المخصص للفتيات، والذي يقع في المبنى المجاور.

“سمعت أنك نجحت في اجتياز ذلك الاختبار المجنون. هل تم تخصيصك لهذا المهجع؟”

سألت بابتسامة فضولية.

“ألا تعتقدين أن مصطلح التسلل رخيص جداً لوصف ما مررت به؟ على أي حال، شكراً على المساعدة سابقاً.”

أجابها زين بهدوء. بالطبع، كلماتها كانت مستفزة كعادتها، لكنه لاحظ سرعة استيعابها للوضع. إنها فتاة ذكية للغاية رغم تصرفاتها الطائشة.

“هيه. رغم أننا في مباني المهاجع، ألا تعتقد أنّ التجول وأنت نصف عارٍ هكذا أمر غير لائق؟”

أشارت ليفيا بإصبعها نحو صدر زين العاري ومنشفته التي يعلقها على رقبته.

كان زين معتاداً على حياة الثكنات العسكرية في عالمه الأصلي، حيث يتجول الجنود بنصف ملابسهم دون اكتراث، لذا لم يعر الأمر اهتماماً كبيراً.

“آه…لم أكن أعلم أن ممرات المباني متصلة ببعضها بهذا الشكل. المعذرة.”

نسي زين بأنه كتب إعدادا كهذا، إشراك الممرات لتضفي جوا رومنسيا في الرواية، بحجة أن الفرسان و السحرة يجب أن يلتقو ببعضهم حتى لو كانو بأجناس مختلفة.

‘يالي من كاتب منحرف، كيف لي كشخص منتظم أن أكتب إعداد كهذا.’

“لا بأس. المنظر ليس سيئاً في الواقع. هل يمكنني لمس عضلاتك مرة واحدة؟”

سألت ليفيا بجرأة وبإبتسامة لعوبة.

“هل فقدتِ عقلكِ؟”

“لماذا أنت بخيل هكذا؟”

“في طريق عودتك، احذري من التعثر في الظلام.”

رد زين ببرود وواصل سيره متجاوزاً إياها.

طقطقت ليفيا بلسانها وكأنها تشعر بالأسف لتفويت فرصة لإزعاجه أكثر، ثم اختفت في الممر.

‘يا لها من شخصية غريبة الأطوار حقاً.’

فكر زين وهو يراقبها تبتعد. رؤية فتاة نبيلة تتصرف بوقاحة واندفاع هكذا أمر يصعب قبوله في مجتمع محافظ كالمجتمع الذي بناه.

*

في صباح اليوم التالي.

أشرقت شمس باردة على منشأة التدريب، وتجمع ألف متدرب في الساحة الكبرى، يقفون في صفوف متراصة بدقة.

رغم أنهم كانوا في الأمس يتهامسون ويتذمرون كأطفال في المهاجع، إلا أن وقوفهم الآن بظهور مستقيمة ووجوه متوترة أثبت أن أسبوعين من التدريب القاسي قد صقلت انضباطهم.

على المنصة الحجرية المرتفعة، وقف القائد راد بملامحه الصارمة، وإلى جانبه المدربة جينيسكا والمدرب كريك.

“اليوم يمثل نهاية مرحلة التكيف البدني، وبداية التدريب الفعلي على السلاح والتكتيكات.”

صدح صوت راد في أرجاء الساحة المعززة بتعويذة تضخيم الصوت، وجعل الهواء يرتجف.

“قبل أن نبدأ، لدي إعلان هام. كما تعلمون، لقد قمنا بتصفية أعدادكم خلال الأسبوعين الماضيين ليبقى ألف متدرب نخبوي. ولكن…”

ضاق نِصفا عيني راد، ووجه نظرة باردة نحو المكان الذي يقف فيه زين.

“بالأمس، التحق بنا متدرب جديد بواسطة واسطة. هذا يعني أن العدد الإجمالي الحالي أصبح ألفاً وواحد.”

شعر زين بوخزة خفيفة في مؤخرة عنقه. كان يعلم أن هذا الوغد لن يدعه يمر بسلام، لكنه تساءل أي حيلة قذرة سيستخدمها الآن.

“في التدريبات القادمة، وخصوصاً محاكاة الغارات ضد الهاوية، يتم تقسيم المتدربين إلى مجموعات سحرية مكونة من أربعة أفراد لضمان التوازن بين الهجوم، الدفاع، والدعم. وجود رقم فردي يكسر التشكيلات المثالية.”

ابتسم راد ابتسامة لا تصل إلى عينيه.

“لذا، وحفاظاً على التوازن… سيتم طرد المتدرب الذي حصل على أدنى تقييم خلال الأسبوعين الماضيين.”

صمت مميت ساد الساحة.

“المتدرب بارسونز. اجمع أمتعتك وغادر المنشأة فوراً. يمكنك المحاولة مجدداً في العام القادم.”

تلاشت حالة الانضباط في ثانية واحدة، وبدأ الهمس ينتشر كالنار في الهشيم بين صفوف المتدربين.

الطرد بسبب نقص الكفاءة كان مقبولاً، لكن أن يُطرد شخص عانى لأسبوعين فقط لكي يُفسح المجال لوافد جديد لم يتذوق مرارة التدريب معهم… هذا كان قمة الظلم.

وجه زين نظره نحو مصدر الضجة. كان المتدرب المسمى بارسونز يقف هناك، ووجهه محتقن بالدماء والدموع تتجمع في عينيه، بينما ينظر إليه زملاؤه بشفقة.

‘هذا ليس صحيحاً… هذا قاسٍ جداً.’

فكر زين، وهو يشعر بالمرارة تتصاعد في حلقه. لقد فهم الآن ما يفعله راد. القائد لم يكن يهتم للتشكيلات السحرية حقاً، بل كان يرمي الطعم لخلق عدو مشترك للدفعة بأكملها.

“هذا ظلم!”

انطلق صوت جهوري وسط الساحة، وكسر حاجز الخوف.

لا إله إلا الله محمد رسول الله. مـركـز الـروايـات يذكركم بذكر الله. markazriwayat.com

رفع زين رأسه ليرى بطل القصة، إيثان، يخرج من الصف بخطوات ثابتة ورافعاً يده باعتراض.

نطق إيثان بالكلمات التي كان يجب أن يقولها كبطل يدافع عن العدالة.

“لا يوجد أي مبرر لهذا الطرد أيها القائد! لقد تم تقييمنا على أساس البقاء، وإذا كان التشكيل الرباعي عائقاً، فيمكن تشكيل مجموعة من خمسة أفراد، أو حتى مجموعة من ثلاثة! طرد متدرب كافح معنا فقط لتصحيح رقم هو أمر غير مقبول!”

تبادل المتدربون النظرات، وبعضهم أومأ برأسه موافقاً على كلمات إيثان الجريئة.

لكن راد لم يهتز. نظر إلى إيثان من أعلى المنصة باحتقار بارد.

“أجبني، أيها المتدرب إيثان. هل قواعد التشكيل وُضعت للراحة أم للبقاء؟”

“… وُضعت للبقاء، سيدي.”

“إذن، إذا تم إرسال فريقك المكون من ثلاثة أفراد لمواجهة وحش هاوية متقدم، ومُزقت أجسادكم لعدم وجود ساحر دعم في التشكيل، فهل ستشكو للهاوية من الظلم؟”

صمت إيثان، عاجزاً عن الرد على هذا المنطق الملتوي القاسي.

“الطرد قرار نهائي. ومن لديه اعتراض آخر، يمكنه حزم أمتعته ومرافقة بارسونز إلى الخارج.”

أغلق راد باب النقاش بضربة سيف قاطعة.

تراجع إيثان إلى مكانه وهو يعض على شفتيه بقهر، بينما تحولت مئات النظرات من التعاطف مع بارسونز، إلى نظرات كراهية وحقد موجهة نحو شخص واحد في الساحة.

نحو زين.

كانت النظرات حارقة، كالإبر التي تنغرز في ظهره.

‘انظروا إليّ بوضوح، أيها الأوغاد.’

فكر زين وهو يرفع ذقنه، محافظاً على تعابير وجهه خالية من أي مشاعر.

لم يخفض بصره، ولم يظهر أي ندم مصطنع. كان يعلم أن أي إظهار للضعف الآن سيجعله فريسة سهلة لهذه الذئاب الشابة.

‘أنت تلعب بمهارة يا راد. لقد جعلتني العدو العام الأول في أول يوم لي. لكن لا بأس، سأرد لك هذا الدين مضاعفاً عندما يحين الوقت.’

أخذ زين نفساً عميقاً، متجاهلاً النظرات العدائية، وركز على ما هو قادم.

*

مرت يومان من التدريب على وضعيات القتال الأساسية.

في غرفتهما، وبعد انتهاء يوم شاق من التلويح بالأسلحة الخشبية، سأل زين زملاءه.

“ماذا ستختارون غداً؟”

غداً كان اليوم الحاسم لاختيار السلاح الرئيسي. القرار الذي سيتخذه المتدرب هنا سيحدد مساره طوال فترة تواجده في الأكاديمية الملكية لاحقاً.

لوتيان، كعادته، تجاهل السؤال تماماً وبقي يحدق في السقف بعينيه البنفسجيتين في صمت مطبق.

“لا أعلم… ربما سأختار شيئاً خفيفاً لا يتطلب الكثير من القوة البدنية.”

أجاب كورين، وريث التجار، بابتسامة متكلفة تخفي يأسه.

التفت زين نحو أرغوس، المزارع الضخم الذي كان يمسح العرق عن عضلاته المفتولة.

“ماذا عنك يا أرغوس؟”

“فأس قتال.”

أجاب أرغوس بصوته الخشن والمختصر.

“فأس؟ لماذا؟”

“لأنني معتاد على استخدامه. كنت أقطع به أشجار الصنوبر في مزرعتنا.”

ابتسم زين بخفة. سلاح مباشر ووحشي يناسب بنيته تماماً. لا يمتلك أي مهارات سحرية معقدة، لكن قوته الغاشمة ستكون كافية لتحطيم دروع الأعداء. سيكون درعاً لحمياً ومهاجماً لا يستهان به في الخطوط الأمامية.

“اختيار موفق، لكن دعو هذا الأخ أن يقدم لكم نصيحة.”

*

في اليوم التالي، فُتحت أبواب مستودع الأسلحة الكبرى.

كان المشهد يحبس الأنفاس. صفوف لا تنتهي من السيوف اللامعة، الرماح الطويلة، الفؤوس الثقيلة، الصولجانات السحرية، وحتى الأقواس المنحوتة من أخشاب نادرة.

كان لدى المتدربين متسع من الوقت لتجربة الأسلحة واختيار ما يتوافق مع تدفق المانا الخاص بهم.

‘ماذا يجب أن أختار؟’

سأل زين نفسه وهو يمرر أصابعه على نصل سيف طويل.

في مسودته الأصلية، كان البطل أو الشخصيات الجانبية القوية تميل دائماً للسيوف الفاخرة أو الرماح العظيمة التي تبرز القوة والفروسية.

بالنسبة لزين، جسد ‘ران’ يمتلك سرعة فائقة، مرونة عالية، وقدرة تحمل مرعبة. كان من الممكن أن يختار سيفاً مزدوجاً أو رمحاً ودرعاً كما تخيل في البداية ليكون مقاتلاً متوازناً.

لكن، عندما راجع المهارات المخفية التي يمتلكها، تغيرت معادلته التكتيكية تماماً.

مهارة [وقت الصيد] تتطلب منه البقاء في المعركة لأطول فترة ممكنة لزيادة قوته السحرية والجسدية. إذا انخرط في قتال قريب ومباشر منذ الثانية الأولى، فقد يتعرض لإصابة قاتلة تنهي حياته قبل أن تتراكم قوة المهارة.

ومهارة [عين الافتراس] تمنحه القدرة على رؤية نقاط الضعف القاتلة وتدفق المانا المكسور للعدو.

علاوة على ذلك، لقد حصل للتو على سلطة [خطوة الظل]، والتي تسمح له بالتحرك بخفة في الظلام والانقضاض من الأماكن العمياء.

بدمج هذه المعطيات الثلاثة، ظهرت صورة لأسلوب قتال غير تقليدي، أسلوب يتناقض مع الفروسية، لكنه يمثل ذروة الكفاءة والفتك.

‘القتال من مسافة بعيدة لجمع الوقت وتراكم القوة بأمان، ثم القتل بضربة واحدة حاسمة وعن قرب شديد.’

تجاوز زين رفوف الرماح والدروع الثقيلة، واتجه نحو قسم الأسلحة الخفيفة والمقذوفات.

توقفت خطواته أمام سلاحين.

الأول كان قوساً مركباً ومصنوعاً من خشب ‘شجرة الرماد السحرية’، يتميز بمرونة هائلة وقدرة على توجيه المانا عبر أوتاره لإطلاق أسهم صامتة وفتاكة من مسافات بعيدة.

والثاني، كان خنجراً داكناً منحوتاً من ‘فولاذ الهاوية’ النقي، نصله قصير لكنه مصمم لاختراق الدروع السحرية وتمزيق اللحم من مسافة قريبة جدا.

القوس والخنجر.

طول وقصر. مدى بعيد جداً ومدى قريب جداً.

إنه تناقض جميل وخطير. اختيار يتطلب سرعة بديهة، حسابات دقيقة للمسافات، وقدرة على تغيير إيقاع المعركة في جزء من الثانية، وهي مهارات يمتلكها لاعب استراتيجي محترف كزين في دمه.

مد زين كلتا يديه.

باليد اليسرى قبض على القوس بقوة، وباليد اليمنى سحب الخنجر الداكن من غمده.

شعر بتدفق المانا يتناغم مع كلا السلاحين في لحظة واحدة.

‘لن أكون فارساً نبيلاً يقف في الطليعة.’

ابتسم زين في سره، وخطا نحو ساحة التسجيل.

‘سأكون الصياد الذي ينتظر في الظل، ينهك فريسته من بعيد، ثم يقطع عنقها قبل أن تدرك موتها.’

✦ انتهى الفصل ✦

هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.

تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .

مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

التالي
12/27 44.4%
السابق
صفحة الرواية

يمكنك حفظ هذه الرواية في مكتبتك للعودة إليها بسرعة.